الرئيسية | من نحن | اتصل بنا

منبر الكتّاب

الحلقات:         5   6   7   8    10   11   12   13

 

 

هدرزة في السّياسَة والتاريخ (10) 

الملك.. العقيد.. المعارضة الليبيّة في الخارج

بقلم/ الصادق شكري

 

الجزء الأوَّل (10 مِن 13 )

الحلقة العاشرة

 

كان الملك إدريس السنوسي قمة في الورع، وقمة في التقشف، وقمة في الوطنيّة، وما كان يعير للمال أيّ اهتمام لدرجة أنّ السيد/ مصطفى أحمد بن حليم قال عن زهده الجملة التاليّة:..(... هذا الرجل كان لا يعرف عد المصاري "الفلوس"..). لم يكن السيد/ مصطفى بن حليم يقصد دون شك المعنى الظاهر للجملة إنّما قصدَ التأكيد على زهد الملك وتقشفه.

 

وقد أكد السيد/ مصطفى بن حليم حينما استضافته قناة "الجزيرة " في برنامجها: "الكتاب خير جليس" على زهد الملك وتقشفه، ثمّ قال عن طهارته الماليّة والأخلاقيّة، ما نصه...(.. هذا الرجل لم تكن له مدخرات وأموال وحينما أقام في مصر بعد إنقلاب القذافي، وكان رئيس دولة بتروليّة، عاش في مصر إلى يوم وفاته على نفقة الحكومة المصريّة، والتي بدأت في عهد الرئيس جمال عبد الناصر..). 

 

كان الملك بعيداً كلّ البعد عن كافة أشكال البذخ والإسراف والفساد. وحينما بدأ الفساد يدب في أجهزة الدولة  اتخذ موقفاً صارماً من ذلك وأمر بمحاسبة كلّ الأشخاص المسئولين عن ذلك. وقد أصدر بياناً بتاريخ 13 يوليو 1960م ضد الفساد والمفسدين – البيان الشهير الذي عرف باسم (بلغ السيل الزبى) . وعبر في هذا البيان عن غضبه من الوساطة والمحسوبيّة واستشراء الفساد في بعض أجهزة الدولة، وأمر بإجراء تحقيقات موسعة لأجل محاصرة هذه الظواهر السيئة وكشف الأشخاص المتورطين فيها ثمّ إبعادهم عن موقع المسئوليّة . ووعد في ختام بيانه بإصلاح الأمور وإبعاد كل شخص يسيء استعمال السلطة أو يستغلها، قائلاً:..(.. وأنّني بعون الله ومشيئته سأحاول أنّ أغير الأمر بيدي وسوف لن أتزحزح أو أتراجع عن تنفيذ أمر الله حتى استعيد لبلادي سمعتها الطيبة..).

 

ويذكر أنّ صحيفة "المساء" التي ترأس هيئة تحريرها الأستاذ/ سليمان دهان نشرت في عددها الصادر في 20 أغسطس 1960م تقريراً مفصلاً عن الفساد الإداري والتجاوزات الماليّة في مشروع طريق فزان. وقد أرست حكومة كعبار في عام 1958م عطاء المشروع على شركة ساسكو المملوكة للسيد/ عبدالله عابد السنوسي. وأشار تقرير صحيفة "المساء" إلى تلقي بعض أعضاء حكومة السيد/ عبدالمجيد كعبار للرشوة ومحاباة الحكومة للسيد/ عبدالله عابد باعتباره من العائلة السنوسيّة ومن أقارب الملك. أحال الملك قضيّة طريق فزان إلى التحقيق بعدما كشفت الصحافة عنها، واتخذ إجراءات صارمة ضد السيد/ عبدالله عابد السنوسي(39) ومنعه من الدخول في أيّ مناقصات حكوميّة. ووقف في وقت لاحق مع قرار البرلمان القاضي بسحب الثقة عن حكومة السيد/ عبدالمجيد كعبار (40)، ثمّ قبلَ استقالة الحكومة في منتصف أكتوبر من عام 1960م.

 

{..ففي يوم 12/10/ 1960م وجّه السيد/ عبدالمجيد كعبار (رئيس الوزراء ) رسالة إلى الملك إدريس السنوسي ألحَّ فيها على أحد أمرين: إمّا قبول استقالته وإمّا حل البرلمان وإجراء انتخابات جديدة، بحيث يمكن لرئيس الوزراء أنّ يرى رأي الناخبين في هذه القضيّة. واختار الملك الخيار الأول رافضاً حل البرلمان وبعث إلى السيد كعبار رسالة مؤرخة في 16 أكتوبر 1960م شكره فيها على خدماته التي قدَّمها إلى بلاده..}م73. وكلّف الملك إدريس السنوسي السيد/ محَمّد عثمان الصيد بتشكيلِ حكومةِ جديدةِ في نفس اليّوم الذي قبل فيه استقالة حكومة السيد/ عبدالمجيد كعبار. وسجل كعبار أطول مدة لرئيس وزراء – ثلاث سنوات وخمسة أشهر: من مايو 1956م إلى أكتوبر 1960م – خلال حقبة العهد الملكي. وهي الحكومة الرابعة في سنوات العهد الملكي الثمانيّة عشر. أمّا حكومة السيد/ محَمّد عثمان الصيد ( من أكتوبر 1960م إلى مارس 1963م ) هي الحكومة الخامسة في العهد الملكي.  

 

‏وفي اعتقادي، إنّ اختيار الملك لخيار قبول استقالة السيد/ عبدالمجيد كعبار كان مبنياً في المقام الأوّل على خضوعه التام لإرادة الشعب المعبر عنها من قبل نواب البرلمان المنتخبين عبر صناديق الاقتراع، والذين تحوَّل الحوار بينهم وبين حكومة كعبار بشأن قضيّة طريق فزان في جلسة انعقاد البرلمان الاستثنائيّة يوم 10 أكتوبر 1960م إلى نقطة دعوة البرلمان للانعقاد يوم 19 أكتوبر 1960م للتصويت على حجب الثقة عن الحكومة. وفي المقام الثاني على الأخطاء والعيوب التي ظهرت – بعد أقل من عام – على بعض أجزاء الطريق التي تمّ الانتهاء من تنفيذها، والمخالفة للنّصوص المتفق عليها في العقد المبرم بين الطرفين كظهور الشقوق والانحدارات في الطريق، كذلك، زحف الرمال على الطريق. وفي المقام الثالث على ضرورة إتّخاذ خطوة تعزز دور الصحافة ووسائل الإعلام في ممارسة دورها كسلطة رابعة في البلاد خصوصاً وإن صحيفة "المساء" هي الجهة التي كشفت عن مخالفات وملابسات مشروع طريق فزان. وفي المقام الرابع قبلَ باستقالة حكومة كعبار لأنّها أرست عطاء المشروع على شركة ساسكو المملوكة للسيد/ عبدالله عابد أحد أفراد العائلة السنوسيّة، والملك كان ضد استغلال الارتباط العائلي به لأجل تحقيق أيّ مكاسب ماليّة أو أيّ شكل من أشكال النفوذ والتأثير على صانع القرار، ولذا، تصدى بعناد لخطر المحاباة العائليّة التي كثيراً ما تفسد الأنظمة الملكيّة فهو الذي....{....حظر استعمال ألقاب الأمراء على أبناء العائلة السنوسيّة، وأصر على استثنائهم من شغل مناصب الدولة، لدرجة أنّ القوانين منعت أيّ منهم أنّ يصبح وزيراً أو نائباً أو يعمل في خدمة الحكومة بأيّ شكل من الأشكال، فيما عدا حالة واحدة نادرة، وهي أنّ شاباً من أبناء عمومة الملك كانت مدة خدمته طويلة في الجيش فسمح له بالبقاء...}م74

 

وأراد الملك أنّ يذكر حكوماته من خلال قبول استقالة حكومة عبدالمجيد كعبار بالتزاماتها ومسئولياتها، حيث رأى أنّ المسئوليّة تحتم على أيّ حكومة تقديم استقالتها حينما تقع تجاوزات ومخالفات جسيمة في عهد ولايتها أو تمر بأزمة كبيرة كأزمة طريق فزان . ومن هذا المنطلق قبلَ الملك استقالة حكومة كعبار لتكون استقالتها عبرة لمن يأتي بعدها، وتصبح عرفُ من أعراف السياسيّة الليبيّة فيما بعد. وخطوة قبول استقالة حكومة كعبار كانت خطوة متقدمة على واقع المنطقة العربية بل لم تصل بعد إليها العديد من بلدان المنطقة، وبعد مرور أكثر من أربعين عاماً على اتخاذها !. بمعنى  أنّنا لازلنا نشاهد في المنطقة العربيّة كوارث وجرائم وإنتهاكات وأزمات تمر على دول المنطقة دون أنّ تستقيل حكومة واحدة أو حتى وزير تعد وزارته معنية بشكل مباشر عن الانتهاكات والمخالفات التي حدثت أو المشكلة التي وقعت أو الأزمة التي حلت على البلاد.

 

أقدم الملك على قبول استقالة رئيس وزراءه للاعتبارات سالفة الذكر لا لأيّ اعتبار آخر، فقد كان الملك يحمل في نفسه للسيد/ عبدالمجيد عبدالهادي كعبار كلّ محبة وتقدير واحترام، ويثمن بفخر الإنجازات الكبيرة التي تحققت في عهده، ويقدر عالياً الإسهامات الوطنيّة العظيمة التي قدمتها عائلته أجل القضيّة الليبيّة، ولذا، حرص أنّ يذيل رسالة قبول استقالته بالشكر والعرفان لما قدَّمه من خدمات عظيمة وجليلة للوطن والمواطنين.  

 

على أية حال.. التحقيقات البرلمانيّة اللاحقة اثبت عدم تورط السيد كعبار شخصياً في أيّ تجاوزات ماليّة أو أنّه استفاد شخصياً من وراء إرساء عطاء المشروع على السيد/ عبدالله عابد. وقد علق السيد/ دي كاندول على العاصفة التي أثيرت حول قضيّة عطاء طريق فزان بالتالي..{.. والواقع أنّ إسقاط حكومة كعبار على هذا النحو لم يكن له ما يبرره، ولم يحصل السيد/ عبدالله عابد على العطاء باستغلال النفوذ الشخصي لأنّ شركته كانت هي الشركة الليبيّة الوحيدة القادرة على تنفيذ مشروع بمثل تلك الضخامة، ثمّ إنّ قيمة العطاء كانت في حدود المعقول كما ثبت من التحقيق البرلماني اللاحق..}م75.   

 

ومن جديد، وبخصوص زهد الملك وتقشفه.. قال السيد/ دي كاندول عن شخص الملك إدريس السنوسي وعائلته، ما نصه:..{..أنا أعرف الملك شخصياً وبالتأكيد أنّ الملك والملكة لم تكن لهما أموال في أيّ مكان من العالم سوى الحساب المتواضع الذي كانا يحتفظان به في مصرف طبرق لإيداع المخصصات الملكيّة الزهيدة المقدمة من الحكومة.

 

وحتى عائلته كانت كعامة الليبيّين، ويلاحظ أنّ أعضاء الأسر الحاكمة في بعض البلدان العربيّة يستغلون نفوذهم بحكم تلك العلاقة من أجل الثراء الشخصي، ولكن شيئاً من هذا لم يحدث في ليبيا على حد علمي (باستثناء حالة واحدة فقط).

 

... ورغم أنّ الملك والملكة كانا يعيشان حياة بسيطة، بل حياة زهد وتقشف بحكم عقيدتهما الإسلاميّة الصارمة، إلاّ أنّه من الصعب أنّ يعثر المرء على جو عائلي أكثر سعادة وكرماً وتحضراً ممّا كان يسود بيتهما البسيط بالقرب من طبرق. وما كانت لتستهويه فخامة القصور الملكيّة التي قد نجدها في السعوديّة أو بلدان الخليج مثلاً، إنّما كانت أسرته الصغيرة تقيم في منزل متواضع يحتوي على ثلاث غرف للنوم، ويسمى "باب الزيتون". وقد بناه الملك حسب التصميم الذي وضعه بنفسه. ويوجد على جانب المنزل إسطبل يضم نحو عشرة خيول وفرس الملك المفضلة وبضعة جواميس. أمّا السائس فهو عجوز طيب من "واداي " كان في خدمة الأسرة السنوسيّة منذ سبعين سنة. 

 

لم يخرج الملك والملكة من ليبيا بأيّ شيء ما عدا حقائب السفر، كما أنّ ملابسهما وأمتعتهما الشخصيّة التي تركاها بمنزلهما في مدينة طبرق نهبتها الطغمة العسكريّة فور الإنقلاب.} م76

 

كان الملك مؤمناً بفتنة المال وما قد يجلبه من نتائج سيئة إذا لم يتسلح النّاس بالأخلاق الكريمة والتمسك بأهداب الشريعة. وحمد الملك الله وشكره بما منّ به على ليبيا من خيرات أُخرجت من باطن الأرض إلاّ أنّه عبر عن مخاوفه مما قد تحدثه النعمة الجديدة من نتائج سيئة خلال السنوات القادمة كالبذخ والتبذير والكسل أو الانشغال بالمال والانغماس في اللهو والملذّات. وقد عبر الملك عن تلك المخاوف مبكراً – ومع بداية تصدير النفط –  في خطاب ألقاه يوم 24 ديسمبر 1961م بمناسبة الذكرى العاشرة لإستقلال ليبيا.

 

وجاء في خطاب 24 ديسمبر 1961م الذي وجهّه الملك إدريس السنوسي إلى الشّعب الليبي، ما نصه..{.. إذا كانت السنوات العشرة الماضيّة سنوات كفاح في سبيل العيش، فإنّ السنوات المقبلة ستنعمّ بالرخاء بإذن الله تعالى بما منّ به الله علينا من خيرات أراضينا. ولكن الكفاح من الآن لن يكون أقل صعوبة من السنوات العشرة الماضيّة، فللرخاء مشاكل يتحتم، علينا جمعياً مواجهتها وحلّها بما يعود على الشّعب الليبي في مجموعه بالرّخاء والتقدَّم، والوصول إلى هذه الغاية يجب علينا التسلح بالأخلاق الكريمة والتمسك بأهداب الشريعة. إنَّ من النتائج السيئة التي يحملها الرّخاء معه ميل النّاس إلى حبّ الإثراء والانغماس في الملذّات والبذخ والإفراط والميل إلى الراحة والكسل، فهذه كلها أسباب ضعف وانحلال وأحذّركم من مغبّتها وأوصيكم باجتنابها. وليكن رائدنا الإخلاص لديننا وطننا وشعبنا...}م77

 

لقد عاش الملك إدريس السنوسي طوال سنوات حكمه في سكن عادي متواضع كسائر عامّة الليبيّين، ورفض أنّ يحاط بمنزله نقاط تفتيش وحراسة مسلحة. وكانت ثقته بالشّعب الليبي كبيرة للغايّة أو كما قال السيد/ دي كاندول..(..كان يثق في ولاء شعبه ثقة عمياء ولا يتخذ أية إجراءات لحمايّة أمنه الشخصي..).  وكان شديد الترفع عن ماديات الحياة ومظاهر الأبهة وبرتوكولات السلاطين والحكام. وكان يرفض أنّ ترافقه حراسة مسلحة سواء في جولاته داخل ليبيا أو في زياراته خارج البلاد. وكان يرفض أنّ يرافقه في زياراته العائليّة شخص غير سائقه الخاص.

 

لم يخرج الملك والملكة فاطمة الشفاء في صيف 1969م من ليبيا بأيّ شيء أخر عدا حقائب السفر. وبعد أنّ تأكد من نجاح إنقلاب سبتمبر 1969م أثناء وجوده في أثينا، طلب من مسئوله المالي أنّ يحول الأموال الحكوميّة التي بحوزته إلى وزارة الماليّة الليبيّة ، وطلب من مسئول آخر أنّ يرسل السيارتين الرسميتين اللتين معه عبر الشحن البحري إلى ليبيا لأنّهما ملك للدولة الليبيّة وليستا ملكاً خاصاً بإدريس السنوسي.

 

مكث الملك والملكة في اليونان شهرين كاملين ولم يكن معهما مليماً واحداً في أيّ مصرف في اليونان أو أيّ بلد أخر من بلدان العالم (41). بعث الرئيس جمال عبدالناصر في سبتمبر 1969م رسالة شفهيّة إلى الملك إدريس السنوسي حملها إليه السفير المصري في اليونان وقتذاك. وقد عبر عبدالناصر في تلك الرسالة عن رغبته الشديدة في أنّ يستضيف الملك وعائلته في مصر. قرر الملك الذهاب إلى مصر والاستقرار فيها بعد التوكل على الله ودراسة ما عرضه عبدالناصر عليه والتفكير في المسألة من كافة الجوانب. 

 

كان يشغل بال الملك والملكة أثناء فترة إقامتهما في اليونان وضع كلّ من: سّليمة (أبنتهما بالتبني )، وسَحَر الرفاعي (أردنية من أصل فلسطيني ) اللتين كانتا تحت قبضة الإنقلابيين. والسيدة/ سَحَر الرفاعي كانت برفقة الملكة أثناء رحلتها الأخيرة، وقد أوفدتها الملكة إلى ليبيا لاصطحاب سُليمة التي اضطرت للعودة لمقابلة أمها التي جاءت فجأة من الجزائر إلى ليبيا لرؤيتها. وقد وقع الإنقلاب أثناء تواجدهما في البلاد، وبقيتا تحت الإقامة الجبريّة بالقصر.

 

أمّا سكرتيرة الملكة الدائمة ( السيدة/ هَدلا الأيوبي ) كانت خارج ليبيا وقت وقوع الإنقلاب، وقد لحقت بالملك والملكة قبل أسبوع من خروجهما من اليونان إلى مصر. والسيدة/ هَدلا الأيوبي أردنيّة الجنسيّة من أصل فلسطيني رافقت الملك والملكة في رحلتهما من اليونان إلى مصر، وأقامت معهما في مصر عدة سنوات، وتقيم حالياً في الأردن ولازالت صلتها بالملكة فاطمة قائمة حيث تزورها باستمرار في محل إقامتها في مصر.

 

والحاصل.. طلب الملك من الرئيس عبدالناصر أنّ يطلب من مجموعة ضباط إنقلاب سبتمبر أنّ يفكوا أسر سَحَر الرفاعي وسُليمة. وقد تمكن الرئيس عبدالناصر من تحقيق ما طلبه الملك منه.

 

{.. مكث الملك والملكة في اليونان شهرين، ولقيا أثناءها أعظم الحفاوة وكرم الضيافة من اليونانيين حكومة وشعباً. وقد أخبرت الملكة فاطمة السيد/ دي كاندول في رسالة بعثت بها إليه في يوم 26 أكتوبر 1969م، بأنّ الملك، بعد إمعان التفكير، قرر الإقامة في مصر. ومضت تقول:

الجو بارد جداً هنا. وقريباً يحل شهر رمضان، ونحن لا يسعنا أنّ نصوم في أيّ بلد أوروبي. فلتكن مشيئة الله لخير الجميع. وسوف نبحر يوم الجمعة القادمة ونصل القاهرة في نفس يوم الوصول حيث نجد في استقبالنا كلا من سَحَر وابنتي سُليمة...}م78.

 

أبحر الملك إدريس السنوسي والملكة فاطمة الشفاء من اليونان إلى مصر يوم الجمعة الموافق 31 أكتوبر 1969م، ووصلا إلى ميناء الإسكندريّة يوم 3 نوفمبر 1969م وكانت السيدة سَحَر وابنتهما سُليمة في استقبالهما إلى جانب بعض الرسميين والأصدقاء المصريين، ووصلا إلى القاهرة في نفس اليوم.

 

أكرم الله سبحانه وتعالى الملك، فعاش في القاهرة مكرماً معززاً رّغم أنف من سعى لإلحاق الأذى والضرر به. وأنتقل إلى جوار ربه مغفوراً له بإذن الله تعالى في يوم 12 شعبان 1404 هجري الموافق  25 مايو 1983م، ودفن مع الصالحين في أرض البقيع الطاهرة.  

 

الملك إدريس.. عاش معززاً مكرماً رغم أنف الإنقلابيين !   

 

ويمكن تقسيم هذه الفقرة إلى مرحلتين :

 

المرحلة الأولى: إقامة الملك إدريس السنوسي في القاهرة في عهد الرئيس جمال عبدالناصر.  

المرحلة الثانية: إقامة الملك إدريس السنوسي في القاهرة في عهد الرئيس محمّد أنور السَّادَات.

 

خرج الملك إدريس والملكة فاطمة الشفاء في مايو 1969م إلى تركيا واليونان في رحلة للعلاج والاستجمام. وكان الملك أثناء وقوع إنقلاب سبتمبر 1969م في أحد مستشفيات أثينا. أبحر الملك وزوجته من اليونان إلى مصر يوم الجمعة الموافق 31 أكتوبر 1969م، ووصلا إلى مصر في يوم 3 نوفمبر 1969م في عهد الرئيس الراحل جمال عبدالناصر. 

 

المرحلة الأولى: إقامة الملك إدريس السنوسي في القاهرة في عهد الرئيس جمال عبدالناصر.      

   

من جديد.. غادر الملك محمد إدريس السنوسي ليبيا في شهر مايو 1969م قاصداً تركيا واليونان في رحلة للسياحة والطبابة في آن واحد. وفي طريق عودته، وأثناء وجوده في أثينا، وقع إنقلاب الأوّل من سبتمبر في ليبيا. وبعد أنّ تأكد الملك من نجاح الإنقلاب واستيلاء العسكر على السلطة في فترة وجوده في أحد مستشفيات أثينا أمر حاشيته بتحويل المبلغ المالي المتبقي من الموازنة المخصصة لتمويل رحلته الاستشفائيّة إلى وزارة الماليّة على إعتبار أنّ ذلك خصص له حينما كان ملكاً لليبيا. وأمرهم بإرسال السيارتين المرسيدس اللتين كانتا برفقته عبر الشحن البحري إلى ليبيا لأنّهما ملكُ للدولة والشّعب الليبي. وربمّا سنجد في وثائق السفارة الليبيّة في اليونان ومراسلاتها – وبعد إزاحة القذافي – ما يؤكد القصة التي أوردناها أعلى الصفحة، كذلك، في شهادة أيّ شخص كان ضمن طاقم السفارة الليبيّة في أثينا آنذاك – الطاقم الذي كان يديره السفير/ الطاهر القرمانيلي.

 

وعلى العموم.. من بين الذين دَوَنَوا القصة التي أوردناها أعلى الصفحة، الأستاذ/ جوزف حاموش ( صحفي لبناني ) في مقالة نشرها في الصحافة اللبنانيّة وأُعيد نشرها على موقع "أخبار ليبيا"، فقال الأستاذ/ حاموش، ما نصه:..{.. سافر الملك الليبي في رحلة للسياحة والطبابة في آن واحد، قاصداً أثينا ثمّ اسطنبول، ورافقه الصديق الطبيب في تلك الرحلة، الدكتور حبش، مع وفد متواضع من الحاشيّة. وكانت هناك طبعاً موازنة معينة من مال الخزينة لتمويل الرحلة، مع سيارتين فخمتين للموكب الملكي. وعندما تلقى الملك نبأ الإنقلاب العسكري الذي قام به العقيد الشاب وتأكد أثناء وجوده في أحد مستشفيات أثينا إنّ الإنقلاب نجح وانتقلت السلطة إلى زمرة العسكر، لم يبادر إلى القيام بأيّ محاولة دفاع عن ملكه كانت ستتسبب بالتأكيد بإراقة الدماء الليبيّة بكثرة. بل اعترف بالأمر الواقع، وطلب من المسئول المالي في حاشيته أنّ يحول إلى وزارة المال الليبيّة الأموال الحكوميّة التي كانت لا تزال بحوزته لتمويل رحلته الاستشفائيّة والترفيهيّة، كما أرسل السيارتين الرسميتين عبر الشحن البحري إلى ليبيا لأنّهما كانتا ملكا للدولة والشعب الليبي...}م79.

 

استنكر الرئيس التونسي الراحل "الحبيب بورقيبة " إنقلاب سبتمبر، ولولا الضغوطات الخارجيّة الكثيرة التي مورست ضده ما كان له أنّ يعترف بإنقلاب سبتمبر، إذ أنّه لم يعترف به إلاّ بعد شهر تقريباً من استيلاء القذافي على السلطة. واستنكرت العربيّة السعوديّة الإنقلاب الذي وقع في ليبيا، وعبرت عن إنزعاجها..{.. وتخوفّها من إتساع مجالات الدّول الراديكالية. وفي وثيقة بعثتها السعوديّة إلى الخارجيّة الأمريكيّة رقم (Jidda 3081) بتاريخ 7 سبتمبر 1969م أعرب وزير الخارجيّة السعودي عن قلق الملك فيصل والأجهزة السياسيّة في السعوديّة من مخاطر الإنقلاب في ليبيا ومدى تهديده للأنظمة المعتدلة..}م80. وظلت علاقة الملك فيصل بن عبدالعزيز آل سعود يرحمه الله متوترة بالقذافي حتى بعد اعتراف السعوديّة بالإتقلاب الذي وقع في ليبيا. وأروي هنا القصة التي رواها الأستاذ/ فايز جبريل لصحيفة الوطن السعوديّة كأحد الشواهد على توتر علاقة الملك فيصل بالقذافي. والقصة كما جاءت بالنص على لسان الأستاذ/ فائز جبريل، تقول:..(.. لقن الملك فيصل درساً في الأدب للقذافي في حضور الرئيس المصري الراحل مَحمّد أنور السَّادَات بسبب وضع القذافي رجلاً على الأخرى وطريقة خطابه غير اللائقة حين خاطب سمو الملك باسمه مجرداً، وهو ما دعا سمو الملك فيصل إلى الردِ على القذافي قائلاً : " إنّني أتفهم أنّك حين لا تستطيع أنّ تخاطبني بجلالة الملك فإنك تستطيع أنّ تخاطبني بكلمة يا عمي، وليس من التقاليد والأعراف العربيّة أنّ تجلس وأنت صغير السن بهذه الطريقة..).

 

عندما وقع الإنقلاب العسكري في ليبيا كان الملك إدريس السنوسي موجوداً في أحد مستشفيات أثينا، ولم يبادر الملك إلى القيام بأيّ محاولة تهدف إلى إفشال حركة الإنقلابيين والعودة إلى كرسي العرش حرصاً على حفظ الأرواح والدماء الليبيّة الزكيّة. نجح الإنقلاب وانتقلت السلطة إلى زمرة من  العسكر يقودهم شاب مجهول برتبة " ملازم" اسمه: معمر محَمّد عبدالسلام حميد أبومنيار القذافي. وصل المهندس المصري/ يوسف ندا من ليبيا إلى اليونان أثناء وجود الملك في (كامينا فورلا) باليونان. وكان السيد/ ندا أول شخص يقابل الملك إدريس بعد وقوع الإنقلاب. وقبل أنّ يلتقي السيد/ ندا بالملك، قابل رئيس الدولة اليونانيّة وقتذاك.

 

وقال السيد/ ندا عن تلك المقابلة..(.. قابلت رئيس الدولة في اليونان "بابا دوبلوس "، وكان في غايّة الأدب. وقال ليّ:موضوع ليبيا بالنسبّة لنا شديد الأهميّة. والأخبار التي تصلنا كلها عن طريق الإذاعات، وأنت الوحيد الذي خرج من ليبيا وبإمكانه أنّ يصف لنا حقيقة الأوضاع، وأنا أريد أنّ أسمع منك . والملك إدريس السنوسي موجود عندنا في (كامينا فورلا). ثمّ سألني: هل الملك سيرجع ثاني إلى ليبيا !؟. وهل من قاموا بالإنقلاب ستستقر لهم الأمور!؟.

 

لو قدر للملك أنّ يرجع إلى ليبيا مرة ثانية وكنا قد عاملناه هنا معاملة غير طيبة، ستكون نتيجة بعد رجوعه أنّنا سنفقد ليبيا. ولو عاملناه هنا معاملة طيبة ثمّ لم يتمكن من الرجوع إلى ليبيا، وتستقر الأوضاع للجماعة الجديدة "مجموعة الإنقلاب " معنى ذلك أنّنا سنفقد ليبيا لأنّ الجدد لن ينسوا لنا هذا الموقف !. فما هو رأيك ؟...).

 

يبدو أنّ الحكومة اليونانيّة تجاوزت حالة الارتباك التي عبر عنها رئيسها "بابا دوبلوس "، حيث أنّ الملك والملكة مكثا في اليونان شهرين، ولقيا أثناءهما أعظم الحفاوة وكرم الضيافة من اليونانيين حكومة وشعباً . وهذا ما أورده السيد دي كاندول في كتابه: الملك إدريس عاهل ليبيا .. حياته وعصره.  

 

عموماً.. مكث الملك والملكة في اليونان شهرين كاملين ولم يكن معهما مليماً واحداً في أيّ مصرف في اليونان أو أيّ بلد أخر من بلدان العالم، وحتى المخصص المالي الذي كان بحوزة الملك أرسله إلى وزارة الماليّة الليبيّة بعد تأكده من نجاح الإنقلاب. وقد أكد ليّ أحد أفراد العائلة السنوسيّة: أنّ الملك إدريس السنوسي لم يكن معه مليماً واحداً بحوزته بعد أنّ أرسل المبلغ المتبقي من مخصص رحلته الاستشفائيّة السياحيّة إلى ليبيا، وأنّ كلّ ما كان تحت تصرفه هو مبلغ بسيط جداً كان بحوزة الملكة فاطمة وقدره 5 جنية. وأكد ليّ أيضاً: أنّ الملكة فاطمة طلبت من الملك إدريس أنّ يتصل بملك المغرب أو الأردن أو بآل سعود في السعوديّة إلاّ أنّ الملك رفض ذلك، وقال لها: من يرغب في استضافتنا في بلاده سيتصل حتماً بنا، أمّا أنا فلن أطلب من أحد أنّ يستضيفنا في بلاده. وأنا متوكل على الله ولن أطلب العون إلاّ منه، وكما يقول الليبيّون: اللي امعه الله ما يغلاب ( من معه الله لا يُغلب).      

    

ظل الملك إدريس السنوسي على هذا الموقف إلى أنّ وصلته في يوم من الأيام رسالة شفهيّة من الرئيس الراحل جمال عبدالناصر حملها إليه السفير المصري في اليونان. عبر عبدالناصر في تلك الرسالة عن رغبته في استضافة الملك وعائلته في مصر. وبعد لقاء الملك بمبعوث عبدالناصر، قال الملك للملكة فاطمة: كنا نتوقع أنّ تأتينا دعوة من النظم الملكيّة وإذ بها تأتي من أشد النظم كرهاً للأنظمة الملكيّة !. لابُدَّ أنّ نفكر في الأمر ونمحصه. وبعد تفكير وتمحيص، قرر الملك الذهاب إلى مصر. واجتمع بمبعوث عبدالناصر ثانية وأخبره: بقبول الدعوة الكريمة التي وجهها إليه الرئيس جمال عبدالناصر. وأنّه تنازل عن الحكم (العرش) – قبل وقوع الإنقلاب – في رسالة مؤرخة بتاريخ 4 أغسطس أعطاها للشيخ عبدالحميد العبار رئيس مجلس الشيوخ الليبي. وأنّه أعلن في وثيقة التنازل: بعد أنّ أصبح عمري الآن في الثانية والثمانين، ونظراً لتقدم سني وضعف جسدي أراني مضطراًَ لترك مسألة الحكم لغيري. وأني إنّ شاء الله عقدت العزم الأكيد على اجتناب السياسة بتاتاً والله على ما أقول وكيل.  (راجع رسالة التنازل المنشورة في كتاب: دي كاندول ).

 

هذا من ناحيّة، ومن ناحيّة ثانية.. أؤكد لسيادتكم بعزمي الأكيد على اجتناب السياسة، وهذا ما أود أنّ تبلغه لفخامة الرئيس عبدالناصر. وأرجو أنّ تبلغ فخامته أيضاً بأنّ ابنتي ( سُليمة) والسيدة/ سَحَر الرفاعي موجدتان في ليبيا، وتحت قبضة الإنقلابيين. وكل ما أرجوه من فخامته أنّ يطلب من الحكام الجدد في ليبيا أنّ يرسلوا سُلمية والسيدة سَحَر الرفاعي إلى مصر.

 

أبحر الملك إدريس السنوسي والملكة فاطمة الشفاء من اليونان إلى مصر يوم الجمعة الموافق 31 أكتوبر 1969م، ووصلا إلى ميناء الإسكندريّة يوم 3 نوفمبر 1969م ورافقتهما السيدة/ هَدلا الأيوبي (سكرتيرة الملكة الدائمة)، والتي التحقت بهما قبل أسبوع من خروجهما من اليونان. وكانت السيدة سَحَر وابنتهما سُليمة في استقبالهما عند وصولهما إلى ميناء الإسكندريّة وإلى جانب بعض الرسميين والأصدقاء المصريين. ويذكر أنّ الرئيس جمال عبدالناصر كان قد طلب من القذافي إرسال سُليمة وسًحر الرفاعي إلى مصر إلاّ أنّ القذافي في الأوّل تجاهل طلبه، فأرسل إليه مرة ثانية وقال له: إنّ لم ترسلهما فوراً فستدفع الثمن غالياً. استجاب القذافي فوراً بعد أنّ هدده عبدالناصر، فأرسل سُليمة إلى والدها وبرفقتها السيدة/ سَحَر الرفاعي.

 

ومن جديد.. وصل الملك محمّد إدريس السنوسي إلى ميناء الإسكندريّة يوم 3 نوفمبر 1969م وواصل رحلته عبر البر ليصل في نفس اليوم إلى القاهرة. خصص له الرئيس جمال عبدالناصر مسكناً يليق بمقامه – قصر يقع بشارع بولس حنا بجوار مستشفى الشبراويشي بالدقي / القاهرة. وعين عبدالناصر طاقماً كاملاً يقوم بخدمة الملك وبحراسته، ويلبي كافه احتياجاته وطلباته، وكل ذلك، على نفقة رئاسة الجمهوريّة المصريّة. سأل عبدالناصر الملك بعد أيام من وصوله إلى القاهرة، قائلاً: هل للملك أيّ طلبات ؟. ولو لديكم في ليبيا أيّ أموال أو ممتلكات أو أشياء أخرى تخصكم فأنّني على استعداد تامّ لردها إليكم ؟. فردّ الملك على عبدالناصر قائلا: أشكركم يا فخامة الرئيس جزيل الشكر على ما قدمتموه ليّ. وأعلم فخامتكم بأنّني لم أترك ورائى في ليبيا أموالاً ولا ممتلكات، وليس لديّ شيئاً من هذا خارجها. وبعد أذن فخامتكم، لديّ طلب واحد، وإنّ كنت اشعر بأنّني أثقلت على فخامتكم، ألاّ وهو: حاجتي  إلى بعض لوازم الشتاء المنزليّة ولوازمه من الملابس الشخصيّة لأنّني خرجت من ليبيا في الصيف والآن الشتاء على الأبواب، ولم أخرج من ليبيا إلاّ بحقائب السفر التي احتوت على الملابس الصيفيّة فقط، وحتى ملابسي الشتويّة التي تركتها بمنزلي في مدينة طبرق نهبها مناصري الإنقلاب. استجاب عبدالناصر على الفور، وأصدر تعليماته بالخصوص. وأرسلت الحكومة المصريّة، بعد ذلك مباشرة، سيارة نقل كبيرة إلى قصر الملك تحمل بداخلها كافة لوازم الشتاء من محلات "عمر أفندي" – أشهر المحلات المصريّة وقتذاك.       

 

علمت المملكة السعوديّة بواقعة إرسال الملك للسيارتين الرسميتين المرافقتين له إلى ليبيا، فأرسلت إلى القاهرة هديّة منها إلى الملك، سيارة خاصّة من نفس نوع وموديل السيارة التي كانت بحوزة الملك – سيارة مرسيدس. 

 

بالرّغم من التزام عبدالناصر بواجب الرعايّة والحفاظ على حق الملك إدريس السنوسي كلاجىء سياسي في مصر إلاّ أنّه عاش العشرة شهور الأولى في مصر حالة من القلق والتوتر حيث قيدت الحكومة المصريّة حركته أو كما قال السيد/ دي كاندول في كتابه المشار إليه سابقاً:..(.. بقى الملك وأسرته محرومين من أيّ إتصال بالأصدقاء الليبيّين، وبقوا خاضعين للإقامة الجبريّة يخشون مراسلة أصدقائهم في خارج مصر. فلم تعد ثمة وسيلة للإتصال بهم إلاّ بأساليب ملتويّة عن طريق عمان وبيروت..).

 

وبالرّغم من أنّ عبدالناصر أكرم الملك واستقبله بحفاوة بالغة إلاّ أنّه قيد حركته بحجة أمنه وسلامته الشخصيّة خصوصاً وأنّ القذافي قد أصدر في حقه حكماً غيابياً يقضي بإعدامه رمياً بالرصاص. وقد انزعج الملك كثيراً بعدما أنّ رأى مظاهرات دبرها نّظام القذافي ضده في مصر، لأنّه رآها نوعاً من الاستفزاز له خصوصاً أنّ عبدالناصر كان قادراً على منعها وعدم حدوثها من الأساس نظراً لنفوذه الكبير على القذافي وجماعته. 

 

توفى الرئيس جمال عبدالناصر في 28 سبتمبر 1970م، وتولى محَمّد أنور السَّادات رسمياً منصب رئاسة الجمهوريّة في 17 أكتوبر 1970م. ومنذ تولي السَّادَات لرئاسة الدولة المصريّة أصبح الملك إدريس السنوسي وعائلته يعاملون بما يستحقونه من تكريم واحترام. وعاش الملك معززاً مكرماً في عهد السَّادات والسنتين اللتين عاشهما في عهد الرئيس   محَمّد حسني مبارك، واستطاع هو وعائلته أنّ يعيشوا في مصر حياة طبيعيّة مثل غيرهم من النّاس...

 

الصادق شكري

 

ملاحظات وإشارات هامة

 

 39) السيد/ عبدالله عابد الشريف السنوسي: ولد السيد/ عبدالله بن محَمّد عابد بن محَمّد الشريف بن محَمّد علي  السنوسي في 21 مارس 1917م، وعاش في مدينة بنغازي. وللسيد/ عبدالله عابد ثمانية أخوة، والسادة هم: أحمد بن إدريس، طاهر، منصور، وهم الأخوة الذين عاشوا في مدينة بنغازي. أمّا الخمسة الآخرين عاشوا في تشاد، والسادة هم: يحي ، عبدالمطلب، أحمد حافظ، السنوسي، إبراهيم. وكان والده ( السيد/ محَمّد عابد) رئيساً لزوايا السنوسيّة في فزان (أمير الحركة السنوسيّة في إقليم فزان )، وهو من قاد المقاومة ضد الغزاة الفرنسيين من عام 1916م حتى عام 1918م. وأعمام السيد/ عبدالله عابد السنوسي خمسة، والسادة هم: أحمد الشريف، علي الخطّابي، صفي الدين، هلاّل.  

تلقى السيد عبدالله عابد تعليمه في الزوايا السنوسيّة، وكان يجيد الحديث باللغة الإيطاليّة والإنجليزيّة إلى جانب اللغة العربيّة. تزوج ثلاث مرات، وله أربع (4) بنات و ستة (6) أولاد، والأولاد هم: هاشم، شريف ( توفي في مصر)،  المهدي، رضا ( توفي في مصر)، محمّد، إدريس.

 

ساهم السيد عبدالله عابد مساهمات إيجابيّة في حرب التحرير الجزائريّة، فتبرع بماله وسخر جل وقته في جمع الأموال للمجاهدين، وكان عضواً بلجنة جمع التبرعات ودعم المجاهدين الجزائريين ( ثوار جبهة التحرير ). وكان من بين أبرز الأشخاص المقتدرين الذين تجابوا من الحملة التي دعت الليبيّين لكفالة الطلبة الفلسطينيين الدارسين في الجامعات المصريّة في فترة خمسينيات وستينيات القرن المنصرم، والتي كان من أبرز المتحمسين والمروجين لتلك الحملة: السيد/ صالح مسعود بويصير، والسيد/ أحمد الفرجاني ... وغيرهم. وكانت للسيد/ عبدالله عابد مواقف مساندة للقضية الفلسطينيّة بشكل عام إلى جانب اهتمامه بقضية الجزائر لدرجة أنّ الرئيس جمال عبدالناصر منحه في منتصف الستينيات وسامي الجمهوريّة والاستحقاق من الدرجة الأولى.

 

وكان من المؤسسين لجمعيّة الهلال الأحمر الليبي، وذلك في عام 1957م. وعدد الأشخاص الذين أسسوا هذه الجمعيّة تسعة وعشرون شخصاً، واعتمد نظام الجمعيّة الأساسي بمرسوم ملكي صدر بتاريخ 5 أكتوبر 1957م.          

بدأ السيد/ عبداالله عابد نشاطاته التجاريّة بمبلغ متواضع، وذلك بعدما باع قطع ذهب بسيطة كانت تملكها أسرته ودخل بالمبلغ كشريك في عمل مع السيد/ القردوح الكوافي. وبعد عدة سنوات أصبحت نشاطات السيد/ عبدالله عابد التجاريّة ومشروعاته الاستثماريّة في كافة أنحاء ليبيا تقريباً. وكانت شركته – شركة ساسكو – تعد من أكبر الشركات الليبيّة، وهي الشركة التي تعاقدت معها حكومة السيد/ عبدالمجيد كعبار لبناء طريق فزان في عقد أبرم بين الطرفين في 20 ديسمبر 1958م.

 

وكان السيد/ عبداالله عابد يُعد في فترة الستينيات من أكبر أغنياء ليبيا. وقد تميز عابد بالتواضع، وحسن استقباله لضيوفه. وعُرف عنه الكرم لدرجة أنّ من عرفوه وصفوا تصرفاته بالإسراف والبذخ. وكان السيد/ عبدالله عابد محباً للحياة ولا يطيق الغم والنكد ولا يجد نفسه إلاّ في ساعات الفرح والانبساط. وربّما نضيف إلى هذا المقام حب عابد الشديد للفن، وعلاقاته بالوسط الفني، فقد كان محباً للطرب ومن عُشاق الفنان الموسيقار/ محمّد عبدالوهاب أيّ منتمي فنياً إلى المدرسة الوهابيّة الطربيّة. والموسيقار/ محَمّد عبدالوهاب هو من لحن النشيد الوطني الليبي ( يا بلادي ) في عهد الملك إدريس السنوسي. وهو من غنى في مايو 1969م قصيدة ( عهد اليسر ) التي أشرنا إليها في الحلقة السادسة من حلقات هذه السلسلة.  

 

والسيد/ عبدالله عابد هو من دعا في فترة ستينيات القرن الماضي بعض الفنانين إلى ليبيا. فقد دعا على سبيل المثال لا الحصر السيدة/ أم كلثوم ( كوكب الشرق ) لزيارة ليبيا وأقام لها حفلات غنائيّة في مدينتي طرابلس وبنغازي.

 

وللسيد/ عبدالله عابد قصة مع الفنانة (وردة الجزائرية ) تُشير إلى مدى ارتباط الفنانين به، واحترامه هو لهم. فحينما ذهبت الفنانة وردة الجزائريّة في أواخر سبعينيات القرن الماضي إلى ليبيا وغنّت للقذافي أغنية (كان الغلا ينزاد – لحن: محَمّد حسن) في فترة القطيعة مع مصر أبان حكم السَّادَات فمنعها السَّادات من دخول مصر التي كانت تقيم فيها. استنجدت وردة الجزائريّة بالسيد عبدالله عابد فتوسط لها لدى الحكومة المصريّة فأُذنَ لها بالدخول إلى مصر بعد مساعي بذلها عابد في هذا الاتجاه.   

 

كان عبدالله عابد على علاقة وثيقة بالسيد/ مصطفى بن حليم (أحد رؤساء حكومات العهد الملكي)، وأرتبط كليهما بعلاقة عمل. فقد أشار دكتور/ محَمّد يوسف المقريف في المجلد الثالث من موسوعة: صفحات من التاريخ ليبيا السياسي،..(.. إلى شركة التنقيب البترولية (National Oil infopany of Libya) التي أُسست في يوليو 1961م، وكانت شراكتها بين عدد من الشركات الأجنبيّة بحصة 49% من جهة وعدد من رجال الأعمال الليبييّن بحصة 51% من جهة ثانية، وأبرزهم السادة: مصطفى أحمد بن حليم، عبدالله عابد السنوسي، مصطفى العجيلي...).   

 

أرتبط السيد/ عبدالله عابد، كذلك، بعلاقة وثيقة بآل الشلحي حتى بعدما تدهورت علاقة عائلته (العائلة السنوسية) مع آل الشلحي أثر مقتل السيد/ إبراهيم الشلحي، وبالأخص بالسيد/ البوصيري الشلحي الذي تولى منصب ناظر الخاصّة الملكيّة بعد مقتل أبيه. 

 

ومن جهة ثانية.. غضب الملك إدريس السنوسي على السيد/ عبدالله عابد بعدما كشفت الصحافة الليبية – صحيفة (المساء) بتاريخ 20 أغسطس 1960م – عن قضية فساد مالي في المشروع المسمى ب(مشروع طريق فزان). ولم تستقر علاقة الملك بالسيد عبدالله عابد حتى في فترة وجودهما في المنفي بمصر – بعد وقوع إنقلاب سبتمبر 1969م – حيث مر عابد بأزمة أثارت من جديد غصب الملك عليه !.

 

كانت للسيد/ عبدالله عابد علاقات وطيدة بسكان إقليم فران، وربطته بعائلة سيف النصر (أشهر وأقوى عائلات إقليم فزان ) علاقة متينة وقوية. وبحكم ترأس والده للحركة السنوسيّة في إقليم فزان في حقبة ما، وإقامة خمسة من أخوته في تشاد.. وبحكم قرب فزان من تشاد وارتباط سكان جنوب ليبيا بالتشاديين والعكس.. ونظراً لإمتداد الحركة السنوسيّة في تشاد، وارتباط التشاديين بالسنوسيين.. استطاع السيد/ عبدالله عابد السنوسي تكوين شبكة علاقات هامّة بالتشاديين ثمّ حاول توظيف تلك الشبكة فيما بعد، وفي أوَّل محاولة استهدفت نظام القذافي– المحاولة التي عرفت بمحاولة سبها في مايو 1970م. وهي أوَّل محاولة ارتبطت بشخص ليبي مقيم في الخارج. وهي المحاولة التي صرف عليها عابد من أمواله الخاصّة – أكثر من 75% من أمواله في الخارج. وأمواله في الخارج كانت بسيطة جداً إذ ما قورنت بحجم ثروته داخل ليبيا وقتذاك. وبعدما اكتشفت سلطات القذافي المخابراتية تحركات عابد المستهدفة للنّظام استطاعت إجهاض محاولته قبل استكمال الاستعدادات – محاولة 1970م التي أطلق النّظام عليها اسم ( محاولة سبها). وصادرت الحكومة التشاديّة بعد إنكشاف أمر المحاولة كافة الآليات والأسلحة والمعدات التي شحنها عابد إلى تشاد، والتي كلفت عابد جل ما يملكه من أموال في خارج.  

 

كان السيد/ عبدالله عابد السنوسي في العاصمة الإيطاليّة ( روما) وقت وقوع إنقلاب القذافي ( 1 سبتمبر 1969م)، وكانت عائلته بليبيا. أمر القذافي خلال الأسبوعين الأولين من إنقلابه بطرد عائلة عابد من ليبيا، ثمّ أرسل لهم عدداً من العسكريين إلى البيت دون أنّ تعلم العائلة شيئاً عن قرار الطرد، فأمر العساكر آل عابد بمغادرة البيت إلى المطار ثمّ من المطار إلى حيث أبيهم كان !. كذلك، أصدر القذافي في عام 1969م قانون 2 لسنة 1969م، وقرارات أخرى تمّ بموجبها وضع أموال وممتلكات رجال العهد الملكي تحت الحراسة، وكلّفَ أشخاص محددين بإدارة تلك الأملاك والشركات المصادرة!. وكان السيد/ عبدالله عابد السنوسي من بين الأشخاص الذين صودرت أموالهم وممتلكاتهم، وما قام القذافي به تحت مسمى: وضع أموال وممتلكات رجال العهد الملكي تحت الحراسة، ما هو إلاّ عمليّة سطو واحتيال على حد وصف د/ محَمّد يوسف المقريف في أحدى دراساته. 

 

صادر القذافي 12 مليون جنيه ليبي كانت في الحسابات البنكية الخاصّة بالسيد/ عبدالله عابد السنوسي، بالإضافة إلى تأميم شركته (شركة ساسكو) ومصادرة كلّ ما بها. وصادر كافة  ممتلكاته الأخرى في بنغازي وطرابلس وفران – أراضي وعقارات وشركات ومساكن خاصّة. 

 

غادر السيد عبدالله عابد وعائلته إيطاليا قاصدين القاهرة، وذلك قبل نهاية عام 1969م. أقام عابد في القاهرة من نهاية عام 1969م حتى تاريخ وفاته في الأوَّل من مارس 1988م. 

 

وفي جانب أخر.. تمّ القبض في مايو 1970م على مجموعة من العسكريين والمدنيين بتهمة الضلوع في مخطط يهدف لقلب نظام حكم القذافي، وسميت المحاولة بمحاولة سبها، وربط القذافي وأعضاء مجلس أنقلابه المحاولة بعلاقة ما تربطها بجهات أجنبية وبشخصيات محسوبة على النظام الملكي، وبالسيد/ عبدالله عابد تحديداً. وقد ألقت سلطات القذافي الأمنية القبض على عدد من المدنيين والعسكريين وضباط الشرطة، وظل المقبوض عليهم في السجن حتى عام 1988م، وأثنين منهم توفيا – تحت التعذيب – بعد حوالي ستة شهور من سجنهما، وتحديداً، في ديسمبر 1970م حسبما ورد في تقارير كتاب ( انتهاكات حقوق وحريات الإنسان الليبي) الصادر عن الجبهة الوطنية لإنقاذ ليبيا في عام 1999م. وجاء في نص الكتاب المذكور بخصوص ما ورد أعلاه، ما يلي:..(.. وتوفي بعض المتهمين تحت التعذيب في ديسمبر 1970م ( الملازم أول/ أبوحليقة دخيل الشريدي، والملازم أول/ محمد الطاهر القطروني..).

 

وكان من ضمن المتهمين في تلك المحاولة الحاج/ غيث سيف النصر عبدالمجيد الذي تمكن من مغادرة ليبيا قبل أنّ تلقي سلطات المخابرات القبض عليه. وتؤكد بعض المصادر بأنّ الحاج/ غيث سيف النصر عبدالمجيد لم يكن ضمن مجموعة السيد/ عبدالله عابد السنوسي إنما رُبطت مجموعته بمحاولة عابد لأنّ مدينة سبها كانت الساحة الرئيسيّة لتحرك قادة المحاولتين. ففي الوقت الذي كان الحاج غيث يعد مع مجموعته مشروعاً للإطاحة بنظام القذافي، تمكنت سلطات المخابرات من إكتشاف محاولة عبدالله عابد السنوسي (محاولة سبها)، ومن خلال ذلك وصلت إلى مجموعة الحاج غيث سيف النصر، فربطت المحاولتين بالسيد عبدالله عابد لحاجة في نفس نّظام القذافي !.   

   

عموماً.. قضى السيد عبدالله عابد السنوسي سبعة عشر عاماً وستة أشهر في المنفى (من سنة 1969م حتى سنة 1988م). وعاش السنوات التي قضاها في المنفى بالجزء المتبقي من ماله في الخارج بعد أنّ صرف أكثر من 75% من أمواله في الخارج على محاولة مايو 1970م. لم يبخل عابد في حقبة منفاه على إنسان طلب مساعدته، ولم يرد في حياته محتاجاً طرق باب بيته قط. عاش سنوات منفاه الأخيرة في ضائقة ماليّة حادة  نظراً لطول سنوات المنفى وما صرفه من أموال على محاولة مايو 1970م، فوصل وضعه المادي إلى درجة متدنية للغايّة لدرجة أنّ أسرته عجزت عن سداد مبلغ بسيط جداً وقدره 4000 جنيه مصري فاتورة علاجه في فبراير/ مارس 1988م في مستشفى السلام الدولي بالمعادي / القاهرة. وقد أضطر أحد أقاربه تجميع مبلغ المستشفى المستحق عن طريق جمع التبرعات.

 

توفي السيد عبدالله عابد السنوسي في الأوَّل من مارس عام 1988م، ودفن في مصر.  رحم الله السيد/ عبدالله عابد السنوسي واسكنه فسيح جناته.  

 

40) السيد/ عبدالمجيد كعبار: السيد/ عبدالمجيد هو ابن السيد/ عبدالهادي كعبار، ولد في طرابلس في 9 مايو 1909م. وعائلة كعبار من العائلات المعروفة المنحدرة من منطقة غريان أيّ من العائلات الجباليّة – نسبّة إلى المنطقة الواقعة غرب مدينة طرابلس، والمعروفة بمنطقة الجبل الغربي. استقرت عائلة السيد/ عبدالمجيد كعبار في مدينة طرابلس منذ فترة زمنيّة بعيدة، وتعد عائلته من أشهر عائلات طرابلس نظراً للدور البارز التي لعبته في حياة ليبيا السياسيّة، ولدورها الوطني المتميز في مرحلة ما قبل الإستقلال وبعده. ولد السيد/ عبدالمجيد كعبار في عام 1909م بمدينة طرابلس. تزوج من بنت السيد/ أحمد المنتصر ( شقيقة رئيس وزراء ليبيا في أوّل حكومة بعد الاستقلال ). كان ناشطاً سياسياً خلال حقبة الإدارة البريطانيّة، وتقلد بعد استقلال ليبيا العديد من المناصب الرسميّة أهمها: ترأسه لمجلس النواب ثمّ ترأسه للحكومة في الفترة الواقعة ما بين مايو 1956م إلى أكتوبر 1960م. 

 

وجاء عنه في المجلد الثالث من كتاب: صفحات من التاريخ السياسي للدكتور/ محمّد المقريف، ما يلي:..(.. شارك السيد/ عبدالمجيد كعبار خلال حقبة الإدارة البريطانيّة في تأسيس "حزب الإستقلال" بطرابلس واخُتير عضواً بالجمعيّة الوطنيّة التأسيسيّة. أُنتخب عضواً في البرلمان في أوّل انتخابات نيابيّة بعد الاستقلال في فبراير 1952م ثمّ رئيساً لأوّل مجلس نيابي. عيِّن في 26 أبريل 1955م وزيراً للمواصلات ونائباً لرئيس الوزراء في وزارة بن حليم. وعيِّن في 14 مارس 1957م وزيراً للخارجيّة ونائباً لرئيس الوزراء في حكومة بن حليم ذاتها...).

 

كلفه الملك إدريس السنوسي برئاسة الحكومة في مايو 1956م، واستمرت حكومته، وهي الحكومة الرابعة في العهد الملكي، حتى 16 أكتوبر1960م، وتولى بعده رئاسة الحكومة الخامسة السيد/ محَمّد عثمان الصيد – من أكتوبر 1960م إلى مارس 1963م. ‏وسجل كعبار أطول مدة لرئيس وزراء – ثلاث سنوات وخمسة أشهر – خلال حقبة العهد الملكي بسنواتها الثمانيّة عشر. استقال من منصبه بسبب اتهامات وجهت لحكومته بالتورط في قضايا فساد مالي فيما عُرف بقضيّة فضائح مشروع طريق فزان. رأى السيد/ عبدالمجيد كعبار أنّ خصومه اصطادوا في الماء العكر كما يقولون وصوروا أخطاء بالإمكان إصلاحها وتجاوزها على أنّها قضيّة وطنيّة مصيريّة. ورأى أنّ البرلمان الذي طعنه في ظهره واستجاب لدعوى خصومه بدلاً من تشكيل لجنة لدراسة الموضوع من كافة جوانبه والسير في طريق البحث والتحقيق هو برلمان غير جدير بالاستمرار، ولابُدَّ أنَّ يحل !. أرسل السيد/ عبدالمجيد كعبار في يوم 12 أكتوبر 1960م إلى الملك إدريس السنوسي رسالة تعرض عليه: حل البرلمان وإجراء انتخابات جديدة أو قبول استقالة حكومته. بعث الملك إلى السيد/ عبدالمجيد كعبار رسالة في يوم 16 أكتوبر 1960م شكره فيها على أعماله الطيبة وخدماته الوطنيّة الجليلة، وقبل استقالة حكومته.           

         

 وقال السيد/ دي كاندول عن قبول الملك إدريس السنوسي لاستقالة السيد/ عبدالمجيد كعبار، النّص التالي:..(.. الواقع أنّ إسقاط حكومة كعبار على هذا النحو لم يكن له ما يبرره، لأنّ شركة عبدالله عابد كانت هي الشركة الليبيّة الوحيدة القادرة على تنفيذ مشروع بمثل تلك الضخامة، ثمّ إنّ قيمة العطاء كانت في حدود المعقول كما ثبت من التحقيق البرلماني اللاحق..).

 

تعرض السيد/ عبدالمجيد عبدالهادي كعبار للسجن والاعتقال بعد استيلاء القذافي على السلطة في سبتمبر 1969م، وأُفرج عنه بعد فترة من الزمن، وانتقل إلى جوار ربه في سبعينيات القرن الماضي. رحم الله السيد/ عبدالمجيد عبدالهادي كعبار وأسكنه فسيح جناته.  

 

41) لم يكن معهما مليماً واحداً في أيّ مصرف: قالت الملكة فاطمة الشفاء:..(.. نحمد الله على أنّ تيجان الملكيّة لم تبهرنا قط، ولا نشعر بالأسف لفقدها، فنحن كنا دائماً نعيش حياة متواضعة ولم يغب عن أذهاننا مثل هذا اليّوم. كما نحمد الله كثيراً على أننا لا نملك مليماً واحداً في أيّ مصرف حتى يشغل بالنا المال..). الفقرة المشار إليها جاءت في جزء من رسالة بعثتها الملكة فاطمة إلى السيد/ دي كاندول وحرمه بتاريخ 13 سبتمبر 1969م، أيّ بعد 12 يوماً من استيلاء القذافي على السلطة في ليبيا. وبالإمكان الرجوع إلى النص الكامل للرسالة في كتاب: عاهل ليبيا.. حياته وعصره للسيد/ دي كاندول، والموجودة في ملحق الكتاب المذكور على الصفحات التالية: 152، 153، 154. 

 


 

مصادر ومراجع

 

م73) د/ محَمّد يوسف المقريف – المجلد الثالث: ليبيا بين الماضي والحاضر.. صفحات من التاريخ السياسي – مركز الدراسات الليبية (أكسفورد – بريطانيا) الطبعة الأولى 1425 هجري / 2004ميلادي.    

م74) السيد/ ئي.آ. ف. دي كاندول – كتاب: "الملك إدريس عاهل ليبيا.. حياته وعصره" – صدر على نفقة المؤلف باللغة الإنجليزية في عام 1988م، وقام السيد/ محَمّد بن غلبون بنشره بعد ترجمته إلى العربيّة، وذلك في عام 1989م على نفقته الخاصّة. 

م75) نفس المصدر السابق.   

م76) نفس المصدر السابق.  

م77) د/ محَمّد يوسف المقريف – المجلد الثالث: ليبيا بين الماضي والحاضر.. صفحات من التاريخ السياسي – مركز الدراسات الليبية (أكسفورد – بريطانيا ) الطبعة الأولى 1425 هجري / 2004ميلادي.      

م78) السيد/ ئي.آ. ف. دي كاندول – كتاب: "الملك إدريس عاهل ليبيا.. حياته وعصره" – صدر على نفقة المؤلف باللغة الإنجليزية في عام 1988م، وقام السيد/ محَمّد بن غلبون بنشره بعد ترجمته إلى العربيّة، وذلك في عام 1989م على نفقته الخاصّة. 

م79) الأستاذ/ جوزف حاموش – مقالة: سيارتا السنوسي ومليارات العقيد – مقالات وآراء / موقع أخبار ليبيا – نشرت بتاريخ 25 يونية 2004م.  

م80) الأستاذ/ نور الدين الهلالي- مقالة: خطاب الطمأنة الأمريكي – مجلة الإنقاذ / العدد الخاصّ ( الإنقلاب.. المؤامرة) رقم (47 ) الصادر بتاريخ سبتمبر 1998م.

 

 

[email protected]

 

إن جميع المقالات التي تنشر في هذا الموقع تعبر عن رأي أصحابها فقط، ولا تعبر بالضرورة عن رأي إدارة الموقع