الرئيسية | من نحن | اتصل بنا

منبر الكتّاب

الحلقات:         5   6   7   8    10   11   12   13

 

 

هدرزة في السّياسَة والتاريخ (2)     

الملك.. العقيد.. المعارضة الليبيّة في الخارج 

الجزء الأوَّل ( 2 مِن 13 )

 

الحلقة الثانية

 

أتساءل متعجباً كلما قرأت مقالاً من شخص معارض يقدم فيه النصائح السياسيّة والقانونيّة لنّظام القذافي مترجياً إياه تدارك أخطائه حتى لا يسقط وينتهي وكأن سقوطه خسارة لليبيا !!!. عجيب حقاً شأن هؤلاء !؟. وأغضب كلما قرأت مقالاً يبخس معارضي القذافي حقهم، ويصفهم بنعوت ظالمة مجحفة وهم رجال رفضوا الظلم ونظموا أنفسهم – ولو من الخارج – لمقاومة الظلم والتصدي لجور السلطان الجائر. وتحملوا حياة المنافى بمرارتها وقسوتها وحمولاتها وتبعاتها، ودفع بعضهم حياته ثمناً لمحاولة إنقاذ الوطن من نّظام الاستبداد والاستكبار. وأشعر بالوجع والألم كلما قرأت مقالاً يصف المعارضة الليبيّة في الخارج بالتَّجربة الفاشلة التي لا جدوى من وجودها ولا نفع يرجى من استمرارها! رغم أنّ المعارضين في الخارج نجحوا في تسجيل وتوثيق كافة جرائم القذافي، وقدموا تضحيات كبيرة، وإن لم يحققوا إسقاط نّظام القذافي، وأحرجوا – عبر وسائل الإعلام العربيّة والعالميّة – القذافي في مرات عديدة وكشفوا للعالم أجمع أكاذيبه وجهله والوجه القمعي الاستبدادي لنظامه. أيضاً، كشفت تنظيمات المعارضة والمنظمات الليبيّة الحقوقيّة في الخارج لأهم منظمات حقوق الإنسان في العالم حقائق أوضاع حقوق الإنسان الليبي وما يمارس من تعذيب وتنكيل ضد سجناء الرأي في سجون القذافي. وساهمت المعارضة الليبيّة في الخارج في تكوين العديد من القيادات والوجوة الإعلاميّة، وأتاحت تَّجربة المعارضة الفرصة لأقلام ليبيّة بدأت مسيرة الكتابة على صفحات مطبوعاتها الإعلاميّة ومواقعها الإلكترونيّة، وأفردت مساحات خاصّة لأقلام تطور عطائها الكتابي من خلالها رغم إنّ مسيرة عطائها الكتابي بدأ قبل انطلاقة المعارضة الليبيّة في الخارج !.

 

وفي السياق ذاته وحسبما ورد في تقرير لمنظمة عربيّة – الشبكة العربيّة لمعلومات حقوق الإنسان – كتبه الأستاذ/ جمال عبدالعزيز عيد بخصوص دور الإنترنت في عمل المعارضة الليبيّة، قال الأستاذ/ عيد:.(.. ويبدو أنّ للإنترنت في ليبيا دوراً يتجاوز دوره التقليدي في بلدان عربيّة أخرى..).

 

وجاء في أجزاء متفرقة من تقرير الأستاذ/ جمال عبدالعزيز عيد – الإنترنت في العالم العربي .. مساحة جديدة عن القمع – الذي صدر في كتاب في عام 2004م، ما يلي:..(..وباتت مواقع المعارضة الليبيّة على الإنترنت هي الأكثر عدداً – حتى عن مواقع المعارضة السعوديّة بالخارج – وتكاد تكون مواقع المعارضة الليبيّة الأكثر أنتشاراً بين المواطنين الليبيين. وبعد أنّ كان عدد مستخدمي الإنترنت في ليبيا (6) في عام 1998م لا يتجاوز مائة مستخدم، قفز الرقم بعد أن أُتيحت الخدمة للمواطنين إلى 300 ألف مستخدم في بداية عام 2001م، ثمّ إلى نحو 850 ألف مستخدم في منتصف عام 2003م، ويكاد الرقم يصل إلى المليون، وهي نسبة مرتفعة بكلّ المقاييس في دولة لا يزيد عدد سكانها عن ستة ملايين نسمة.

 

والمعارضون الليبيون وظفوا التكنولوجيا والتقدم التقني، ولهم أسبقيّة في استخدام شبكة الإنترنت مما جعل بعض الليبيّين يطلقون على أحد المعارضين للحكومة الليبيّة لقب "رائد الإنترنت" وهو الدكتور/ إبراهيم سعيد إغنيوة، وحسب ما يرددونه منذ أنشأ أول موقع ليبي على شبكة الإنترنت تحت أسم " ليبيا وطننا".

 

كلف القذافي أحد المقربين منه، وهو "موسى كوسا" بمهمة مراقبة مواقع المعارضة الليبيّة، ومحاولة الحد من إنتشارها. استقدم كوسا خبراء من بلدان مختلفة لمراقبة مستخدمي الإنترنت واستهداف مواقع المعارضة أيّ تخريبها. وألزم أصحاب مقاهي الإنترنت بوضع مصلقات بجانب أجهزة الكمبيوتر تحذر روادها من الدخول على المواقع المحسوبة على المعارضة الليبيّة. ويبدو أنّ للإنترنت في ليبيا دوراً يتجاوز دوره التقليدي في بلدان عربية أخرى. ولمواقع المعارضة تأثير هام على الليبيّين في الدّاخل، وبلا شكّ، يصعب على الحكومة الليبيّة إيقاف هذا السيل العارم من مواقع المعارضة الليبيّة والحد من تأثيرها على المواطن الليبي..). أنتهى التقرير

 

ولابُدَّ أنّ أسجل هنا بأنَّ المعارضين الليبيّين حينما أسسوا تنظيماتهم في الخارج والتي وصل عددها في منتصف الثمانينيات إلى حوالي عشرين تنظيماً، لم يكن من بين مؤسسيها إلاّ شخصان مارسا الصحافة والإعلام في ليبيا بشكل مهني رسمي هما: الأستاذ/ فاضل المسعودي ( صحفي وصاحب جريدة " الميدان " من 1964م إلى نوفمبر 1969م)، والأستاذ/ محمود الناكوع (محرر إذاعي 63/ 1967م، ثمّ كاتب في الصحف والمجلات الليبيّة من 1967م إلى عام  1972م تقريباً )، ولم يجتمع الاثنان في تنظيم سياسي واحد حيث كان الأول في تنظيم: الحركة الوطنيّة الديمقراطيّة الليبيّة ( مجلة: صوت ليبيا )، والثاني في تنظيم: الجبهة الوطنيّة لإنقاذ ليبيا (مجلة: الإنقاذ ). وبالرَّغم من ذلك فقد حقق المعارضون في الخارج نجاحاً معقولاً في المجال الإعلامي حيث تمكنوا من إصدار كتب ومجلات لا يقل مستواها عن أفضل الإصدارات العربيّة، بل، تفوقت على إصدارات مؤسسات القذافي الإعلاميّة التي وظفت العشرات من المتخصصين والمهنيين ورصدت لهم الملايين من الدولارات !. فلو عدنا إلى مجلات المعارضة الليبيّة في الخارج، وعلى سبيل المثال لا الحصر، مجلة: صوت ليبيا.. الإنقاذ.. المسلم.. الوطن.. الشروق ثمّ فيما بعد مجلة " شئون ليبيّة " لوجدناها من ناحيّة المضمون والشكل ذات مستوى جيد وكأنها كانت تصدر عن مؤسسات ذات باع طويل في الحرفيّة والمهنيّة في حين أنّ طواقم تحريرها وكتابها امتهنوا العمل الإعلامي تطوعاً ودون سابق خبرة إلاّ أنَّهم نجحوا إعلامياً بشكلِ ملحوظ ووفِقوا بفضل مثابرتهم ومتابعتهم لتجارب الآخرين واستفادتهم مما يوفره العالم الغربي (دول أوربا وأمريكا الشماليّة ) من معلومات وتقنيات ومطبوعات وبرامج معرفيّة تساعد على إتقان العمل وتحسين الأداء. وربّما يحق ليّ أنّ أسجل بأنَّ شريحة الكتاب والأدباء والصحفيين – وبالمعنى المهني – كانوا الأكثر غياباً في وسط المعارضة الليبيّة في الخارج، في حين سجلت شرائح المجتمع الليبي الأخرى تجاوباً معقولاً مع نداءات المعارضة في الخارج، وعلى رأس تلك الشرائح شريحة الطلاب.      

 

وعود على ذي بدء، وبكلّ يقين.. أنّ من يرى في واقعة عدم تمكن المعارضة في الخارج من إسقاط نّظام القذافي دليلاً مادياً على فشلها هو أنسانُ غير منصف، بل، مجحفُ في حق تجربتها، ومجافياً للحقيقة لأنَّ معارضي القذافي في الخارج وظفوا كلّ أمكانيّة توفرت لهم، وأكدوا مراراً وتكراراً أنّهم جزء من عمل تراكمي سيؤدي بعون الله إلى انتصار قيم الحق والحريّة والديمقراطيّة، ولم يقولوا في يومِ من الأيامِ أنّ مسئوليّة الإطاحة بالنّظام الاستبدادي هي مسئوليتهم وحدهم لا مسئوليّة كلّ أبناء ليبيا.

 

وأغضب، ومبعث غضبي هو تحويل المسئوليّة العامّة إلى حِملِ يتحمل مسئوليته عدد من الأفراد أو مجموعة من النّاس، وكأن أمر الوطن لا يخص الجميع أو أنّ قضيته مسألة شخصيّة لا تخص الكلّ !. وهذا، ما يقوم به المولعون بتحميل مسئوليّة استمرار القذافي في السلطة إلى تنظيمات المعارضة ولا يحملون أنفسهم المسئوليّة ذاتها!.

 

وأتعجب كلما قرأت نُّصوصاً لأشخاص تنظر إلى أخطاء المعارضة وكأنها جرائم، وتنظر إلى جرائم نّظام القذافي كأخطاء يمكن إصلاحها أو معالجتها !. وأُصاب بحالة من الذهول كلما قرأت دعوة تحث أعضاء المعارضة الليبيّة في  الخارج على العودة إلى ليبيا بحجة أنّهم ضعفاء لا حول لهم ولا قوة في حين يفترض أنّ يقدم هؤلاء للمعارضين – إنّ كانت هذه حجتهم !– ما يستردون به قوتهم حينما يصيبهم الضعف، وما يشد من أزرهم حينما يدركهم الإحباط واليأس، وأنّ يحثوهم – في كلّ الأوقات – على الصبر والمثابرة والمرابطة وتقوى الله لأنّ في ذلك النصر والفلاح.

 

واستغرب كلّ الاستغراب حينما يصدق بعض من النّاس بأنّ الدكتاتور المستبد قد يتحول إلى حاكم مصلح وديمقراطي!، رغم أنّ تاريخ البشريّة بمجمله لا يوجد فيه مثالاًَ واحداً لحاكم دكتاتوري مستبد تحول إلى رجل ديمقراطي، ولا لنّظام شمولي قمعي تحول بإرادته إلى نّظامِ دستوري تعددي !. 

 

السجن أو القتل ثنائيّة نظم الاستبداد لكل من يعترض ويقول كلمة "لا". فإذا كان الوضع القائم لا يسمح لأحدٍ  أنّ يقول كلمة "لا" في الدّاخل، أفلا يحق للبعض كسر هذه الثنائية ويقولوا كلمة "لا" من الخارج عسى ذلك يؤثر في الوضع القائم ويخرج الألوف المؤلفة من كلمة "لا" التي لازالت داخل الصدور وتتنظر ساعة خروجها مدويّة لتقلب عقارب الساعة إلى وضعها الصحيح !؟. 

 

وفي النهاية.. أأشرفَ لسمعة ليبيا ولكرامة الليبيّين أنّ يكون هنالك صوتاً معارضاً لنّظام القذافي – ولو من الخارج!- يعبر عن آهات الليبيّين ومأساتهم، ويبعث البشرى والأمل في نفوس النَّاس، ويكشف للعالم أجمع جرائم القذافي وسجله القمعي الدموي !؟. أم الأشرف لليبيا ألا يكون فيها صوتاً غير صوت القذافي، ولا رأياً غير رأيه !؟ وبالتأكيد..

 

أشرف لليبييّن أنّ يكون لهم رأياً مخالفاً لرأي القذافي، وصوتاً غير صوته، وألا يكون الوطن صورة شخصيّة له . ألا تتفقون.

 

وأضعف الإيمان أنّ نقول كلمة "لا" – ومن أرض الله الواسعة – للسلطان الجائر المستبد. وأعظم الجهاد كلمة حق في وجه سلطان جائر كما قيل. 

 

لا.. قيمتها ومتى قالها الليبيون

 

لم تسود بين المسلمين لا في عهد الرسول (صلى الله عليه وسلم ) ولا عهد الخلفاء الراشدين من بعده شيئاً أسمه مسايرة أو مجاملة لأنّ المسايرة كما يقال: يحدث بعدها الإنفجار الذي يدمر كلّ شيء !. فكملة "لا" أيّ المعارضة والإعتراض تعطي لحياة الإنسان قيمة ومعنى، وتعزز عنده قيمة احترامه لذاته، فبدون كلمة "لا" يفقد الإنسان احترامه لذاته ويشعر بضعفه وهوانه. وكلمة "نعم" الدائمة لا تخلق إنساناً ناضجاً فاهماً للحياة لأن كلمة "لا" كما تقول د/ فوزية الدريع:..(..كلمة "لا " تخلق إنساناً بصّحة وعافيّة أكثر من كلمة "نعم"..).         

لقد لفت المفكر المصري الأستاذ/ نشأت جعفر نظري لشيء لا يخطر على بال شخص خلفيته الفلسفيّة متواضعة جداً كحال العبد لله. قال الأستاذ/ نشأت جعفر في حوار أجراه معه الأستاذ/ إبراهيم عيسى في " قناة دريم":.( لابُدَّ أنّ ننظر إلى كلمة "لا" التي جاءت في أول الشهادة ونقف أمامها ونستخلص دلالاتها ومعانيها والدروس المستخلصة منها..).

 

وبالفعل توقفت طويلاً عند النظرة الفلسفيّة للمفكر المصري الأستاذ/ نشأت جعفر، وقلت لابُدَّ أنّ تأخذ كلمة "لا" وزناً هاماً في حياتنا لأنّها هي الكلمة الأولى التي أعلنا بها إسلامنا !. وأول كلمة يقولها المسلم معلناً بها إسلامه هي كلمة "لا "، فيقول المسلم في أول شهادته "لا الله إلا الله ". وعملية الإيمان بالله بدأت بكلمة "لا"، وكلمة "لا" هنا لها قيمة عظيمة ودلالة رفيعة ومعنى كبير. فلو وقفنا أمام أول كلمة جاءت في الشهادة لأمعنا التفكير في كلمة "لا" ثمّ مرنا أنفسنا على قولها بكلّ صدق وثقة، ودون خوف من أحد!.

 

وبلا شكّ.. أنّ التاريخ الإسلامي تخللته صفحات كثيرة من القمع والاستبداد، وكذلك، التاريخ الغربي، فأوربا حكمتها أنظمة استبداديّة في حقبة من تاريخها ومرت بمراحل قتال وحروب فيما بينها وعاشت صراعات داميّة مريرة بين الكنسية والتيارات التحرريّة حتى وصلت إلى الاستقرار في ظل دولة المؤسسات والقانون التي هي عليها الآن. والدولة الإسلاميّة عاشت فترات من الزمن.. نمى فيها الاقتصاد وتطورت فيها الصناعات.. وازدهرت فيها كافة أنواع ومجالات العلوم والفنون والآداب في وقت عاشت فيه أوربا ما أسمته ب(عصور الظلام ). وأوربا لم تعرف الديمقراطية المتمثلة في النّظام الانتخابي إلاّ في عام 1848م "الانتخابات الفرنسيّة "، ثمّ طبق النظام الانتخابي في انجلترا سنة 1918م بينما صاغ المسلمون أول دستور عرفته البشريّة، وعرفوا البيعة منذ القرن الهجري الأول.

 

وبكلّ تأكيد.. لا يستوي الفهم والإدراك دون إعتراض وسؤال أيّ دون كلمة "لا"، كذلك، لا نهوض حضاري ولا إصلاح أو تقدم أو تطوير دون معارضة وإعتراض. والدكتورة فوزية الدريع تقول:..(..كلّ خطوة خطتها البشرية للأمام بدأت ب"لا ". فقل "لا" أمام الرجل الذي انتخبته في البرلمان لسياسة لا تريدها، ولإقتصاد لا تؤمن به. قل "لا" لرأي تخالفه عبر الصحافة أو الشاشة. أفتح عقلك، وأفتح فمك، وأملأ الدنيا ب"لاءات". فالموافقة والمسايرة لا تصنع إنجازاً وتقدماً، وإنّ استقرت الأمور بالمسايرة والموافقة حيناً من الوقت، وإلى مدى معين لابُدَّ بعدها يحدث الإنفجار الذي يدمر العلاقة التي كان من الممكن قول "لا" فيها وإنقاذها بإظهار وجهات النظر المختلفة...).   

 

ومن المؤكد.. إذا غابت أو غيبت كلمة "لا" استبد الحاكم، وفي استبداد الحكام الدمار والخراب. والنظم الاستبداديّة لا تشيد بنياناً، ولا تنتج علماً، ولا تخلق إبداعاً، ولا تنجز نصراً، بل، مسايرتها أيّ "الأنظمة الاستبداديّة" يحدث الأزمات ويدمر العلاقات ويجلب الإنفجار والانهيارات!.

 

وكلمة "لا" قالها الليبيون – وبشكل منظم – قبل ميلاد الدولة الليبية في ديسمبر 1951م. وحينما آتت جحافل الاستعمار إلى ليبيا كانت الجمعيات الوطنيّة والأحزاب السياسيّة فيلقاً من فيالق الجهاد الرئيسيّة، وركيزةً من ركائز الوحدة الوطنيّة، ورافداً من الروافد التي أسهمت في تحقيق استقلال ليبيا وبناء دولتها الحديثة.    

  

وفي ليبيا.. تأسس أول تنظيم معارض (7) أبان الحكم العثماني حيث أسس السيد/ إبراهيم سراج الدين (1860م – 1892م) أول تنظيم ليبي لمقاومة الفساد التركي في ولايّة طرابلس ومجابهة الخطر الأوربي القادم إلى المنطقة بأطماعه وأحلامه. وبدأت فكرة تنظيم (جمعيّة أهليّة) تتبلور حينما فاتح سراج الدين السيد/ أحمد التائب (رئيس بلدية طرابلس) بالموضوع، فرحب الأخير بالفكرة، بل، شجعها ودعمها بكلّ قوة. ولما وجد سراج الدين ترحيباً بفكرته من قبل العديد من الأشخاص، وفي مقدمتهم السيد/ أحمد التائب والشيخ/ حمزة ظافر،..{.. بدأ في إتّخاذ خطوات عمليّة في التنظيم والإعداد فالتف حوله رهط من الشباب الليبي واقبلوا على سماع أحاديثه وندواته ومناقشة آرائه...}م3.

 

وعلى أية حال.. تأسست الجمعيّة في البداية بشكلِ سري ثمّ أصبح لها فيما بعد مقراً ثابتاً معروفاً. {.. تتبعت السلطات العثمانيّة خطوات المنتسبين للجمعيّة، وأقدمت سنة 1299 هجري – وهو تاريخ إتخاذ الجمعيّة مقراً ثابتاً لها – على القبض على أعضاء الجمعية الرئيسيين. أصدرت السلطات العثمانيّة قراراً باعتقال السيد/ إبراهيم سراج الدين، ونفي كل من: الشيخ/ حمزة ظافر، والسيد/ أحمد التائب إلى اسطنبول. وبعد ثماني سنوات من اعتقال سراج الدين، أرسلت السلطات العثمانية بطرابلس قراراً جديداً إلى وزارة العدل باسطنبول للتصديق عليه، والقاضي بإعدام السيد/إبراهيم سراج الدين، وذلك بتاريخ 1308 هجري، إلاّ إنّ سراج الدين كان قد أصيب بتدرن رئوي بسبب ظروف الاعتقال الطويلة، وتوفي نتيجة المرض يوم 24 أبريل 1892م...}م4

 

وبدأت الدّول الاستعماريّة الأوربيّة تتنافس فيما بينها على مناطق النفوذ حينما أصاب الجسد التركي (العثماني) الوهن والضعف والمرض. وعندما وصلت القوات الإيطاليّة الغازية إلى الشواطىء الليبيّة في عام 1911م اشتركت كافة القوى والتيارات الوطنيّة الليبيّة في معركة التحرير والاستقلال.ولعبت "الحركة السنوسيّة " الدور الأهم في تاريخ الجهاد الليبي. ولعب السيد/ أحمد الشريف السنوسي – في مرحلة الجهاد الأولى – دوراً وطنياً بارزاً ضد الغزو الاستعماري.

 

{.. وهذا ما جعل الليبيين ( في برقة أولاً ثمّ في طرابلس فيما بعد) يختارون ويبايعون رئيس الطريقة السنوسيّة ( السيد/ محمّد إدريس السنوسي ) في ذلك الوقت أميراً عليهم ليتابع ما بدأه السيد/ أحمد الشريف ويواصل مقاومة الغزو الإيطالي ثمّ ليتولى شئون الوطن السياسيّة فيما بعد...}م5 .

 

والحاصل.. {.. بقيت ليبيا عبر تاريخها الطويل تابعة لحكم يديرها من خارج حدودها تبادله الإغريق والرومان، فالدولة الإسلاميّة العربيّة ثمّ الدولة الإسلاميّة العثمانيّة، ومن بعدها الإيطاليون، فحلفاء الحرب العالمية الثانية. ولم تنفرد ليبيا بنفسها إلاّ لفترات زمنيّة قصيرة لعلّ أبرزها حكم الأسرة القرمانيلة خلال القرن الثامن عشر الميلادي. وهي فترة لا يمكن وصفها بالإستقلال على أي حال.

 

وعليه فلم تظهر لليبيا دولة إلاّ في ذلك اليّوم المشهود من أيام كانون الأول (ديسمبر) 1951م عندما أذاع المرحوم الملك محمّد إدريس السنوسي أول إعلان للإستقلال وذلك بعد كفاح مسلح خاضه الشعب ضد جيوش إيطاليا الغازية ما بين 1911م و 1943م، وهو العام الذي استولت فيه جيوش الحلفاء البريطانية والفرنسية على البلاد. وبعدما أستولى الحلفاء على ليبيا خاض الليبيّون كفاحاً سياسياً مريراً حتى أعترفت لهم الأمم المتحدة بالحق في الإستقلال في الحادي والعشرين من شهر تشرين الثاني (نوفمبر) 1949م عندما قررت الجمعيّة العامّة التسليم بإستقلال البلاد بعد أنّ تقضي سنتين تحت وصايّة مجلس تابع للمنظمة الدوليّة.

 

قضت ليبيا بالفعل عامي الوصاية الدوليّة وأعلنت إستقلالها- كما ذكرنا – في الرابع والعشرين من كانون الأول (ديسمبر) 1951م، وبدأت مسيرة مفعمة بالجهد والتوقع بملك مؤسس ودستور عصري لتقيم لنفسها أجهزة حديثة للإدارة أسرعت بكل شيء إلى الأمام..}م6.  

 

ومن المعلوم.. إنّ الجمعيات والأحزاب السياسيّة في ليبيا خاضت معركة الإستقلال في مرحلة الكفاح العسكري ومن بعده النضال السياسي حيث لعبت دوراً هاماً في مقاومة الغازي الأجنبي في ميدان المعركة ثمّ في دعم الجهد السياسي الديبلوماسي الذي حسم المعركة لصالح استقلال ليبيا ووحدتها الوطنيّة في الرابع والعشرون من شهر ديسمبر 1951م تحت تاج الملك محَمّد إدريس السنوسي.

 

وربّما من الدقة الإشارة إلى أنّ أنشاء الجمعيات الوطنيّة والأحزاب السياسيّة في ليبيا سبق أنشأ الدولة الليبيّة وتأسيسها، وأنّ الدستور الليبي سبق ميلاد الدولة، فالدولة ولدت في 24 ديسمبر 1951م، والدستور تمّ إقراره في 7 أكتوبر 1951م أيّ ( الدستور هو الذي أنشأ الدولة وليس العكس )، كما قال د/ محَمّد يوسف المقريف. 

 

ومن المعلوم، أيضاً.. إنّ السيد/ محمود أحمد المنتصر(8) – وبعد شهرين من إعلان الاستقلال – أصدرت حكومته قراراً يمنع ممارسة العمل السياسي الحزبي كردّ فعل على الأحداث التي دارت في شوارع طرابلس بعد انتهاء الانتخابات، وعلى اتهامات زعماء الأحزاب السياسيّة في طرابلس لحكومة المنتصر بالتلاعب في نتائج أول انتخابات برلمانيّة تجرى في ليبيا. وقرار آخر يقضي بنفي السيد/ بشير إبراهيم محمّد السعداوي ( شخصيّة وطنيّة بارزة وزعيم حزب المؤتمر ) خارج البلاد على اعتبار أنَّه يحمل جواز سفر سعودياً، والدستور الليبي يحرم ازدواجيّة الجنسيّة. واعتقد إنّ إبعاد السيد/ بشير السعداوي كان قراراً سياسياً حيث حجة ازدواجيّة الجنسيّة التي أسس عليها قرار الإبعاد لا تنطبق عليه لأنّ السيد/ السعداوي تحصل على الجنسيّة السعوديّة قبل أنّ تستقل ليبيا ويصبح لها دستور. والسيد/ بشير السعداوي كغيره من الليبيّين الذين هاجروا في فترة الاستعمار وتحصلوا على جنسيات أخرى. فقد تحصل السعداوي على الجنسيّة السعوديّة في فترة الواقعة ما بين عشرينات وثلاثينيات القرن الماضي كما تحصل غيره على نفس الجنسيّة ومنهم على سبيل المثال لا الحصر: الشيخ عبدالملك بن علي الذي تحصل على نفس الجنسيّة في نفس الفترة. فقد كان حرياً بحكومة المنتصر أنّ تنظر إلى الفترة التي حصل فيها السيد/ السعداوي على الجنسيّة السعوديّة، وأنّ تخيره بين جنسيته الليبيّة والجنسيّة السعودية قبل أنّ تصدر حكماً نهائياً بنفيه خارج ليبيا. غادر السعداوي إلى بيروت أو كما قال د/ فرج نجم في مقالتة: قراءة جديدة في تاريخ الزعيم بشير السعداوي،..(.. أُرغم السعداوي على مغادرة البلد في عهد السيد/ محمود المنتصر رحمه الله متجهاً إلى بيروت، وقضى بقيّة أيامه متربصاً للحظة المناسبة والمواتيّة للعودة السياسة، ولكن بعد قرابة نصف قرن مُسيساً، وبدون توقف، داهمته المنية ببيروت، ولفظ أنفاسه الطاهرة في 17 يناير 1957م، بعد عمر، مليء بالأحداث والبطولات والمفاخر، ناهر 74 سنة. ثمّ أتى برفاته العطر سنة 1972م، ودفن بمدينة طرابلس بمقبرة الشهداء ..).

 

ولا أظن أحداً يستطيع أنّ يبرر قرار إبعاد السعداوي أو يدافع عنه. وفي اعتقادي إنّ أكبر خطأ ارتكبه السيد/ محمود أحمد المنتصر في عهد ترأسه للحكومة الليبيّة هو نفيه للسيد/ بشير السعداوي خارج البلاد. ولا اعتقد أنّ المنتصر هو من صنع قرار النفي – وإن كان هو المسئول عنه عملياً –  لأنّ الملك هو من اقترح على المنتصر قرار الإبعاد وألزمه بتنفيذه. وقد جاء في مذكرات وزارة الخارجيّة البريطانيّة بخصوص نفي زعيم المعارضة السيد/ بشير السعداوي التفاصيل التالية:

 

وثيقة: بشأن نفي السعداوي.

FO1021-55

1952/2/21 

Ravendale to the Ambassador

 

(.. قابلت رئيس الوزراء محمود المنتصر في مطار بنينة بعد مقابلته للملك وأكد ليّ أنّ الملك مصمم بشكل قاطع على نفي زعيم المعارضة بشير السعداوي حالاً. كان محمود المنتصر يحاول التخفيف من إتخاذ مثل هذا القرار لأثاره الخطيرة في ولايّة طرابلس التي يتمتع السعداوي فيها بأغلبية شعبية...). 

 

ولا اعتقد أنّ هنالك من يستطيع الدفاع عن هذا القرار الخاطيء. ولكن، لا ينفي خطأ المنتصر هذا بحالِ من الأحوالِ نجاحه الباهر في أصعب مهمة كلف بها رئيس وزراء في ليبيا ألا وهي مهمة بناء مؤسسات الدولة الوليدة. فنجاح السيد/ محمود المنتصر في تلك المهمة لا ينكره أحد، فقد كان المنتصر – وبحق – رجل دولة بكلّ ما تحمل هذه الصفة من معنى.     

 

ومن المعلوم.. لقد سبق قرار " حلّ الأحزاب" الذي اتخذته حكومة السيد/ محمود المنتصر في فبراير 1952م قراراً أخر أصدرته حكومة ولايّة برقة – قبل إعلان إستقلال ليبيا –، والقاضي بحل جميع الأحزاب والجمعيات السياسيّة في الولايّة. ففي السابع من ديسمبر سنة 1947م حُلت جميع الأحزاب السياسيّة في ولايةِ برقة بما فيها جمعيّة "عمر المختار" التي لعبت دوراً رئيسياً في الحياة السياسيّة في ولايّة برقة منذ عام 1943م أيّ بعد تولي بريطانيا لإدارة الإقليم، وكانت من أبرز المنظمات السياسيّة الليبيّة التي عملت من أجل إستقلال ليبيا ووحدة أقاليمها الثلاثة ( إقليم برقة وطرابلس وفران).

 

{.. وفي يناير 1948م كون (المؤتمر الوطني البرقاوي ) وانتخب لجنة مكونة من ( السيد/ محمّد رضا السنوسي، والسيد/ الصدّيق السنوسي، والسيد/ علي الجربي، والسيد/ أحمد القلال، والسيد/ أبو القاسم السنوسي ). وأسندت رئاسة المؤتمر إلى السيد/ محمّد رضا السنوسي شقيق السيد/ محمّد إدريس السنوسي. ولقد أصبح هذا المؤتمر الوطنيّ بمثابة الهيئة السياسيّة الوحيدة في ولاية برقة ولكنها لم تكن حزباً سياسياً بالمعنى المفهوم...}م7.   

 

وفي ظني، إنّ قرار إلغاء النشاط الحزبي في 19 فبراير 1952م  الذي اتخذته حكومة السيد/ محمود المنتصر كان السبب المباشر في أفتراق النخبة المتحزبة وقتذاك عن الدولة، والدافع وراء التحول المنهجي لبعضِ الحزبيين إلى النهج التصادمي أيّ التفكير والتخطيط لتغيير الوضع السياسي القائم آنذاك برمته ( النظام الملكي ). كذلك.. أدت نتائج وتراكمات هذا القرار إلى رفض شريحة واسعة من المثقفين والمتعلمين آنذاك لنظام الحكم الملكي، بل، المطالبة بتغييره إلى نظام جمهوري. وقد لعبت الدعايّة الناصريّة دوراً بارزاً في دعم هذا التحول والتوجه أو كما قال الأستاذ/ إبراهيم صهد:..(.. تكفلت الدعايّة الناصريّة التي كانت تنشر في الصحف المصريّة التي كان العهد الملكي يسمح بتوزيعها.. والدعايّة المركزة التي كانت تبثها أجهزة الإعلام المصري "صوت العرب " في جعل مطلب التغيير يتحول إلى هاجسِ شغل عقول النّاس كلها..).

 

وعلى أية حال.. لم يكن الملك محمّد إدريس السنوسي في واقع الأمر مدافعاً في يومِ من الأيامِ عن الحزبيّة أو مرحباً بها، بل، كان ينظر إلى الحزبيين بعين الشك والريبة على أعتبار أنّ تَّجربة الأحزاب السياسيّة في المنطقة العربيّة وقتذاك أسهمت – بشكلِ أو بأخر – في ترسيخ الفرقة والتطاحن ونشوب صراعات حادة بين فئات الشّعب المختلفة مستنداً على ما رأه ولمسه في تَّجربة الأحزاب السياسيّة المصريّة في ثلاثينيات وأربعينيات القرن الماضي أبان فترة إقامته في مصر. وقد خلَّفت في نفس الملك السنوات الطويلة التي عاشها في مصر فكرة سيئة عن الأحزاب والمشتغلين بها،..{.. فتناحر الأحزاب المصريّة آنذاك بل تعاون بعضها مع المحتل الأجنبي، خلَّف في نفسه فكرة سيئة عن الأحزاب عموماً ورغبة في تجنِبها..}م8.

 

أيضاً.. لم تكن الحزبيّة مطلباً جماهيرياً ولا ضمن مطالب النخبة الليبيّة حينذاك. وهذا ما أكده الأستاذ/ فاضل المسعودي في لقاءه مع مجلة "الحقيقة " حيث قال: .. {..صحيح لم تكن هنالك أحزاب في الحقبة الملكيّة بليبيا.. ولكن هذا لم يكن عائد للنَّظام فحسب.. فقد كان عندنا أكثر من ثمانيّة نواب معارضة رسميّة في البرلمان لم يفكروا في تأسيس حزب .. ولم يقدموا مشروعاً لقيام أحزاب في ليبيا، وهم أناس مثقفين منهم على سبيل المثال السيد/ بشير المغيربي .. الأستاذ/ على مصطفى المصراتي .. الشيخ/ محمود صبحي.. والسيد/ عبدالمولى لنقي .. كانوا في منتهى التكوين والوعي والقيمة والفكر ومع هذا لم يفكروا في تقديم مشروع قانون لقيام أحزاب رسميّة في ليبيا. ويضاف إلى ذلك، حالة الرخاء التي أعقبت إنتاج النفط في بداية ستينيات القرن الماضي، والتي جعلت من عامّة الناس منصرفين لتكوين أنفسهم، كذلك النخبة، فقد كانت النخبة هي الأخرى منصرفة لذاتها. 

 

وكانت الجامعة الإسلاميّة تضم كلّ من يحب أنّ يكون ضمن التيار الإسلامي .. والصحافة كانت حرة، فالصحف التي نشأت في العهد الملكي كانت حرة، ولم يفرض عليها من أيّ جهة افتتاحيات معينة أو أنَّها تعرضت لعمليات رقابة من أيّ جهة من الجهات. كنت تستطيع أنّ تكتب ما تشاء .. باستثناء شيء واحد، وهو طبيعي، في كلّ الدّول ألاّ وهو عدم المساس بالذات الملكيّة .. أيّ شتم رئيس الدولة .. كانت هناك نهضة صحفية .. وصحافة حرة في ليبيا .. ولو إستمر العهد لكنا الآن مثل لبنان...}م9

 

وربّما استطرد هنا لأؤكد بأنّ مسألة التعدديّة الحزبيّة والتداول السلمي على السلطة لم تكنا أبان فترة الخمسينيات وربّما إلى أواسط سبعينيات القرن الماضي ضمن اهتمامات الشارع العربي ولا اهتمامات النخبة، بل، الاهتمام كان مسلطاً على قضايا التحرر والإستقلال، واعتبار قضية فلسطين القضيّة المركزية للعرب.. ومُركزاً على فكرة "القوميّة العربيّة" لأجل تحقيق (الوحدة العربيّة ) و (قوة دفاع مشتركة ) تدافع عن قضايا الأمّة العربيّة وترد أيّ عدوان خارجي يستهدف كيان الأمّة.. ومستهدفاً تحقيق العدالة الإجتماعيّة (النظريّة الإشتراكيّة) المُروج  لها وقتذاك من قبل الدّول الشيوعيّة (دّول المعسكر الشرقي). وكان (الفارس المنقذ) الذي يخرج في ظلام الليل على ظهر دبابته هو الحلم والأمل الذي تنتظره شعوب المنطقة من أجل تحقيق الإشتراكيّة والوحدة العربيّة وتحرير الأراضي المغتصبة من العرب. وقد ألغت الأحزاب في سوريا عام 1949م على يد "حُسني الزعيم"، ولم يكن قرار إلغاءها سبباً في الإنقلابات التي جاءت بعد الزعيم إنّما السبب يرجع إلى العامل الخارجي والصراعات الشخصيّة والنزعة الفرديّة وإصرار المؤسسة العسكريّة على تولي شئون الحكم دون السماح لأيّ جهة أو قوة أخرى أنّ تنافسها في شأن مسألة الحكم. وألغيت الأحزاب في مصر بعد شهور قليلة من إستقلال ليبيا، وذلك على يد جمال عبدالناصر في عام 1952م . {.. وعندما بدأ عهد الإستقلال في ليبيا لم يكن بين أنظمة الدّول العربيّة المستقلة نّظام يمكن تسميته بالنّظام الديمقراطي الصحيح، بل، أنّ الأنظمة شبه الديمقراطيّة في مصر وسوريا ولبنان والعراق كان فيها التصارع الحزبي والتناحر بين السياسيين على أشده، مما أضعف تطور تلك الأنظمة شبه الديمقراطيّة. وسرعان ما وقعت فيها الإنقلابات العسكريّة التي أصابت تَّجربة تلك الدّول بضربات مميتة. 

 

وقد أشاع أعداء الديمقراطيّة من زعماء العرب – تبريراً لإستيلائهم على السلطة وإقامة أنظمتهم القمعيّة – بأنّ قالوا:.." أنّ الديمقراطيّة بطيئة في بلوغ التحرر من التبعيّة ولا تفيد في سباق اللحاق بالركب الحضاري، كما أنّها معرضة للفساد والإفساد واستئثار النافذين فيها بالمال والنفوذ "}م10. وقد صدقت شعوب المنطقة العربيّة وقتذاك  تلك الافتراءات والإدّعاءات، كذلك، صدقت غالبية النخب العربيّة حينذاك هذا الزعم والإدّعاء !.

 

ورأينا الشعوب العربيّة كيف انجذبت إلى جمال عبدالناصر والتفت حوله وأيدته بكلّ قوة لمجرد أنه رفع شعارات الإشتراكيّة، الوحدة العربيّة، قوميّة المعركة لأجل تحرير الأرض الفلسطينيّة، رغم أنّه كان مستبداً حكم مصر من خلال المؤسسة العسكريّة والإستخباراتيّة وتنظيم الإتحاد الإشتراكي (الحزب الحاكم ).. وألغى التعدديّة الحزبيّة ووضع كلّ شخص خالفه الرأي خلف قضبان الحديد، وفي زنزانة الإعتقال الإنفرادي.

 

أذن من ظلم القول: وصف الحقبة الملكيّة بليبيا بالحقبة الإستبداديّة أو القمعيّة لأنّ النّظام الملكي – وإنّ ألغى الحزبيّة – كان نّظاماً دستورياً تمتع الليبيون في ظله ببرلمان منتخب كان نصف أعضائه من المعارضة، وبصحافة حرة لم تتعرض لعمليات رقابة من أيّ جهة من الجهات، وبروابط إجتماعيّة ونقابات عماليّة واتحادات طلابيّة عبرت عن رأيها ومطالبها بحريّة تامة. ومن الظلم، أيضاً، فصل المواقف والأحداث عن الزمن الذي شكلها كإخراج بعض القضايا التاريخيّة عن إطارها الزمني والنظر إليها كأنها تحدث اليّوم أو الحكم على وقائع تاريخيّة معينة بمنظور ثقافي أو سياسي لم يكن سائداً وقتذاك.

 

وصحيح، إنّ الملك إدريس السنوسي كان ضد الحزبيّة إلاّ أنَّه لم يكن مستبداً،..{.. فقد كان يتشاور مع ممثلي الأمّة ويستمع لآرائهم ومشورتهم في جو هادىء لطيف، ثمّ يحزم الأمر باتخاذ ما يرى من قرار في صالح الأمّة، ثمّ يتوكل  على الله وينفذ ذلك القرار بما أوتى من عزم وحكمة. أو بعبارة أخرى كان يستمع لرأي أهل الحل والعقد وبعد ذلك يتخذ القرار الذي يعتقد أنه الصواب..}م11

 

وعوداً على ذي بدء، وبعد هذا الاستطراد، لابُدَّ من التأكيد على أنّ قلق الملك إدريس السنوسي من النشاط الحزبي وقتذاك لم يكن مبنياً على طموح شخصي أو مصلحة خاصّة بمعنى رغبته بالإنفراد بالسلطة أو خوفه على كرسي الحكم إنّما تخوفه كان منطلقاً من حرصه على بناء الدولة الوليدة والحفاظ على الوحدة الوطنيّة التي رأى أنّه قد تؤثر الأحزاب عليها سلبياً !. أو كما قال الأستاذ/ مصطفى بن حليم:...(.. كان يخشى أنّ تؤدي الحزبيّة إلى إحداث ثغرات  وانقسامات قد يتسرب منها النفوذ الأجنبي الهدّام فتتشتّت كلمة الأمّة ويضعف تماسكها فينفرط عقدها..).

 

لأنّ الأحزاب في طرابلس وقتذاك عدا حزب واحد تقريباً كانت – وطبقاً لشهادات من عاصروا تلك الفترة وعلى رأسهم السيد/ مصطفي أحمد بن حليم –،..(.. تتلقى أمولاً من الخارج، وهنالك من الأحزابِ من كان ينادي بأنّ تدار السياسيّة الليبيّة من القاهرة أيّ بأنّ تصبح ليبيا تابعة لمصر..). 

 

وعلى أية حال.. لو كان الملك إدريس السنوسي راغباً في السيطرة والإنفراد بالسلطة والحفاظ على كرسي العرش لكان بإمكانه تأسيس حزب يحكم البلاد من خلاله على غرار حزب الاتحاد الإشتراكي في مصر أو يُكون أيّ شكل تنظيمي أخر يضمن له ولأسرته الاستمرار في الحكم كما فعلت عائلة آل سعود في السعوديّة، والحسن الثاني في المغرب، والصباح في الكويت، والعائلة الهاشميّة في الأردن.     

 

وربّما من الدقة أيضاً الإشارة إلى أنّ تحريم العمل الحزبي لم يكن نصاً أو مادةً من مواد الدستور إنّما أُلغيت الحزبيّة بقرار أصدرته حكومة المنتصر، وهو قرار كان بالإمكان الطعن فيه كما حدث وأنّ طعن البرلمانيون في قرارات مشابهة رفضوها أو كان بالإمكان إلغاءه من قبل أيّ رئيس حكومة جاء إلى كرسي الرئاسة بعد ولاية المنتصر.

 

والغريب في الأمر أنّ قيادات وأعضاء حزب المؤتمر ومنهم السيد/ مصطفى ميزران، والأستاذ/ عبدالعزيز الزقلعي والشيخ القلهود، الأستاذ/ على مصطفى المصراتي.. وغيرهم، لم يطعنوا في قرار نفي رئيس تنظيمهم ( السيد/ بشير السعداوي )، وقرار منع الأحزاب الذي لم ينص الدستور على إلغائها وتحريمها !!!؟.  

وبالتأكيد، لا يمكن لأحد أنّ يدافع عن استمرار قرار إلغاء الحزبيّة على طوال الحقبة الملكيّة حتى لو ساق مبررات قوية أدت إلى إتخاذ هذا القرار وقتما أُتخذ. لأنّ الفراغ الذي ساد في العهد الملكي كان غياب الحزبيّة عاملاً من أهم عوامل وجوده، وهو الفراغ الذي نفذ من خلاله حفنة من ضباط صغار الرتب إلى السلطة. ولا يمكن لأحد أنّ يدافع عن استمرار قرار إلغاء الحزبيّة حتى لو ساق إفترضيات أخرى كقول البعض بأنّ الأحزاب فرع والأصل هو الديمقراطيّة!.. والديمقراطيّة لم تكن غائبة في العهد الملكي، بل كانت حاضرة بقوة من خلال ممثلي الشّعب في البرلمان الذين لم يدخروا جهداً في ممارسة دورهم الرقابي على الأجهزة، ومحاسبة المسئولين في الحكومة على كل كبيرة وصغيرة، وشاردة وواردة كما يقولون. وإنّ اتفقنا على أنّ الديمقراطيّة لم تكن غائبة في العهد الملكي إلاّ أنّ استمرار تغييب الممارسة الحزبيّة اضعف دور المعارضة، وخلق الفراغ الذي أدى إلى سقوط النظام الملكي وإلغاء العمل الحزبي بشكل قطعي وفق مقولات الكتاب الأخضر التي يحكم القذافي بها الشّعب الليبي كمقولة: "من تحزب خان !" و "الحزبيّة إجهاض للديمقراطيّة".        

 

وعلى العموم، وبكلّ أمانة وصدق.. ساهمت الأحزاب السياسيّة الليبيّة قبل الإستقلال مساهمة رائدة في توحيد صف الليبيّين وشد عزائمهم، ولعل، مبايعة كافة الأحزاب السياسيّة للسيد/ محمّد إدريس السنوسي في 16 سبتمبر 1944م يُشير بشكلِ واضح إلى الدور الإيجابي الذي لعبته الأحزاب والجمعيات الوطنيّة من أجل وحدة ليبيا وإستقلالها.

 

وعود على ذي بدء أقول.. تأسست الأحزاب السياسيّة بشكلِ محدود منذ ولاية العثمانيين على ليبيا إلاّ أنّ السنوات التسع التي أدارت فيها بريطانيا أقليم طرابلس وبرقة، وفرنسا أقليم فزان – عهد الإدارة العسكريّة – شهدت أكبر نشاط سياسي حزبي عرفته ليبيا في تاريخها حيث تأسست في هذه السنوات العديد من الأحزاب والجمعيات الوطنيّة التي دعمت الوشائج الوطنيّة وساندت العمل الديبلوماسي في المحافل الدوليّة حتى أصدرت الجمعيّة العامة للأمم المتحدة بتاريخ 21 نوفمبر 1949م قراراً يمنح ليبيا إستقلالها قبل حلول سنة 1952م. وتحقق إستقلال ليبيا في 24 ديسمبر 1951م.

 

وبلا شكّ.. يعد قرار إلغاء الأحزاب أو استمراره على أقل تقدير من مناقص العهد الملكي والمآخذ الأساسيّة ضده، ولكن، لا يعود هذا للنّظام فحسب، بل، يعود كما قال الأستاذ/ فاضل المسعودي..(.. للمرحلة وحالة الرخاء التي أعقبت ظهور النفط وجعلت معظم النّاس بما فيهم النخبة منصرفين إلى تكوين أنفسهم والإهتمام بذواتهم..). 

 

ويبدو ليّ أنّ العمل بصورة جماعيّة أمر غير محببُ بصفة خاصّة لدى الليبيّين أو أنّ تركيبتهم النفسيّة والموروثيّة ميّالة للعمل الفردي لا العمل الجماعي من خلال التنظيمات والهيئات والأحزاب. ففي الوقت الذي توفرت لليبيّين فرصة لمناقشة قرار إلغاء الأحزاب والدفاع عن وجودها وأهميتها في صنع القرار الأسلم والأنفع فضل نواب المعارضة في البرلمان – في عهد الملك إدريس السنوسي – الاستمرار في التعبير عن آرائهم ومواقفهم بشكل لا علاقة له بالعمل الجماعي المنظم ( فردي مستقل ) !. ويلاحظ أنّ المعارضة الليبيّة حينما بدأت في أواخر سبعينيات القرن الماضي معارضتها للقذافي من الخارج، انطلقت في سنواتها الأولى بشكل أقرب للعمل الجماعي المنظم منه إلى العمل الفردي، واليّوم، أصبح الكثيرون ينفرون من الإنتماء إلى التنظيمات ويفضلون الاستقلاليّة  حتى غدا المستقلون هم الغالبيّة في تشكيل المعارضة – أو هكذا أظن – بعدما كانوا هم الأقلية في السنوات الأولى من عمر المعارضة الليبيّة في الخارج!. هذه الملاحظة لابُدَّ أنَّ ينتبه إليها المعارضون إذا كانوا جادين في الدعوة إلى التعدديّة والتداول السلمي على السلطة. وهي ملاحظة لا يقصد منها التقليل من أهميّة دور المستقلين ولا تعني تحديد خيارات النّاس، فالنّاس أحرار في اختياراتهم، إنّما الإشارة إلى هذه الملاحظة – وحسب ظني –  جديرة بإهتمام معارضي القذافي والعاملين في الساحة السياسيّة بشكلِ عام!. فلينتبه المعارضون لظاهرة النفور من التنظيمات، ويعيدوا النظر في أساليب عملهم، ويؤكدوا بالخطوات العمليّة الجادة – لا بأسلوب الشعارات – على أهميّة وضرورة الممارسة الحزبيّة (العمل الجماعي المنظم) في البناء الديمقراطي الذي يسعون لقيامه بعد إسقاط نّظام الزعيم الأوحد والقائد الذي يفكر نيابة عن الشّعب.

والسؤال الذي يطرح نفسه الآن: هل العمل الفردي أنفع لحاضر ليبيا ومستقبلها أو أنّ العمل الجماعي المنظم (جمعيات وأحزاب ) هو الأسلوب الأمثل لمقاومة الاستبداد والطريق الأفضل لمستقبل زاهر لليبيا الغد !؟. وأنا هنا أسجل مشاطرتي للأستاذ/ إبراهيم إقدورة في التساؤل الذي وضعه كردّ على سؤال الأستاذ/ طارق القزيري بخصوص العمل الجماعي المنظم، حيث تساءل إقدورة قائلاً:..( أليس الأجدر أنّ يساهم الجميع – يقصد معارضو القذافي – في تطوير العمل السياسي الجماعي المنظم حتى تنشأ قيادات وقدرات وكوادر لا تخشى العمل المنظم بل تصقله وتسخره لخدمة ليبيا الوطن ؟ ). 

 

ويمكنني أن أسجل ملاحظة ثانية في هذا الصدد ألا وهي: تجنب المعارضة الليبيّة في الخارج إطلاق كلمة (الحزب ) على أسماء تنظيماتها !. فمن المعلوم، أنّ معظم فصائل المعارضة، إنّ لم نقل جمعيها، حينما أعلنت عن نفسها من الخارج، اختارت لتنظيماتها أسماء أخرى غير اسم (الحزب )، مثل:.. الحركة، التجمع، الإتحاد، الجبهة، الجماعة، المنظمة، التنظيم، الجيش، التحالف، المجموعة، القوى، الهيئة، المؤتمر.. وغيرها، وكأن الأسماء التي اختارتها أدق تعبيراً وأشمل وصفاً من كلمة (الحزب )!، والأمر في ظني ليس كذلك. ومن المعلوم، أنّ المعارضة في الخارج تأسست كرد فعل لممارسات النّظام القمعيّة الإقصائيّة، ومن هنا، كان من المفترض أنّ تطلق فصائل المعارضة الليبيّة – أو عدد منها على الأقل –  على تنظيماتها اسم (الحزب ) بدلاً من الأسماء التي ذكرناها كردّ على قانون تجريم الحزبيّة الصادر في عام 1972م ومقولات كتاب القذافيّ الأخضر كمقولة: (الحزبيّة إجهاض للديمقراطيّة )، ومقولة ( من تحزب خان). ولكن المفترض تمّ اجتنابه وكأن الحزبيّة شبهة أو أنّها تقع في دوائر الشبهات !.   

 

وربّما جاء الاجتناب مسايرة لنظرة الليبيّين السلبيّة حيال العمل الحزبي، أو أنّه يعبر عن الحساسيّة من الحزبيّة والأحزاب لدى مؤسسي تلك التنظيمات !. وربّما جاء الأمر هكذا دون قصد أو تعمد، ورغم ذلك، تبقى الإشارة إلى  هذه المسألة ومثيلاتها من الأمور الهامّة إذا ما أردنا فعلاً التقييم الجاد وممارسة نقد الذات.                                    

والملاحظة الثالثة في هذا الصدد هي: النظرة إلى الأحزاب من زاوية لا تُخرجها عن الإطار الأيديولوجي!. والمعنى، ينظر بعض من النّاس إلى أنّ الحزب لا يقوم إلاً على أسس العقيدة ( الأيديولوجية) ولا يعترفون بقيام أحزاب على أيّ أسس أخرى!. ولو أمعن هؤلاء النظر في التجربة الديمقراطيّة في دّول الغرب لوجدوا أنّ معظم الأحزاب الفاعلة في تلك الدّول لا تقوم على الأساس الأيديولوجي إنّما تقوم على جملة من الأفكار والبرامج التي تحافظ على استقرار المجتمع، وتحمي مصالح الدولة، وتسعى في المقام الأوَّل والأخير إلى تحسين أوضاع المواطن وتقديم أفضل الخدمات له. 

وفي اعتقادي أنّ الملاحظة الثالثة جديرة بالإهتمام لأنّ تنظيمات المعارضة في الخارج لابُدَّ أنّ تستمر في عملها الوطنيّ في مرحلة ما بعد القذافيّ حتى لا تتكرر المأساة. ولذا، الواجب يستدعي المعارضين في الخارج إلى إعادة النظر في كياناتهم التنظيميّة وبرامجهم النضاليّة لأجل إسهام أفضل، وتكيف إيجابي دائم مع عالم متغير نشط لا يقبل السكون والجمود.

 

وأسجل في هذا السياق كذلك نقطة أخرى ربّما تكون لها علاقة بالملاحظة الثالثة المشار إليها أعلى الصفحة ألا وهي: اختفاء بعض التنظيمات عملياً عن ساحة المعارضة الليبيّة في الخارج دون أنّ تعلن عن تجميد نشاطها كمؤسسة أو حل تنظيمها، بل، هناك تنظيمات ذهب قائد هيئتها القياديّة أو رئيسها إلى ليبيا ولم يعلن ذلك التنظيم عن موقفه من قرار رئيسه: إذا ما جاء ذلك القرار تعبيراً عن رؤية جديدة للتنظيم بُنيت على أسس تطورات سياسيّة استجدت على معادلة الصراع أو أنّ ذلك القرار كان قراراً شخصياً لا علاقة له بموقف التنظيم ورؤيته !.

 

ولم نر من أيّ تنظيم مر بهذه الحالة بياناً حيال وضعه التنظيمي بعد قرار تخلى رئيسه عن مسئولياته التنظيميّة باستثناء تنظيم "التجمع " الذي اتخذ موقفاً واضحاً من عودة رئيسه لليبيا ( د/ محمود سليمان المغربي ) والذي اتخذ موقفه بشكل فردي شخصي ودون استشارة زملائه في قيادة التنظيم !.

 

والموقف السلبي للتنظيمات التي مرت بحالة  عودة رؤسائها إلى ليبيا يناقض – ومن وجهة نظري – مع واجبات الأمانة التاريخيّة ومقتضيات المسئوليّة الوطنيّة، فلا أرى سبباً منطقياً واحداً يمنع أيّ تنظيم من إعلانه موقفاً واضحاً من خطوة اتخذها رئيسه دون علمه، وخارج دوائر صنع القرار !، ولا أحسب أنّ هناك سبباً وجيهاً واحداً يستدعي أيّ تنظيم الإصرار على الاحتفاظ باسم كيان غير موجود أصلاً كمؤسسة على أرض الواقع !. 

 

وبالرّغم من اختفاء واندثار بعض التنظيمات الليبيّة المعارضة في الخارج، لم نر إلى يومنا هذا أيّ بيان يعلن عن تجميد أو توقف!، والسؤال  المُلح الآن هو: لماذا لم نر ذلك النوع من البيانات !؟. وفي اعتقادي أنّ المزاجيّة والشخصانيّة جزء من الإجابة عن هذا السؤال الهام والمهم!. وأخيراً، لابُدَّ أنّ نمارس نشاطنا وفق البناء المؤسساتي والعقليّة الجماعيّة وإلاّ سيستمر حالنا – حكومات ومعارضات – على ما هو عليه من بؤس وتردي وتخلف.     

                       

وعودة إلى موضوع الأحزاب، وحسب ظني.. لم ينطلق السيد/ محمود المنتصر في قرار إلغاء الأحزاب من منطلق العداء للحزبيّة حيث كان عضواً بحزب الاستقلال الطرابلسي حتى عام  1951م، إنّما اتخذ قراره بعد مناقشة طويلة عقدها مع الملك إدريس السنوسي، فتوصل بعد ذلك النقاش: بأنّ العمل الحزبي مازال مبكراً على دولة ليبيا الوليدة، وعلى شعبِ يعاني من الفقر والجهل والأميّة. وبأنّ الأحزاب قد تؤثر سلبياً على الوحدة الوطنيّة وبناء مؤسسات الدولة الليبيّة الوليدة. وأعتقد أنّ السيد/ المنتصر أنطلق في قرار إلغاء الأحزاب من المنطلقات التي ذكرت، وليس من أيّ منطلقات أخرى.   

 

وبالرّغم من ذلك، وحسب ظني أيضاً.. أنّ مخاوف حكومات العهد الملكي من العمل الحزبي كانت في غير محلها، ومبالغاً فيها إلى حد كبير، وليس لها من يدعمها على أرض الواقع. وبالتأكيد، أنّ القرارات الصائبة لا تبنى على مخاوف تئن بها بعض الصدور إنّما تبنى على حقائق قائمة على أرض الواقع. وربّما، كانت لحكومة المنتصر بعض المبررات التي أدت إلى إتّخاذ قرار وقف النشاط الحزبي إلاّ أنّ عدم إعادة النظر في هذا القرار في عهد رئاسة المنتصر للحكومة ثمّ عدم إقدام من تولوا بعده الرئاسة على إلغاء هذا القرار أدى مع جملة من العوامل الأخرى إلى مزيد من الاحتقان والتذمر وانتهى الأمر  بفجيعة وكارثة الاستيلاء على السلطة بقوة السلاح صبيحة الأول من سبتمبر عام 1969م.

 

ودون شكّ.. إنّ تغيير الحكومات المستمر، والذي وصل معدله في أواخر العهد الملكي إلى خمس رؤساء حكومة خلال خمس سنوات، يدّل بشكل قاطع على عدم الاستقرار السياسي. وصحيح أنّ عدم الاستقرار السياسي كان من العوامل المربكة التي نفذ من خلالها – وبمؤامرة خسيسة – حفنة من الضباط صغار الرتب إلى السلطة، فأدخلوا الشّعب الليبي منذ سبتمبر 1969م وإلى الآن في نفق مظلم مخيف لم يتمكن من الخروج منه بعد.

 

وبالتأكيد.. لم يكن الملك إدريس السنوسي يهدف إلى إحداث فراغ وحالة من عدم الإستقرار السياسي، ولكنه، سعى من وراء تغييره للحكومات، إيّجاد شخص يتولى منصب رئاسة الحكومة يكون قادراً على خلق الانسجام المطلوب بين تطلعات الشارع الليبي وسياسات الحكومة.. وبين مطالب النخبة ومتطلبات الدولة، دون إعتماد على وسائل القمع والإقصاء التي تعتمدها دّول عديدة في المنطقة لأنّه كان يخاف أنّ يلقى وجه ربه وقد ظلم إنسان خالفه الرأي أو تسببت حكوماته – وهو المسئول عنها أمام الله – في قمع النّاس وإلحاق الأذي بهم. لم يتمكن الملك إدريس السنوسي من إيّجاد ذلك الشخص، ونجح المتآمرون عليه في إقصائه وإيّجاد البديل الذي طمحوا إليه !.     

            

ومن جديد، وعلى أية حال.. لا أحد ينكر نقائص العهد الملكي وعلى رأسها إلغاء ممارسة العمل الحزبي إلاّ أنّ الحقبة الملكيّة تميزت بالصحافة الحرة والمعارضة البرلمانيّة، وحافظت على أستقلاليّة القضاء ونزاهته، وحمت روابط التواصل والعلاقات الطيبة بين النّاس. ورغم غياب الأحزاب – وهذا نقص في الديمقراطيّة – إلاّ أن الحياة البرلمانيّة آنذاك دفعت بالعلمية الديمقراطيّة خطوة إلى الأمام، وقام نواب الشّعب بإداء واجبهم الوطنيّ بالنقد والتوجيه والمعارضة. {.. وقد كانت الحياة النيابة في العهد الملكي نواة طيبة لحكم ديمقراطي معقول. وقام كثير من النواب – نواب الشّعب – بواجبهم الوطنيّ في توجيه الحكومة ومحاسبتها حساباً عسيراً. وإن أيّ منصف يطلّع على مضابط جلسات مجلس النواب الليبي سيجد فيها المناقشات الحاميّة والحوار الوطنيّ الصريح، بل، الجدال العنيف أحياناً كثيرة، والكر والفرّ بين الحكومة والمعارضة. بل إن الملك إدريس وقف في صف المعارضة ورفض طلب رئيس حكومته – السيد/ عبدالمجيد كعبار – بحل مجلس النواب، وأوعز إلى رئيس حكومته بالإستقالة ( أزمة طريق فزان )..}م12. والأهم من هذا كله حافظت الحقبة الملكيّة على طهارة المجتمع الليبي وعفته.

 

وقبل كلّ شيء، حكم ليبيا ملك له سجايا وخصال حميدة ندر وجودها في غيره من الرؤساء والملوك الذين حكموا المنطقة العربيّة وقتذاك. ملك كان نظيف اليد..مخلص لشعبه ووطنه.. يخاف الله ويمقت التعالي والتسلط.. زاهداً في السلطة لا متمسكاً بها، ولذا، وقف ذات مرة مخاطباً شعبه فقال:..(.. أرجوكم متى رأيتم منا نقصاً فصارحونا وسامحونا بأن نترك لكم المجال لمن هو أقدر منا على ذلك..).

 

أيّ والله.. عرفت ليبيا الملك إدريس رجلاً مخلصاً لدينه ووطنه، وزاهداً في المال والسلطة أو كما قال الأستاذ/ يوسف المجريسي (.. أتته السلطة فزهد فيها. جاءته الدنيا فأعرض عنها. أقبلت إليه الشهرة فلم يلتفت إليها..).  

    

وفي المحصلة.. لا أحد يشك بأنّ لليبيّين تاريخاً قديماً في العمل السياسي المنظم ( الأحزاب ) إلاّ إنّ ذلك التاريخ في ذات الوقت كان متقطعاً محدوداً، ولم تمتد دوائره وتتوسع لتُشكل وعياً شعبياً أو يستفاد من تراكمه على نحو أكثر إيجابيّة.

 

وعليه.. فإن تَّجربة تنظيم الليبيّين لأنفسهم من الخارج لمقاومة استبداد القذافي تعد من أهم المحطات في تاريخ ليبيا السياسي من حيث كونها ضمت مستويات تعليميّة متعددة، وأجيال مختلفة، ومن كافة القرى والمدن الليبيّة.. ومن حيث تعدد أفكار المنتسبين إليها وتنوع اجتهاداتهم.. وبحكم طول سنوات العمل وتواصلها إذا ما قارناها بتَّجربة من سبقوها في التاريخ الليبي.

 

وبالتالي..لا يمكن أنّ يكون نفاذ صبرنا مبرراً في حين تصبر شعوب لها تجارب سياسيّة لم تنقطع امتداداتها وتأثيراتها، ولها حركة ثقافيّة تواصل نشاطها بشكلِ منتظم منذ قِدم التاريخ، وإلى الآن.

 

 وأخيراً.. أقول إنّ ما حدث في ليبيا يوم الأوّل من سبتمبر 1969م هو " إنقلاب" بكل ما يعني هذا الوصف من معنى. أقول أنّه  " إنقلاب الفاتح من سبتمبر" ولا أقول "ثورة الفاتح من سبتمبر" كما يقول المزيفون لأنّ الثورة تعني تحرك الشعب في انتفاضة عامرة تقوده نخبة تحمل مشروعاً وطنياً للتغيير والإصلاح. أو كما جاء في مقالة: " المقدّم موسى أحمد.. في ذمة القدر" للأستاذ/ فاضل المسعودي:...(.. الثورة لا تقوم إلاّ بجماهير الشعب الذين تقودهم "نخبة تحمل ‏نظرية ثوريّة ومشروعاً للتغيير في اتجاه التصحيح والإصلاح".. أمّا استيلاء ‏العسكر على السلطة بحراب البنادق، تحت جنح الظلام، فهو مجرّد ‏‏"انقلاب" مغامر يستهدف الاستحواذ على مباهج السلطة، ويتمسك ‏باغتصابها بزرع الخوف وتقويض القيم وتشويه المفاهيم وتزييف التاريخ‏‏...).‏

 

وأؤكد على إنّ كل البدايات في العهد الملكي كانت بدايات صحيحة  وسليمة أو كما قال الأستاذ/ فاضل المسعودي في مقالته المشار إليها:..(.. عهد البدايات الطيبة للمرحلة الفعليّة التي استهدفت وضع أسس ‏الدولة الحديثة وترسيخ النظام العصري وتكوين المجتمع المدني، والخروج ‏النهائي من التخلف..‏).   

    

واعتقد أنّ المشروع الديمقراطي هو مشروع دائم الإنجاز (process) يحتاج إلى نَفس تجديدي تطويري، وربّما وعي نضالي متنامي!. بمعنى تطوير نّظام المشاركة السياسيّة والبحث الدائم المتجدد عن آليات ووسائل تعزز قيمة الحريّة بشكل أفضل، وتصون كرامة وحقوق الإنسان بشكل أكبر وأشمل هو شأن كلّ مجتمع يسعى إلى التحضر، والتقدم، وسعادة النّاس ورسم بسمة دائمة على وجوههم. ومن هنا، فأنني أنظر إلى القدر الذي توفر من الحريّة والديمقراطيّة في العهد الملكي على أنه قدرُ كان معقولاً مقبولاً، ومشروعاً كان بالإمكان إنجازه بشكل مستمر ودائم لولا وأده في سبتمبر 1969م. وباختصار شديد، كان هناك مشروعاً قائماً للديمقراطيّة والحريّة في العهد الملكي حل محله مشروعاً استبدادياً دكتاتورياً (المشروع الإنقلابي )، وهو مشروع طال أمده ولا يجوز منحه أيّ فرصة للبقاء ولابُدَّ من إلغائه وشطبه نهائياً لتستأنف عملية الإنجاز التي توقفت منذ خمسة وثلاثين عاماً .

 

 بقلم/ الصادق شكري

 

ملاحظات وإشارات هامة

 

6) عدد مستخدمي الإنترنت في ليبيا: سجل تقرير عن الإنترنت في العالم العربي أصدرته هيئة عربيّة متخصصة في عام 2004م:..(..أنّ عدد مستخدمي الإنترنت في ليبيا كان لا يتجاوز في عام 1998م مائة مستخدم، وقفز الرقم بعد أنَّ أُتيحت الخدمة للمواطنين إلى 300 ألف مستخدم في بداية عام 2001م، ثمّ إلى نحو 850 ألف مستخدم في منتصف عام 2003م، ويكاد الرقم يصل إلى المليون، وهي نسبة مرتفعة بكلّ المقاييس في دولة لا يزيد عدد سكانها عن ستة ملايين نسمة...). راجع التقرير المؤشر إليه أعلى الصفحة. 

 

وطبقاً لتقرير صدر مؤخراً فقد وصل عدد مستخدمي الإنترنت في ليبيا مع الربع الأوَّل لعام 2005م حوالي مليوني مستخدم. فقد جاء في مقالة للأستاذ/ سعيد فرحات في صحيفة "البيان " الإماراتيّة بتاريخ 11 يونية 2005م – وطبقاً لدراسة إحصائيّة حديثة– بأنّ..(.. ليبيا تشهد ارتفاعاً ملحوظاً في أعداد المستخدمين لشبكة الانترنت. فقد وصل المستخدمون مع الربع الأوَّل لعام 2005م إلى أكثر من 2 مليون شخص في شتى المواقع وفى مختلف المجالات العلميّة والسياسيّة والإقتصاديّة والثقافيّة والاجتماعيّة...).

 

7) أول تنظيم معارض:  وردت قصة أول تنظيم معارض في ليبيا وتفاصيل نشأته والظروف التي مر بها في كتاب: " بدايات اليقظة العربيّة والنّضال الشعبي في ليبَيا 1884م – 1911م " للمؤرخ والمفكر والكاتب الفلسطيني – المرحوم الدكتور/ أحمد صدقي الدجاني. وأورد الأستاذ/ أبوغسان مختصراً لقصة هذا التنظيم وشخص إبراهيم سراج الدين المؤسس له في كتيبه "أوراق ليبيّة" الصادر عن حركة الكفاح الوطني الليبي في فبراير 1987م. ولمعرفة كامل تفاصيل نشأة التنظيم ووثائق محاكمة أعضائه بالإمكان الرجوع إلى كتاب د/ أحمد صدقي الدجاني أو كتيب "أوراق ليبيّة".

 

8) السيد/ محمود أحمد المنتصر: ولد بمدينة طرابلس في عام 1896م. تلقى مراحل التعليم الأول في مدارس مدينة طرابلس ثمّ واصل مراحل تعليمه المتقدمة بإيطاليا. تعرف الملك إدريس السنوسي على السيد/ محمود المنتصر في فترة الهدنة التي عقدها السنوسي مع الطليان أبان حقبة إمارته لإقليم برقة حيث زاره في بيته أبان فترة درسته في إيطاليا. وآل المنتصر يعدون من الأعيان وعائلتهم من العائلات الطرابلسيّة الكبيرة والشهيرة، فالسيد/ أحمد المنتصر ( والد السيد/ محمود ) كان من باشاوات ليبيا، ومن رجال طرابلس المعروفين والمشهورين. والسيد/ مصطفى المنتصر كان من قيادات العمل الحزبي الوطني (حزب المؤتمر ) – حزب المؤتمر الوطني الطرابلسي الذي كان يتزعمه السيد/ بشير السعداوي. والسيد/ عــلي سليم الـمنتصر الذي تولى رئاسة الحـزب الوطني بعد تأسيسه مباشرة في 10 مايو 1946م وضمت عضوية قيادة الحزب كلّ من: طاهر الـمريّـض، عون سوف، إبراهيم بن شعبـان، محَمّد أبو الإسعاد العالم ( مفتي طرابلس ). والسيد/ الصدّيق المنتصر (عم السيد/ محمود ) كان والياً لطرابلس، وسفيراً لليبيا في مصر ثمّ الولايات المتحدة الأمريكيّة، فوزيراً للدّفاع في عهد رئاسة السيد/ عبد المجيـد كعـبار للحكومة (26 مايو 1957م – 16 أكتوبر 1960م)....وغيرهم.  

 

ولعائلة المنتصر – نقلاًَ عن المجلد الثّاني من موسوعة: صفحات من التاريخ السياسي للدكتور/ محَمّد المقريف–،...(..صلات قرابة ومصاهرة مع عدد من العائلات الليبيّة الكبيرة المعروفة في مدينة طرابلس ومدينة بنغازي كعائلة: الخوجة، وبن زكري، وكعبار، وبن شعبان في طرابلس، وعائلة: لنقي، والكيخيا بمدينة بنغازي..).  

 

وتعد عائلة المنتصر من بين أهم العائلات التي ساهمت في التاريخ الليبي في مراحله المختلفة، فهي من أوَّل العائلات الليبيّة التي وقفت مع الإمام محمّد بن علي السنوسي (جدّ الملك إدريس) أثناء مروره الأوّل بليبيا في عام 1832م حيث نزل السنوسي الكبير ضيفاً على والد السيد/ محمود المنتصر. وقد أورد د/ محَمّد المقريف في المجلد الثّاني من كتابه المذكور، بخصوص الزيارة الأولى للسيد/ م محَمّد بن علي السنوسي ما يلي:..(.. نزل السيد/ محمّد بن علي السنوسي أثناء مروره بليبيا لأوّل مرة في عام 1832م، ضيفاً على أحمد باشا المنتصر..).

 

جمعت عائلة المنتصر السيد/ محَمّد بن علي السنوسي مع بعض أعيان مدينة طرابلس وعلمائها، ورافقته في زياراته لمساجد المدينة. زار السيد/ محَمّد بن علي السنوسي في فترة إقامته بطرابلس كافة مساجد مدينة طرابلس آنذاك وألقى فيها الدروس والمواعظ، فالتف حوله علماء طرابلس وعامّة سكانها، وقال العلماء له – وكما ورد في كتاب د/ علي محمّد الصلابي عن الحركة السنوسيّة – ،..(.. هذه بلادك والأهل أهلك . فأنفعهم بقدر استطاعتك ونحن في الحاجة الشديدة لأمثالك...).

 

تعلق آل المنتصر بالسيد/ محَمّد بن علي السنوسي (1788م – 1859م ) تعلقاً كبيراً، وأصبحوا فيما بعد نواباً عنه في طرابلس، وقد رافقوه في رحلته الأولى إلى مدينة بنغازي. أمّا بخصوص السيد/ محمود أحمد المنتصر والمناصب التي تقلدها، فقد جاء بالخصوص في المجلد الثّاني من كتاب د/ محَمّد يوسف المقريف، ما يلي:..(.. شغل السيد/ محمود أحمد المنتصر خلال حقبة الاحتلال الإيطالي منصب مدير الأوقاف الإسلاميّة ( 1936م – 1939م)، كما شغل خلال الحقبة نفسها منصب مدير مدرسة الفنون والصنائع الإسلاميّة بطرابلس، ومنصب رئيس الغرفة التجاريّة. أمّا خلال حقبة الإدارة البريطانيّة، فقد كان عضواً بحزب الاستقلال الطرابلسي حتى عام 1951م. وقد اختير عضواً في الجمعيّة الوطنيّة التأسيسيّة، ووقع اختيار تلك الجمعيّة عليه ليترأسّ الحكومة الاتحاديّة المؤقتة التي شكلتها في 29 مارس 1951م، ثمّ كلفه الملك إدريس السنوسي في 24 ديسمبر 1951م بتأليف أوّل حكومة اتحاديّة بعد الاستقلال...).

 

تزوج السيد/ محمود أحمد المنتصر من أسرة القرمانيلي، وتحديداً، بنت حسونة باشا القرمانيلي ( أخر عميد لمدينة طرابلس في عهد الأتراك ). وللسيد/ محمود المنتصر خمسة أولاد، والسادة هم : عمر (تُوفي )، أحمد، المهدي، بالقاسم، عبدالسلام ( تُوفي). وأصهاره، السادة هم: عبدالمولى لنقي، الزبير لنقي، عبداللطيف رشيد الكيخيا، أحمد محي الدين السنوسي (حفيد السيد/ أحمد الشريف)، فتحي الخوجة.    

 

ويذكر أنّ السيد/ محمود أحمد المنتصر شغل منصب رئيس الحكومة في العهد الملكي مرتين، الأولى كانت من 24 ديسمبر 1951م إلى 15 فبراير 1954م، والثانية من يناير 1964م إلى مارس 1965م. وقام في 29 يونيو 1953م – عهد وليته الأولى – بتوقيع معاهدة تحالف مع بريطانيا تُلزم بريطانيا بتقديم مساعدات ماليّة لليبيا، وتمنحها حق التواجد العسكريّة (قواعد عسكريّة ) فوق الأراضي الليبيّة. وقد أقدم المنتصر على توقيع تلك الاتفاقيّة مع بريطانيا بحكم الحاجة وغياب الموارد المحليّة، وبعدما فقدَ الليبيون الأمل في أيّ تمويل عربي أو إسلامي، ونظراً لحاجة ليبيا لتمويل مالي يضمن لها بناء مؤسسات دولتها الوليدة حيث كانت ليبيا وقتذاك تعد ثاني أفقر دولة في العالم وفقاً لتقارير المنظمات الدوليّة حينذاك. وكانت مدة الاتفاقيّة عشرون عاماً قابلة للتجديد أو الإلغاء، وبشروط تمنع البريطانيين من التدخل في الشأن الداخلي الليبي، وتمنعهم من استخدم قواعدهم العسكريّة في ليبيا في أيّ حرب يشنوها في المنطقة.   

 

كان السيد/ محمود أحمد المنتصر شخصاً متعلماً في وقت ندر فيها المتعلمين في ليبيا، وكان يتلكم اللغة العربيّة والإيطاليّة والفرنسيّة، وكان شخصاً قوياً حازماً يتمتع بذكاء شديد،...(..وكفؤ، يتمتع بدهاء سياسي، وذكي، ويقبض على خيوط السلطة بيده في حزم..)، كما وصفَ في تقارير البعثة الأمريكيّة في ليبيا بعد توليه لأوّل حكومة اتحاديّة بعد الاستقلال. ولأنّ المنتصر كان مؤهلاً ويتمتع بالصفات التي ذكرناها سالفاً، والتي لم تكن مجتمعة آنذاك في شخص غيره، كلفه الملك إدريس بتأليف أوّل حكومة ليقوم بالمهمة الأصعب ألا وهي بناء مؤسسات الدولة الوليدة. 

 

ويذكر أنّ حكومة السيد/ محمود المنتصر اتخذت قراراً في فبراير 1952م ينص على إلغاء الأحزاب وممارسة العمل  الحزبي كردّ فعل على الأحداث التي دارت في شوارع طرابلس بعد انتهاء الانتخابات، وعلى اتهامات زعماء الأحزاب السياسيّة في طرابلس لحكومة المنتصر بالتلاعب في نتائج أول انتخابات برلمانيّة تجرى في ليبيا. وقرار آخر يقضي بنفي السيد/ بشير السعداوي ( زعيم حزب المؤتمر ) خارج البلاد على اعتبار أنَّه يحمل جواز سفر سعودياً، والدستور الليبي يحرم ازدواجيّة الجنسيّة. وقد شمل قرار الإبعاد شخص أو اثنين آخران غير السيد/ السعداوي – ولنفس السبب – وأحدهما هو:..(.. الأستاذ/ أحمد زارم رئيس تحرير صحيفة شعلة الحريّة الناطقة باسم حزب المؤتمر الوطني الطرابلسي، لأنَّه هو أيضاً كان يحمل جنسيّة غير ليبيّة، وقد عاد الأستاذ/ أحمد زارم إلى ليبيا من منفاه في تونس في عهد حكومة محمّد عثمان الصيد الذي استقبله في مكتبه وأسند إليه وظيفة مراقب للأملاك الحكوميّة بمنطقة غريان..). راجع كتاب: محطات من تاريخ ليبيا للسيد/ محمّد عثمان الصيد.

 

وفي اعتقادي إنّ أكبر خطأ ارتكبه السيد/ محمود أحمد المنتصر هو نفي السيد/ بشير السعداوي خارج البلاد. وهذا الخطأ الذي ارتكبه المنتصر لا ينفي بحال من الأحوال نجاحه الباهر في أصعب مهمة كلف بها رئيس وزراء في ليبيا ألا وهي مهمة بناء مؤسسات الدولة الوليدة. ونجاح السيد/ محمود المنتصر في تلك المهمة لا ينكره أحد، فقد كان المنتصر – وبحق – رجل دولة بكلّ ما تحمل هذه الصفة من معنى. 

 

كان السيد/ محمود المنتصر في ليبيا وقت وقوع إنقلاب الأول من سبتمبر 1969م، فاعتُقلَ بعد نجاح الإنقلاب مباشرة، وتوفي وهو في السجن عن عمر ناهز 74 عاماً، وذلك في سبتمبر 1970م. تغمد الله سبحانه وتعالى السيد/ محمود المنتصر بواسع رحمته وعظيم غفرانه.     

 


مصادر ومراجع

 

م3)- الأستاذ/ أبو غسان – كتيب: "أوراق ليبيّة"- منشورات: حركة الكفاح الوطني الليبي - الطبعة الأولى/ فبراير 1978م.

م4)- نفس المصدر السابق.

م5)- الأستاذ/ مصطفى أحمد بن حليم ( رئيس الحكومة الليبيّة الأسبق ) – كتاب: صفحات مطويّة من تاريخ ليبيا السياسي – الطبعة الأولى 1992م.

م6)- الأستاذ/ عبدالحميد البكوش ( رئيس الحكومة الليبيّة الأسبق )– مقالة: ليبيا بين أمسها واليوم، أو الكيفية التي يتجلى فيها تاريخ مر ومرير- صحيفة الحياة اللندنية العدد/ 12719 الصادر بتاريخ 27 ديسمبر 1997م. 

م7) د/ آمال السبكي – كتاب: إستقلال ليبيا – الناشر "مكتبة مدبولي" / الطبعة الأولى الصادرة في عام 1991م.

م8) الأستاذ/ مصطفى أحمد بن حليم ( رئيس الحكومة الليبيّة الأسبق )– حوار أجرته معه مجلة ( شؤون ليبيّة )– العدد السابع الصادر في صيف 1996م.

م9) دردشة مع الأستاذ/ فاضل المسعودي – المجلة الإلكترونيّة الشهريّة "الحقيقة" –  العدد الصادر في يناير 2005م.

م10) الأستاذ/ مصطفى أحمد بن حليم – كتاب: صفحات مطويّة من تاريخ ليبيا السياسي – الطبعة الأولى/ 1992م.              

م11) نفس المصدر السابق.

م12) الأستاذ/ مصطفى بن حليم ( رئيس الحكومة الليبيّة الأسبق )– حوار أجرته معه مجلة ( شؤون ليبيّة )– العدد السابع الصادر في صيف 1996م.

  

 

[email protected]

 

إن جميع المقالات التي تنشر في هذا الموقع تعبر عن رأي أصحابها فقط، ولا تعبر بالضرورة عن رأي إدارة الموقع