01/04/2006
 

 
يوم من أيام ابريل
 
بقلم: المحامى/ الشارف الغريانى

أرشيف الكاتب


 
فى تمام الساعة السابعة والنصف من صباح اليوم الثامن من ابريل سنة1976 بينما كنت منهمكا فى تجهيز سيارتي للانطلاق من مدينة طبرق وتحديدا من شارع فلسطين.. وكانت الوالدة وإحدى شقيقاتي وصهري هم أيضا منهمكون فى التجهيز لهذه الرحلة.. اذا بسيارة فولكس بيضاء تابعة للامن الداخلى بقيادة رئيس عرفاء "جاب الله" لااتذكر باقى الاسم.. تقف هذه السيارة مباشرة خلف سيارتي ويخاطبني سائقها باننى مطلوب لدى الامن الداخلى لمدة قصيرة من اجل الاستفسار..بمعنى ادق الاستجواب.. وطلب منى الصعود معه فى تلك السيارة المشهورة اكثر من نار علىعلم.. وفعلا تركت مفاتيح السيارة لصهري وأخبرته بان الرحلة ألغيت ولأاعتقد بأنها ستتم هذه الأيام.. ولحق بنا صهرى فعلا الى مقر المباحث العامة.. وهناك فوجئ باننى مقبوضا على وسيتم ترحيلي الى درنه ومنها الى بنغازى حيث اننى مطلوب من قبل مباحث بنغازى.. او من قبل نيابة امن الثورة.. وهنا أتذكر واقعة طريفة جدا.. وهى عندما ركبت السيارة وانطلقت بى وعند نهاية شارع فلسطين كانت هناك محطة لنقل بعض الأصدقاء الى اعمالهم وكان احدهم قريب جدا لقلبى وعلاقتي وبه وثيقة جدا حتى انه كان يعلم آنذاك أمرا لو علمت به السلطات الامنية لكان هو ايضا معى فى السجن ولكان الموت حليفى ساعتها,,فعندما شاهدته وشاهدنى أشرت اليه من خلف زجاج السيارة باشارة تبين باننى مقبوضا على.. وبدلا من ان يذهب الى عمله فى ذلك الصباح,, رجع فورا الى منزلى واستأذن الأسرة بالدخول الى حجرتى لأنه يعلم بوجود مستندات لو رجع رجال المباحث للتفتيش ووجدوها فسوف تكون نهايتي الحتمية..وفعلا جمع تلك المستندات وقام بحرقها فوق الأسطح.. وقام ايضا بإخراج آلة كاتبة صغيرة كانت بحوزتي ولفها فى قطعة قماش حتى لايشاهدها احد اذا خرج بها.. وسلمها لأحد الأصدقاء الموجود حاليا بالولايات المتحدة الأمريكية الذى قام بدوره بتهشيمها ورميها فى البحر.. ثم انطلق الى عمله مطمئن البال.. ولما لا يطمئن على صديقه ورفيق دربه..؟؟
 
وفى نفس هذا اليوم انطلقت بى سيارة اخرى"بيجو404" الى مدينة درنه حيث تم تسليمى الى مكتب المباحث العامة هناك..وبعد لحظات تم اخبارى بنقلى الى مدينة بنغازى وكان معى احد رفاق الدراسة بكلية القانون اخى العزيز: مصطفى بدر.. الذى كان هو الاخر مقبوضا عليه.. وكان معنا ايضا رجل متقدم فى السن عرفت بانه والد الطالبة: زكية القاضى.. هو الاخر طبعا مقبوضا عليه. حيث اخبرنا ونحن فى الطريقفى سيارة نوع "لاندرو فر" بأنه مطلوب من قبل الحرس الجمهوري لاستلام ابنته من هناك وهى كانت أيضا مقبوضا عليها.. وبعد وصولنا الى بنغازي تم استقبالنا بإدارة المباحث العامة القريبة من محكمة استئناف بنغازي.. وبعد ساعات تم نقلنا الى البركة حيث مقر الحرس الجمهوري.
 
أيضا فى سيارة "فولكس" تابعة للشرطة العسكرية يقودها رئيس عرفاء وحدة "عقيلة" وبمقر الحرس الجمهوري بأحد مكاتب الإدارة خرجت علينا الأخت زكيه القاضي وتعارفنا على بعض ثم انطلقت مع والدها بعد حين.. اما نحن فتم نقلنا الى داخل معسكر الحرس حيث تم الزج بنا فى "الشيلات" وهناك وجدنا ماوجدنا.. اخوة كثر كانت علامات الإنهاك والتعب بادية على وجوههم من اثر التعذيب.. طبعا عرفت الكثير منهم.. منهم من هو الآن معنا هنا فى المهجر وتقابلت معه بعد اكثر من ثلاثين سنة فى مؤتمرنا الوطني بلندن.. ومنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر بالداخل.. المهم.. مايهمنى هنا أيضا.. اننى تعرفت على السيد: عمر الترجمان والد الأخ: خالد الترجمان.. طبعا قد يسأل البعض ماذا يفعل هذا الرجل المسن مع طلبة داخل المعتقل؟؟ انه كان رهينة الى ان يتم القبض على ابنه.. وفعلا بقى معنا لعدة ايام حتى تم القبض على خالد الترجمان الذى قيل بأنه تم القبض عليه قبل مغادرة البلاد فى اتجاه جمهورية مصر..
 
وبعد أيام.. فوجئنا بواقعة مريرة اخرى لايصدقها العقل.. الا وهى احظار المحامى المرحوم" سالم الاطرش" احد مؤسسى جمعية عمر المختار..حيث كان اولاده" سميح وسعيد وهن الاعتقال معنا فى الحرس الجمهوري..وقام الجلاد عقيد حسن اشكال الذى لاقى مصرعه فيما بعد على يد الطاغية القذافى..قام هذا المجرم بتعذيب المرحوم سالم الاطرش بضربه على رجليه" فلقة" حتى فقد وعيه وعندما كان يستنجد بالله عزوجل ناطقا الشهادتين اذا بالمجرم حسن اشكال يصرخ فى وجهه ويقول له قل" الفاتح رسول الله.. بدلا من محمد رسول الله.. الله اكبر.. اين هو ألان هذا المجرم الطاغية وماذا جنى من وراء ذلك غير الخزى فى الدنيا والعذاب فى الآخرة وهاهو دائما يذكر بالسؤ. اما أنت سيدى سالم الأطرش فها أنت تذكر بالخير والمرحمة رحمك الله وغفر لك ذنبك وأسكنك فسيح جناته.. هذه فقط لحظات رهيبة عشتها وارويها لكم وللتاريخ.. وفى الذاكرة الكثير من ذكريات شهر ابريل وما لحقه من سنين عجاف عشناها.. نسأل المولى عزوجل ان كشف عنا الغمة ويزيح عن صدورنا الهم وان يفك اسر جميع السجناء وان يتقبل الشهداء قبولا حسنا فى الفردوس الأعلى من الجنة وان يلحقنا بهم فى تلك الدار الخالدة مع الأنبياء والشهداء والصالحين والصديقين وحسن أولئك رفيقا.
 
المجد والخلود لشهداء الوطن والعزة والكرامة لابناء الوطن
 
أخوكم فى المهجر/ المحامى/ الشارف الغريانى/ المانيا
[email protected]