14/03/2010

 
همسات على طريق النضال..
2- لا يمكن ان تكون الكلمة مقدسة اكثر من الله..
بقلم: د. فتحي الفاضلي

أرشيف الكاتب


 
هل لنا ان نتخيل حجم الاحباط، الذي قد تصاب به ام ثكلى، تدور في شوارع مدننا وقرانا، تطالب برفات ابنها، وحقه في الجنازة والقصاص والدفن - هل لنا ان نتخيل حجم الاحباط الذي قد تصاب به هذه الام - عندما ترى مقالا او شريطا مرئيا، على صفحات "المعارضة"، يتحدث فيه اكابر المجرمين، ممن قتلوا فلذة كبدها، عن الامن والنعيم والامان، وعن حكمة القائد، وحقوق الانسان. يتحدثون بفيقهة، وتواضع مصطنع، وقهقهة، بين كل جملة واخرى، مع ابتسامات، من حين الى اخر، تخفي نفوس مريضة، تواترت المراجع والادلة والانباء، على تورط اصحابها، في اعتقال وقتل وتعذيب ابناء الوطن، شنقا وسحقا وسحلا.
 
هل نستطيع ان ندرك حجم الصدمة، التي قد يصاب بها المواطن الليبي البسيط، الذي يلتفت يمينا الف مرة، وشمالا الف اخرى، ليتجنب الامن واللجان الثورية والمخابرات، قبل ان يتجرأ، ويزور موقع ما، من مواقع "المعارضة"، في الخارج، ليطلع على تطورات قضية وطنه المنكوب، بعيدا عن مصادر النظام، فاذا به يفاجأ، بمقال، يسب الله والانبياء، ويسخر من الاحاديث الشريفة والصحابة الكرام والاديان. وكأن الرسول الكريم، او الصحابة الكرام، هم الذين قاموا بانقلاب سبتمبر.
 
هل لنا ان نتخيل حجم الصدمة، التي قد يصاب بها المواطن الليبي البسيط، في الداخل، والذي يدرك، اكثر مما ندرك، في الخارج، حجم المخاطرة، التي قد تسببها زيارته لمواقع المعارضة -هل لنا ان نتخيل حجم الصدمة التي قد يصاب بها هذا المواطن- عندما يرى مقالا، يقطر بذاءة وفسقا وفجورا، او يرى صورا ورسومات ولوحات، يخجل الشيطان منها، او مقالا نُسج من كلمات، لا يتجرأ الفاسق، ان ينطق بها، حتى في البارات، ومواخير الليل والخمارات.
 
لا اظن ان من حق اصحاب تلك المواقع، الادعاء بانهم اصحاب رسالة وطنية نضالية، تقارع الظلم والظالمين، وتدعو الى تحرير الوطن، ورفع راية الحرية والعدل والمساواة. وليس من حقهم ايضا، الادعاء بانهم يفعلون ذلك، حرصا على حق النشر، وحرية الكلمة، وقداستها.
 
بل نقول لمن يدير مثل تلك المواقع، لا يمكن ان تكون الكلمة مقدسة اكثر من الله. لذلك من حقنا ان نتسأل.. احرية كلمة هذه؟ ام ستار، لنشر ما تؤمن به، من كفر والحاد؟. تتظاهر بانك تنشر للجميع، تحت باب حرية الكلمة، وحرية النشر، لتمرر، وتبرر نشر الاباحية والالحاد، على موقعك، في زمن يمر به وطنك، الذي تعلمت في مدارسه، باعظم محنة واجهها في تاريخه.
 
بل لا تمانع ان تنشر لمن يطعن فيك، وفي موقعك، ليقال انك من انصار الكلمة، وحرية الكلمة. وكلما طالبك الناس، بتصحيح المسار، تتعلل بالعدل والمساواة، فتقول، على سبيل المثال، كيف انشر لهذا، ولا انشر لذاك؟ تساوي الضحية بالجلاد، وتساوي الالحاد بالايمان، وتساوي الكلمة الطيبة، بالفسق والبذاءة، وتساوي الدعوة الى تحرير الوطن، بشروح وتبريرات المجرمين، الذين افسدوا وطنك. بل قد ترقص طربا، كلما ارسل رجال الامن والمخابرات او اذيالهم، او دعاة الاباحية، او مجهولا ما، مقالا يدافع عن موقعك، او يتغزل فيه، كما يتغزل الشيطان في نفسه.
 
ولعلي اضيف، فاتسأل، ما الذي يمنعك ورهطك، الذين لا عمل لهم ليل نهار، الا الطعن في الله والانبياء والاديان، والسخرية من كل ما يمت بصلة، الى ديننا وعاداتنا وعقائدنا واعرافنا - ما الذي يمنعك ورهطك هذا- من ان تكون صريحا مع نفسك، ومع مبادئك، التي تؤمن بها، وصريحا مع الناس، فتعلن موقفك الشخصي، من هذا الفسق والفرقة والالحاد، وتعلن موقفك من النظام، بدلا من ان تستغل محنة الوطن، وتختفي خلفها، لتنشر ما تنشره من سموم.
 
ثم، ومن جهة اخرى، من سيلومك لو امتنعت عن نشر مقال بذيء، ومن سيتهمك بقمع الكلمة، اذا امتنعت عن نشر مقالات تسب الله والرسول والانبياء، ومن سيهاجمك اذا امتنعت عن نشر نفاق ودجل عتاة اللجان الثورية والامن والمخابرات، ومن سيقاطعك اذا لم تنشر مقالا او كلمة تدعو الى تمزيق الوطن الممزق اصلا. وحتى لو تم ذلك، فهل تخشى الناس اكثر مما تخشى الله، ام ان الناس عندك، اعز من الله سبحانه وتعالى.
 
ليس ذلك فحسب، بل ان نشركم لهذا الالحاد ولهذه البذاءة، ولاصوات الفرقة، ولنفاق المنافقين، الذين يمتصون دماء الليبيين، لا يعني على الاطلاق، انتصاركم لحرية الكلمة، فقمع الكلمة له وجوه كثيرة، لا تنحصر فقط في نشرها، او عدم نشرها، بل يمكن، في نفس الوقت، نشر الكلمة، وقمعها، وقد نعود الى ذلك يوما.
 
ثم لماذا لا تدع اهل الالحاد، واصحاب الدعوات الاباحية، والفسق والمجون، ولا تدع اكابر المجرمين، من اللجان الثورية، والامن والمخابرات، وتدع رجال النظام بصفة عامة، ينشرون ما شاءو، على مواقعهم الاعلامية، فهم يملكون المئات منها، ولا تملك امهات الضحايا واليتامى، في وطنك، بل في مدينتك، معشار معشار ذلك، فبين ايدي هؤلاء المجرمين، العديد من الفضائيات، والعشرات من الصحف والجرائد، والمجلات، والاذاعات المسموعة والمرئية، وغير ذلك من الوسائل الاعلامية، ولا يمكن ان يسمحوا لضحايا الوطن، ان ينشروا او يقولوا حرفا واحدا، من خلال هذا الكم الهائل، من الوسائل الاعلامية، دون ان يمر، ذلك الحرف الواحد، على الف جهاز، وجهاز اخر. وانت تعلم ذلك علم اليقين. فلماذا لا تصطف الى صف الضحايا، اين العدل، واين المساواة هنا، واين العقل، والنظر، والقكر. تنشر للمجرمين، وهم يملكون الف وسيلة ووسيلة اعلامية، في الداخل والخارج، بل ويستطيعون ان يشتروا ذمم، من لا ذمم لهم، من الاعلامييين، واصحاب الفضائيات، والمجلات، والجرائد، والمواقع الاعلامية، فهم في غنى عن موقعك. بينما لا يستطيع الالاف من الضحايا في وطنك، ممن لا يملكون وسيلة نشر واحدة، التعبير على مواقعنا، متى وكيفما ارادوا. ولولا طيبة الطيبين، ونضال المناضلين، واصحاب الخير، لما وصلت اصواتهم الى مواقعنا. الم يخطر ببالك، فتتسأل، مرة واحدة، او ثانية واحدة، بينك وبين نفسك، لماذا ينشر عتاولة المجرمين، والفسقة، والمخابرات، على موقعك، وهم في غنى عن ذلك.
 
ان من حقك ان تشتري السلاح وان تمتلكه، ولكن ليس من حقك ان تستعمله، كيفما شئت، ومتى شئت. ومن حقك ايضا ان تكتب وتنشر وتتكلم، ولكن هناك فارق، بين الاستهتار والسخرية من القيم والمقدسات، وفتح باب البذاءة والاباحية والالحاد، وفتح الباب للمجرمين، المفسدين، القتلة، الذين اعتقلوا وعذبوا وقتلوا واغتالوا وشنقوا وسحلوا ابناء وطنك، وساندوا نظاما، احمق ارعن اهوج، دمر البلاد والعباد - فارق كبير بين كل ذلك - وبين الحوارات الموضوعية الجادة، التي تهدف الى الوصول الى الحقيقة، حتى بين مؤمن وملحد.
 
ان تلاميذ المدارس الابتدائية يدركون اليوم، ان الاباحية، هي اولى الخطوات نحو الالحاد، او انها نتيجة من نتائجه. وان اولى الخطوات نحو الاباحية، هي نشر، وتداول الرسومات والصور والكلمات البذيئة، حتى تصبح من الامور والمترادفات المألوفة عرفا، كما حدث لمجتمعات كثيرة، فلا اظن ان مثل هذا الامر، قد يخفى على "مثقف" او"اعلامي" او"متعلم".
 
اضف الى كل ذلك، ان هذا النمط من المواقع الاعلامية، التي تحدثنا عنها، سيزيد من الهوة بين ابناء الوطن والقوى المعارضة، بل قد يؤدي هذا الامر، الى نبذ مواقع الخارج بكاملها، حتى الجاد والرصين والصالح منها، وسيفقد الشعب الثقة في المعارضة، وسيصاب بخيبة امل كبيرة، ولا نلومه في ذلك، خاصة اذا ادعت مثل تلك المواقع، انها قوى وطنية معارضة.
 
فليس من قبيل المصادفة، ان يظهر من حين الى اخر، مقالا يقطر سما، يقول بصيغة مؤدبة وموضوعية ورصانة: كيف نثق في معارضة، تدعو الى تمزيق الوطن، ونشر الفسق والمجون والالحاد، ونشر الصراعات الشخصية. وكيف نثق في معارضة، ديدنها السب والشتم، وكيف نثق في معارضة، تستضيف ارهابيين، من اللجان الثورية، ومن المخابرات العسكرية، ورجال الامن، الذين يعتبرون دعامة رئيسية، من دعامات الشر، والارهاب، في ليبيا.
 
انني لا اخاطب في هذا العرض، اصحاب مثل تلك الموقع، فقد اصروا واستكبروا استكبارا. لكن خطابي هذا لابناء الوطن، والامهات الثكالى، والجيل الجديد من شباب ليبيا، الذين قد تقودهم اقدارهم الى مثل تلك المواقع، فتتكون لديهم صورة مشوهة، عن خطاب وفكر وصوت المعارضة في الخارج.
 
الى كل هؤلاء، والى كل ابناء الوطن، الذين يبحثون عن صوت المقاومة الليبية، اقول: ان من حق القوى الوطنية ان تعتبر ان هذا الامر، مبرمج ومقصود، وليس امرا اعتباطيا. وان القوى الوطنية المعارضة، في الداخل والخارج، بريئة من الدعوات الى الجهوية، والعرقية، والعصبية، وبريئة ممن لا ديدن لهم، الا سب العرب، او السنة، وبريئة من اصوات الكفر والبذاءة والالحاد، والطعن في مقدسات، وقيم، وتقاليد، وعادات ليبيا والليبيين، والطعن في الدين، او الحديث، او الرسول، او الصحابة الكرام، وبريئة من الرسومات والصور التي لا تناسب ديننا وعاداتنا وتقاليدنا.
 
ونقول انه لا يمكن ان يمثل ضمير الوطن، من يسمح بسب الله على موقعه، بينما مات خيرة ابناء الوطن، في هذا العهد، في سبيل الله. ولا يمكن ان يدعي تمثيل المقاومة او المعارضة، من يسفه دين الليبيين. وليس من حق احد، ان يدعي انه من المعارضة او المقاومة، وهو ينشر العهر على موقعه، بينما الوطن يتألم، حسرة على ضياع القيم والعادات والتفاليد والاعراف، التي تميزت بها ليبيا. وليس من حق احد ان ان يدعي الوطنية، وهو ينشر كلمات الذين اغتالوا الوطن معنويا وحسيا، وذبحوا ابنائه، وسخروا من دينه. وليس من حق احد ان يدعي الوطنية، وهو يوفر فرصة ذهبية، مجانية، لقوى الشر، ليبرروا جرائمهم في حق الوطن وابناء الوطن، بينما بقايا ضحاياهم، ما زالت في قبور، او حفر جماعية، مجهولة، لا يعرف مكانها حتى ذويهم، ذلك ان كان لهم نصيب من حفرة او قبر. بل واضيف، في الختام، ان المعارضة والقوى الوطنية، في الداخل والخارج، بريئة من كل من يجعل من ارهاب النظام، فرصة لتمزيق الوطن، او فرصة، لاي شي اخر، غير رفع المحنة عن الوطن، وعن ابناء الوطن. والله ولي التوفيق.
 
اضغط هنا للاطلاع على همسات على طريق النضال 1 – فلنرتق الى مستوى المعركة.
 
 
د. فتحي الفاضلي
 
لمراسلة الكاتب
 
[email protected]
[email protected]
[email protected]
 
لزيارة موقع الكاتب
 
http://www.fathifadhli.com
للتعليق على المقال
الإسم:
العنوان الإلكتروني:
التعليق