20/01/2010

 
بـَيْتُ الرِجـَال: آل سيف النّصـر..
تاريخ عائلة وسيرة أبطال  (8 مـِنْ 8)
 
بقـلم: الصـّادِق شكري

راجع الحلقات بأرشيف الكاتب


 
السِّيّد محَمّد سيف النّصـر.. سيرة حيَاتـه وَجَهاده
 
كان السِّيّد محَمّد سيف النّصـر شجاعاً قوياً لا يعرف الخوف طريقاً إلى قلبه، ولا التردد منفذاً إلى سير خطّواته. خاض العديد من المعارك ضدَّ قوَّات إيطاليا الغازية منذ وصولها منطقة وسط ليبَيا، وكان من بين الشّخصيات الوطنيّة البارزة التي قاومت المستعمر الإيطالي، وبطلاً من أبطال معركة تاقرفت. اشتهر بين القبائل وعموم الِلّـيبيّين باسم (البّيْ محَمّد)، وكان في وقت من الأوقات زعيماً للمنطقة الوسطى وفـَزّان. يقول الكاتب بوخزام العناني، عنه..".. عاش البّيْ محَمّد معارك الجَهاد التي خاضها أخوته بقيادة المجاهد الورع أحمـَد سيف النصر، وتميز تميزاً ظاهراً في معركة تاقرفت، التي شارك فيها مقاتلاً مواجهاَ مقتحماً لقوَّات الإحتلال..". 
 
قادت أسرته قبائل الوسط والجنوب -  في حرب طويلة ضدَّ قوَّات المستعمر الإيطالي البغيض، وبإصرار..{.. واستمرارية وعنف وشراسة منقطعة النظير بقيادة والده سيف النّصـر في البداية ثمّ بقيادة أخوته أحمـَد سيف النّصـر وعبْدالجليل وعُمر، وبعد وفاة الوالد، لم يعترف الجنرال الإيطالي المعروف الجنرال رودلـفو غراتسياني RODOLFO GARZIANI لأحد من الِلّـيبيّين بشدةِ العداءِ وقوّة المواجهة والثبات والإصرار عليها كمَا أعترف  لأبناء سيف النّصـر بذلك، حسب ما ورد في كتابيه: (إعادة إحتلال فـَزّان) و(نَحوْ فـَزّان)، ولم يبدي غراتسياني الأسف على شيءِ في سياسةِ إيطاليا الإستعمارية كمَا أبداه على فشل أسلافه من المستعمرين الطليان في التوصل الى حلِ سياسيِ مع سيف النّصـر وأبناءه من بعده. وأعتبر أن الحل السّياسي مع هؤلاء كان من الممكن أن يوفرَ على إيطاليا الكثير ممّا أهدر من أرواح وإمكانيات في حربِ استمرت ربع قرن من الزمنِ في رقعة مكانية شاسعة امتدت من الحدود الجزائريّة غرباً الى سرير تازربو شرقاً، ومن ساحل خليج سرت شمالاً الى تبستي وتومو جنوباً..}.م60
 
حافظ البّيْ محَمّد على التقاليدِ الحربيّةِ في العائلةِ، وارتبط  بالسُّنوُسيّة شأنه في ذلك شأن كافة أبناء عائلته، وارتباطه بالسُّنوُسيّة ليس بالأمر الغريب عليه فهو ارتباط، مستمد أباً عن جد. فقد استجاب لطلبات السُّنوُسيّة وامتثل لأوامرهم، وتشهد مراسلاته على هذه العلاقة، وهذا الارتباط. ويذكر في جانب أخر من ارتباطه بالسُّنوُسيّة، أنـّه دعم السِّيّد محَمّد الطيب الأشهب مادياً في عام 1948م لأجل تمكينه من إصدار كتابـه المخصص عن سيرة وجهاد السِّيّد إدرْيس السُّنوُسي، والصّادر تحت عنوان: (إدرْيس السُّنوُسي). صدرت الطبعة الأولى من الكتاب عام 1948م، والطبعة الثّانيّة عام 1957م. وقد أشار الطيب الأشهب في مـُقـَدِّمـَةِ الطبعة الثّانيّة من كتابه المذكور على هذه الواقعة، فقال:..".. نتقدم إلى القرَّاء الكرام بإعادة طبع كتيبنا (الحلقة الأولى) من سلسلة حديثنا عن (إدرْيس السُّنوُسي)، وقد طبعت تلك الحلقة للمرَّة الأولى على نفقة المواطن الكريم محَمّد سيف النّصـر بِن سيف النّصـر سنة 1948م بمطبعة دار سعد في مصر..". وقبل ذلك، كان البّيْ محَمد ضمن مجموعة من الأشخاص الذين دعموا معنوياً السِّيّد محَمّد الطيب الأشهب وشدوا من أزره وقاسموه ما عانى من متاعب وآلام، في وقت عمله لإصدار كتاب يتحدث عن جَهادِ أهل برقة بزعامة السُّنوُسيّة تحت عنوان: (برقة العربيّة، أمس واليوم) والذي صدر عن مكتبة (الهواري) بالقاهرة عام 1947م. وقد أشار الأشهب لهؤلاء الأشخاص في خاتمة كتابه المذكور، وجاءت إشارته على النحو التالي:..".. اصطدمت بالعقبات الشديدة حتَّى خالجني الشّك في النجاح، تقدم السّادة الآتية أسماؤهم: السِّيّد محي الدّين الشّريف السُّنوُسي، والسِّيّد المهـْدي هلال السُّنوُسي، والسِّيّد إبراهيم بك الشّلحي، وفضيلة الأستاذ السِّيّد الأخضر العيساوي، والعمدة ياسين المبري، والشّيخ محَمّد سيف النّصـر، وسعادة البشير بك السّعداوي، والسِّيّد منصور بك بِن قدارة، والحاج بشير المزداوي، والشّيخ إمراجع سالم الرّخ، والسِّيّد حسين المرتضي الحاسي، فقد حبوني بعطف وتشجيع جعلني أخلق من الفشل نجاحاً.. ومن التزعزع صموداً.. ومن الضعف قوةً.. وقاسموني ما كنت فيه من الآم، فلهم جميعاً خالص شكري وعاطر ثناءي..". ويذكر أن الأستاذ الطيب الأشهب كان دائم التواصل مع البّيْ محَمّد، ونرفق أحدى رسائله للبّيْ محَمّد من باب التدليل فحسب، والتي تشير إلى تواصل الاثنين والعلاقة الحميمة التي ربطتهما. (أنظر إلى الوثيقة رقم: 1، رسالة الأشهب إلى البّيْ محَمّد المؤرخة بيوم 27 فبراير/ شباط 1946م) 
 
على أيّة حال.. عثرت فيما يخص ارتباط البّيْ محَمّد بالسُّنوُسيّة، على رسالتين [84] مرسلتين إلى السِّيّد محَمّد صفي الدّيـن السُّنوُسي، الأولى مذيلة بتوقعه وتوقيع أخوه عُمر، والسِّيّد محمّد بِن غيث إبن عمـّه، وكانت بتاريخ 7 رجب 1342 هجري الموافق13 فبراير/ شباط 1924م. والثانيّة، مرسلة منه مباشرة إلى السِّيّد صفي الدّيـن، وكانت بتاريخ شوال 1352 هجري الموافق يناير/ كانون الثاني 1934م. وجاء نـصّ الرسالة الأولى، كما فهمت وتوصلت، على النحو التالي:

 

 
بِسـْم اللهِ الرَّحـْمنِ الرَّحـيم  
 
تحريراً، في 7 رجب 1342 هجري
 
جناب سيدي وأستاذي وقدوتـي وملاذي، السِّيّد الكامل نائب سَـموّ الأمير، السِّيّد محَمّد صفي الدّيـن، دام عـزه ونصـره، آميـن.
 
بعد إهـداء السّلام وتقبيل أيـاديـكم الكرام، نعرضوا لسامي مقامكم بأن النَّاس الفارة من الجبهات الغربيّة من خطـوط الحرب، إمّا من أهالي مِصْرَاتة بعد إتصـالهم بنا حيناً، وجهنا لهم الأخ عُمر بك وبالقاسم أفندي الاعبيدي، عليهم الأمر المخلف من سيادتكم بطرفنا، واستعدينا لهم بكافة مطالبهم من خصوص المير، ولوازم العسكر، وقصدنا أنصاب خطوط جديدة للدّفاع تقي الدّيـن والوطن، وهم امتنعوا وتوجهوا إلى ناحيتكم. أمّا من جهة أحمـَد بك فهو الآن على القراين وجمع المجاهدين، ونحن هنا مجتهدين في جمع المجاهدين، والذي نجمعوه نوجهه إلى أحمـَد بك، ونحن أسسنا مركز بالنوفلية لجمع النَّاس والعسكر واللوازم العسكرية العائدة، فعليه نرجو من مقامكم السامي إرسال عسكرية وما يلزم من الآلات الحربيّة والجبخانة (كلمة تركية تعني الذخيرة) حتَّى تستمر النَّاس وكذلك العسكريّة، المهمّات التي توجهت من هنا إلى طرفكم. نرجوكم إرسالها إلى خطوط الحرب لأن الأحوال هنا لا تخفى عن مقامكم من عدم الجبخانة ولوازم الحرب حتَّى المدافع معدومة، وإن اقتضى، نظر سيادتكم القدوم إلى هذا الطرف فهو أحسن.
 
أيضاً، بعد توجهكم من عندنا بمقدار أيام، خرج طيّار إلى جبهة الجفرة ووقع بها، والآن هو أسير تحت يد عبْدالجليل بك، ومسألة ورفلّة إلى حد الآن لا آخذنا خبر أكيد عن أحوالها وكيف وقع بها.
 
نرجو سيادتكم التدارك فيما هو مذكور أعلاه، ونرجوكم الفاتحـة والدعاء الصّالح في كلّ وقت، وربنا يديم لنا وجود سيادتكم بدوام العز والنصـر.. آمين. 
 
7 رجب 1342 هجري

 

خديم الله
خديم الله
خديم الله
 
 
 
محَمّد غيث
عُمر سيف النّصـر
محَمّد سيف النّصـر

 

(أنظر الوثيقة المرفقة رقم: 2)

 

 

أمّا نصّ الرسالة الثّانيّة المؤرخة بتاريخ شوال 1352 هجري الموافق يناير/ كانون الثاني 1934م، جاء نصـّها، كمَا فهمت وتوصلت، على النحو التالي:   

 

 
بِسـْم اللهِ الرَّحـْمنِ الرَّحـيم
 
تحرير في شوال 1352 هجري
 
حضرة المحترم سيدي محَمّد صفي الدّيـن السُّنوُسي، دامت معاليه على الدوام.
 
بعد تمام السّلام، وتقديم واجبات التحيّة والاحترام، فأنـّه إن سألتم عنا، لله الحمد، ولا نسأل إلاّ عنكم.
 
وبعد، فقد وصل إلينا جوابكم، وقام لدينا مقامكم، فبارك الله فيكم وفي وقوفكم إلينا، وراحتكم وراحة الجميع هي مقصودنا، وتذكرونا على مسألة تسريح السّلاح، إذا كان حصلت لنا – طريق تصريح من حضرتكم، ذلك ما كنا نبغي. وإذا كان بواسطة صَـالح عاشور لم نبغي تصريح، ولو كان مدفع وكذلك مسألة الزوائل في هذا الوقت.
 
أخيكم عبْدالجليل غائب، وإذا حضر فخبروه ما يكونه إلاّ خير، كذلك، أرجوك، تسمح لنا، في مسألة تسريح أخينا عبْدالجليل الذي أوصينا عليها في الصّيف. ( من محافظ....)،
 
من عند أخيكم/ محَمّد سيف النّصـر.
 
شوال 1352 هجري 
 
(أنظر الوثيقة المرفقة رقم: 3) 

 

 
تزوج السِّيّد محَمّد سيف النّصر خمس مرَّات، الأولى: من السِّيّدة (نجمة) بنت (غيث سيف النّصر)، وأنجب منها ولدان هما: السِّيّد السّاعدي والسِّيّد حسن.. وبنتان، تزوجت الأولى من ابن عمّها السِّيّد غيث عبْدالمجيد سيف النّصر، والثّانيّة من ابن عمّها غيث سالم. وتزوج السِّيّد محَمّد سيف النّصر في المرَّة الثّانيّة، من بنت السّيّد عبدالله العبّار، وقد توفيت زوجته الثّانيّة مبكراً ولم ينجب منها أطفالاً. وبعد رجوعه إلى ليبَيا، تزوج للمرَّة الثّالثة، من السيدة عائشة عبدالقادر الورفلي [85]، وأنجب منها بنتان، وثلاثة أولاد، والسّادة هم: أحمـَد، عبدالرَّحْمن، صَـالح. وفي المرَّة الرّابعة، تزوج من أخت زوجته الثّانية (بنت السّيّد عبدالله العبّار)، وأنجب منها ثلاث بنات، وولد واحد هو السِّيّد عبدالسّتار. كذلك، تزوج من بنت السّيّد عبْدالمجيد سيف النّصر، وأنجب منها: السِّيّد عبْدالخالق. 
 
كان السِّيّد سيف النّصر بن سيف النّصر بن غيث بن سيف النّصر، والد السِّيّد محَمّد، من الزّعماء والقادة الذين وقفوا في وجه المستعمر الإيطالي البغيض، وكان هو وأبنائـه الستة أشد خصوم للطليان باعتراف الجنرال الإيطالي رودلـفر غراتسياني (RODOLFO GARZIANI).
 
وكان السِّيّد محَمّد مع أخوتـه: أحمـَد وعبْدالجليل وعُمر، إلى جانب والدهم حينما وقف مسانداً وداعماً، للسِّيّد أحمـَد الشّريف، بعدما حط به الرحال وبرجالهِ في (ودّان). فقبل خروج السِّيّد أحمـَد الشّريف من لِيبَيا في شهر سبتمبر/ أيلول 1918م، كانت ودّان أحدى محطّاتـه، وقد قام حضرة السِّيّد سيف النّصر بن سيف النّصر بمد السِّيّد أحمـَد ورجالة بكلّ ما يحتاجونه من المصاريف والأرزاق لمدة ستة أشهر. وقد أشار إلى هذه الوقفة الكريمة، السِّيّد عبْدالمالك عبْدالقادر بن عَلي (1901م-1996م) في كتابه: (الفوائد الجليّة في تاريخ العائلة السُّنوُسيّة)، وعنهم قال السِّيّد أحمَد الشّريف: ".. وجدناهم أيّ (آل سيف النّصـر) صـادقين عند الحاجة ولا يتبين الأخ الصّـادق الناصـح إلاّ وقت الحاجـة أمّا في وقت الرّاحة فالكل يدعي المحبة..".
 
والحاصِل، كان السّيِّد محَمّد حاملاً السّلاح حينما تقدم الطليان في ربيع عام 1928م إلى آبار تاقرفت، لمواجهة العدو إلى جانب أخويه عُمر وأمحمد، وإلى جانبهم خمسة أفراد آخرين من عائلتهم، وقد أصيب في هذه المعركة حامية الوطيس من آل سيف النّصر كلّ من: السِّيّد علي بِن غيث، والسِّيّد محًمّد سيف النّصـر. وبعد احتلال العدو لفـَزَّان عام 1930م، هاجر السِّيّد محَمّد سيف النّصر وإخوته إلى مصرِ وتشادِ. 
 
هاجر السِّيد أحمَد وأخوه الشقيق عُمر إلى تشاد، أمّا السِّيّد محَمّد فقد ذهب برفقة شقيقيه عبْدالجليل وأمحمد إلى الكفرة، ومنها هاجر مع شقيقه أمحمد إلى مصر بينما بقى عبْدالجليل شقيقه الأخر في الكفرة حيث اشترك في معركة الكفرة المشهورة في 20 فبراير/ شباط 1931م، وهاجر بعدها إلى مصر لاحقاً بأهله وشقيقيه. وبعد خروج السِّيّد محَمّد مع أخويه عبْدالجليل وأمحمد إلى مصر وخروج السِّيّد أحمَد وعُمر إلى تشاد، عقدت سلطات المستعمر الإيطالي في طرابلس الغرب، محكمة خاصّة بتاريخ الثامن والعشرين من سبتمبر/ أيلول 1933م، وأدانت (أولاد سيف النّصر) بتهمة الخيانة طبقاً للمادة (242) من قانون العقوبات، وأصدرت بحقهم حكماً يقضي بإعدامهم جميعاً. (يرجى النظر إلى الوثيقة الإيطاليّة وترجمتها المرفقة سابقاً، الخاصّة بحكم الإعدام الصّادر بحق أولاد سيف النّصر).
 
على أيّة حال.. كان السِّيّد محَمّد سيف النّصر من بين الشّخصيّات الوطنيّة التي تواصلت مع السِّيّد بشير السّعداوي بشأن القضيّة الِلّـيبيّة من أجل تحقيق وحدة البلاد وإستقلالها. ومن بين تلك الاتصالات والمراسلات توقيعه على المذكرة التي كانت قد بعثت بها الجبهة الوطنيّة إلى السّعداوي الذي كان في الحجاز لتأدية فريضة الحج. ويذكر أن السِّيّد بشير السّعداوي قبل مغادرته لتأدية فريضة الحج، كان قد ترك للنخبة الوطنيّة رؤوس أقلام لمشروع تقريرين أو مذكرتين، الأولى: يفترض أن تبعث إلى المستر بيفن، والثّانية: إلى الجهات الدّوليّة وتخص الحكم الإيطالي وطلبات المستقبل. وبتاريخ 25 أكتوبر/ تشرين الأوّل 1946م، أرسل السّعداوي من مكّة المكرمة، رسالة إلى السِّيّدين منصور بِن قدارة وطاهر المريّض مذكراً إياهما بالهمة في إعدادِ التقريرين المتفق عليهما، والموجود بحوزتهما رؤوس أقلام تخصهما. وجاء في كتاب للدّكتور محَمّد فؤاد شكري مقتطفات من تلك الرسالة، على النحو التالي: "..أوصيكما بالهمة في إعداد التقريرين اللذين ترك لكما رؤوس أقلامهما.. وإنّي وإنّ كنت قد فارقتكم في هذا الوقت العصيب إلاّ أن مشاعري كلها متجهة نَحوْ قضية بلادنا التي آن أن نقتطف ثمرة جهادنا العظيم في سبيل تحقيق إستقلالها إن شاء الله..". وقد وعد السّعداوي في رسالته كلّ من بِن قدارة والمريّض بعودته إلى أرض الوطن عقب الحج مباشرة. 
 
وبعد ذاك، بعثت الجبهة الوطنيّة إلى السِّيّد بشير السّعداوي بصورة من المذكرة التي..{.. أرسلتها الجبهة إلى المستر بيفن، كمَا بعثت إليه بمذكرتها عن (الحكم الإيطالي وطلبات المستقبل) وهي المذكرة التي وضعتها الجبهة فور تشكليها، بتاريخ 28 يونيه/ حزيران 1946م، وكانت تحمل توقيعات رئيس الجبهة سَالم المنتصر ونائب الرئيس محَمّد عون سوف، والسكرتير محمود فرحات، والأعضاء: فضيلة المفتي السِّيّد محَمّد أبوالإسعاد العالم، ومحمود المنتصر، وطاهر المريّض، والحاج مصطفى ميزران، وراسم كعبّار، وإبراهيم بِن شعبان من أعيان البربر، والحاج محَمّد سيف النّصر، وممثل الطائفة اليهودية زكينو حبيب..}.م61
 
ويذكر أيضاً أن البّيْ محَمد كان ضمن المجموعة التي عقدت إجتماعاً بالقاهرةِ (لجنة التحرير العربيّة) التي نادت بإستقلال لِيبَيا، وضمت إلى جانبه كلّ من: السِّيّد بشير بك السّعداوي وشقيقه نور الدّين بك، والأستاذ سيف النّصر عبْدالجليل إبن أخيه، والسِّيد طاهر بك المريّض[86]. (أنظر إلى الوثيقة رقم: 4، الصحيفة المصرية التي أشارت إلى خبر الاجتماع في مقالة لها عن لِيبَيا). وفي المهجر.. أقام البّيْ محَمّد في قرية بريد الشواشنه بالقارون – مديرية الفيوم، وتكفل بتأمين متطلبات الحيَاة ومستلزماتها لعائلته وعائلات إخوانه حيث عمل في مشاريع تنميّة الحيوانات والزراعة بالأراضي التي أمتلكها، وربطته علاقات مميزة بالفلاحين وأصحاب الأطيان في الصعيد وكافة نواحي مصر. وارتبط بمصر ارتباطاً وثيقاً وأحبها حباً جما واعتبرها موطنه الثّاني، وعبر عن اعتزازه بموطنه الثّاني وحبه الشديد له في بعض الرسائل التي كان قد بعث بها إلى المسئولين في مصر في فترات مختلفة من التاريخ.
 
وأثناء وجوده في المهجر، تعرف البّيْ محَمّد سيف النّصر على المناهضين للوجود البريطاني في مصر، ومن بين أولئك: كمال رفعت[87] أحد ضباط سلاح المدفعيّة، وعضو (حركة الضباط الوحدويين الأحرار). نشأت بينه وبين كمال رفعت (1921م-1977م)، علاقة نضال وصداقة حميمة حينما كُلِفَ الأخير بين عامي 1951م / 1952م بجمع الفدائيين من طلبة الجامعات والموظفين وتدريبهم في صَحّراء الفيوم لمقاومة الإنجليز في منطقة القناة.   
 
ولقد سمعت، من أكثر من طرف، حكاية من بين الحكايات التي كان يرويها البّيْ محَمّد عن فترة مساهمته في مناهضة الوجود البريطاني العسكري في مصر، مفادها: ".. أن البّيْ محَمّد ومجموعة من النَّاس، كانوا يدخلون إلى معسكرات الجيش الإنجليزي متنكرين في أزياء قساوسة، إبّان المناوشات بين الفدائيين المصريين والجيش الإنجليزي، وكانوا يقومون بأعمال محددة بهدف إرغام الإنجليز علي الجلاء، وأحياناً، كان يرافقهم بعض الضباط، وقد ذكر البّيْ محَمّد، منهم: كمال رفعت أحد ضباط تنظيم حركة الضباط الوحدويين الأحرار..".
 
ومن المفارقات أنه تعرض بعد مساهمته النضاليّة هذه إلى مكيدة كادت أن تأخذ من عمره (14) أربعة عشر عاماً، ومن باب الدِقَّة، من ضابط ربّما دُفِعَ للقيام بما قام به من جهة أو مجموعة ما !. فبعد فترة من تولي الضباط الوحدويين الأحرار لزمام الحكم في مصر، دُبرت ضدَّ البّيْ محَمّد مكيدة أحيل بموجبها إلى المحاكمة!. اتصل شخص بالبّيْ محَمّد بشأن نقل مبلغ من المال لأحد أمراء مصر خارج البلاد، وبعدما أكتشف البّيْ محَمّد أن ذلك الشخص لا علاقة له بالأمير وأنّه ضباط، قام الأخير بتوجيه مسدسه تجاه البّيْ محَمّد فبادر سائقه بإطلاق النَّار على الضابط وأصابه في يده، فأطلق الضابط رصاصة باتجاه السائق وأصابته هو الأخر في يده. وبعد هذه الحادثة، أحيل البّيْ محَمّد إلى المحاكمة، فحكمت عليه المحكمة حكماً يقضي بسجنه مدّة (14) أربعة عشر عاماً قضى منها حولي خمسة شهور حيث تمّ بعدها الإفراج عنه. تابع الملك إدرْيس السُّنوُسي قضية البّيْ محَمّد، وكلف السِّيّد سيف النّصر عبْدالجليل بِن سيف النّصر إبن أخ البّيْ محَمّد بالإتصال بالحكومة المصرية نيابة عنه، كذلك، كلف السِّيّد مصطفى بِن حليم رئيس حكومته (أبريل/ نيسان 1954م – مايو/ أيار 1957م) بمخاطبة الرئيس جَمال عبْدالناصر، فأرسل بِن حليم رسالة إلى عبْدالناصر، محيلاً إلى سيادته طلب الملك القاضي بإعادة النظر في الحكم الصّادر بحق البّيْ محَمّد. استجاب الرئيس جَمال عبْدالناصر لطلب الملك، وأصدر أوامره بالخصوص، وأُفرج عن البّيْ محَمّد، وتمّ ذلك في أواخر عام 1955م، فعاد البّيْ محَمّد معززاً مكرماً إلى بلاده، واستقر بها إلى أن وافته المنية بطرابلس في شهر أكتوبر/ تشرين الأوّل من عام 1971م. 
 
ومن المعلوم، أن البّيْ محَمّد سيف النّصر كان قد عاد إلى لِيبَيا عام 1946م بعد اندحار القوَّات الإيطاليّة، ثمّ زارها في المرَّة الثّانيّة عام 1947م ليعود مجدّداً بعدئذ إلى مصر، وفي عام 1955م عاد بشكل نهائي إلى لِيبَيا. ويُذكر أن الملك إدرْيس السُّنوُسي كان قد عين بعد إستقلال البلاد، أخوه أحمـَد واليّاً على فـَزّان، ويًذكر أيضاً أن عائلته كانت قد احتفظت بهذا المنصب حتَّى تاريخ إلغاء النظام الإتحادي في أبريل/ نيسان 1963م.
 
ظلّ البّيْ محَمّد طوال سنوات العهد الملكي بلا منصب رسمي، وكان رجل قبيلة أكثر من كونـه رجل دولـة. ومارس في إقليم فـَزّان بعض الممارسات إلي أغضبت سكان الإقليم منه، فاشتكوه إلى ملك البلاد عدة مرَّات. غضب الملك إدرْيس من الشكاوي التي وصلته، وفي عام 1958م وصل الغضب ذروته.
 
بدأت تصل إلى الملك إدرْيس السُّنوُسي في عام 1958م، رسائل يشكو أصحابها من البّيْ محَمّد سيف النّصـر، فقرر البّيْ محَمّد مغادرة البلاد حتَّى لا يضع الملك إدرْيس في حرج أو يسبب له إحراج، فغادر في بدايات عام 1958م إلى باريس ومنها إلى لبنان التي بقى فيها بعضاً من الوقت حيث قرّر الخروج منها عقب اندلاع الحرب الأهلية بسبب الإنزال الأمريكي الذي وصل إلى لبنان بطلب من رئيسه كميل شمعون. فقد استنجد الرئيس شمعون بواشنطن بعد نجاح الإنقلاب العسكري في العراق يوم 4 يوليو/ تموز 1958م، معلناً موافقة حكومته على المساعدة العسكرية السريعة، من دون الرجوع إلى البرلمان، خوفاً من سيطرة المعارضة المسلحة في لبنان على مقاليد الحكم.
 
وأثناء هذه الأحداث، سافر البّيْ محَمّد سيف النّصر من لبنان الذي أحبه كثيراً إلى السّودان. وأثناء وجوده في السّودان، كان سيف النّصـر إبن أخيه (نائب واليّ فـزّان، ورئيس المجلس التنفيذي بالولاية ثمّ وزيراً للدّفاع) تدور بينه وبين الملك إدرْيس جملة من اللقاءات والمراسلات بشأن وجود البّيْ محَمّد خارج البلاد، وقد أدَّت تلك الإتصالات إلى سفر السِّيّد  سيف النّصـر إلى السّودان بغية إقناع عمّه بضرورة العودة إلى أرض الوطن. وقد عاد البّيْ محَمّد إلى فـَزَّان بعد أيام قليلة من مغادرة إبن أخيه أرض السّودان. ويروى أن البّيْ محَمّد سيف النّصر في أثناء إقامته بلبنان، كان قد سافر من بيروت إلى السعودية لزيارة السِّيّد صفي الدّين السُّنوُسي[88] المقيم وقتئذ هناك.
 
وبعد استلام السِّيّد محَمّد عثمان الصيد (من إقليم فـَزَّان) لرئاسة الوزراء (16/10/ 1960م-19/3/ 1963م)، نشأت بين أنصار السِّيّد محَمّد سيف النّصر، وبعض أنصار الصيد، مناوشات تصاعدت بين الحين والآخر. وفي أجواء الصّراع هذه، جددت أحدى القبائل مطالبتها للملك إدرْيس السُّنوسي بإعادةِ التحقيق في الثارات القبلية التي دارت إبّان حكم الإدارة العسكرية الأجنبيّة أيّ قبل استقلال البلاد.
 
ومن المهم الإشارة هُنا، إلى أن لِيبَيا كدولة لم يكن لها وجودُ قبل إعلان إستقلالها في 24 ديسمبر/ كانون الأوّل 1951م، وإن محاولات فرض وجودها كدولة قطرية نشأت منذ قرون بعيدة هو أمر مخالف للواقع تماماً أو كمَا قال الدّكتور عَلي حميدة..{.. لابُدَّ من الحذر في استخدام كلمة لِيبَيا والِلّـيبيّين قبل مرحلة الإستعمار إذ لم تكن هناك لِيبَيا ولكن ولاية طرابلس الغرب. محاولات فرض الدولة الوطنيّة القطرية وكأنها نشأت منذ قرون بعيدة قبيل الدولة الإستعمارية هي في الغالب محاولة لفرض الحاضر على الماضي، لأن كلاً من الدولة القطرية اللّـيبيّة والتونسيّة والجزائريّة وغيرها في المنطقة بُنِيت خلال الفترة الإستعمارية أو كرد فعل لها..}م62. ولذا، لا يمكن لنا فرض الحاضر على الماضي، وتصوير حال السكّان على أنه كان موحداً متماسكاً في حين كانت تركيبته الإجتماعيّة، تركيبة قبلية تعلو مصلحة القبيلة فيها فوق كل ّ اعتبار أخر، ولم يكن للّـيبيّين حينئذ أيّ كيان يجمعهم غير المظلة القبلية فالدولة التي جمعتهم تأسست في عام 1951م ولم يكن لها وجودُ قبل ذاك، وإنّ الِلّـيبيين كانوا قبل ذلك التّاريخ في حقيقة الأمر، مجتمعاً قبلياً منقسماً على نفسه، ولم يتغلبوا - وبشكل ملحوظ - على انقسامهم وصراعاتهم القبلية، إلاّ بعد أن وحدوا صفوفهم وتساموا فوق نزعاتهم الجهوية والقبلية من أجل طرد المستعمر الإيطالي البغيض بعد دخوله إلى الأراضي الِلّـيبيَّة في عام 1911م. والإنسان الِلّـيبيّ كان إبن ظروفه ومحصـلة ما أحاط بـه، ولم يكن مختلفاً عمّا هو جاري في مناطق أخرى من عالمه المرتبط بـه، فلإنسان في النهاية هو.. {.. إبن عصره، ونتاج ظروفـه، ومحصـلة كلّ ما أحاط بـه أو انتمى إليـه..}.م63
 
وربّما يحمد لفترة الاستعمار، رغم قسوتها وعذاباتها وويلاتها وحسراتها، أنّها أنهت الصّراع القبلي ووحدت الجميع في حرب طويلة مريرة أضطر في نهايتها الجبابرة العتاة إلى الخروج من الوطن منهزمين مطأطئي الرؤوس. وربّما، تكون هناك حالات من الثارات القبلية لا تتعدى مؤكداً أصابع اليد الواحدة، كانت قد سُجلت على امتداد السنوات الممتدة من 1911م إلى 1931م، وهي سنوات الجَهاد الميداني المسلح ضدَّ القوَّات الإيطاليّة المستعمرة. هذا، وقد سُجِلَ في عهد الإدارة العسكريّة البريطانيّة، بعض من حالات الثأر القبلي، واشهر تلك الحالات ما وقع في عام 1947م، وحينما حاول البعض فتح ملف التحقيق في قضيّة عام 1947م بعد إعلان الإستقلال وقيام المملكة الِلّـيبيّة المتَّحدة، رفض الملك إدرْيس فتح ملفات قضايا وقعت قبل قيام الدولة الِلّـيبيّة لأنّ ذلك سيكون مجلبة للتطاحن والشقاق والنزاع وإحياء الفتن.
 
وما يسجل للـيبيين بعد قيام دولتهم، إنّهم طووا صفحة الماضي بكلّ جراحاتها وتراكم صراعاتها، والتزموا جميعاً  بالدستور وحكم القانون الذي اعتبر الِلّـيبيين متساويين أمامه لا تمييز بينهم. ودخلت لِيبَيا منذ إستقلالها تحت تاج الملك إدرْيس السُّنوُسي، إلى دولة مؤسسات المجتمع المدني حيث انتهت الثارات القبلية وأصبحت المنافسة على أشدها في إطار مؤسسات الدولة الوليدة لانتخاب الشخصيّات القادرة على تحقيق مصالح النَّاس والتعبير عن همومهم وقضاياهم في مؤسسة (البرلمان) حيث أنّها الجهة التي لا يستطيع رئيس اللجنة التنفيذية (رئيس الوزراء) إبرام إيّ اتفاقية أو إصدار إيّ قانون دون موافقتهم، ولا يستطيع رسم السّياسيّات العامـّة دون استشارتهم وأخذ موافقتهم.
 
ومن جديد، وبلا شكّ.. فقد كان الملك إدرْيس متضايقاً ومنزعجاً إلى حد كبير ممّا كان دائراً في إقليم فـَزّان، ومتخوفاً من إحياء الفتن القبلية التي كادت أن تختفي بوحدة جميع القبائل الِلّـيبيّة في حربِ التحريرِ ضدَّ القوّات الإيطاليّة ثمّ انتهت بإستقلال لِيبَيا واحتكام الجميع إلى حكم القانون المتمثل في دستور 1951م.
 
أيقن الملك إدرْيس بأن تراكمات  الماضي لابُدَّ وأن تلقي بظلالها على حاضر الإنسان، فرأي بأنّ الحزم في تطبيق القانون والتشديد على نزاهة القضاء واستقلاليته، يكفلان الحد من تأثير الماضي السلبي على الحاضر خصوصاً إذا ما أيقن كلّ الِلّـيبيّين بأنهم متساوون في الحقوق وأنّهم لدى القانون سواء. أمّا التأثير في مواريث الثقافة السلبية، فلابُدَّ وأن يأخذ مدة من الوقت ولا سبيل لإحداث ما يجب إحداثه غير سبيل العلم والمعرفة، ورأي أن العلمَ أساسُ العلا والنَّعيم والسعادة.
 
فاصْدِم جهالَـتَهُم بِعِلْـمكَ إنَّـمـا *** صَدْمُ الجَهالَةِ بالمَعارفِ أَحْـزَمُ
اخْـدمْ بِـلاداً أنْـتَ مِـنْ أبْـنائِـها *** إنَّ الِـبـَلادَ بأَهـْلِهـا تَـتقـَدَّمُ (89)   
 
وعود على ذي بدء، أقول.. أنطلق الملك إدرْيس السُّنوُسي من قيم الإسْلام ومبادئـه، فالقرآن الكريم أعترف بوجود الشعوب والقبائل[90] إلاّ أنّه وضع الهدف من وراء ذلك هو التعارف والتدافع، فالله سبحانه وتعالى جعل الخلق - وإلى قيام الساعة - شعوباً شتى وقبائل متعددة، ليحصل التعارف والتآلف لا التناحر والتخالف. وأكد بأن الإيمان والتقوى هما القيمة الأعز والأعظم، فالأفضلية عند المولى عز وجل لمن هو أصلح واتقى، وظهر ذلك بوضوح تامّ في الآيّة الكريمة: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ} (13 سورة الحجرات). وكان الملك إدرْيس ينطلق من الإرث الإسْلامي وتاريخه، فالرسول محَمّد صلى الله عليه وسلم، أوّل من خط دستور نظم العلاقة بين جميع طوائف المجتمع وجماعاته في المدينة المنورة. وتعتبر صحيفة المدينة أقدم نصّ (دستوري)، وتعد..(.. مفخرة من مفاخر الحضارة الإسلاميّة، ومَعلَمًا من معالم مجدها السّياسي والإنساني..)، كمَا سجل الأستاذ: محَمّد ياقوت في موقع: (إسلام أون لاين). وأصبحت بصحيفة (المدينة) حقوق جميع المواطنين مكفولة، حيث كُفِلت للجميع حرية الاعتقاد وممارسة الشعائر، وبها كُفِل العدل والمساواة بين النَّاس. وتمثل صحيفة المدينة..{.. أقدم نص (دستوري) ينظم العلاقة بين سكّان الدولة المسلمة, والإسْلام يملك في هذا الموضوع تراثاً غنيّاً, فقد قام التّاريخ الإسْلامي والتّجربة التّاريخيّة للإسْلام بشكلِ عامّ على قبول الخصوصيات المتنوعة لكافة المجموعات المختلفة دينيّة كانت أم قوميّة أم ثقافية أم لغوية, وقد وَجدت أديان ومذاهب وثقافات عديدة وأقوام عديدون إمكانيةَ العيش بأمان في ظلّ الإسْلام. وإنّ صحيفة المدينة مثال واضح وجيد طبّق في الواقع العملي فعلاً وأنموذج للعيش معاً بسلام..}.م64
 
وكان الملك يرى محبة الرجل لقومه ليست عصبية إنّما العصيبة أن يعين الرجل قومه على الظلم، مقتدياً بقول الرسول صلى الله عليه وسلم في الحديثِ الذي رواه (أبن ماجه) فيما تناقله الرواة عن امرأة سمعت عن أبيها أنّه قال: "..سألت النبي صلى الله عليه وسلم فقلت: يا رسول الله، أمن العصبية أن يحب الرجَل قومه؟، قال لا، ولكن من العصبية أن يعين الرجَل قومه على الظلم..". إبن ماجة رقم (3997). ويقيناً.. كان الملك إدرْيس يعلم تمام العلم أن تركيبة المجتمع الِلّـيبيّ، تركيبة قبيلة كمجتمعات أخرى في منطقتنا، فكان همه الأساسي تفعيل تركيبة المجتمع وتطوير دور سائر فئات الشّعب الِلّـيبيّ ليساهم الجميع في بناء دولة لِيبَيا الحديثة. ولم ينكر الملك على الفردِ اعتزازهِ بنفسهِ أو بعائلته أو قبيلته ولا يرى عيباً أو حراماً في ذلك، وإنّما كان يرى العيب والخطر يكمن في أن يضع الفرد مصلحته أو مصلحة عائلته وقبيلته قبل مصلحة الوطن أو فوقها، فأنطلق من شعار: (الوطن أولاً.. والوطن فوق الجميع، وقبل كلّ شيء). وأعطى الملك إدرْيس لأعيان البلاد ومشايخ قبائلها، القدر والمكانة التي يستحقونها، وكان دائم الإشادة بدور القبائل الإجتماعي التضامني، ودورها في مرحلة الجَهاد ضدَّ المحتل الإيطالي، مؤكداً أن حركة الجَهاد في لِيبَيا قامت على أكتاف القبائل والتزام مشايخ تلك القبائل بعهودهم مع قيادة الجَهاد المتمثلة في (القيادة السُّنوُسيّة). ورغم تقدير الملك وتوقيره لمشايخ القبائل وأعيان البلاد، إلاّ أنـّه اتفق منذ البداية مع هؤلاء على قيام الدولة على أساس (الدّستور)، وأن لا تمييز بين أبناء الشّعب الِلّـيبيّ، والِلّـيبيّون لدى القانون سواء. وسعى لإبعاد القبلية أو العشيرة عن المدينة لأنّه رأى في دخولها إفساد للسّلطة، وإفساد السّلطة يعني: إفساد حيَاة البلاد والعباد. ولكن، سنوات حكمه القليلة، لم تمنحه هو والمخلصون من رجَال عهده الميمون، الفرصة الكافيّة لإتمام كلّ ما سعوا إليه، فتمّ إجهاض هذا المسعى وكثير من المسعاي الأخرى حينما استولى إنقلابيو سبتمبر على السّلطة في عام 1969م. وإلى جانب هذا، بنى الملك إدرْيس نظام الدولة الِلّـيبيّة على ثلاثة أُسس، وضعها الأستاذ منصف البّوري في مقالته: (القبلية والجهوية ومستقبل العمل السّياسي في لِيبَيا) على النحو التالي:
 
"أولاً: العمل على التكاملِ والتكاتفِ الوطنيّ بين كلّ جهات البلاد، فلا أفضليّة ولا أولوية لأيّ منها على الأخرى. ثانياً: السعى لإيجاد لا مركزية إدارية بقدر الإمكان ومحاولة تطوير مختلف جهات البلاد تدريجياً. ثالثاً: توزيع عدد من المشروعات الإقتصاديّة على مختلف المدن تبعاً لعدد السكّان والاحتياجات والإمكانيات التي تخدم هذه المشروعات، وعلى سبيل المثال لا الحصر يمكن الإشارة إلى المشروعات الإسكانية والطرق والمدارس والجامعات والمدن الرياضيّة والمدن السياحيّة وغيرها. لقد كانت المسألة الجهوية ذات حساسية خاصّة بالنسبة للملك (إدرْيس) ومن كان يتولى الجهاز التنفيذي في نظامهِ..". 
 
وباختصار.. تعامل الملك إدرْيس بحكمةِ واقتدارِ مع هذا الملف، واخمد فتنة كادت أن تشتعل مجدّداً، وتمكن من حل المشكلة التي طرأت على إقليم فـَزّان، بحكم تأسيسية لمؤسسات الدولة القائمة على قوة القانون وإصراره على تطبيق نصّوص مواد الدّستور الذي حدد واجبات الدولة والمواطن وكفل حريات المواطن وصان حقوقه وحقوق الرعايا الأجانب في الدولة، وتمسكه بنص المادة رقم (11) من الدّستور الِلّـيبيّ التي نصّـت على..".. الِلّـيبيّين لدى القانون سواء، وهم متساوون في التمتع بالحقوق المدنية والسّياسيّة وفي تكافؤ الفرص وفيما عليهم من الواجبات والتكاليف العامـّة لا تمييز بينهم في ذلك بسبب الدّين أو المذهب أو العنصـر أو اللغة أو الثروة أو النسب أو الآراء السّياسيّة والإجتماعيّة..".  كذلك، بحكم ما للملك إدرْيس من تأثير على (آل سيف النّصر) ومعرفته بصدق إخلاصهم للوطن وولائهم التاريخي للسُّنوُسيّة وحبهم الشديد لشخصه الكريم وإيمانهم بحكمته ونزاهته.
 
ويُذكر، أن الملك إدرْيس أقام بناء الدولة الِلّـيبيّة وعهد حكمه على أسس قيم الصفح والعفو والتصالح بين النَّاس، فتعامل بلطف مع الاختلاف.. وتجنب التعامل بقسوة وعنف مع أصحاب المواقف المتطرفة.. وعفى عن كلّ من وقف ضدَّ اجتهاده في فترة الجَهاد من أجل تحرير ليبَيا بل عفى حتَّى عن الذين تطلينو أيّ تعاملوا مع المستعمر الإيطالي. وكمَا أسْلَفتُ، رفض الملك إدرْيس فتح ملف الصّراعات القبلية التي رآها على أنّها جزء من الماضي، والماضي شكلّت جزء من ملامحه زمن اللا دولة وثقافة السطو والعنف، ولذا، رفض فتح ملف قضايا وقعت قبل قيام الدولة الِلّـيبيّة لأنّ ذلك سيكون مجلبة للتطاحن والشقاق والنزاع وإحياء الفتن، وحرص على بناء الدولة الناشئة بتكاتف الجميع ووحدة الصّف الوطنيّ شرط أن يلتزم كافة أبناء المجتمع بسيادة الدولة وحكم القانون. وبالرَّغمِ ممّا تحقق من إنجازات عملاقة في العهد الملكي، وما أُنجز من أعمال كبيرة، وما تمّ  إتخاذه من خطّوات جبارة في شتى المجالات، إلاّ أن سنوات الحكم الملكي بليبَيا اعترتها بعض النواقص والسلبيات والتي قد تكون معطيات تلك المرحلة وقصر عمرها سبباً في ذلك، فالسبعة عشرة عاماً، لم تكن بالتأكيد كافية لتحقيق كلّ ما كان مخططاً للوصول إليه.
 
والشاهد.. احترمت الدولة، القبيلة كمكون من مكونات المجتمع الِلّـيبيّ.. واحترمت القبيلة ما اتفقت الأمـّة عليه، والعهد الذي قطعته على نفسها مع الملك إدرْيس. واستجاب مشايخ القبائل لفكر الملك إدرْيس والسياسيات التي تبناها لأنهم كانوا على قناعة بأن العهود الماضيّة سيطرت عليها العقليّة القبلية حيث حلّت القبيلة محل الدولة التي لم تكن موجودةً بالأساس، والقبيلة كانت تغلب كفة مصلحتها الخاصّة حتَّى لو كان ذلك على حساب الصَالح العام، وأبناء القبائل كانوا يلجأون إلى قبائلهم للحفاظ على مصالحهم أو لاسترداد حقوقهم، وأحياناً، كان يتمّ ذلك عبر سياسة الرد على الصاع بصاعين كمَا يقولون، فوقعت الكثير من المظالم. وكانت قناعتهم، بأن ذلك في حسابات الماضي، وعند قيام الدولة التي تصون حقوق الجميع وترد المظالم وتقتص من الجاني، لابًدَّ ألا يصبح شكل ودور القبيلة على النحو الذي كانت عليه. وهذا ما تمّ بالفعل خلال سنوات العهد الملكي، بل، أن كل القبائل التي كانت بينها ثارات وصراعات، تصالحت وتصاهرت والتزام الجميع بسيادة الدولة وحكم القانون.
 
وبمحصلةِ، التزم الجميع بحكم القانون وطويت صفحة الثارات القبلية، ولكن القبلية كثقافة ظلّت موجودة طوال سنوات العهد الملكي، وظلّ دورها السّياسي موجوداً على نحو ما، وبشكلِ غير مباشرة. وقد ظهر البُعدُ أو النفس القبلي  جلياً في الانتخابات التي أجريت خلال سنوات العهد الملكي، حيث كانت القبيلة هي الإطار التي عمل النَّاس من خلالها لاختيار ممثليهم في البرلمان بعد أن ألغيت الأحزاب[91] بعد شهرين من قيام الدولة - فبراير/ شباط 1952م -  حيث أصدرت حكومة السِّيّد محمود أحمَد المنتصر قراراً يمنع ممارسة العمل السّياسي الحزبي كردّ فعل على الأحداث التي دارت في شوارع طرابلس بعد انتهاء الانتخابات، وعلى اتهامات زعماء الأحزاب السّياسَيّة في طرابلس لحكومة المنتصر بالتلاعب في نتائج أوَّل انتخابات برلمانيّة تجرى في لِيبَيا. وقد سبق هذا القرار، قرار مماثل اتخذ في ولايّة برقة بحل جميع الأحزاب والجمعيات السّياسَيّة في الولايّة. ففي السّابع من ديسمبر/ كانون الأوّل  سنة 1947م حُلت جميع الأحزاب السّياسيّة في ولايةِ برقة بما فيها جمعيّة (عُمر المختَار) التي لعبت دوراً رئيسياً في الحيَاةِ السّياسيّةِ في ولايّةِ برقةِ منذ عام 1943م أيّ بعد تولي بريطانيا لإدارة الإقليم، وكانت من أبرز المنظمات السّياسيّة الِلّـيبيّة التي عملت من أجل إستقلال لِيبَيا ووحدة أقاليمها الثلاثة (برقة وطرابلس وفـَرّان).
 
ربّما كانت هناك مبررات أدَّت إلى إتخاذ هذه الخطّوة كالقول بأن الوقت كان لازال مبكراً آنذاك على إتخاذ خطوة متقدمة جداً مثل السماح بممارسة النشاط الحزبي، فإيقاف النشاط الحزبي وقتئذ..(.. كان يصب في مصلحة الدولة التي كانت تعاني من التمزق الإقليمي والقبلي ومغرقة في الفقر والأمية..)، كمَا جاء في توصيف الأستاذ محَمّد أمين العيساوي لحال البلاد حينذاك، في مقالته: (24 ديسمبر ميلاد دولة وملك حكيم فوق مستوى المرحلة). أو من منطلق الحرص على وحدة الصّف والتخوف من تأثير النشاط الحزبي وعمل الجمعيات على الوحدة الوطنيّة التي تحققت بعد صعوبات بالغة وعقبات كثيرة، فالهم الأساسي كان وقتئذ: بناء الدولة وإبعادها عن كلّ شيء من شأنه عرقلة أو إمهال وتسويف عمليات البناء والتشييد كإغراق تلك العلميات في متاهات المبارزات السياسيّة ودوائر اللغط السّياسي أو إدخالها في.. (وصالونات الترف السّياسي النخبوي..)، على رأي الأستاذ محَمّد أمين العيساوي في مقالته المُشار إليها أنفاً. أو القول بأن الحرص على بناء أجهزة الدولة الوليدة يستدعى إتخاذ هكذا خطوة لأنّ المكلفين بعملية بناء الدولة وتأسيس مؤسساتها يتخوفون من أن تؤثر الأحزاب سلبياً على هذه المهمّة الصعبة المحاطة بصعوبات معقدة وحساسيات غاية في التعقيد!. وقد أكد السِّيّد مصطفى بِن حليم أحد رؤساء حكومات العهد الملكي على مبرر أخر يأتي ضمن هذا السّياق، بقوله: (.. إن الملك إدرْيس كان يخشى أنّ تؤدي الحزبيّة إلى إحداث ثغرات وانقسامات قد يتسرب منها النفوذ الأجنبي الهدّام فتتشتّت كلمة الأمّة ويضعف تماسكها فينفرط عقدها..).
 
وبمُجمَل الظروف، فإن استمرار المنع كان خطأ فادحاً، وإعادة النظر في قرار المنع كان واجباً لم يتمّ الإتيان به. فقد كان حرياً بحكومات العهد الملكي التي جاءت بعد حكومة السِّيّد محمود المنتصر الأولى، أن تعيد النظر في قرار إلغاء الأحزاب، أو كان بالإمكان أن تشهد لِيبَيا..{.. ميلاد التعددية الحزبية مع التعديل الثاني الذي أجري على الدستور سنة 1963م حيث بدأ بالفعل التكون النخبوي وخفت حدة الأمية وتبلورت في الأذهان فكرة الدولة..}م65. وهذا، ما لم يحدث مع الأسف الشديد.
 
أيضاً.. كان حرياً بالدولة التي كانت تنشد المجتمع المدني، أن تسمح بتأسيس الأحزاب وفق اشتراطات قانونيّة معينه، وأن تقوم بتعزيز دور مؤسسات المجتمع المدني بشكل عام حتَّى تمهد الطريق تدريجياً أمام تقليص الدّور السّياسي المباشر للقبيلة أو غير المباشر، إلى أن يختفي هذا الدّور بالمرَّة. لم تتخذ هذه الخطّوة التي كان من المفترض إتخاذها، وقد أدّى عدم إتخاذها، مع مرور الوقت، إلى تعزيز مكانة القبيلة في العمل السّياسي وإحداث حالة من الفراغ تمكن الإنقلابيون في الأوَّل من سبتمبر/ أيلول 1969م من خلالها من الاستيلاء على السّلطة.
 
والحاصِل.. استغل نظام سبتمبر هذه الحالة ووظفها لصَالح استمراره وبقائه في الحكم، فالمشكلة القبلية تبدو..{.. أكثر وضوحاً أمامنا عندما نستعرض محاولات (النّظام) العديدة والمتكررة والتي بدأت منذ فترة مبكرة لصياغة مجمل العمل السّياسي في البلاد على أسس قبلية وجهوية إلى حدِ ما. فلقد اتسمت جملة من التصريحات الرسميّة وغير الرسميّةِ بإطلاقِ النعرات وتأجيجها بشتى الأشكال والصور، ووصل الأمر بالقذّافي نفسه إلى درجة تخويف وإثارة حفيظة بعض القبائل ضدَّ بعضها الآخر، بدعوتها صراحة، أو من خلال الزيارات التي كان يقوم بها من حين إلى آخر للمدن والمناطق، أو من خلال دعوة شيوخ القبائل ورجَالاتها إلى مجالسه الخاصّة والعامّة. بل لم يتوان القذّافي عن طرح فكرة ترحيل بعض القبائل من مناطقها ومدنها التي تقيم فيها منذ زمن طويل إلى أماكن أخرى. كمَا لم يتوان عن طلب التأييد والدعم المعنوي من القبائل عند وقوع أيّ حدث يمس أمنه الشخصي أو أمن (نظامه)، بل إنّ الأمر وصل إلى حدِ إطلاق أسماء القبائل على بعض المناطق والمدن في لِيبَيا ترسيخاً للبعد القبلي وتأكيداً له.
 
ولعلّ الملاحظة الجديرة بالإهتمامِ في هذا السّياق تتعلق بغياب الدولة، التي تؤسس للمجتمع المدني من خلال السماح لكلّ المؤسسات السّياسيّة والنقابيّة والأهليّة بالعمل في إطار قانوني منظم ومعترف به، الأمر الذي دفع الى البحث عن أطر بديلة، أدَّت بدورها الى تقلص فرص العدل والمساواة، وأبرزت الجوانب التمييزية بين المواطنين، وتضائل دور المؤسسات والأجهزة الحكوميّة في قطاعاتها الخدميّة ولم يبق إلاّ وجهها القهري الاستبدادي، لتعود من جديد التركيبة القبلية لتفرض نفسها على الواقع في التعامل والمعاملة. وعلى سبيل المثال، أصبح المواطنون يلجأون إلى من ينتمي إلى قبيلتهم ممن يتقلدون المراكز والمناصب أو يتمتعون بنفوذ في (النّظام) للحصول على حاجاتهم وقضاء مصالحهم أو تلبية رغباتهم أياً كان نوعها، ومن هنا أصبحت المحاباة القبلية عملية ضرورية في ظلّ تهميش دور المؤسسات الرسميّة التي تقدم خدماتها وأعمالها دون تمييز لجميع المواطنين. بل إنّ غياب دور هذه المؤسسات دفع إلى أن تصبح (التصعيدات) أو حتَّى التعيينات داخل الأشكال والأطر التي اختارها القذّافي لتشكل هياكل (نظامه السّياسي)، تتمّ بطريقة توزيع الحصص على القبائل أيّ إنّها لا تتمّ بمعزل عن الأسس القبلية والتنافس القبلي الذي يغلب مصلحة القبيلة على مصلحة المجتمع..}.م66  
 
وبعد هذا الاستطراد الطويل، نعود مجدّداً إلى البّيْ محَمّد، فقد جاهد جهاداً بطولياً في فترة مواجهات الِلّيبيّين المسلحة المباشرة ضدَّ المستعمر الإيطالي.. ولم يتقلد في دولة الإستقلال أيّ منصب أو وظيفة رسميّة.. واختلفت شخصيته ومواقفه عن أخويه أحمـَد وعُمر، وأختلف البعض معه لدرجة إنّهم اشتكوه للملك مرَّات عديدة، وقد سُجلت ضدَّه بعض الانتقادات.
 
وبعد إنقلاب سبتمبر/ أيلول 1969م، تمّ اعتقاله وتوفي في شهر أكتوبر/ تشرين الأوّل من عام 1971م. كان البّيْ محَمّد من بين الرِجَال الذين جرى إلقاء القبض عليهم فور الإنقلاب المشئوم، وتمّ إيداعهم في أحدى سجون مدينة طرابلس، وقد تعرّض هؤلاء الرِجَال لعمليات تعذيب وإذلال وقهر معنوي علاوة إلى سوء الغذاء والإهمال الطبي، وقد نتج عن ذلك وفاة عدد منهم داخل السّجن.
 
لم يكن البّيْ محَمّد سيف النّصـر ساعة الإنقلاب في سبها حيث كان في زيارة لمدينة طرابلس، وتمّ اعتقاله في قرقارش مقر إقامته. أُعتقل بعد إنقلاب سبتمبر/ أيلول 1969م مباشرة، ومكث في السجن شهور عدة إلى أن نُقِل منه إلى المستشفى ليلقى وجه ربه في شهر أكتوبر/ تشرين الأوّل من عام 1971م. وفي مقالة للأستاذ/ بوخزام العناني، نُشِرت يوم 6 يونيه/ حزيران 2005م في موقع (لِيبَيا المستقبل)، جاء ما نصـّه: ".. تعرض البّيْ محَمّد سيف النّصـر خلال فترة إعتقاله لسوء المعاملة والتعذيب الجسدي والنفسي، فلم توضع ترتيبات أمنيّة مشددة وصارمة لأيّ من رجَالات العهد الملكي كمَا وضعت للبّيْ محَمّد، ولم يحرص الإنقلابيون فجر الإنقلاب على أمر كحرصهم على التأكد من اعتقاله، والتأكيد على وجوده في المعتقل، ويعتقد الكثير من المراقبين وممن يعرفون محَمّد سيف النصر حق المعرفة: لو أنّ محمد سيف النّصـر كان في سبها يوم الإنقلاب، أو لم يتمكن الإنقلابيون من مباغتته والقبض عليه لتعسّر على الإنقلابيين السّيطرة على البلاد وربّما كان من الممكن أنّ يفشل الانقلاب لأنّ كاريزما وإمكانيات الزّعامة التي تمتع بها السِّيّد محَمّد بك سيف النّصـر كانت ستفلح في جمع الرافضين للإنقلاب وتنجح في إفشاله..". 
 
تدهورت صحة السِّيّد محَمّد سيف النّصـر داخل السجن - وبشكلِ كبيرِ - في أواخر سبتمبر/ أيلول 1971م، وأدّى هذا الأمر إلى اضطرار الإنقلابيين إلى نقله إلى أحدى مستشفيات العاصمة. وبعد أيام معدودة من نقله إلى العلاج، وافته المنية داخل المستشفى، وتحديداً في شهر أكتوبر/ تشرين الأوّل من عام 1971م. أوصى البّيْ محَمّد قبل وفاته، أن يدفن بـ(ودّان) في نفس المكان الذي دُفِنَ به والده، ولكن سلطات الإنقلاب رفضت ذلك بعد أن سلمت جثمانه إلى أهله، فشيع الأهل الجثمان ليدفن في مقابر مدينة طرابلس. وبعد دفنه، وضع الإنقلابيون حراسة مشددة على قبره خوفـاً من أن ينقلـه أحد أفراد عائلته أو أبناء قبيلته إلى المكان الذي أُوصى بأن يدفن فيه. وروى الأستاذ/ بوخزام حكاية حدثت لأحد أقربائه أو أصدقائه حينما زار قبر البّيْ محَمّد، فقال: ".. زار قبره أحد أصدقاءه فوجد عليه جندي يحرسه، فقال الزائر للجندي: أن هذا قبر وصاحب القبر ميت لن يتحرك، فردّ الجندي عليه بكلمة واحدة، فبادره الزائر قائلاً: (معكم حق يا بني هذا يخيف حياً وميتاً)..". وأخيراً.. كان البّيْ محَمّد شجاعاً مقداماً، لا يهاب الموت، وحينما سجنه الإنقلابيون كان صوته ونظراته تدخل في قلوب سجانيه الخوف والرعب. غفر الله للبّيْ محَمّد، ورحمه رحمة واسعة. وإلى هُنا انتهى، ما تمكنت من رصدهِ وجمعهِ وتوثيقهِ عن أؤلئك الرِجَال الأعـلام. والله أدعو التَوْفِيق، وَمَا تَوْفِيقِي إِلاّ بِاللَّهِ الْعَلِي الْعَظِيم.
 
الخاتمة:[92]   
 
حكمت أسرة سيف النّصـر المنتمية لقبيلة (أولاد سليمان)، واحة (فـَزّان) وواحة (الجفرة)  المكونة من  (هون) و(ودّان) و(سوكنة)، وامتد نفوذها إلى (وادي بن وليد) الواقع شرق جنوب مدينة طرابلس الغرب ثمّ منطقة (قصر سرت).   
 
عقد (أولاد سليمان) بزعامة أسرة سيف النّصـر، عبر تاريخهم الطويل عدة تحالفات قبلية حفاظاً على مراكز نفوذهم وسلطانهم أو تأميناً لمصالحهم الإقتصادية أو ضدَّ عدو ما. وقد تنوعت تحالفاتهم وفقاً لظروف كلّ مرحلة يعيشونها أو لطبيعة الصّراع أو ما تُمليه المنفعة والمصلحة.
 
زحف الشّيخ عبْدالجليل مع حلفائه (من قبائل ورفلّـة والقذاذفة والمغاربة وسكّان واحتي ودّان وهون، وغومة المحمودي)، باتجاه مِصْرَاتة وطرابلس وبسط نفوذه على مناطق واسعة من البلاد، وأصدر المراسيم بصفته سلطان لفـَزّان.
 
رفض (أولاد سليمان) بقيادة أسرة سيف النّصـر، دفع الضرائب للأتراك ودخلوا معهم في صراع مرير لم ينته إلاّ بعد انسحابهم من لِيبَيا بموجبِ إتفاقيّة لوزان - أوشي - الموقعة بين الطليان والأتراك في 18 أكتوبر/ تشرين الأوَّل 1912م. ومن أشهر ثوراتهم: القتال المرير الذي قاده الشّيخ سيف النّصر عام 1804م أثر معركة طاحنة ضدَّ قوَّات يوسُف باشا التي كان يقودها إبنه محَمّد بك، ولقي الشّيخ سيف النّصر مصرعه في هذه المعركة.. التمرد الذي قاده الشّيخ عبْدالجليل سيف النّصر سنة 1831م.. الضربات العنيفة التي وجهت لقوَّات الأسرة القرمانليّة والدولة العثمانيّة على حد سواء على مدار السنوات الممتدة من 1839م إلى 1841م، والتي انتهت بمصرعِ عبْدالجليل وأخيه سيف النّصر رفقة أبرز أنصارهما.. معارك أخرى بدأت بعد عودة من بقى على قيد الحياة من أبناء عائلة سيف النّصر إلى لِيبَيا، برفقة حلفائهم من مهجرهم في تشاد، ودخولهم مجدّداً في صراع مرير مع الأتراك، والذي لم ينته إلاّ بعد انسحاب الأتراك من لِيبَيا عام 1912م. وقبل سنوات من عام 1912م، دخل أولاد سليمان بقيادة أسرة سيف النّصـر، في مواجهات عنيفة مع القوَّات الفرنسيّة تصدياً لمحاولاتها لسلخ أفريقيا عن محيطها الإسْلامي. وقف الِلّـيبيّون في وجه المستعمر الفرنسي في أفريقيا ذوداً عن الإسْلامِ وديارهِ، وتحركوا في المناطق التشادية بقيادة السُّنوُسيين وخاضوا العديد من المعارك ضدَّ الفرنسيين، وفي معركةِ ثانيّةِ بعد معركةِ عام 1900م، لعبت قبيلة أولاد سليمان دوراً أساسياً وكان الشّيخ عبْدالجليل بن غيث بِن عبْدالجليل بِن سيف النّصـر أحد أبنائها من بين شهداء تلك المعركة، والذين بلغ عددهم (100) مائة شهيدٍ. وبعد دخول القوَّات الإيطاليّة عام 1911م إلى الأراضي الِلّيبيّة، وقف السِّيّد سيف النّصـر بِن سيف النّصـر بِن غيث بِن سيف النّصـر وأولاده الستة: أحمـَد وعبْدالجليل وعُمر وسُليْمان وأمحمد ومحَمّد، في وجه المستعمر الإيطالي وخاضوا برفقة حلفائهم حرباً طويلةً امتدت سنوات طوال. اعتقلته القوَّات الإيطالية وخمسة من أولاده عام 1914م، وبعد إطلاق سراحه شق الصّحَراء، أخذ في تنظيم صفوف الجَهاد بالتشاور والتنسيق مع السّادة السُّنوُسيين، متزعماً قبيلة أولاد سليمان، فوقف مع أبناء قبيلته وأولاده الستة وبرفقة القبائل المتحالفة معهم في وجه المستعمر الإيطالي بشجاعة نادرة شهد لهم بها الجنرال رودلـفو غراتسياني قائد قوَّات العدو الإيطالي فيما خطه من مذاكرات عن حربِ الصّحَراءِ الِلّيبيّةِ. وبعد وفاة الشّيخ سيف النّصـر بِن سيف النّصـر عام 1920م، آلت مشيخة قبيلة أولاد سليمان ورئاسة القبائل المتحالفة معهم إلى ولديه أحمـَد وعبْدالجليل، واستمر الاثنان في قتال المستعمر الإيطالي حوالي عشرين عاماً حيث كان كلّ منهما على رأس جيش مكون من أبناء قبيلته وحلفائها. 
 
استشهد السِّيّد سُليْمان سيف النّصـر بِن سيف النّصـر وإبنه السّاعدي في معركة (وادي بوالشيوخ) عام 1930م. وبعد معركة (وادي بوالشيوخ)، اعتقلت القوَّات الإيطاليّة أولاد السِّيّد سُليْمان وزوجته، وظلّوا رهن الاعتقال حتَّى ساعة خروج الطليان من لِيبَيا.   
 
وفي جانب أخر.. اشترك أبناء عائلة سيف النّصر في معارك مباشرة مع قوَّات الإحتلال الإيطالي استمرت لمدة عشرين عاماً، ومن أهمّ تلك المعارك على سبيل المثال لا الحصر: معركة القرضابية، ومعركة آبار تاقرفت، ومعركة بير عافية، ومعركة واو الكبير، ومعركة الكفرة. وقد أصيب في معركة آبار تاقرفت ربيع عام 1928م، خمسة أبناء لعائلة سيف النّصر اشتركوا في هذه المعركة، كلاً من: السِّيّد عَلي بِن غيث، والسِّيّد محَمّد سيف النّصـر.  وفي هذه المرحلة.. كان السِّيّد أحمـَد سيف النّصـر محارباً شجاعاًَ من طراز خاصّ جداً، وكان أخوه السِّيّد عبْدالجليل سيف النّصـر سياسياً بارعاً وعلى درجة عالية من الذكاء أهلته ليحيك بمهارة، معركة تلو الأخرى ضدَّ الغزاة الإيطاليين. وفوجي الجنرال غراتسياني قائد قوَّات العدو الإيطالي بضراوة المقاومة وصلابة رجَالها من أمثال أحمـَد وعبْدالجليل سيف النّصـر، وكانت مفاجأته الأكبر أن حرب الصّحَراء نجحت في إيقاف تقدم قوَّاته أكثر من مرّة، وهزمت معنويات جنوده في كثيرٍ من الأحيان.  فلقد اتسمت المعارك التي خاضها أحمـَد وعبْدالجليل سيف النّصـر بالكر والفر، وأوقعت قوَّاتهما في صفوف قوَّات غراتسياني خسائر جمة، وأوقفت تقدم قوَّاته في عديد المرَّات. وبعد معركة (واو الكبير عام 1929م) اضطر أحمـَد وعبْدالجليل وأخوتهما  للجوء إلى تشاد ومصر. وحَدَثَ أوائل الثلاثينيات، أن هاجر السَّيّد عبْدالجليل وشقيقيه أمحمد ومحَمّد إلى مصر، وهاجر السَّيّد أحمَد وشقيقه عُمر إلى تشاد. وكان السِّيّد أحمـَد والسِّيّد عبْدالجليل سيف النّصـر طيلة سنوات المهجر يستأنفان دورهما من أجل تحرير البلاد، ويعملان من أجل العودة المَرجُوَّة إلى موطن الأجداد. فلم تكن هجرتهما نزهة، ولم يحول المهجر بينهما وبين العمل من أجل خير وصَالح البلاد. ولم تكسر الإحباطات يوماً إرادتهما أو يقين النصر والأمل في العودة المضفرة إلى أرض الوطن.
 
كان السِّيّد عبْدالجليل سيف النّصـر بِن سيف النّصـر أحد المؤسسين للجيش السُّنوُسي الذي تأسس في أغسطس/ أب 1940م في مصر. وذهب في يوليه/ حزيران 1941م، مع قوة صغيرة من القاهرة إلى فـَزّان غير مكترث بالمخاطر، بصحبة ضابط إنجليزي برتبة صاغ في حين أن القوَّات الإيطاليّة لا تزال بموقع سيدي البراني، فوصل إلى فـَزان وقام بمهمته خلف خطوط الأعداء خير قيام ثمّ عاد إلى القاهرة، وتوفي بالقارون في الفيوم، أثر أصابته بالتهاب رئوي حاد، وكان ذلك في عام 1942م. 
 
ودخل السِّيّد أحمـَد سيف النّصـر بِن سيف النّصـر في 3 يناير/ كانون الثّاني 1943م إلى إقليم فـَزّان مع جيش كونه من الِلّـّيبيين المهاجرين في تشاد والنيجر، ضمن قوَّات فرنسا الحرَّة بقيادة الجنرال لوكليرك. وتمكنت هذه القوَّات من بسط سيطرتها على مناطق الجنوب، منطقة - منطقة، حتَّى أصبحت فـَزّان كلها في قبضة (الحلفاء) المحاربين من أهل لِيبَيا. وبعد استقلال لِيبَيا في 24 ديسمبر/ كانون الأوَّل 1951م ساهم أبناء (عائلة سيف النّصـر) في تأسيس الدولة الِلّـيبيَّة الحديثة، والحفاظ على أمنها ووحدتها الوطنيّة. وبعد نهاية طَوافٍ طويل.. كان على قيدِ الحيَاةِ من أبناء سيف النّصـر بِن سيف النّصـر لحظة إعلان إستقلال البلاد: السِّيّد أحمـَد (توفي في فـَزّان عام 1954م)، والسِّيّد عُمر (توفي في فـَزّان عام 1964م)، والسِّيّد محَمّد (توفي في طرابلس عام 1971م)، فشغل الأوّل منصب والي فـَزان من سنة1951م إلى سنة 1954م، وشغل الثّاني نفس المنصب من سنة 1954م إلى سنة 1962م، بينما لم يتقلد الثّالث أيّ منصب أو وظيفة رسميّة في دولة الإستقلال. وشغل السِّيّد غيث عبدالمجيد سيف النّصـر منصب والي فـَزان لفترة وجيرة قبل إلغاء النظام الفيدرالي، ومن 1962م إلى يوم 27 أبريل/ نيسان 1963م. كمَا تقلد عدد من أبناء عائلة سيف النّصـر إبّان حكم الملك إدرْيس السُّنوُسي مناصب رسميّة مختلفة فكان منهم نائب الوالي، ورئيس المجلس التنفيذي لولاية فـَزان، والوزير، والنائب في البرلمان، والعضو بمجلسِ الشّيوخِ.   
 
على أيّة حال.. استلمت عائلة سيف النّصر ولايّة فـَزّان بعد إستقلال البلاد في 24 ديسمبر/ كانون الأوّل 1951م، ولم يكن فيها شيئاً يذكر، أو كمَا قال أحد أبنائها.. (..لإنشاء شيء من لا شيء). فلم يكن في الولايّة كلها يومئذ سوى بيوت قديمة متهالكة يقطنها المواطنون، وثكنة عسكريّة للفرنسيين، ومنزل شيده الفرنسيون للسِّيّد أحمَد سيف النّصر والي فـَزّان. ولم تكن في الولايّة مدارس أو مستشفيات أو طرق أو جهاز إداري وقوة بوليس لحفظ الأمن، فضلاً عن إنعدام جميع المرافق العامّة. وكانت القوَّات الفرنسيّة التي عُهدت إليها مهام إدارة إقليم فـَزّان بعد طرد المستعمر الإيطالي البغيض، تعمل على ضمّ الإقليم إلى مستعمراتها في أفريقيا، وفصله عن باقي أجزاءِ لِيبَيا، كذلك، سلخه عن ثقافته العربيّة الإسلاميّة. وما كان يروق للإدارة العسكريّة الفرنسيّة، أن تنهض فـَزّان وتتقدم أو ينهض بأعباء الإدارة فيها أبنائها المخلصون.
 
وقف أبناء الإقليم ضدَّ المطامع الاستعماريّة الفرنسيّة، ولعبت عائلة سيف النّصر الدّور الأبرز والأهمّ في هذا الاتجاه. قاد السِّيّد أحمـَد سيف النّصـر كبير عائلة سيف النّصر وقتئذ، الجهد الوطنيّ المبذول في إقليم فـَزّان من أجل وحدة لِيبَيا وإستقلالها، وكسر عزلة الإقليم ومقاومة السّياسة الفرنسيّة الطامعة في سلخ الإقليم عن باقي أجزاءِ لِيبَيا. وقد كان إقليم فـَزّان يشكل بالنسبة لفرنسا أهمية نفسية واستراتيجية في آن واحد، وهذا ما أكده دي كاندول المقيم المفوض لحكومة بريطانيا في برقة من 1949م إلى 1951م، في كتابه: (الملك إدرْيس عاهل لِيبَيا) حيث قال ".. الوجود الفرنسي في فـَزّان كانت له أهميّة نفسية إلى جانب أهميته الاستراتيجية بالنسبة لفرنسا، وذلك أن احتلال فـَزّان كان أوَّل انتصار عسكري فردي تحققه قوَّات فرنسا الحرَّة في أثناء الحرب، كمَا أن الإقليم شكل حلقة وصل هامّة بين تونس والجزائر ومستعمرة تشاد. وكانت تراود فرنسا أحلام الوصاية على فـَزّان، فلما خابت آمالها سنة 1949م امتنعت عن التصويت على قرار الأمم المتَّحدة باستقلال لِيبَيا..".
 
ومن جديد.. وقف السِّيّد أحمـَد سيف النّصـر إلى جانب استقلال لِيبَيا ووحدتها تحت قيادة الأمير إدرْيس السُّنوُسي، وعبر عن ذلك بوضوح تام، لمستر أدريان بلت (Adrian Pelt) واللجنة الدّوليّة الرباعية حينما زارت إقليم فـَزان في أبريل/ نيسان 1948م بغرض بحث مستقبل لِيبَيا. ونجح الجهد الوطنيّ لأبناء إقليم فـَزّان بقيادة عائلة سيف النّصر مع الجهود الوطنيّة المبذولة في إقليمي طرابلس وبرقة، في استخراج قرار من الجمعيّة العامـّة للأمم المتحدة بشأن وحدة ليبَيا وإستقلالها. فقد أصدرت الجمعيّة العامـّة للأمم المتحدة في دورتها الرّابعة المنعقدة بتاريخ 21 نوفمبر/ تشرين الثّاني 1949م، قرارها التَّاريخي رقم 289/4 القاضي بإستقلال لِيبَيا بأقاليمها الثلاث (برقة، وطرابلس، وفـَزَّان) في تاريخ أقصاه يناير/ كانون الثّاني 1952م. وأثمرت تلك الجهود الجادة المخلصة، عن إعلان الإستقلال في 24 ديسمبر/ كانون الأوّل 1951م. وبعد إستقلال البلاد.. مضى أبناء عائلة سيف النّصر ولاة فـَزّان بدعم الملك إدرْيس السُّنوُسي والامتثال إلى توجيهاته السامية في بناء الولايّة وتأسيس أجهزتها الإداريّة والأمنيّة المختلفة. فتم بناء المدارس والمستشفيات والمرافق العامّة، وتأسست الأجهزة الإداريّة، وظهرت قوة البوليس الفعالة للمحافظة على أمن الإقليم ووحدة البلاد. وطالبوا بحقوق الولاية التي كفلها  الدستور لها، وحرصوا على أن تمثل ولايّة فـَزّان بمندوب عنها في كلّ لجنة تتشكل بهدف دعم إقتصاديات البلاد ورفع مستواها، وذلك ليعبر مندوبها عن رغبة الولاية ويبين احتياجاتها، وأن تشملها اختصاصات اللجنة وأعمالها. وهذا ما قام به السِّيّد سيف النّصر عبْدالجليل بِن سيف النّصر رئيس المجلس التنفيذي للولايّة في وقت مبكر جداً من عمر الإستقلال، حينما طالب في عام 1955م السِّيّد مصطفى بِن حليم رئيس مجلس الوزراء بأن تمثل ولايّة فـَزّان مثل ولايتي طرابلس وبرقة، بمندوب عنها في (اللجنة الِلّيبيّة الأمريكيّة) الساعية إلى إقامة مشاريع وأعمال تهدف إلى دعم إقتصاديات البلاد ورفع مستواها. (أنظر إلى الوثيقة المرفقة رقم: 5، الخاصّة بأعمال اللجنة الِلّيبيّة الأمريكيّة) وهكذا، أصبحت مدينة سبها عاصمة الولايّة بعد سنوات معدودة من عمر الإستقلال - وبحكم   إخلاص مسؤليها وحكمة ولاتها الصادقين - مدينة حديثة تسير بخطى ثابتة نَحوْ النهضة والتقدم والعمران. رحم الله هؤلاء جميعاً رحمة واسعة عمّا قدموه لفـَزّان وبلادهم.. وجزاهم عن جهادهمِ خير الجزاء.
 
وأخيراً.. تاريخ عائلة سيف النّصـر تاريخ عريض ضاربة جذوره في أعماق التربة الِلَيبيّة، وقصّة جهاد أبناء هذه العائلة ضدَّ المستعمر الإيطالي، تستحق أن تُروى فصولها ووقائعها ومشاهدها في كتاب، بل في كُتب لأنّها مليئة بالمفاخر والعبر والدروس.
 
هذه محطّات من سيرة رجَال كانوا يعرفون أقدار النَّاس ومقاماتهم.. وكانوا أوفياءً مع رفاقهم ولا ينقضون عهداً قطعوه على أنفسهم مع غيرهم. وهذه مشاهد من سيرة رِجَال كانوا رجَالاً بمواقفهم، وشجاناً في ميادين الحرب والسلم. وهذه وقفات في تاريخ فرسان كان منهم الحكماء والشعراء، وفي سيرة رجَال كانت مروءتهم حاضرةً في كلّ الأوقات، فقدماء العرب كانوا يقولون: "..من كانت رجولته كاملة كانت مروءته حاضرة.."، وقال الإمام الشافعي رضي الله عنه وأرضاه: ".. والله لو كان الماء البارد يُنقص من مروءتي لشربته حاراً" (93). وهذا جزء من تاريخ رجَال طمس طغاة الأرض دورهم وأعمالهم، فالطغاة يتخوفون عادةً من إحياء الذاكرة ويسعون بشتى الطرق على ألا تكون أمجاد الماضي وبطولاته حاضرة في أذهان النَّاس.. ولا يروق لهم مطلقاً أن تُذكر أسماء غير أسمائهم وهم أحياء. 
 
وبَقِيَت مُلاحظة ختامية مستمدة من حقيقة الحيَاة، ومُؤدَّى الملاحَظة أن الموت حق، وفي رحلة الموت يترك المرء وراءه كلّ شيء. فالمرء يأخذ معه في كلّ رحلة يقطعها ما يلزم الطريق أمّا رحلة الموت فلا يأخذ معه شيئاً. يقول الأستاذ أسعد أسعد في مقالة بالخصوص تحت عنوان: (الموت... ما هو وكيف ومتي ولماذا)، ما يلي: "..  يأخذ المرء معه ما يلزمه للطريق بحسب الرّحلة... أمّا رحلة الموت التي نحن جميعاً ذاهبين فيها فهي الرّحلة الوحيدة التي يترك فيها الإنسان وراءه كلّ شيء  حتَّى جسده ويرحل..". والمعنى.. "الموت الشريف خير من سوء السمعة، فالإنسان يفنى والذكر خالد (94)" كمَا قال سيدي إدرْيس رحمه الله. وقد صدق شاعرنا حسين الغنّاي، حين قال:
 
تطوى الدهور سجل الحياة *** وتبـقى من المرء سـيرته  
 
فما أجمل أن يترك الإنسان ورائه سيرة بطل كسيرة هؤلاء الأبطال، فلقد اعتبر بعض العلماء هكذا سيرة "بمثابة الولد الصالح البار الذي يدعوا لأباه المتوفي". وفي السّياق ذاته، من المهم أن يعي الجميع جيداً، العبارة الأثيرة والمقولة الخَالدة التي قالها جون ف كنيدي John Fitzgerald Kennedy الرئيس الأمريكي (يناير/ كانون الثّاني 1961م إلى 22 نوفمبر/ تشرين الثّاني 1953م) الأسبق، ويضعها نبراساً يسير على هداها، حيث قال:..".. لا تسأل ماذا قدمت لك بلادك.. أسأل نفسك ماذا قدمت لبلادك..". ومن هذه المقولة، ننطلق إلى السّؤال الحتمي الذي ينبغي أن يطرحه كلّ منا على نفسه: بماذا سأقابل ربي، وماذا سأترك ورائي بعد الرحيل الأبدي؟. وفي المحصلةِ.. سير هؤلاء الرجَال لا يمكن أن تطمس إذا حرصنا على إبرازها والاستفادة من عبرها ودروسها، وحولناها إلى قيمة تعيش بيننا حتَّى لا يُسرق الحاضر منا ولا يصادر مستقبلنا.. وإلى محفز يساعدنا على النهوض والتصدي للظلم وحفظ  أمننا واستقررنا كلما عصفت بنا المحن والأعاصير، وحلت بنا النكبات والكوارث. فلنأخذ بالأسبابِ ولنَتَوَكَّلْ عَلَى اللّهِ وبإذن الله لن نرد خائبين. 
 
وبعد،،، تتفاعل العذابات والمظالم والانفعالات والآلام وتتجمع مع صفحات الماضي الذهبية الخالدة والتقاليد والأماني، ويظهر في لحظة ما، ما تجمع في نفوس النَّاس واختزن في ضمائرهم واختمر فيها، ويحدث ما أٌنتظر حدوثه زمناً طويلاً من الوقت، ويتعانق فتيان اليوم مع رِجَالِ الأمس فيتصل الحاضر بالماضيِ في صورةِ تنير سبل المستقبل أمام كلّ النَّاس. وحتماً، ستبقى أرض الزهر والحنة، أرض لِيبَيا الغالية، ولاَّدة للرجَالِ الأبطال المغاوير والصناديد العظام.. وستبقى هذه الأرض الطيبة دائماً وأبداً..".. تلفظ كلّ من لم يلتصق بتاريخها وحضارتها وتراثها الأصيل.."، كمَا قال الأستاذ محَمّد توفيق(95). والعبرة في التّاريخِ أو في التّاريخِ لنا عبرة.. ودون شكّ، انتصار الحق حتمية مؤكدة.. والتفاؤل واستبشار الخير أحدى وصايا رسولنا الكريم عليه الصلاة والسّلام، ومن ميزات المؤمن وصفاته. والغد المشرق قادم بعون الله لا محالة..
 
ملحوظة:
 
أشكر كلّ الأخوة الأعزاء الذين تجاوبوا معي وأرسلوا ليّ بعض المواد التي تخص هذه الدّراسة كمَا أشكر كلّ القرَّاء الكرام الذين تابعوا هذه الحلقات واتصلوا بيّ، ومن علق منهم في باب (تعليقات القرَّاء) على المادة المعروضة بالشكرِ والثناءِ أو بالإضافةِ ولفت الانتباه كذلك بطرحِ السّؤالِ. ولا أملك إلاّ أن أقول للجميع: جزاكم الله خيراَ وإحساناً. وأحيط الجميع علماً بأن المادة التي عرضتها هي إفادة من بين الإفادات.. ورصد في سجل يحتاج إلى مزيد من المتابعة والتدقيق، فلا أدعي أن ما قدمته كاملاً ولا يحتاج إلى إضافة وتصويب أو لا يشوبه نقصاً و قصوراً، فهو عمل إنساني يسري عليه ما يسرى على غيره من أعمال البشر التي لا تخلو من الخطأ أو السهو والنسيان. والإنسانُ المدركُ لهذه الحقيقة يسعد بمن يثري أفكاره ويطور أعماله، وبمن يحاسبه وينتقده ويطرح عليه السّؤال. فلا يعالج الإنسان قصوره وأخطائه إلاّ بمزيد البحث وزيادة الإطلاع.. وبالاستماع إلى انتقادات الآخرين وأسئلتهم.. والاعتراف بالقصور والخطأ إنّ وقع.. والاستفادة من كلّ شيء يعينه على تصحيحِ أخطائه، ويمده بما يفيد تطوير أعماله وأفكاره على حد سواء.
 
وأخيراً، لكم مني جميعاً أسمى التحايا، وفائق التقدير، وعظيم الامتنان.. وعلى أمل اللقاء بكم في عمل آخر سيحتاج منكم حتماً وقفة كريمة أخرى كمَا عودتمونا دائماً. والله أسأل المغفرة والثواب والتَوْفِيق، وَمَا تَوْفِيقِي إِلاّ بِاللَّهِ الْعَلِي الْعَظِيم.  
 
 
صورة البّيْ محَمّد، أخذت في الأربعينيات في مصر
 
 
صورة خاصّة جداً من أرشيف عائلة أحمَد الشريف، للسِّيّد إدرْيس السُّنوُسي بين عامي 1914م / 1915م
 
 
صورة خاصّة جداً للأمير إدرْيس السُّنوُسي، والسِّيّد محي الدّين أحمَد الشّريف السُّنوُسي
 
 
صورة شخصيّة للسِّيّد كمال الدّين محمود رفعت
 
 
صورة تجمع بين سمو الأمير الـحَـسَن الرّضـَا ولي العهد، والسِّيّد سيف النّصر عبْدالجليل بِن سيف النّصر
 
 
رسالة خاصّة من السِّيّد الطيب الأشهب، مرسلة إلى البّيْ محَمّد سيف النّصر بتاريخ 27 فبراير/ شباط 1946م
 
 
رسالة من السِّيّد محَمّد سيف النّصر وأخوه عُمر، والسِّيّد محمّد بِن غيث إبن عمـّه، مرسلة إلى
السِّيّد محَمّد صفي الدّيـن السُّنوُسي، بتاريخ 7 رجب 1342 هجري الموافق13 فبراير/ شباط 1924م
 

 

رسالة من السِّيّد محَمّد سيف النّصر، مرسلة إلى السِّيّد محَمّد صفي الدّيـن السُّنوُسي،
بتاريخ شوال 1352 هجري الموافق يناير/ كانون الثاني 1934م (إضغط هنا للإطلاع بحجم اكبر)
 
 
اجتماع (لجنة التحرير العربيّة) بالقاهرةِ، الداعي إلى إستقلال لِيبَيا  (إضغط على الصورة للإطلاع بحجم اكبر)
 
 

رسالة خاصّة كان قد بعث بها السِّيّد عبْدالجليل بِن سيف النّصر رئيس المجلس التنفيذي للولايّة

بتاريخ 29 فبراير/ شباط 1955م، إلى السِّيّد مصطفى بِن حليم رئيس مجلس الوزراء

 


المرفقات:  
 
أولاً الصور: الصورة الأولى: . صورة البّيْ محَمّد، أخذت في الأربعينيات في مصر، وهي خاصّة من أرشيف عائلة (سيف النّصر)، تُنشر لأوّل مرَّة. الصورة الثانيّة صورة خاصّة جداً من أرشيف عائلة أحمَد الشريف، للسِّيّد إدرْيس السُّنوُسي بين عامي 1914م / 1915م، أخذت في أستوديو تصوير بميدان الأوبرا بالقاهرة، لصاحبه رياض شحاتة أشهر المصورين المصريين وقتذاك. وهذه الصورة تُنشر لأوّل مرَّة. الصورة الثالثة: صورة خاصّة جداً للأمير إدرْيس السُّنوُسي، والسِّيّد محي الدّين أحمَد الشّريف السُّنوُسي، من أرشيف عائلة أحمَد الشريف، والصورة تُنشر لأوّل مرَّة. الصورة الرّابعة: صورة شخصيّة للسِّيّد كمال الدّين محمود رفعت، نشرها الدّكتور يحي الشاعر في مقالة تحت عنوان: (كمال رفعت.. حرب التحرير الوطنيّة) في شبكة النت الدّوليّة. الصورة الخامسة: صورة تجمع بين سمو الأمير الـحَـسَن الرّضـَا ولي العهد، والسِّيّد سيف النّصر عبْدالجليل بِن سيف النّصر نائب الوالي ورئيس المجلس التنفيذي لولايّة فـَزّان، عند زيارة سمو الأمير للولاية عام 1961م، صورة تُنشر لأوّل مرَّة.
 
ثانياً الوثائق:  
 
وثيقة رقم 1: رسالة خاصّة من السِّيّد الطيب الأشهب، مرسلة إلى البّيْ محَمّد سيف النّصر بتاريخ 27 فبراير/ شباط 1946م. تُنشر لأوّل مرَّة. وثيقة رقم 2: رسالة من السِّيّد محَمّد سيف النّصر وأخوه عُمر، والسِّيّد محمّد بِن غيث إبن عمـّه، مرسلة إلى السِّيّد محَمّد صفي الدّيـن السُّنوُسي، بتاريخ 7 رجب 1342 هجري الموافق13 فبراير/ شباط 1924م. تُنشر لأوّل مرَّة. وثيقة رقم 3: رسالة من السِّيّد محَمّد سيف النّصر، مرسلة إلى السِّيّد محَمّد صفي الدّيـن السُّنوُسي، بتاريخ شوال 1352 هجري الموافق يناير/ كانون الثاني 1934م. تُنشر لأوّل مرَّة. وثيقة رقم 4: اجتماع (لجنة التحرير العربيّة) بالقاهرةِ، الداعي إلى إستقلال لِيبَيا، وضمّ هذا الاجتماع كلّ من: البّيْ محَمّد سيف النّصر والسِّيّد بشير بك السّعداوي وشقيقه نور الدّين بك، والأستاذ سيف النّصر عبْدالجليل، والسِّيد طاهر بك المريّض. خبر نُشر بالصحافة المصريّة، ونرفق خبر الصحيفة كوثيقة من ضمن وثائق هذه الدّراسة. وثيقة رقم 5: رسالة خاصّة كان قد بعث بها السِّيّد عبْدالجليل بِن سيف النّصر رئيس المجلس التنفيذي للولايّة بتاريخ 29 فبراير/ شباط 1955م، إلى السِّيّد مصطفى بِن حليم رئيس مجلس الوزراء، حول تأليف (اللجنة الِلّيبيّة الأمريكيّة). تُنشر لأوّل مرَّة.   
 
ملاحظّات وإشارات
 
84) رسالتان البّيْ محَمّد إلى السِّيّد صفي الدّيـن: الرسالتان مرسلتان من السّيّد محَمّد سيف النّصر إلى السِّيّد صفي الدّين، الأولى (الوثيقة المرفقة رقم: 2) مذيلة بتوقعه وتوقيع أخوه عُمر، والسِّيّد محمّد بِن غيث إبن عمـّه، وتاريخها بيوم 7 رجب 1342 هجري الموافق 13 فبراير/ شباط 1924م.. والثانيّة (الوثيقة المرفقة رقم: 3) مذيلة بتوقعه هو فقط، ومرسلة بتاريخ شوال 1352 هجري الموافق يناير/ كانون الثاني 1934م. وهناك كلمتين في الرسالة الثّانيّة (الوثيقة المرفقة رقم: 3)، لم أتمكن من فكهما والتوصل إلى المقصود منهما، ولذا تركهما كفراغ بين قوسين، هكذا (...)، ولم أكتبهما، لعلّ أحد القرَّاء الكرام يتمكن من فكهما وقراءتهما على نحو صحيح. وأخيراً، نقلت الرسالتين كمَا فهمت، ودون تدخل، وهما تُنشران لأوّل مرَّة. 
 
85) السيدة عائشة عبدالقادر الورفلي: توفيت في مصر قبل أيام قليلة مضت، وذلك يوم 12 يناير/ كانون الثّاني 2010م بمستشفى (السّلام الدولي) بمدينة المهندسين في القاهرة، ونُقِل جثمانها الطاهر إلى لِيبَيا، لتدفن في مدينة سبها عاصمة الجنوب اللّـيبيّ. رحمها الله رحمة واسعة، وأسكنها فسيح جناته.  
 
86) السِّيد طاهر بك المريّض: ذُكر الاسم في المصدر المُشار إليه (الصحيفة المصريّة – أنظر المرفق) على النحو التالي: (طه بك المريد)، والصحيح هو: (طاهر بك المريّض). 
 
87) كمال رفعت: هو كمال الدّين محمود رفعت (1921م – 1977م)، ضابط مصري  وسياسي ووزير وأحد أعضاء تنظيم  حركة الضباط الوحدويين الأحرار الذي أزاح نظام الملك فاروق ليلة 23 يوليو/ تموز 1952م. 
 
شارك في حرب فلسطين عام 1948م، وانضم إلى حركة الضباط الوحدويين الأحرار (الخلية الأولى) التي كونها جَمال عبْد الناصر الذي أصبح فيما بعد رئيساً لمصر. استقر كمال رفعت في الفترة الواقعة ما بين عامي 1951م / 1952م في صَحراء الفيوم، وأثناء ذلك تعرف على (البّيْ محَمّد سيف النّصر)، ونشأت بينهما صداقة حميمة واتفق الإثنان على العمل سوياً لمناهضة الوجود البريطاني العسكري في مصر. وقد ساهم البّيْ محَمّد مساهمة فعالة في مناهضة الإنجليز، وشهد كمال رفعت له بالشجاعة والجرأة والإقدام. وجاء في التعريف بالسِّيّد كمال رفعت في موقع (ويكيبيديا / الموسوعة الحرَّة)، ما يلي:..".. نقل إلى منقاد ثمّ العريش، وعمل على نشر الفكرة بين الضباط. وبعد إلغاء المعاهدة في أكتوبر 1951م، جمع الفدائيين من طلبة الجامعات والموظفين ودربهم في صَحّراء الفيوم على  الأسلحة والتكتيك وحرب العصابات، وبدأ حرب المقاومة ضدَّ الإنجليز في منطقة القناة..". عُيِّن كمال رفعت بعد قيام ثورة 1952م، مسئولاً في المخابرات الحربيّة، وعن قسم بريطانيا. وتولى أعمال الفدائيين في القناة، فيما عُرفَ بعمليات عام 1954م، والتي كانت تسير جنباً إلى جنب مع مفاوضات إجلاء القوَّات البريطانيّة عن مصر. وجاء عن سيرته في موقع (ويكيبيديا / الموسوعة الحرَّة)، ما نصّه:.."..تولى عام 1956م قيادة أعمال المقاومة السرية في القناة أثناء العدوان الثّلاثي على مصر، وكان الهدف القيام بحرب عصابات تخريبية في الخطوط الخلفية للعدو. قاد عمليات الفدائيين الفلسطينيين داخل إسرائيل من سوريا والأردن ولبنان قبيل  العدوان الثّلاثي، وساهم في قيام حركة المقاومة الفلسطينيّة المسلحة عام 1959م..". وأخيراً.. عُين كمال رفعت وزيراً من سنة 1961م إلى سنة 1962م. وأنشأ المجلس الأعلى للبحث العلمي عام 1964م، وتولى مسئولياته. عمل في مؤسسة الأوقاف، ونشط في مجالات الدعوة والفكر. عينه الرئيس محَمّد أنور السّادات في أواخر عام 1971م سفيراً لمصر في المملكة المتَّحدة، وظلّ في لندن حتَّى عام 1974م . وتوفي يوم 13 يوليو/ تموز 1977م. راجع ما جاء حول كمال رفعت في موقع (ويكيبيديا / الموسوعة الحرَّة). 
 
88) السِّيّد صفي الدّين: هو صفي الدّين بِن محَمّد الشّريف بِن محَمّد بِن علي السُّنوُسي. أمه هي السيدة خديجة على المحجوب، ووالدها من مِصْرَاتة ومن كبار الإخوان السُّنوُسيين . ولد السِّيّد  صفي الدّين في عام 1895م وتلقى تعليمه  في الزّوايَا  السُّنوُسيّة، وحفظ القرآن الكريم على يد العلامة المغربي (سيدي/ العربي الفاسي ). وللسِّيّد صفي الدّين أربعة أخوة، والسّادة هم: أحمَد الشّريف، عَلي الخطّابي، هلاّل، محَمّد عابد. وله ثمانيّة أبناء، والسّادة هم: عَلي، فخري، رضَا، منصور، أمين، السُّنوُسي، عادل، صبري. والسِّيّد صفي الدّين هو الأخ الأصغر للمجاهد الكبير السِّيّد أحمَد الشّريف. ويذكر أنّ السِّيّد  أحمَد الشّريف في فترة إمارته لحركة السُّنوُسيّة كلّف أخيه الأصغر السِّيّد صفي الدّين – ولم يتجاوز وقتذاك الثامنة عشر (18) من العمر – بالإنابةِ عنه في مناطق حدود إجدابيا، وبالذات،..(.. على دورى النوفلية والقطافية..)، كمَا جاء في مقالة للدّكتور محَمّد المفتي. ويروي الدّكتور عَلي الصّلابيّ في كتابه: "الحركة السُّنوُسيّة في لِيبَيا / الجزء الثّاني"، أنّ السِّيّد أحمَد الشّريف..(.. أرسل أخيه السِّيّد  صفي الدّين ليتولى قيادة الجهات الغربيّة من برقة، وكان إرساله فرحة عظيمة لدى القبائل المنضويّة تحت لواء الحركة السُّنوُسيّة، وقاد السِّيّد  صفي الدّين السُّنوُسي معركة عظيمة ضدَّ إيطاليا بموقع "أبي هادي "، واستمرت المعركة بشدة وعنف ساعات انجلت عن خسارة إيطاليا. وكانت الانتصارات التي حققتها الحركة السُّنوُسيّة، محل الإعجاب والتقدير من أبناء لِيبَيا المخلصين، ولذلك اتصل كثير من القادة والشيوخ بالسِّيّد صفي الدّين، وكان السِّيّد رمضان السّويحلي المجاهد الكبير على رأس أولئك الأبطال المغاوير..). ويذكر أنّ السِّيّد صفي الدّين كان قد اختار في الفترة الواقعة ما بين 1914م إلى 1922م، الشّيخ محمود بوهدمة سكرتيراً ومساعداً عسكريّاً له. كان السِّيّد صفي الدّين السُّنوُسي من أهمّ وأشهر قادة معركة القرضابية. ومعركة القرضابية انطلقت في صحَراء سرت في 29 أبريل/ نيسان 1915م ، وقد هُزمت القوَّات الإيطاليّة الغاشمة في هذه المعركة التاريخيّة على أيدي القوَّات السُّنوُسيّة وقوافل المجاهدين الذين توافدوا من كافة مناطق ليبَيا للمشاركة فيها. ويروي الدّكتور محَمّد المفتي في مقالة له نًشِرت في مجلة "عراجين " في يناير/ كانون الثّاني 2004م عن دور السِّيّد صفي الدّين في معركة القرضابيّة، ما يلي:..(.. للأمانةِ التّاريخيّة، كانت هناك على أرض معركة القرضابيّة كتائب مجاهدين لعبت دوراً أساسياً في دحر الطليان. كان هناك مجاهدو قبيلة المغاربة – من منطقة إجدابيا – بقيادة المجاهد صَالح الإِطِيوش يرافقهم المجاهد صفي الدّين السُّنوُسي، الذين أوقفوا تقدم الطليان...). كذلك، كان إلى جانب المجاهد صفي الدّين السُّنوُسي، المجاهد الكبير أحمَد سيف النصر الذي قام بصحبة المجاهد رمضان بِن سالم دخيل والمجاهد السّاعدي الطبولى، بالهجوم على جيش الطليان وانتزعوا رايته، ليتدخل بعد ذاك المجاهد رمضان السّويحلي من الخلف، فيأمر جنوده   بإطلاق النّار على الطليانِ، وكانت تلك بداية النهاية. أو يمكن تحديد دور السُّنوُسيّة، والسِّيّد صفي الدّين في معركة القرضابيّة على النحو الذي ذكره الدّكتور عَلي الصّلابيّ في كتابهِ: " الحركة السُّنوُسيّة في لِيبَيا / الجزء الثّاني"، والذي قال عنه:..(.. لقد كانت القيادة الفعليّة لمعركة القرضابيّة للسِّيّد المجاهد صفي الدّين السُّنوُسي والقادة السُّنوُسيين الذين معه، وقد ساندهم مساندة فعّالة المجاهد رمضان السّويحلي بجنودهِ وانضم معهم في الوقتِ المناسبِ..). ويذكر في جانب أخر من سيرة السِّيّد صفي الدّين، أنّ الأمير إدرْيس السُّنوُسي كان قد أرسله  على رأس جيش من المجاهدين إلى المنطقة الغربية لمعاضدة مناضلي ومجاهدي إقليم طرابلس لمقاومة المستعمر الإيطالي إلاّ أن الأمير طلب منه الرجوع إلى برقة بعد أنّ توعد السِّيّد رمضان السّويحلي بقتال السُّنوُسيين لأنّه رأى في تواجدهم تهديداً لزّعامته لإقليم طرابلس. وبعد هذا التهديد، أمره الأمير بالرجوع إلى برقة خوفاً من نشوب صراع مسلح بين جماعته (الجماعة السُّنوُسيّة بقيادة السِّيّد صفي الدّين) وأتباع السِّيّد رمضان السّويحلي. وقد نفذ السِّيّد صفي الدّين ما طلبه الأمير منه. ويذكر كذلك أنّ دولة الخلافة العثمانيّة كانت قد منحت رتبة جنرال بالجيش التركي (لواء ) للسِّيّد صفي الدّين اعترافاً بقدراته العسكريّة والقياديّة، وتكريماً من تركيا لشخصه حيث لعب أداوراً هامّة من أجل الإسْلام وقضايا المسلمين. وفي عام 1921م، عُين السِّيّد صفي الدّين رئيساً لبرلمان برقة. وأرسله الأمير إدرْيس السُّنوُسي في نوفمبر/ تشرين الثّاني 1921م إلى سرت للتباحث مع أعيان طرابلس بشأن البيعة. ذكر السِّيّد دي كاندول على لسان الملك إدرْيس في كتابهِ "عاهل لِيبيا.. حيَاته وعصره" بخصوص هذه البيعة ما نصّه: (أثناء مؤتمر لأعيان طرابلس عقد في غريان في شهر نوفمبر/ تشرين الثاني 1921م، تقرر تأسيس إمارة طرابلسيّة وعرض البيعة عليّ. ثمّ طلبوا مني إرسال مبعوثين إلى سرت لبحث الأمر معهم، قأوفدت أبن عمّي السِّيّد صفي الدّين للقائهم، كمَا أعلمت والي بنغازي في الوقتِ نفسهِ...). وبعد حادثة إغتيال السِّيّد إبراهيم الشّلحي (ناظر الخاصّة الملكيّة) في 5 أكتوبر/ تشرين الأوَّل 1954م على يدِ أحد أفراد العائلة السُّنوُسيّة ( الشّريف محي الدّين السُّنوُسي)، قرر السِّيّد صفي الدّين الخروج من لِيبَيا حتَّى يقطع الطريق على أيّ فتنة يُراد لها أنّ تحدث بين أبناء العائلة السُّنوُسيّة أو يسبب وجوده إحراجاً من أيّ نوع  للملك إدرْيس السُّنوُسي كبير العائلة وشيخ الطريقة السُّنوُسيّة. غادر السِّيّد صفي الدّين لِيبَيا في سيارتين بصبحه كلّ أفراد عائلته، ووصل إلى منطقة الأهرامات بمصر في الليلِ، وتصادف وصوله في تلك الليلة إلى القاهرة مع بدء غارات العدوان الثلاثي على مصر ( حرب 1956م ). قضى السِّيّد صفي الدّين وأفراد عائلته تلك الليلة في السيارتين حيث تعذر عليهم مواصلة رحلتهم إلى وسط مدينة القاهرة. ذهب السِّيّد صفي الدّين في صباح ثاني يوم من وصوله إلى القاهرة إلى السفارةِ السّعوديّة بالقاهرةِ، وتحدث مع السفير السّعودي بشأن رغبته في الإقامة بالأراضي السّعوديّة. اتصل السفير بالسِّيّد صفي الدّين بعد ساعات من مغادرة الأخير لمبنى السفارة، وأعلمه بقبول الملك سعود لطلبه. توجه السِّيّد صفي الدّين وعائلته إلى السّعوديّةِ بعد حوالي عشرة أيام من وصولهم إلى القاهرة على متن طائرة سعوديّة خاصّة. أقام السِّيّد صفي الدّين وعائلته في  السّعوديّةِ منذ ذلك التاريخ إلى أواخر عام 1960م. غادر السِّيّد صفي الدّين في أواخر عام 1960م السعوديّة، واستقر في القاهرة منذ بداية عام 1961م حتَّى عام 1967م. أقام في شقة بمدينة المهندسين في القاهرة بالمنطقة المعروفة باسم  جامعة الدّول العربيّة – 5 ميدان سفنكس / المهندسين. منحته السعوديّة حق الإقامة الدائمة على أراضيها، وظلّت هذه الإقامة ساريّة المفعول حتَّى بعد انتقاله إلى مصر. خصصت السعوديّة له مرتباً شهرياً، وأرسلت له سيارة خاصّة (هديّة) إلى القاهرة، واستمرت السّعوديّة تعامله على هذا النّحَو حتَّى بعد وصول الملك فيصل إلى كرسي العرش، بل، ظلّت متكفلة بمصاريفه الشهريّة إلى أنّ وافته المنية في عام 1967م. لم يغادر السِّيّد صفي الدّين القاهرة منذ وصوله إليها إلاّ بعد هزيمة 1967م حيث ذهب إلى لِيبَيا، وقرر الاستقرار فيها مجدداً فأختار لنفسه مقراً سكنياً في مدينة الحدائق بالفويهات الشرقيّة بمدينة بنغازي. وكان المقر السكني الذي اختاره عبارة عن فيلتان مملوكتان للسِّيّد مختَار الأشهب، وتعهدت الدولة الِلّيبيّة بدفع إيجارهما السنوي. عاد من لِيبَيا إلى القاهرة لأجل تسويّة كافة شئونه الخاصّة ثمّ ليعود مجدداّ إلى لِيبَيا ويقضي ما تبقى من العمرِ في بلادهِ بين أهلهِ وأحبابهِ إلاّ أنّ المرض حال بينه وبين العودة حيث توفي في أواخر السنة نفسها، وذلك في 22 نوفمبر/ تشرين الثّاني 1967م. وبعد وفاته أمر الملك إدرْيس بنقل جثمانه إلى لِيبَيا حيث دفنَ في الجغبوب مع جده مؤسس الحركة السُّنوُسيّة الإمام محمّد بِن عَلي السُّنوُسي. كان الإيمان بالله زاده.. والمصطفى عليه الصلاة والسلام مثله وقدوته.. والذكرُ والتسبيحُ سر صفاء نفسه ونقاء سريرته. وكانت التضحية عنوان سيرته الذاتيّة.. والوفاء أبرز سماته الشخصيّة.. والإخلاص في العملِ سر تخليد اسمه في صفحاتِ التّاريخ الِلّيبيّ. رحم الله السِّيّد صفي الدّين السُّنوُسي واسكنه فسيح جناته. 
 
ملحوظة: لقد سبق وأن نشرت هذا التعريف في الجزءِ الأوّل من سلسلةِ: (هَدْرَزَةُ في السّياسَةِ والتّاريخ)، وأضفت إليه تعديلات طفيفة. يرجى مراجعة أرشيف الكاتب بموقع (لِيبَيا لمستقبل). 
 
89) بيتا الشعر: من قصيدة: (فَـضلُ الـعِلمِ والعَـمَل) للشاعر والأديب المصري: مصطفى صادِق الرّافعي المولود عام 1880م والمتوفي عام 1937م.
 
90) الشعوب والقبائل: قبائل جمع قبيلة وهي الجماعة التي يربطها حسبِّ أو نسبِّ، وهي أخصُّ من الشّعب، لأن الشّعب الجمع العظيم المنتسبون إلى أصل واحد، فالشّعب يجمع القبيلة، والقبيلة تجمع البطون والأفخاذ. راجع ما قاله الشّيخ محَمّد عَلي الصَّابُوني في مجلد: (صَفوَة التفَاسِيرْ).
 
91) إلغاء الأحزاب: الفقرة الخاصّة بإلغاء الأحزاب أعلى الصفحة، سبق للمؤلف الإشارة إليها في سلسلة: (هَدْرَزَةُ في السّياسَةِ والتّاريخ  - الملك.. العقيد.. المعارضة الِلّيبيّة في الخارجِ / الجزء الأوَّل) – الموجودة في أرشيف المؤلف بموقع (لِيبَيا المستقبل) والمنشورة في صيف 2005م. ولمزيد من التفصيل حول هذه المسألة، يرجى الرجوع للعنوان والموقع المذكور. 
 
92) الخاتمة: استعنت في هذه الخاتمة بكتاب: "ثورة عبْدالجليل سيف النّصر ضدَّ الحكم العثماني في ولايّة طرابلس الغرب ( 1831-1842م)"، للدّكتور محَمّد أمحمد الطوير.. ورسالة كان قد بعث بها السِّيّد سيف النّصر عبْدالجليل رئيس المجلس التنفيذي لولايّة فـَزّان (1952م – 1963م) إلى الملك إدرْيس السُّنوُسي بتاريخ 2 أغسطس/ أب 1961م.
 
93) القول العربي، وقول الإمام الشافعي: القول العربي المأثور وقول الشّافعي ، مصدره: (شبكة أنا مسلم للحوار الإسلامي)، تحت عنوان: (تخلقوا بخلق المروءة) في شبكة النت الدّوليّة.
 
94) مقولة سيدي إدرْيس: هذه الجملة كتبها الأمير إدرْيس السُّنوُسي الملك لاحقاً، في رسالة كان قد بعث بها إلى الشّيخ عبْدالحميد العبّار بتاريخ 27 محرم 1348 هجري الموافق 4 يوليو/ تموز 1929م. وقد نشرت نص الرسالة كاملاً ضمن مرفقات الحلقة الأولى من هذه السلسلة. 
 
95) الأستاذ محَمّد توفيق: كاتب فلسطيني، ومشرف عام على المؤسسات الإعلاميّة في الحركة الفلسطينية. والجملة المُشار إليها منقولة عن مقالة له تحت عنوان: (في التّاريخِ لنا عبرة) في موقع: ( فلسطينيو 48).      
 
مصادر ومراجع:
 
م60) الأستاذ بوخزام العناني – مقالة: (من خاطرات المعترك.. البّيْ محَمّد سيف النَصـر، بطل تاقرفت) – موقع (لِيبَيا المستقبل) بتاريخ 6 يونيه/ حزيران 2005م.
 
م61) الدّكتور محَمّد فؤاد شكري – كتاب: (ميلاد دَولـَة لِيبَيا الحـَديثة.. وثائق تحريرها وإستقلالها (1945م-1947م) - الصّادر عن مطبعـَة (الاعتماد) بالقاهرة عام 1957م.
 
م62) الدّكتور عَلي عبداللطيف حميدة – كتاب: (المجتمع والدولة الإستعمار في ليبَيا) – الصادرة طبعته الأولى يناير/ كانون الثّاني 1995م عن مركز دراسات الوحدة العربيّة.    
 
م63) الدّكتور مصطفى الفقى – كتاب: (حوار الأجيال.. رحلـة قلم في ثلاثة عهود) – دار (الشروق)/ الطبعة الثّانيّة 1420 هجري – 1999م. 
 
م64) الدّكتور عَلي الصّلابيّ، والأستاذ إسماعيل القريتلي – مقالة: (الثقافة الدّستوريّة – جزء الأوَّل) – مناقشات حول: (إرهاصات الدّستور الإسْلامي.. للنقاشِ الهادفِ والبناء والمواضيع العامّة) في الشبكة الدّوليّة الإلكترونيّة.
 
م65) الأستاذ محَمّد أمين العيساوي – مقالة: (24 ديسمبر ميلاد دولة وملك حكيم فوق مستوى المرحلة) – موقع: (لِيبَيا المستقبل) بتاريخ 26 ديسمبر/ كانون الأوَّل 2009م.  
 
م66) الأستاذ منصف حافظ البّوري – مقالة من حلقتين نحت عنوان: (القبلية والجهوية ومستقبل العمل السّياسي في لِيبَيا ) – صحيفة (القدس العربي) اللندنية بتاريخ 30 أكتوبر/ تشرين الأوَّل 2009م.  
 
الإسم:
العنوان الإلكتروني:
التعليق