رجلُ أسكن الوطنَ في قلبه *
 
بقلم: محمد عقيلة العمامي
 
أولئك الذين يسكنهم الوطن، مثلما يسكنون فيه، هم المواطنون الحقيقيون وهم -غالبا- نخبة متميزة. يحس المرء أنهم يحملون وطنهم في قلوبهم، ويتنفسون من خلاله. إن عاش عاشوا، وإن مات ماتوا.
 
وطن هذه النخبة هو ضميرهم، تماما مثلما ضميرهم هو وطنهم. إنهم تلك النماذج التي يقف المرء إجلالا وتقديرا لها. إن الشرفاء، فقط، هم الذين يحملون الوطن في قلوبها ويعيشون منه، وبه، وله. فمن يدلني على وطن زاهر يخلو من نخبة متميزة في مجالها ، مخلصة في عملها، صادقة في انتمائها ؟
 
الدكتور المرحوم رؤوف محمد بن عامر، أحد نخبة هذا الوطن. فهو من أوائل أطباء ليبيا، وهو المؤسس الفعلي لأول كلية طب في ليبيا، هذه الكلية التي صارت بعد ثمانية وثلاثون سنة جامعة العرب الطبية، أما معظم رجالها، الذين توالوا على إدارتها وتدريس مناهجها، فهم أولئك الطلبة المتميزين الذين افتتحت بهم الكلية سنة 1971م . كانوا في ذلك الوقت ثمانية وأربعون طالبا، استهلوا تحصيلهم بمحاضرات الدكتور رؤوف، وبنخبة من أساتذة أجلاء كان ينتقيهم باعتبار أنه عميد الكلية، مثلما ينتقي الجواهرجي الألماس من بين أكداس الزجاج.. فمازال طلبة الدفعة الأولى لكلية الطب يتذكرون الدكتور حسن حمدي، والدكتور على عبد الله، والدكتور أحمد مرسي، والدكتور إبراهيم حلمي.. وآخرين تطول القائمة بهم.
 
كان المرحوم الدكتور رؤوف بن عامر نموذجا رائعا للقيادي الذي فرض احترامه على قيادته.. صباح ذات يوم كنت بمكتبه ننتظر وصول دكتور زائر من جامعة برمنجهام، كنا نتحدث في شأن من شئون الكلية. وفجأة هب واقفا، والتقط عدة مناديل ورقية، واتجه نحو النافذة، ومسح زجاجها ! قائلا: "لقد طلبت من السيد مانع يوم أمس أن ينظفه، ولكن يبدو أنه نسي. لا ينبغي لضيفنا أن يرى غبارنا ! ".
 
عقب تخرجي في كلية الآداب سنة1971، عينت مسجلا لكلية الطب، وكان الدكتور رؤوف عميدها. كنت شابا متحمسا، مندفعا، وكان الدكتور قد صقلته خبرة طويلة وافية، تمثلت في ممارسة مهنته، ثم في إدارة عدد من مستشفيات بنغازي، ثم تُوجت بتكليفه بتأسيس كلية الطب. لم يطل الوقت حتى اختلفتٌ معه، وتركت الكلية. ولم يمض وقت أطول حتى قامت اللجان الشعبية فأقالوه.. وأعادوني. غير أنني تركت العمل سريعا. ثم لم يمض وقت أطول من إقالة الدكتور رؤوف حتى أعادوه، واختاروه لمنصب أعلى من المنصب الذي أقالوه وهو وكيلا لجامعة قاريونس فلقد اكتشفوا، مغبة تسرعهم بإقالته.. وانتبهوا إلى قدراته، تماما مثلما انتبهتُ إلى تسرعي في موقفي منه. وهكذا ظل بمنصبه حتى تركه بحكم وصوله سن التقاعد. علاقتي به تواصلت بود ومحبة واحترام إلى أن انتكست صحته، وصار قعيد الفراش، فزرته مرة أو مرتين، ولكنني لم استطع بعد ذلك زيارته، فلم يكن بمقدوري أن أشاهد تلك الهمة والنشاط والإخلاص أسير فراش من دون أن تدمع عيناي.
 
أريد أن أقول أنني شاهد عصر تأسيس كلية الطب – نواة الجامعة الطبية – وأشهد الله أن الدكتور رؤوف بن عامر هو مؤسسها الحقيقي. وما دام الأمر كذلك ألا يستحق منا – وهو بين يدي الله - إلى وقفة وفاء ؟ إلاّ يحتاج من الأحياء الأوفياء إلى لمسة وفاء ؟ أليس الأجدر أن نسمى ميدانا من مياديننا بأسماء أولئك الذين حملوا الوطن في قلوبهم وهاموا به ؟ أليس الأجدر أن نسمى ميدان باسم الدكتور روؤف بن عامر بدلا من ميدان (الجرة) مثلا، أو شارع محمد العالم حويو، أو محمود مبارك الشريف - مؤسسي مدرسة العمال الليلية - بدلا من شارع البط ؟.
 
إن الأوطان تفخر برجالها ، وهل هناك رجال يفخر الوطن بهم أكثر من أولئك الذين ظلوا يحملونه بين أهدابهم طوال حياتهم ؟ فدعونا نكرم من يفخر الوطن بهم.. دعونا نجعل منهم عبرة لأجيالنا القادمة، التي تحتاج بالفعل إلى نماذج شريفة تقتاد بها. رحم الله – صديقي وأستاذي - الدكتور رؤوف محمد بن عامر، واسكنه فسيح جناته وعوض بلادنا فيه خيرا.

 

* نقلا عن مدونة مراد الهوني

http://bengasi.maktoobblog.com/