30/04/2009
 

 
القذافي ومسألة التوريث
 
بقلم: محمد أمين العيساوي

أرشيف الكـاتب


 
 
منذ أن برز سيف الاسلام في الساحة الليبية بمشروعه الدعائي "ليبيا الغد" الذي لم يتجاوز مخارج صوته في الداخل، ولم يتعد حدود التسوية الغير محددة الثمن خارجيا، والتي أشبه ما تكون عندي بجريمة غسل الأموال، حيث قام سيف نيابة عن أبيه بغسل تصرفاته سيئة السمعة مع أميركا والغرب، وطي صفحات سجلها الأسود مقابل المليارات التي سددّت لتبييض وجهه، محاولة لإعادة تأهيله من جديد كعملة قابلة للتداول في المجتمع الدولي.
 
منذ تلك الفترة، وبسبب ذلك اللّمعان الذي أصبغه الأب على إبنه كمكياج ليلي في سهرة صاخبة، يزول مع بواكير الصباح، بدأ الحديث عن مسألة التوريث يجد طريقه في وسط المعارضة وبقراءات مختلفة، وصل بعضها تحث وطأت تأثير لقاء المعتصم بوزيرة الخارجية الأمريكية مؤخرا، إلى حدّ تصور التوريث أمرا واقعا في الحالة الليبية [1]، والحقيقة أنني كلما إستمعت الى هذا الحديث بقراءاته المختلفة، وجدته يشكل صوتا نشازا في سيمفونية النظام لا يستسيغه السمع، فكلما حاولت أن أضع فكرة التوريث هذه في إطار منظومة النظام القائمة أجد أن هذه المنظومة المقفلة سرعان ما ترفضها، ولا توجد بها فجوة تمكّنها من إستعابها. اللهم إلاّ إذا أجري تعديلا جوهريا على تلك المنظومة يمكنها من إستعاب فكرة التوريث، وهو ما لم يحصل، ولن يحصل مادام القذافي على قيد الحياة، فحتى مشروع الميثاق - الذي لا أعتقد أنه سيرى النور -، بصياغته التي تم تسريبها في وقت سابق والمعدلة من قبل لجنة الخبير - تجاوزا - أبوثوتة، لم أجد فيه ما يعالج هذه المسألة [2]، الأمر الذي يجعلني على يقين بأن القذافي لم يفكر في مسألة التوريث، وأن هذه المسألة لم تكن محور تفكيره في كل ما شاهدناه من أحداث مسلسلة منذ بروز سيف الى لقاء المعتصم بوزيرة الخارجية الأمريكية، وقد أكون على خطأ في قرائتي هذه التي سأحاول عرضها من خلال هذا المقال، ولكن قبل ذلك أريد أن أستهلها بمشهد قد يذكره البعض، يبين بوضوح كيف يتعامل القذافي مع أبنائه حينما يشتم منهم رائحة الخطر أو يخرج أحدهم عن الخط المرسوم له.
 
في أوائل التسعينات - لا أذكر السنة بالتحديد - قام المعتصم وهو الأرعن والأكثر تهورا بين أبناء القذافي بتحريك دبابات كتيبته المعروفة بإسم "الكتيبة 72" إحدى الكتائب الأمنية التي تشكل القوة الضاربة للنظام، والصعود بها الى الجبل الغربي، دون علم وإذن من القيادة، مخالفا بذلك الأمر العسكري الذي يحظر التحرك بالآليات الى تلك المنطقة، فماذا كان رد فعل القذافي حينما علم بالواقعة ؟
 
لقد كان رد فعله عنيفا، حيث قام بتوبيخ أبوبكر يونس، والخروبي، كما قام بإستدعاء خليفة مصباح وهو من الضباط الذين عرفوا بالضباط الأحرار، والذي كان وقتها مديرا للإستخبارات العسكرية ووبخه بكلام سوقي ينأ قلمي عن ذكره، وسأكتفي بهذه الجملة التي هي بيت القصيد، حينما رد بها القذافي على تبرير خليفة مصباح بعدم إعتراض المعتصم لأنه إبنه، فرد عليه بأن (أمير قطر اللي دار عليه إنقلاب إبنه مش حد آخر يا...!!!) وبالطبع خسر خليفة مصباح منصبه كمدير للإستخبارات العسكرية ونقل الى موقع عسكري هامشي.
 
إن هذا المشهد يبين لنا بوضوح الهاجس الأمني للقذافي فهو يتوجس الخطر من أى مصدر كان حتى من أقرب أقاربه وهم أبناؤه، كذلك فإن نرجسيته المفرطة والتي توّهم من خلالها زعامته وخلودها لا تجعله يلغي كل من يريد أن يشاركه فحسب، بل لا يفكر في من يخلفه، فالخليفة فكرة أبعد ماتكون عن عقله وآلية تفكيره، حتى إبنه سيف حينما شعر بأن لعبة الأنفتاح التي قام بها تحت نظره على المعارضة بغية تهجينها وقطع أى جسور يمكن أن تمدها إلى الداخل قد تنحرف هذه اللعبة عن مسارها، بقدوم الدكتور (ابوفايد) وتصريحه بالإعتصام في (ميدان الشهداء)، نجده سرعان ما تدخل وأمر بسجنه - أى (ابوفايد) - في قضية تابعنا جميعا فصولها، صاحبها إستعراض لقوى الحرس الثوري وخطاب ناري في سبها ضمنه هجوم شرس ضد مواقع المعارضة على الإنترنيت، فالقذافي في لعبته مع إبنه سيف يريد أن تتساقط أوراق الخريف تحث قدميه، لا أن تينع بذور الأمل في ميدان الشهداء.
 
إن هذا الهاجس الأمني والتوجس من أى خطر يداهم سلطته وزعامته التي أوهمها له البعض وهو مصدق ذلك، جعلاه يبتدع لحكمه نظاما "سياسيا" في ظاهره و"أمنيا" في جوهره ومضمونه، وهو الذي سماه (بسلطة الشعب) دجلا وإفتراءا، فنظام سلطة الشعب المبني على فكرة (المؤتمرات الشعبية)، هو نظام مغلق يمارس من خلاله إستبداده بإسم "الإستبداد الشعبي" نسبة الى "الحكم الشعبي"، لا يتولى القذافي فيه أى منصبا ظاهرا وقابل للتوريث. وإذا ما حللنا المكونات الفعلية لهذه المؤتمرات الشعبية سنجدها ليست مكونات سلطة أي ليست لممارسة السلطة، وإنما هي أدوات إما للسيطرة أو للحشد، وأنظر معي الى هذه المكونات، ستجدها في كل مؤتمر شعبي، أمانة للمؤتمر هى في حقيقتها أداة للسيطرة والحشد، فريق للعمل الثوري أداة للحشد، منسق للقيادة الشعبية أداة للحشد والسيطرة الإجتماعية، المربع الأمني أداة للضبط والسيطرة، وعلى مستوى الشعبيات تبرز الروابط والإتحادات، أماناتها هي أدوات للحشد والدعاية الفاضحة، وجميع هذه الأدوات مرتبطة بتسلسل هرمي يصلها جميعا بالأدوات المتلقية للأوامر والتعليمات والتوجيهات الصادرة من "دولة القلم"، حيث يتربع القذافي على عرش السلطة الفعلية، هكذا نجد أن نظام القذافي مبني على "مؤسسة القلم" التي لا يوجد مجال للقول بالوراثة فيها، فالوريث لا بد وأن يرث شيئا ملموسا و"مؤسسة القلم" التي هي غير مؤسسة الرئاسة أى ليست بمنصب سياسي هي ليست بالشيء الملموس الذي يورث، فهل ستورث الثورة.. وهل الثورة تورث!؟ وهل ستورث قيادتها التي في عرف ومنهج النظام هي مثل حرف القاف في كلمة القرن لا تأتي إلا مرة واحدة!؟؟. فماذا سيرث هذا الذي نتوهم وراتثه، هل أمانة مؤتمر الشعب العام، التي هي سكرتارية وأداة سيطرة، أم أمانة اللجنة الشعبية العامة التي هي مجرد أداة تنفيدية لدولة القلم بدرجة موظف عام سامي مؤهل للفساد.
 
إذن في ظل هذا النظام المغلق التي تنعدم فيه المؤسسة والآلية القانونية القابلة للتوريث والمهيئة له، كيف يمكن لنا أن نستسيغ فكرة التوريث التي يحاول أن يقنعنا بها البعض مع عدم إستعاب بنية النظام لها؟.
 
الكثير عند حديثه عن مسألة التوريث، أجده يجري المقارنة بالنظامين السوري والمصري، والحقيقة أني لا أجد أي وجه للمقارنة بين نظام القذافي والنظامين المذكورين، فهو لا يتفق معهما سوى في عنصر الإستبداد والعسف، وفيما عدا ذلك أجد نظام القذافي نسيج وحده يختلف إختلافا جوهريا معهما، فتلك الأنظمة رغم إتصافها بالدكتاتورية والشمولية وبكل مسميات القائمة الرديئة في النظم السياسية، إلا أنها تظل دولة مؤسسة وتعمل بآلية دستورية، فبشار الأسد ورث الحكم من أبيه بآلية دستورية كيفما كانت [3]، وهو ورث مؤسسة الرئاسة (رئاسة الجمهورية)، وجمال مبارك يمكن في ظل الوضع الدستوري القائم في مصر أن يخلف أبيه بآلية دستورية، وهو أيضا سيرث مؤسسة الرئاسة، وفي ظل إنعدام مثل هذه الآداة أو المؤسسة التي ستورث في نظام القذافي، وفي ظل غياب الآليات القانونية التي تسمح لها بالتوريث، فإن الحديث عن مسألة الوراثة يظل بعيدا عن الواقع، إلا إذا حصل تغيير جوهري في بنية النظام يسمح بذلك، وهو ما أستبعد حدوثه في ظل وجود القذافي وهو على رأس دولة القلم.
 
قد يقول قائل بأن ذلك وإن لم يحدث في ظل وجود القذافي، فإنه قد يحصل عند إختفائه من الساحة، ويتم إتخاذ هذا الإجراء بعده، أقول له قد يحصل نعم، ولكن هل تضمن أن هناك من قواعد الأساس التي يرتكز عليها النظام متفقة على أن تذهب خلف سيف أو المعتصم أو حتى خميس؟ أنا أشك في ذلك لأن الجميع يتعامل مع الأبناء الآن تحت "مظلة الأب" وفي غياب هذه المظلة ستتعرى جميع القوى وسوف لن يعاملوا الأبناء بالوضعية التي هم عليها الآن حتى ولو كانوا تحت غطاء أمريكي، فالجميع يبحث عن مصالحه التي قد لا يجدها بضمانة كافية لدى أحد الأبناء. والولايات المتحدة الأمريكية التي أعتدنا ان نتصور صدور الضوء الأخضر منها للوريث المقبل، أظن أنها واعية بهذه المسألة، ووزيرة خارجيتها لم تضيع الوقت مع المعتصم لأجل تلميعه للوراثة، ولكن لسماع ما جاء به على لسان أبيه بإعتباره ناقل أمين للرسائل من والده وإليه، وليس شيئا آخر، فالمعتصم هذا أختاره أبوه مستشارا للأمن الوطني وصنع له هذه الوظيفة كي يظبطه بقربه ويبعده عن الجيش عندما شعر منه بالخطر كما لاحظنا في المشهد الذي نقلته أعلاه.
 
محمد أمين العيساوي
 

 
[1] راجع الحوار الذي أجرته "القدس بريس" مع الأستاذ عاشور الشامس المنشور بموقع ليبيا المستقبل بتاريخ 22/4/2009م تحت عنوان "سيناريو توريث الحكم في ليبيا أصبح أمرا واقعا داخليا وخارجيا". وأنظر أيضا تعليق الأستاذ سليمان البرعصي المنشور على نفس الموقع بتاريخ 26/4/2009م بعنوان "هل أخطأ عاشور الشامس".
 
[2] مشروع الميثاق الذي تغنى به سيف ومن توهمه وسار في ركبه ، وهو ليس دستورا، ولا علاقة له بمفهوم الدستور، وإنما عبارة عن قانون المؤثمرات الشعبية في ثوب نظام خليط يكاد يتمزق الثوب منه للتنافر والتناقض بين المفاهيم التي أرتداها، أريد له أن يكون ميثاقا ينظم سلطة الشعب دون الخروج عن مبادئها، لم يعالج المشكلة الأساس في الوراثة وهي مؤسسة الرئاسة رغم إضفاء بعض سماتها على ما سمي برئيس القيادة الشعبية، وحقيقة أن المشروع لا يحتاج الى تعليق أو دراسة شأنه شأن القوانين المنظمة لسلطة الشعب والمعروفة مؤخرا بالقانون رقم (1). وفي تقديري أن هذا الميثاق الذي ليس دستورا سوف لن يرى النور في ظل وجود القذافي.
 
[3] هنا لا أناقش تلك الآلية من حيث ديمقراطيتها من عدمها، فقط أشرت اليها للتذليل على إلانتقال الدستوري للسلطة، هذه الآلية التي لم يعمل عليها القذافي، ويفتقدها نظامه وتركها مفتوحة، كأنه يقول أنا ومن بعدي الطوفان.
 

 

 

سليمان: هل يستطيع زئيس عصابه أجرام أن يثق في أبنه أو زوجته أو أي شخص كان ؟ سارق السلطه لايورتها فهو كسارق المصرف يحتفط بالمال لنفسه ولأمتاع نفسه السلطه كذلك، لا مانع عند القدافي من أستعمال أبنائه وقت الحاجه طالما أستعمالهم يحقق له هدفه الأستمرار في الأحتفاظ بالسلطه، تفكير القدافي عندما يختلي لنفسه أنا أعطيت للشعب السلطه والشعب لا يرغب في أستلامها فما دنبي أنا، هل أتركها بعد هذا القتل وهذا المجهود ؟، أنا قلت لهم وزعو الثروه بينكم والشعب لا يرغب في هذا الطرح ما ذنبي أنا هل أتركها؟ فأنا القايد وأنا الأمام وأنا ملك الملوك وهذا التفكير لا يختلف عن تفكير رئيس عصابة اجرام ،الفارق هنا رئيس العصابه هو رئيس دوله وبالمال الذي يسرقه يحقق كل ما مأربه فمن يستطيع  أن يحاسبه.

ليبي من فزان: بسم الله الرحمن الرحيم.. نعم الرأي.. ونعم القول.. فالقذافي لم ولن يكون ظاهرة غريبة في الحكم.. فبكل المقايس والدلالات سيظل صناعة غربية.. استعمارية.. لأن كل سياساته قدمت جل الخدمات للمستعمر الذي في الحقيقة والواقع لم يجلى وأن يخرج من بلادنا.. وإن قلنا مجازاً أن مسألة التوريث واقعة لا محالة فالصناعة ستكون إمتداداً له.. وليس شرطاً أن تكون لأحد أبناءه أو آقاربه أو أعوانه.. إن الفجوة التي سيتركها غياب القذافي ربما (ولا سمح الله) ستكون الأفظع على بلادنا.. وليسنا ببعيدين عن هكذا فجوات قد تطال شعوباً أخرى .. كما يحدث الأن بالشعب السوداني، ولعراقي، والموريتاني.. إلخ.. الخلاصة: إن الوعي والصحوة والإيمان سبيل للتخلص من هذا الإرث البغيض، والحاجة ستظل ملحة تجاه المخلصين البررة من أبناء هذا الوطن نحو (تشكيل حكومة مؤقتة) تنقذ البلاد.. والعباد.. والله خر المستعان.. وهو ولي التوفيق..

علي محمد علي: مسألة التوريط..؟! ما زال فيه توريط أكثر من ها  التوريط؟!!

التاجوري: يا ودي رب يخدهم كلهم, ملة إمعفنة من أولهم لي أخرهم, وأنا سخصيآ , أرجوا الملكية السنوسية ترجع لي ليبيا الحبيبة ويرجع السلام والاحترام واالاخلاص لشعبنا الغالي, و يا رب فكنا من هالمجرم الطاغي يا رب.
 
للتعليق على المقال
الإسم:
العنوان الإلكتروني:
التعليق