07/04/2009
 

 
القائمة السوداء فى التعليم (من ذكرى أبريل الأسود)
 
بقلم: ناديا ابراهيم

أرشيف الكاتبــة


 
عشرات الشهادات والروايات عن وقائع الشنق للطلبة فى ساحات الجامعة، هى الجرائم التى لم تكن أول وآخر الجرائم الشاهدة على هذا السجل الأجرامى الدموى الطويل لأساليب التصفية والقتل الهمجى والتى كانت بأوامر مباشرة من القذافى وتحت إشراف أحمد ابراهيم وتنفيذ عصابة اللجان الثورية، فشهود العيان لروايات الشنق والسحل لخيرة الرجال والشباب فى ساحة هذه الجامعة لازالوا أحياء وإن كان منهم من قرر بسبب ذلك الرحيل عن ليبيا إلى غير رجعة وليس فقط ترك الدراسة والجامعة، هؤلاء من شنقوا أومن رحلوا وفقدوا كان لمعظمنا فيهم إخوة وأصدقاء وأقارب وجيران غيبهم القهر والعسف القذافى الثورى عن أهلهم ووطنهم...
 
"فى ذلك اليوم الذى لن يمحى من ذاكرتى أبدا، كانت المحاضرة فى أولها عندما بدأ المحاضر فى توزيع أسئلة فيما يشبه الأمتحان، الطلبة الجالسين بجوار النوافذ لاحظوا أمر ما يجرى خارجاً فى الساحة الفاصلة بين كلية الأداب وكلية القانون، مجموعة من الأشخاص كان يقومون بوضع أو إعداد ما يشبه المنصة وبدأت بعض السيارات تتوافد على المكان، وقبل أن يستوعب أحد ما يجرى فى الخارج خاصة وأن اليوم بدأ كيوم دراسى عادى، دخل علينا إلى القاعة مجموعة مسلحة من اللجان الثورية وطلبوا منّا دون مقدمات الخروج سريعا إلى حيث المكان القصود، تعرض بعض من الطلبة والطالبات للضرب والركل، لقد تم تجميعنا من كل الأقسام والكليات لنشهد عملية أعدام ، كان كل شئ مُعد قبل لحظات من خروجنا وتجميعنا حيث جأوا بالشهيد مصطفى النويرى وقد أحاطوا به ككلاب متوحشة وعندما أقتربوا به من منصة الشنق ورغم ثباته وترديده لأيات من القرأن أخذ بعضهم فى جذبه بشكل هستيرى ومنهم المدعوة هدى بن عامر والمدعو يونس بن عامر (زوجها فيما بعد) ورغم القيد والتكميم أخذ الشهيد فى دفعهم عنه بمرفقه، أغمضت عينى كى لا أرى روحه الطاهرة تفارق الحياة، بعد هذه الجريمة بقيت تلك السنة لم أغادر البيت ولم أذهب إلى الجامعة، كانت من أفدح وأقبح وأبشع الجرائم التى رأيتها فى حياتى، تماما كما كانت صور جريمة قتل الشهيد صادق الشويهدى لا تزال عالقة للكثيرين ممن رأوا صور الأعدام والتى أرغمنا على مشاهدتها على شاشة التلفزيون"[1]
 
فى خريف عام 1986م جاء تنسيبى إلى كلية الأداب والتربية بجامعة بنغازى (قاريونس) ولإجل إكمال إجراءات التسجيل كان على الطلبة المنُسبين وليسوا أعضاء فى المثابات الثورية الألتزام بحضور دورة عن نظرية الكتاب الأخضر لمدة أسبوع كأحد شروط القبول، وللمرة الأولى التى أذهب فيها إلى الجامعة التى بُنيت منذ عهد المملكة الليبية بدت لى كبيرة بالرغم من أكتظاظها بالطلبة الذين جأوا للدراسة بها من كل أنحاء ليبيا. فحتى هذا اليوم من بعد أنقلاب سبتمبر لم تكن السلطة الحاكمة قد فكرت بعد فى بناء جامعات مثلها فى بقية مدن ومناطق البلاد.
 
مواد اللغات أو مادتى اللغة الأنجليزية والفرنسية كانتا إحدى مُقررات المناهج الليبية فى مدارس المراحل الأعدادية والثانوية منذ أن تكونت حتى السنة التى تم إلغاء تدريسها فى جميع المراحل بما فيها الجامعى بقرار من أحمد ابراهيم.
 
تزامن هذا الإلغاء لهذه المواد فى ذلك العام مع فترة دراستى فى السنة الثانية ثانوى بالقسم الأدبى الذى أتجهت إليه لميولى العلمية الأقل وأهتمامى الأكثر بمواد اللغات، فى منتصف العام الدراسى وبعد أنتهاء أمتحانات الفترة جاء هذا القرار الذى فاجأ الطلبة والمعلمين، وفى ساحة المدرسة قام أحدهم بحرق مجموعة من الكتب فى اللغة الأنجليزية وخطب فى الطالبات قائلاً: "إنها لغات أجنبية لا يجب ان نتعلمها وأن لا نتعاطى تدريسها بعد هذا اليوم أبداً" ولهذا أقسام اللغات فى الجامعة كانت قد ألغيت بفعل هذا القرار كما كان على الطلبة الدراسة بالقسم الذى يتم توجيههم إليه.
 
منذ أول يوم فى الجامعة رأيت مجموعات يمتشقون أسلحة ومرتدين لملابس مدنية وكانت أعمارهم تبدو أكبر، هؤلاء الأشخاص كانوا يظهرون علينا بين الحين والأخر كأنهم مراقبين لأمر ما قبل أن نعتاد رؤية ذلك، بدأت المحاضرة الأولى فى المدرج المسمى (7 أبريل) ذكّرنى الأسم والتاريخ الأسود مع وجوه نكبة قبيحة، بصور راسخة فى ذاكرتى للقتل والشنق لأساتذة وطلبة من هذه الجامعة، أُزهقت أرواحهم الطاهرة فى حرمتها.
 
وأذكر فى بداية ذلك العام الجامعى الأول قفل مجموعة من الثوريين لقاعات الدراسة فى القسم وأخرجوا الطلبة إلى مدرج يقام فيه تأبين لعضوة ثورية قيل أنها توفيت فى حادث سيارة، ومنذ ذلك العام الدراسى والأربعة أعوام التى تلته لم تبدو الأوضاع يوماً طبيعية ، فالسيطرة التامة والتحكم الكامل لأعضاء عصابة اللجان الثورية كان يزداد وبقوة على كل الإدارة والمرافق والأمور فى كل أقسام وكليات الجامعة بما فيها أقسام الدراسة والأمتحانات والبعثات، فمن المثابة إلى مكتب الأتصال وفريق العمل الثورى إلى الأمن الداخلى، جميعها مكونات ومكاتب قائمة بعملها فى كل نواحيها حولتها إلى جهاز أمنى وليس إلى ما يشبه حتى المؤسسة الدراسية وليقضى ذلك على على كل ماتبقى من قيمة علمية لهذه الجامعة التى شهدت جميع أنواع الجرائم والممارسات اللا إنسانية وكافة صنوف الأنتهاكات لأبسط الحقوق والحريات أبتداءاً من فرض القوانين والقرارات الثورية المكبلة للعقل والفكر والمقيدة والقاتلة للإبداع إلى الصلاحيات المطلقة والمزايا اللا محدودة لهذه العصا بة الهمجية لتجعل من تعليماتها وأعمالها العلنية خطط تصفية و تسلط وتدمير مستمر تزداد حدته فى شهر أبريل لتجعله موسم ثورى للقتل والسحل.[2]
 
(كانت الجامعة الليبيّة – تمّ افتتاحها رسمياً يوم الأحد 22 يناير 1956م، وفي اليوم التالي دخل الطلاب إلى مقاعد الدراسة، وكانت تعج بخيرة الأساتذة الجامعيين من عرب وأجانب، وبعيدة كلّ البعد عن هيمنة السّلطة وقبضتها، وأصبحت، بعد سنوات قليلة من افتتاحها، في قائمة أفضل الجامعات العربيّة وأحسنها... وإذا كان فناء الجامعة قد تحوّل في عهد القذّافي إلى ساحات للقتل وعمليّات الإعدام، فأنّ الجامعة الليبيّة في عهد الملك إدريس السّنوسي كانت منارةً للعلم والمعرفة، وساحةً للرياضة والفن والإبداع ، وحاجزاً يرفض تدخلات رجال السّلطة ، ويمنع قوّات الأمن من إقتحام أسوارها).[3]
 
يقول الكاتب الليبى الصادق شكرى فى مقالته (الأنقلابيون والعودة إلى زمن مشانق الأستعمار 1-4): ".. ممّا لا شكّ فيه، أنّ القذّافي لا يملك نظاماً وكل ما يملكه هو سّلطة يعتمد فيها على ثلة من المجرمين والمفسدين (corrupted people)، وعلى صورة ذهنيّة (image) رسمها في أذهان النَّاس، فلو تجاوز النَّاس هذه الصورة الذهنيّة فستنهار سلطته ويصبح شخصه في خبر كان.
 
وبالتأكيد، أنّ معمّر القذّافي ليس رجل دولة، ويبدو أنّه كان مقتنعاً هو بذلك أيضاً ، فقد كان مقتنعاً منذ البداية أنّه لا يستطيع النهوض بدولة حديثة لم يصل عمرها عشرين عاماً، ولذا، فكّك مبكراً بنيان الدولة التي قامت قبل استيلائه على الحكم، وبنى على أنقاض ذلك (سّلطة) تتكون من أجهزة يقوم عليها ثلة من النفعيين والجهلة والمجرمين.
 
.. وشنت السّلطات الأمنيّة - ومن 4 يناير 1976م إلى الأسبوع الأوّل من أبريل من نفس السنة حملة اعتقالات واسعة ، على خلفية المظاهرات التي قام بها الطلاب في يناير 1975م إحتجاجاً على تدخلات السّلطة في شئونهم الطلابيّة وعملهم النقابي، وكان دبـّوب وبن سعود المعلمان والطالبان المنتسبان للجامعة من ضمن الذين اعتقلوا في هذه الحملة الواسعة التي شملت مئات الطلاب من الجامعة والمعاهد والمدارس الثانويّة.
 
.. لم تنج ساحات الجامعة الليبيّة من مشاهد عمليّات الإعدام، فقد تمّ إعدام الشهيد محَمّد مهذب إحفاف (طالب بكليّة الهندسة) شنقاً يوم 7 أبريل 1983م في ساحة كليّة الهندسة بجامعة طرابلس، وأعدم الشهيد مصطفى إرحومه النويري (الرئيس السّابق لإتحاد عام طلبة ليبيا) يوم 21 أبريل 1984م داخل الحرم الجامعي بمدينة بنغازي، كمَا سبق وأن نُفذت عمليتا إعدام أخريتان في جامعة طرابلس، فنفذت الأولى في الشهيد رشيد منصور كعبّار (طالب جامعي بكليّة الصيدلة) يوم 16 أبريل 1984م بإحدى ساحات كليّة الصيدلة، والثانيّة في الشهيد حافظ المدني الورفلي (طالب جامعي بكليّة الزراعة) في اليوم نفسه، وفي إحدى ساحات كليّة الزراعة.
 
اتخذت السّلطة الإنقلابيّة من شهر أبريل/ نيسان موعداً سنوياً تنفذ فيها الإعدامات العلنيّة في الساحات العامّة، والإعدامات داخل السجون والمعسكرات، وأصبح يوم 7 من شهر أبريل من كلّ عام، ومنذ تاريخ إعدام عمر علي دبـّوب ومحَمّد الطيب وبن سعود، موعداّ أو روتيناً سنوياً للإنتقام الدموي من كافة العناصر الوطنيّة المناوئة لحكم الاستبداد والفوضى والتخلف.
 
ونحن نسرد محطَّات من سجل معمّر القذّافي في انتهاكات حقوق الإنسان، لا ننسى جرائمه في مجالات أخرى كتخريبه لنظام التعليم وقطاع الصحّة، وما آلت إليه أوضاع البنيّة التحتيّة من تخلف وانهيار، وما أصاب الاقتصاد الوطني من انتكاسات وتردي وفساد ، ومجازر القتل الجماعي وأفظعها: مجزرة سجن أبو سليم التي تمّت في يومي 28 و29 يونيو/ حزيران 1996م وراح ضحيتها حوالي 1200 سجين رأي، بسبب اعتراض السّجناء السياسيين على ظروف السجن السيئة، ناهيك، عن نبش قبور الشهداء الذين اغتيلوا برصاص السّلطة وإخراج أجداثهم والإلقاء بها فى عرض البحر".[4]
 
ناديا إبراهيم
 

[1] شاهدة العيان (طالبة درست بكلية الأداب قسم الأعلام لسنوات84 -1986م)
[2] ناديا ابراهيم
[3] الصادق الشكرى: (الإنقلابيون والعودة إلى زمن مشانق الاستعمار 1-4)
[4] الصادق الشكرى: (الإنقلابيون والعودة إلى زمن مشانق الاستعمار 1-4)

 

 

 
نجرو وما ندرو: لااله الالله الواحد القهار... لو فيه رجال شجعان وشرفاء في ليبيا راهو بلادنا من احسن البلدان واليبيين من اكرم الناس لاكن ليبيا اصبح فيها كثير من المنافقين والمخانب والكذابين ويدعو انهم من اصحاب الانجازات في ليبيا... كثر الظلم يجعل من الضعيب بطل. فرج الله العزيز قريب انشاء الله.

المغترب: العناصر الثورية فى الجامعة كانت مسثناة من أى قرارات أو لوائح دراسية كالعقوبات والفصل، لدرجة أن معظمهم  بل كلهم تقريبالم يكونوا يدرسون بشكل فعلى وكانوا مسجلين فقط شكليا كطلبة وينجحون ويصفون المواد مثلهم مثل بقية الطلبة المواظبين فى الدراسة بل أن أحدهم  بعد رسوبه وفصله بعد مضى أربع سنوات فى عام واحد بسبب مادة لدكتور عراقى حصل بعد الفصل من القسم على بعثة إلى ألمانيا وحتى فى تلك البعثة التى جنى منها  الكثير  لم يتحصل لا على شهادة أو حتى دبلوم، وعرفت فيما بعد أن شهادته المزورة أحضرها من أحدى دول أوروبا الشرقية وهو الأن من أصحاب الملايين وينطبق  ذلك  على جميع أعضاء حزب اللجان الثورية.

ليبى: اختى ناديا نشكركى على هذا المقال وما يحمله من ذكريات مؤلمه فى حق الشعب الليبي وللتذكار كان الطلبة فى ذلك الوقت يعمالون كعمال نظافه داخل الحرم الجامعى.

ناديا ابراهيم: الشكر لك أنتى أختى الليبية، ونتمنى من كل من يملك أو لديه معلومات وشهادات وهم كثر عن كل الذين قاموا وتورطوا بمثل هذه الأعمال الأجرامية سواء كانت علنية أو سرية أن يقوم بفضحهم وتوثيق هذه  الشهادات لله وللوطن وللتاريخ.

البنغازية: زاهية محمد الزربي - راهبة ثورية ـ مقربة من القذافي ـ علاقات خاصة، توفيت فى ظروف غامضة (الإنتقام من العناصر الثورية التي ترتكب أي أفعال تنم عن عدم ولائها أو مناهضتها للنظام. وقد وصل الإنتقام في كثير من الأحيان إلى حد التصفية والإعدام(من ذلك ما حدث للثورية زاهية محمد علي الزربي ولكل من ابراهيم بكّار وعبد اللطيف بوكر وعبد السلام الزادمة وابراهيم البشاري).

برقة: شكرا الاخت ناديا  والسؤال الذي يطرح نفسه بعد هذه السنوات المريرة والقاسية ان تكون المدعوة بن عامر وزوجها علي قيد الحياة !؟

الريح: الشى الذى رايته  كان كفيلآ بأن يعيش الشعب الليبى بعد ذلك فى لعنه عاش فيها التخلف والضلام  والفقر والعوز نعم تلك كانت هى لعنة هولاء الشباب عندما شنقو فى شهر رمضان الذى انزل فيه القرأن وكانت العامه من الناس يقولون هولاء كلاب ضاله ياله من اسم حقير اطلق على من يريد ان يعيش بشرف وبعد ذلك شريحه تعتبر من شرائح المجتمع المثقفه وهى شريحة طلبة الجامعه عندما تحدو  من اجل هذا المجرم  أيه فى القران الكريم وهى سر بنا سوف نخرق الارض وسوف نبلغ الجبال طول والان ويسأل من يسأل لماذا حالنا هكذا اقول ان الله لاينسى واذا نحن نسينا مافعلنا ولذلك لم يبلغو الجبال طول بل عاشو اقزام ولم يخرقو الارض بل خرقو ماقال الرسول الكريم. أن دمكم واموالكم  حرام عليكم  كحرمة يومكم هذا وشهركم هذا. وأخيرآ الساكت عن الحق شيطان أخرس .ولم نعهد آيضآ بأن الشياطين حكمت الملائكه وشكرآ.

الليبية: أختي ناديا, أشكرك على هذا المقال. للتصحيح فقط: الذي شارك في إعدام النويري مع هدى بن عامر والذي أصبح زوجها فيما بعد هو "يونس معافة" وليس يونس بن عامر. وقد درس الطب ولكنه لم يتمكن من النجاح في الإمتحانات النهائية لانشغاله بأعمال معسكر 7 أبريل (تحقيقات, ممارسات تعذيب, وإصدار أحكام) بالقرب من جامعة قاريونس وهو كذلك كان (وهدى أيضا) من أقرب المقربين للقذافي وكانا يرافقانه في الكثير من رحلاته فلم يكن لديه وقت للدراسة, بالإضافة إلى عدم حاجته لها سوى كعنوان, وهذا العنوان (دكتور) تمكن من الحصول عليه حتى مع فشله في الدراسة.  ولك التحية وبالغ التقدير.
 
للتعليق على المقال
الإسم:
العنوان الإلكتروني:
التعليق