29/08/2009
 

 
بل نكبة ليبيا بين المؤامرة.. ونخبتها (2 من 2)
 
بقلم: محمد أمين العيساوي

أرشيف الكـاتب


 
لقد صخبت مقالة الاستاذ يوسف الثانية كما ذكرت بكثلة من المغالطات أثناء تناولها للدستور الليبي سواء من حيت نشأته أو قراءة نصوصه، وأغلبها تعد من المغالطات الشائعة حول هذا الدستور، فمن بين تلك المغالطات وهي من إعتقادات البعض حول الأداة التي وضعت الدستور، وأعني بها الجمعية الوطنية التأسيسية من حيث كونها جمعية منتخبة أو معينة، وإذا ما تمعّنا في آلية تشكيلها سنجد أنها لا منتخبة بالمعنى القانوني للانتخاب، ولاهي معيّنة بما تعنيه كلمة التعيين من مدلول قانوني، فالإنتخاب يعني أن ينتخب أعضائها من الشعب مباشرة وبالأقتراع المباشر في نطاق كل منطقة من المناطق الثلات التي وردت في قرار الأمم المتحدة، وهو ما لم يحصل لظروف موضوعية سبق وأن أشرت اليها في مقالة سابقة [1] والتعيين يعني أن هناك سلطة معينة قامت بتعيين هؤلاء الأعضاء، ومن ثم فإن عملهم ينبغي أن يعود الى هذه السلطة للنظر فيه وإصداره بحكم تبعيتهم القانونية لها وأنها الأداة القانونية للإصدار أي سلطةالإصدار، كما هو الحال مثلا إذا قامت أداة قانونية "رئيس دولة - ملك أو رئيس جمهورية -" بتشكيل لجنة لإعداد الدستور، فتقوم هذه اللجنة بصياغته وإحالته الى سلطة التعيين "رئيس الدولة" ليتولى إصداره بالألية القانونية المتبعة والتي في أغلب الاحيان هي آلية الإستفتاء، وعلة ذلك أن الرئيس يمثل السلطة التنفيدية ولا يملك إقرار دستور يتمتع بالإرادة الشعبية وإلا تحول ذلك الدستور الى دستور منحة من السلطة الحاكمة، والحال بالنسبة لأعضاء الجمعية التي وضعت الدستور الليبي لم يعينوا من قبل سلطة قانونية مناط بها هذا الأمر، إذ لم يصدر السيد أدريان بلت قرارا بتشكيلها بصفته سلطة تعيين كما لم يصدر مثل هذا القرار من سلطة الإدارة المتولية أمر المناطق الليبية بعد الحرب، وإنما تم إختيار أعضاؤها وفقا لمعطيات وظروف كل منطقة، وبآليات مختلفة، وكانت الجمعية بمجرد تشكلها سيدة نفسها كجسم مستقل عن سلطات الادارتين البريطانية والفرنسية "قوات الحلفاء المنتصرة في الحرب" وعن سلطات مندوب الأمم المتحدة المشرف على عملية الإستقلال، ومن ثم نجد أن الدستور وضع وصدر عن الجمعية نفسها، ولذا لم يكن في حاجة الى سلطة أخرى غير سلطة الجمعية في إصداره، نفهم ذلك من ديباجة الدستور ومن قرار إصداره [2]، ومن ثم فإن الدستور الليبي لم يكن دستور منحة، ولم يصدر على هيئة عقد بين الملك والجمعية، وعلى هذا الأساس فإن وصف تشكيل الجمعية بأنها جمعية معيّنه، هو وصف غير دقيق ولا ينطبق على واقع حالها، وإنما شاع هذا الوصف لأننا لا نعرف سوى مفردة الانتخاب ونقيضها التعيين، ولكن إذا ما قرأنا الواقع القانوني لتلك الحالة لأستمدينا منه حالة قانونية مختلفة عن التعيين فهي أقرب الى حالة الانتخاب منها الى التعيين في ظل ظروف ومعطيات الواقع التي ولدت فيه تلك الجمعية الوطنية التأسيسية، والتي أعتبرها في تقديري إجتهادا صائبا ومنسجما مع معطيات الواقع.
 
ولا أظن والحالة هذه أن يذهب بنا العقل الى مقارنة تلك المشروعية التي أتت بدستور الدولة من خلال إحصاء عددي في غير محله بمشروعية دبابة خرج لها عشرات الآلاف كما ذهب أستاذنا وهم تحت مخدر أفيون كرتون الناصرية لتغتال الدولة وهي في سن المراهقة !! دون أن يسأل من حرك هؤلاء الآلاف وهم النخبة الواعية صعاليك تلك الدبابة لماذا خرجتم بدباباتكم والدولة التي سطوتم عليها مازالت في سن المراهقة !! ؟؟؟. وحتى لو وضعوا أولائك الصعاليك دستورا جديدا كما آشار أستاذنا، مقارنا بما قام به سوار الذهب رغم إختلاف الحالة السودانية عن الحالة الليبية - إذ ان السودان منذ إستقلاله يعاني أزمة سلطة بسبب تركيبته وسوف لن يشهد إستقرارا دستوريا ما لم يعالج أزمة تركيبته السياسية والإتنية - أقول حتى لو وضعوا دستورا، فإن التأييد الذي سيحصل عليه هو في حقيقته دسترة غبية لعملية السطو وشرعنة للصعلكة، وهو للأسف دسترة الدكتاتوريات التي عاشتها البلاد العربية تحت مسمى الثورة وما هي بالثورة، فمتى كانت يا سيدى فيئة من الصعاليك لم يمثلوا إرادة القوات المسلحة فما بالك بإرادة شعب وأمة بأكملها ممتلكة لشرعية فعلها الاجرامي إن لم نمنحها نحن بغباء مشروعية السطو المسلح على مقدراتنا وعلى عقولنا.
 
إنه بقراءة دقيقة ومتأنية لأدبيات تلك المرحلة ولمحاضر إجتماعات الجمعية الوطنية التأسيسية، يبين للباحث بكل وضوح وبعيدا عن العواطف والغلو أن الدستور الليبي قد وضع عن طريق تلك الجمعية بإستقلالية تامة، ولم يوضع تحت إشراف أي لجنة عليا تعلوا سلطة الجمعية، وبعيدا عن أي مؤثرات خارجية، بل أنه كان وليد صراع بين إرادة الإستقلال وإرادة التسويف والوصاية والتي لم تكن للأسف سوى إرادة عبد الرحمن عزام وليس إرادة قوى دولية، إنه بحق جاء إنتصارا لإرادة الإستقلال، وليس إنتصارا لإرادة قبلية أو جهوية كما هو الحال في الدستور العراقي الذي كما ذكر الاستاذ قدمت لجمعيته الوطنية المغيب عنها أهم مكونات المجتمع العراقي 450 الف مقترح ضرب بجميعها عرض الحائط وانتصرت فيه إرادة الطائفية والمذهبية وجاء إنتصارا لتحالف الشيعة والكرد، وما عليك إلا ان تقرأ ديباجته التي جاءت بإسلوب إنشائي مكرسة للطائفية والانقسام. ولم يكن الدستور الليبي محظورا أباحته الضرورات كما أفاد أستاذنا أيضا، إذ لم نعرف في التاريخ أن الدساتير هى من المحظورات التي تبيحها الضرورة !!.
 
***
لم يكن إلغاء الفيدرالية نتيجية لإملاء وضغوطات الشركات النفطية كما يظن البعض، وهي مقولة كثير ما أسمعها ولم أجد حقيقة ما يؤيدها في الواقع، فوجود الشركات النفطية لم يكن سببا مباشرا في الغاء الفيدرالية . ذلك أن الفيدرالية لم تكن من ثوابت الدستور بل هي مرحلة إنتقالية أملتها ظروف نشأة الدولة، إذ أنه من المعلوم أن الدستور الليبي من الدساتير الجامدة [3]، بمعنى أنه يضع آلية معينة لتعديله بغية سموّه وعلوّه عن القوانين العادية الأخرى، ومثل هذه الدساتير الجامدة تسعى دائما الى خلق حالة من الإستقرار الدستوري في الدولة، فتحظر المساس بقواعد أساس الدولة كأداة الحكم وشكل الدولة وبنية النظام السياسي، والدستور الليبي شأنه في ذلك شأن الدساتير الجامدة، فحظر في مادته (197) المساس بشكل الحكم الملكي، نظام وراثة العرش، وبالنظام النيابي، وبمباديء الحرية والمساواة، وهي الأسس التي قامت أو نشأة عليها الدولة والتي تعتبر من ثوابتها، ولم تشمل تلك الثوابت شكل الدولة الإتحادي "الفيدرالية"، الأمر الذي ينصرف الى الذهن بأن الدولة المركبة على شكل الإتحادية الفيدرالية لم يكن من الثوابت التي تغياها واضعي الدستور، وإنما إختيارهم لها في ذلك الوقت كان إختيار مرحلي أملته ظروف نشأة الدولة، وما يؤكد هذا النظر أن محاضر إجتماعات الجمعية تبين أن الخلاف الجوهري ألاساسي بين أعضائها كان منصبا على هذه المسألة الجوهرية أي الأخذ بالدولة المركبة أو الدولة البسيطة التي كما يبدوا أن الظروف لم تكن مناسبة لها، فتم تبني الفيدرالية كمرحلة مؤقتة الى حين نضج الظروف التي تسمح بإلغائها، وهذا ما حصل بالفعل، حيث أجري التعديل الأول على الدستور بموجب القانون الصادر في 7/12/1962م، وبموجبه عدلت المواد 36، 172، 173، 179، 182، 184، وهي المواد التي كان بها تداخل بين إختصا صات الولايات والحكومة الإتحادية، والغيت بموجبه المواد 38، 180، 181، 185.
 
إن هذا التعديل الجوهري الذي أجري على الدستور قد أفرغ النظام الفيدرالي من محتواه، مهيئا المناخ لإلغائه بعد أربعة أشهر من صدوره أي في 27 أبريل /1963م فالشكل الفيدرالي ليس غاية لواضعي الدستور وإنما الغائه في مرحلة لاحقة هو الغاية كما يفهم بوضوح من محاضر إجتماعات الجمعية الوطنية. ومن ثم فإن القول بأن الشركات النفطية قد أملت علي إرادة الدولة هذا الإلغاء علاوة على مجانبته للصواب، فيه شطط ومصادرة للواقع، قد تكون أحد العوامل التي سرّعت تنفيد إلإرادة الحقيقية لواضعي الدستور المنصرفة منذ البداية الى فكرة الدولة البسيطة، ولكنها لم تمل ارادتها علي الدولة.
 
***
لقد أندهشت وأستغرقت في الإستغراب حينما وقعت عينايا وهي تجوب أسطر مقال أستاذنا على عبارة "دستور 51 دستور إستبدادي مغلف بغلاف ديمقراطي ليس أكثر" حكم في غاية القصوى دون شك !!، لكنه سرعان ما زال عني هذا الإندهاش حينما أكملت قراءة المقال مستعرضا النصوص التي أستشهد بها، إذ تبين لي أن قرائتها تمت عن طريق عقل إستبدادي أسقط إستبداد رؤيته المشّوشة فكريا عليها، فتلونت أمامه تلك النصوص بلون ذلك الإستبداد . وأنا أعذر أستاذنا الفاضل على إيراده لهذا الحكم لما تبين لي من غياب أبجديات الفقه الدستوري والنظم السياسية في مقالته، فلو أنه قال لي بأن الدستور الليبي "دستور 1951" الذي تبنى النظام النيابي البرلماني كنظام سياسي قاصرا الآن في ترجمة عقيدته الديمقراطية ويحتاج الى تنقيح بإلاظافة والحذف، كأن يحتاج مثلا الى:
  • تطعيمه بالتعددية الحزبية، وتضمينه بعنصر الإستفتاء، إذ أن الدستور كان قد تبنى الديمقراطية التمثيلية والتي كانت متوافقة في ذلك الوقت مع حالة الكثلة الانتخابية.
  • تعديل بنية مجلس الشيوخ بأن تكون بالاقتراع الغير مباشر لثلتي المجلس مثلا لنضج الوعي "الذي أشك فيه"
  • دعم فكرة الفصل بين السلطات وتوازن السلط بوجود محكمة دستورية لتطوير القضاء الدستوري قادرة على إرساء المباديء الدستورية المتطورة، والأخذ بإزدواجية القضاء بتبني قضاء إداري ضامن للحقوق والحريات.
  • الأخذ بالاتجاه القضائي في الرقابة المالية بدل الإتجاه الإداري المتمثل في ديوان المحاسبة وفكرة المراجع العام.
  • تبني نظام انتخابي يراعي ظروف وتطورات الكثلة الإنتخابية.
  • توسيع وتطوير الحقوق والحريات.
  • تقوية دور المشرع البرلماني حتى لا تطغى عليه وتهيمن عليه السلطة التنفيدية كما هو حاصل الآن في دول النماذج البرلمانية "بريطانيا وفرنسا".
وغيرها من إشكاليات الفقه الدستوري التي يعيشها الآن، لو قال لي ذلك لأيدته على الفور ، لأن هذا بالفعل ما يحتاجه دستورنا الذي إنبنى على أسس النظام النيابي البرلماني، أما نحكم عليه بأنه دستور إستبدادي لمغالطة في قرائته وفهم النظام الذي تبناه، ثم نأتي بدستور آخر سوف لن يأتي بأسس غير الأسس التي جاء بها، فذلك قول ليس فيه إجحاف فقط، بل انه قول لا ينم الا على هوى نفسي، هو عدم تقبل الملكية الدستورية، وكان الأولى بإستاذنا أن قال لنا بأنه مع أحترامه للدستور ولواضعيه، فإنه لا يقبله لا لأنه دستور إستبدادي ولكن لأنه دستور ملكي، لأحترمت رأيه وقدرته أيما تقدير، أما أن يلقي عليه حكما جزافا دون دراية فهذا ما لم يقبله عقل سوي.
 
***
 
نصت المادة الثانية من الدستور على أن "ليبيا دولة ملكية وراثية ونظامها نيابي وتسمى المملكة الليبية". ما الذي نفهمه من هذا النص؟، نفهم منه دون أي تأويل أن النظام السياسي الذي سنقرأه في هذا الدستور هو النظام النيابي.
 
إن أهم العناصرالتي يقوم عليها النظام النيابي بل ومن أهم مبادئه الأساسية كما يقررها لنا الفقه الدستوري هي تنائية السلطة التنفيدية "رئيس الدولة ملكا أو رئيس جمهورية، ورئيس الحكومة"، وعدم مسؤلية رئيس الدولة أمام البرلمان . مع ملاحظة أن مقولة الملك يملك ولا يحكم أو يسود ولا يحكم، هي ليست من مبدأ دستوريا، وإنما هي عبارة قال بها أحد زعماء الأحرار في البرلمان الفرنسي في عهد الملكية الدستورية الثانية وهو "أدولف تيار" وصياغتها السليمة هي "ان الملك إنما يتولى ولكنه لا يحكم"، وقد وردت هذه العبارة في مقالين بقلم أدولف تيار نشرتهما صحيفة "لونسيونال" الأول في 20 يناير والثاني في 4 فبراير سنة 1830م [4] ولقد جاءت في معرض الجدل حول مسؤولية الحكومة أمام البرلمان من عدمها، والمستقر عليه في الفقه الدستوري هو مسؤولية الحكومة أمام البرلمان وعدم مسؤولية الملك لكونه لا يباشر سلطاته مباشرة وإنما عن طريق وزرائه والقاعدة حيت تكون السلطة المباشرة تكون المسؤولية . وهذه هي القاعدة التي ترجمها الفقه الدستوري في القاعدة الدستورية الأساسية، والتي وردت في النص الليبي في مادته (59) "الملك مصون وغير مسؤول"، وهي ليست من النصوص الشادة التي أتى بها الدستور بل هي قاعدة عامة أساسية في النظام النيابي البرلماني.
 
المتتبع للنصوص التي أستشهد بها أستاذنا وبالطريقة التي أستعرضها بها يتبادر الى ذهن المتلقي بأن الملك قد أستحوذ على كامل السلطات في الدولة وهو بخلاف الحقيقة . فالملك لم يتول السلطة التشريعية وفق ما فهم من نص المادة (41)، ومقصود النص حق إقتراح مشاريع القوانين وليس سنها، فلم نسمع في أي نظام برلماني أن ملكا أو رئيس جمهورية قد سن قانونا إلا في حالة الطواريء أو حالة الإستثناء، والفرق شاسع بين إقتراح مشروع القانون وسنه.
 
الملك أيضا لم يتول السلطة التنفيدية بفرده وبصورة مباشرة وفق ما فهم من نص المادة (42) وعبارة حدود الدستور تنقلنا في الحال الى نص المادة (60) "يتولى الملك سلطته بواسطة وزرائه وهم المسؤولون" وهذه المادة هي من أهم الأسس الذي يقوم عليها النظام البرلماني كما أسلفت.
 
المجلس البرلماني في النظام البرلماني ليس سيد نفسه ينعقد متى شاء وينفض متى شاء، وإنما أحتاج الى أداة قانونية لدعوته للإنعقاد في دوراته المقررة وفق الدستور وتسمى تلك الدورات بالسنة التشريعية دون تدخل من السلطة التنفيدية في أعماله إلا من خلال ما تطرحه عليه من مشاريع للقوانين يمتلك وحده حق سنها. ومن حق الملك وهو ليس من الحقوق الشادة أن يعيد مشروع القانون على المجلس للزيادة في المراجعة وإذا ما أعاده المجلس اليه مرة أخرى ليس أمامه سوى إصداره، وهذا ما يعرف في الفقه الدستوري بالقانون المعلق [5].
 
أما بقية النصوص التي تم الإستشهاد بها فهي من الصلاحيات التقليدية العادية المسندة لرئيس الدولة ملكا أو رئيس جمهورية في النظام النيابي البرلماني ولم أقرأ في الفقه الدستوري فيما تعلمت وقرأت أن هناك تحفظ عليها أو أنها من شأنها أن تحيل عقيدة النظام السياسي الى دكتاتورية، وسأورد لك هنا نصا من الدستور الفرنسي "دستور الجمهورية الخامسة" وهو دستور الجنرال ديغول[6] النافد حاليا، وسأفرد لك صلاحيات الرئيس:
 
لقد حددت المادة الخامسة من الدستور صلاحيات الرئيسبما نصه:
 
"يتولى رئيس الجمهورية السهر على إحترام الدستور، وهو يقوم بصفته التحكيمية، على حراسة سير السلطات العامة، سيرا أصوليا، وعلى ديمومة الدولة. وهو الضامن للاستقلال القومي ولكيان الإقليم، ولحرمة أتفاقات الجامعة والمعاهدات" .[7]
 
ومن الصلاحيات العادية إختيار الوزير الأول ويضع حدا لوظائفه بناء على أستقالة الحكومة التي يتقدم بها هذا الأخير المادة 8، كما يعين سائر الوزراء ويقيلهم بناء على إقتراح الوزير الأول، وذلك وفقا للعرف البرلماني القائل بأن صلاحية تسمية رئيس الوزراء وقبول إستقالته وأستقالة حكومته، وتعيين الوزراء وإقالتهم، إنما يعود الى رئيس الجمهورية، كما أنه يعين سائر موظفي الدولة وقيده الدستور في هذه المسألة بتقصرها على كبار موظفي الدولة، ويرأس مجلس الوزراء ، وهو قائد الجيش وبهذه الصفة فإنه يرأس أيضا المجالس، واللجان العليا للدفاع الوطني، وله أيضا الصلاحيات التقليدية المتعارف عليه في النظام البرلماني إزاء البرلمان كصلاحية الحل وإصدار القوانين المصوت عليها، والطلب بمناقشتها مرة ثانية، وفتح الدورات اللتشريعية وفضها . ومع كل هذه الصلاحيات ، فإننا لا ننعت الدستور الفرنسي بالاستبدادي، لا لأن رئيس الجمهورية منتخبا من الشعب، ولكن لأنها في حقيقتها تمثل الصلاحيات التي يقام عليها كل نظام برلماني دستوري، مع ملاحظة جوهرية، ان الدستور الفرنسي رغم تبنيه للجمهورية الدستورية " النيابية البرلمانية " ومنحه للرئيس هذه الصلاحيات التي لا يباشرها عن طريق وزرائه كما تمليه اصول البرلمانية الدستورية، والتي تستوجب مسؤولية الرئيس أمام البرلمان " الجمعية الوطنية الفرنسية " إلا انه ظل متمسكا بالمبدأ الدستوري في عدم مسؤولية الرئيس .ومع ذلك فإننا نسجل عليه هذه الملاحظة الجديرة بالاهتمام لدي فقهاء القانون الدستوري، ولكنهم لم يحكموا على دستور ديغول بالدستور الاستبدادي !!.
 
***
 
إن عبارة في حدود القانون، أو وفقا لما يقتضيه القانون، هي مسألة تنظيمية لممارسة الحق وليس إهداره، وإن لم ينظم ذلك بقانون تصدره سلطته التشريعية المتجسدة في نوابه، فإن المجتمع حتما سيتحول الى مجتمع غاب وليس مجتمع إنساني، هذه هي العلة من تلك العبارة التي لم تكن نشازا إلا في أذان من يعتقدون بمطلق حريتهم وانها لا تحدها حقوق الآخرين التي هي القانون.
 
وأخيرا يا سيدي الفاظل أقول لك نعم أن الملك إدريس لم يتربى في قصور الملوك ومدرستهم، وإنما تربى وتتلمذ في قصر ومدرسة هي أرقي من ذلك بكثير، إنها مدرسة الخلق القرآني التي تضع الله أمام نظرها في كل تصرفاتها وسكناتها، مدرسة مقام الإحسان يا سيدي "أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك" ومن تربى في هذا المقام لا يأتي بتصرفات أبناء القصور . والدساتير يا سيدي لا تحميها الملوك أيا كانت صفاتها وطباعها، ولكن تحميها دسترة المجتمع بوعيه بحقوقه وبأسس المواطنة، وبالوعي الحقوقي، أوروبا التي تعرفها الآن حافظت على دساتيرها بفعل التنوير وليس بالتأصل التاريخي للملكية.
 
أما ديسمبر بالنسبة لنا فهو ليس برميم إنه روح نابضة في جسد الأمة على مختلف أجيالها من عاصره ومن لم يعاصره . إنه روح تسري في عروقنا عصي على جحيم سبتمبر أن يحرقها.
 
محمد أمين العيساوي

 

راجع: بل نكبة ليبيا بين المؤامرة ونخبتها (1 من 2)

 

[1] أنظر مقالة للكاتب بعنوان"دسور 1951" نشرت بموقع ليبيا المستقبل بتاريخ 5/1/2009 م وأيضا مقالة الكاتب التي أعيد نشرها على نفس الموقع بتاريخ 21/6/2008م بعنوان "بين الشرعية الدستورية ودستورية الدولة"
 
[2] جاء في قرار الإصدار المذيل للدستور ما نصه "وضعت الجمعية الوطنية الليبية وأقرت هذا الدستور في جلستها المنعقدة بمدينة بنغازي في يوم 6 المحرم الحرام 1371هـ الموافق 7 أكتوبر 1951م، وعهدت الى رئيسها ونائبيه بإصداره ورفعه الى حضرة صاحب الجلالة الملك المعظم وبنشره في الجريدة الرسمية بليبيا. تنفيدا لقرار الجمعية الوطنية قد أصدرنا هذا الدستور بمدينة بنغازي في يوم الاحد 6 المحلرم الحرام 1371ه الموافق 7أكتوبر 1951م".
 
[3] من المعلوم أن الدساتير المكتوبة هي إما دساتير مرنة أي يتم تعديلها وفقا للألية التي يتم بها إصدار أي قانون فهي ومستوى القانون من حيت الاصدار بنفس القوة ودساتير جامدة وهي التي تضع ألية معينة لتعديل القانون وتضع قيودا وحظرا لتعديل الأسس التي انبنى عليها الدستور بغية إستقرار النظم الدستورية، وهي تتصف بها أغلب الدساتير المكتوبة، وليس كما وصفها السيد يوسف في مقاله بالتجريم الالهي!!
 
[4] راجع في هذا الصدد العلاّمة الدكتور أدمون رباط في الوسيط في القانون الدستوري الجزء الأول ص 283 دار العلم للملايين الطبعة الثالثة يوليو 1983م
 
[5] في النظام الرئاسي الامريكي يعرف هذا الحق بحق الفيتو للرئيس.
 
[6] حينما أضمحلت الجمهورية الرابعة، إثر الفتنة التي حدثت بالجزائر في 13/5/1958، اتخدت الجمعية الوطنية في باريس بضغط من الجيش قرارا بتولية دي غول رئيسا للحكومة وفي 3 يونيومنحته صلاحية وضع دستور جديد، فشكل لجنة لهذا الغرض أعدت هذا الدستور تحت إشرافه المباشر. راجع العلامة أدمون رباط مرجع سابق الجزء التاني ص321 وما بعدها.
 
[7] التحكيمية، هي صفة الحكم الاعلى للدولة، إذ يعلو بوصفه الرئيس الحقيقي للدولة على الهيئات الدستورية كافة وعلى السلطات والادارات وعلى الاحزاب وسائر المنظمات السياسية وذلك في ظل الدستور ووفاقا له. المرجع السابق ص 336، وهو في الحقيقة يلعب دور الحكم بين السلطات ليحفظ توازنها دون ان تعتدي إحداها على الأخرى.

 

 

خالد القيصة
الأستاذ محمدأمين العيساوي لك كل الشكر والتحية وانت تتناول في اشتباك ايجابي ردأ على الاستاذ يوسف المجريسي لتعيد من جديد منهاج الصفاء لروح التغيير القادم والذي لم ولن يستطيع ذئاب الانقلاب ان يشوهوه او يمحوهوه من ضمير الأمة والشعب الذي سُرق منه اقدس مايملك واثمن ماانجز الدستور ودولة القانون.. دولة الرجال والعقول... وكأنني اردد معك بين السطور نداء البيعة: يا أيها الأمير.. جئنا نبايعك (بما تبقى في الصحراء من عبق الإمام).. أن تعيد لنا وطناً (ضيّع الشيطان صفوتهُ) وان تُعيد رفع لواء عزته.. ( نجمةً وهلال )..  بحق الدماء .. بحق الشهداء.. بحق الأحياء الموتى.. والموتى الأحياء! أن تنفض عنا رجس خيمتهم.. فبلادي... كل بلادي.. صارت (خيمةً للعزاء)!!.

شمس الدين الحاج
السيد محمد أمين العيساوي المحترم أشهد بأنك أجزلت وأصّلت وبأنك "وفيّت وكفيّت"، قارعت الأفتراء والتجنّي بالحجة الدامغة والمنطق السليم، وبإسلوب قانوني سلس رفيع وعبارة محكمة وبليغة. وإن لم تقل شئيا (مع انك قلت كل شيء) غير هذه العبارة المؤثرة الجميلة والتي اختتمت بها ردك على السيد المجريسي، فيكفيك ذلك فخرا وإطرا ألاّ وهي " أما ديسمبر بالنسبة لنا فهو ليس برميم ، إنه روح نابضة في جسد الأمة على مختلف أجيالها، من عاصره ومن لم يعاصره. إنه روح تسري في عروقنا عصّي على جحيم سبتمبر أن يحرقها." هكذا يكون الإنصاف وهكذا يكون الرجال. لك كل التقدير والاحترام.
للتعليق على المقال
الإسم:
العنوان الإلكتروني:
التعليق