الرئيسية | من نحن | اتصل بنا

منبر الكتّاب

الكاتب الليبي: الصادق شكري


 

الحلقات:         5   6   7   8    10   11   12   13

 

 

 هدرزة في السّياسَة والتاريخ (3)  

الملك.. العقيد.. المعارضة الليبيّة في الخارج

 

الجزء الأوَّل ( 3 مِن 13 )

 

الحلقة الثالثة

 

ركزت الحركة السنوسيّة في عهد مؤسسها الإمام محَمّد بن علي السنوسي ( 1788م – 1859م ) على تعلم العلم وتعليمه، وإرشاد العباد إلى الله ودعوتهم إليه. وأدخل السيد/ محَمّد المهدي بعد وفاة أبيه فكرة التدريب لأجل الدفاع عن النفس في شكل أقرب إلى المنظمة العسكريّة، كذلك، أمَّن بشكل أفضل مصادر التمويل الماليّة للحركة السنوسيّة حيث ركز على بناء الزّوايَا الجديدة على طرق القوافل التجارية إلى أواسط أفريقيا. وتمكن من نشر الدعوة الإسلاميّة في أفريقيا بشكل أكبر مما كانت عليه في السابق. واكتسبت الحركة السنوسيّة في عهد السيد/ أحمد الشريف خبرة عسكريّة واسعة، وبدأت فكرة السيادة تتبلور في عهده حيث أصر على توقيع مراسلاته باسم " الحكومة السنوسيّة" منذ سحب تركيا لقواتها من إقليمي برقة وطرابلس فيما عرف بمعاهدة لوزان في عام 1912م.  

 

وأدخل السيد/ إدريس السنوسي البعد السياسي على الحركة السنوسيّة عبر سلسلة من المفاوضات ومعاهدات الهدنة التي عقدها مع المستعمر الإيطالي ثمّ التحالف مع البريطانيين لطرد الإيطاليين من ليبيا، وتمكنه فيما بعد عبر الوسائل الدبلوماسيّة والسياسيّة من انتزاع اعترفاً من المجتمع الدولي باستقلال ليبيا وذلك حينما تبنّت الجمعيّة العامة للأمم المتحدة بتاريخ 21 نوفمبر 1949م  قراراً يمنح ليبيا استقلالها قبل حلول سنة 1952م. وتحقق استقلال ليبيا في 24 ديسمبر 1951م.

 

وبعدما حقق السيد/ إدريس السنوسي وحدة ليبيا واستقلالها وأصبح هو الملك المتوج على ليبيا أراد أنّ يحكم البلاد بالشرعيّة الدستوريّة ولغة القانون وينأى بالسنوسيّة عن السياسة ويعيدها لسابق عهدها كطريقة صوفيّة شأنها شأن غيرها من الطرق ولا يمايزها أو يميزها عن باقي الطرق الصوفيّة في البلاد. وهكذا كان. 

 

والمختصر المفيد.. لا يكتمل الحديث عن الدور الذي قامت به الحركات الإصلاحيّة الإسلاميّة في بقاع كثرة من العالم: من حملات توعيّة، ونشر الإسلام ومفاهيمه الصحيحة، ومقاومة المستعمر دون الوقوف مطولاً أمام دور الحركة السنوسيّة في هذا المجال. ويستحيل الحديث عن الجهاد ضد الجيوش الإستعماريّة الغازيّة دون التطرق إلى دور الحركة السنوسيّة في الجهاد الليبي. ولا يمكن أنّ نتحدث عن استقلال ليبيا وبناء دولتها الحديثة دون التطرق إلى دور الملك محَمّد إدريس بن محَمّد المهدي السنوسي لأنّه هو صانع الاستقلال والأب المؤسس للدولة الليبيّة.

 

ولنبدأ هدرزتنا من هنا، وبتقديم لمحة تاريخيّة عن الحركة السنوسيّة......

 

الحركة السنوسيّة.. لمحة تاريخيّة 

 

أُصيب كيان دولة الخلافة في أواخر العهد العثماني بالضعف والجمود واستبداد السلاطين فتفشى الجهل وكثرت الصراعات وانتشرت الإنحرافات في كافة مناطق الحكم العثماني. وظهرت بحكم هذه الأوضاع المتردية حركات إصلاحيّة في العالم الإسلامي تعمل على محاربة البدع والإنحرافات، وتنشد تحسين أوضاع المسلمين، وتهدف إلى إصلاح ما تمّ إفساده. ظهرت الحركة السنوسيّة كطريقة صوفيّة تهدف إلى الإصلاح، وكان معظم رجالات الإصلاح وقتذاك صوفيون أو على مسافة قريبة من الصوفيّة. اهتمت السنوسيّة بالتعليم اهتماماً كبيراً وجعلته من أول أولوياتها، فبنت الزّوايَا على هيئة قلاع علمية تُخرج دفعات من حفظة القرآن والمتفقهين في الدين، ومن الدارسين لسائر العلوم الأخرى بما فيها الحرف والمهارات. 

 

وفي جملة واحدة.. الحركة السنوسيّة هي حركة إصلاحية ديناميكيّة جهاديّة ذات نفس صوفي قاومت الجيوش الإستعمارية الغازية، وسعت إلى ترسيخ قيم الإسلام في النفوس.. وَّطأت قيم التعاون والتآخي والمحبة بين الناس.. وفتحت زّوايَا لتعليم كافة أنواع العلوم والمهارات التي تفيد النّاس في حياتهم.. ونشرت دين الإسلام في الكثير من بقاع المعمورة.  وقد تأسست الحركة السنوسيّة على يد الإمام المؤسس محَمّد بن علي السنوسي.

    

{.. أقام الإمام محَمّد بن علي السنوسي أول زاوية سنوسيّة على جبل أبي قبيس المشرف في مكة. لكنه لقى المعارضة من جانب فرقة أخرى كان يترأسها سيدي محمد صلاح المغزاني، والذي استطاع أنّ ينال الحظوة لدى السلطة القائمة في مكة. فاضطر السيد/ محَمّد بن على السنوسي إلى ترك مكة في 1843. توجه إلى المغرب، واستقر في برقة (ليبيا الشرقية ) وأنشأ في "البيضاء" أول زاوية سنوسية بليبيا..}م13. ولد الإمام محَمّد بن علي السنوسي  في بلدة مستغانم في الجزائر في سنة 1202 هجري الموافق 1788م، وهو من سلالة بيت شريف مشهور ( الأدارسة ) الذين حكموا بلاد المغرب. حفظ القرآن الكريم برواياته السبع، ودرس الفقه الإسلامي وسائر العلوم الأخرى على يد كبار العلماء والفقهاء في الجزائر.

 

{..توجه الإمام محَمّد بن علي السنوسي إلى بلدة مازونة بالجزائر ومكث بها عاماً ثم رحل إلى مدينة تلمسان وأقام بها ما يقارب من السنة وتتلمذ على يد كبار شيوخها. درس كافة الطرق الصوفيّة وانتقد أخطائها، وعمل على تقيد التصوف بالكتاب وسنة المصطفى. تحصل على إجازات من علماء راسخين وأصبح مدرساً بالجامع الكبير بمدينة فاس ونال المشيحة الكبرى بها. وكانت فاس مركزاً للطرق الصوفيّة، وميداناً خصباً لنشاطها، ومعلوم لدى الباحثين أنّ الشمال الإفريقي على وجه خاص حافل بالحركات الصوفية ولدى أهلها إهتمام كبير بها. وكان من الطبيعي أن يتأثر أبن السنوسي بالنظام المغربي للصوفيّة. ولقد استمر إهتمامه بالصوفيّة حتى آخر حياته وبقى خطها واضحاً في شخصيته...}م14.

 

والصوفيّة في فهم الإمام السنوسي الكبير هي التعبد والتسبيح والتقرب إلى الله بالصيام والقيام والدعاء دون بدع وخرافات وشعوذة وتقديس لأيّ شيء آخر غير الله. وأوراد الطريقة السنوسيّة هي آيات من القرآن الكريم، ثمّ الحمد والتكبير والاستغفار والتهليل والصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم. وهي مجموعة الأوراد التي يقرأها أتباع الطريقة على مدى أيام الأسبوع. وهذه الأوراد سجلها السيد/ أحمد الشريف في كتابه: "الأنوار القدسيّة ".

 

ومن جديد.. غادر الإمام الجزائر إلى تونس ثمّ ليبيا ليصل في عام 1824م إلى القاهرة. وفي عام 1825م وصل إلى الحجاز ، ونزل في مكة المكرمة واستقر بها حيناً من الوقت.

 

 تأثر الإمام السنوسي الكبير بدعوة الإمام محمّد بن عبدالوهاب إلاّ أنّه أختلف مع موقف الوهابيين المعادي بالمطلق للتصوف، وأختلف مع المنهج الإصلاحي لبعض أتباع الإمام عبدالوهاب، فخرج من الحجاز ليستقر به المقام في ليبيا. ويبدو أن ما عاصره الإمام محمّد بن علي السنوسي من صراع بين الحركة الوهابيّة والدولة العثمانيّة جعله يفكر في انتهاج أسلوب يكفل للأمّة اجتناب القتال بين إبنائها، ويعينها على اختيار أخف الضررين حينما يصبح الضرر واقع لا محالة. فقد أختار السنوسي لدعوته في ليبيا طريقاً لا يثير حفيظة العثمانيين ضده ولا يفتح على المسلمين أبواب الخلافات والنزاعات التي لا تعود عليهم إلاّ بالضرر وخسائر الأرواح. ورأى من الواجب الوقوف بجانب دولة الخلافة لسد الأبواب في وجه المطامع الاستعماريّة الأوربيّة، ولضمان وحدة الأمّة والدفاع عن كيانها رغم تحفظاته ومأخذه على الدولة العثمانيّة. فعمل السنوسي على تطمين الولاة العثمانيين،..{.. وعلى توثيق علاقته بحكام الأقاليم الليبيّة في طرابلس وفزان وبنغازي، وتولدت علاقة وثيقة بين الولاة العثمانيين وأبن السنوسي مبنيّة على التقدير والأحترام المتبادل..}م15.  

         

بنى الإمام السنوسي الكبير الزّوايَا لتحفيظ القرآن وتأهيل الدعاة ونشر كافة أوجه التعليم بما فيها تعليم الحرف والمهارات. ورفض قفل باب الاجتهاد وأقر بحق الأمّة في الاجتهاد الدائم، كذلك، رفض التعصب المذهبي، وقال: مالكيتي – نسبة إلى مذهب الأمام مالك – تفرض عليّ مقت التعصب وأحترام الاختلاف. حرم الإمام السنوسي الكبير قتال المسلم للمسلم و الصدام المسلح بين المختلفين من أبناء المجتمع الواحد. وآمنت الحركة السنوسيّة بهذه القيم والمباديء سواءً في عهده أو في عهد من تولى بعد.

 

نقل السنوسي الكبير ( الإمام محَمّد بن علي ) مركز الطريقة السنوسيّة من البيضاء – وبعد عدة سنوات من تأسيسه لأوّل زاوية هناك في عام 1843م – إلى واحة الجغبوب. وتوفي في واحة الجغبوب ودفن فيها، وذلك في عام 1276 هجري الموافق 1859م. تولى السيد/ محمّد المهدي (1859م – 1901م ) مشيخة الطريقة بعد وفاة أبيه ( الإمام محمد بن علي السنوسي)، وتحولت الطريقة في عهده إلى حركة إلى جانب احتفاظها بالنفس الصوفي. نقل السيد/ المهدي مقر الطريقة من واحة الجغبوب إلى منطقة " الجوف" بواحة الكفرة في الجنوب الليبي. اشتد المرض على السيد/ المهدي في عام 1902م ووافته المنية في يوم الأحد الموافق 2 يونيو 1902م، ودفن في زاوية التاج. أسندت في يوم 19 يونيو 1902م إمارة الحركة السنوسيّة إلى السيد/ أحمد الشريف كوصي إلى أنّ يبلغ وريثها الشرعي (محمّد إدريس بن محمّد المهدي ) السن الذي يؤهله لتولي زمام الأمور. استمر السيد/ أحمد الشريف في إمارة الحركة السنوسيّة من 1902م إلى 1916م، حيث تنازل عنها في ذلك العام لابن عمّه السيد/ محَمّد إدريس بن محَمّد المهدي السنوسي وقبل حوالي عامين من مغادرته لليبيا مرغماً على ظهر غواصة ألمانيّة بعثتها له تركيا في أغسطس 1918م لتنقله من البريقة بليبيا إلى النمسا ثمّ إلى دار الآستانة بتركيا. {.. وقد حظي السيد/ أحمد الشريف باستقبال رسمي، ومُنحَ وساماً مجيدياً، وأُنزل بقصر ضيافة. وفيما بعد استثمر كمال أتاتورك هيبة السيد/ أحمد الشريف في تخطي بعض الأزمات، وأخيراً، قرر إبعاده عن تركيا، فسافر عبر الشام إلى المدينة المنورة..}م16. توفي السيد/ أحمد الشريف يوم الجمعة الموافق 10 مارس 1933م بالمدينة المنورة، ودفن في مقبرة البقيع، وهي نفس المقبرة التي دفن بها الملك محمّد إدريس السنوسي. والملك إدريس السنوسي توفي في القاهرة يوم 25 مايو 1983م، ونقل جثمانه إلى المملكة العربيّة ثمّ دفن في مقبرة البقيع تنفيذاً لوصيته.    

 

وعوداً على ذي بدء أقول..{...استطاع الإمام محَمّد بن علي السنوسي في سنوات قليلة بعد وصوله إلى ليبيا – الجبل الأخضر بولاية برقة – أن يُغطي الجبل الأخضر بالزّوايَا. وبعد ذلك أخذ في تأسيس زوايا جديدة، أولاً في بقيّة ولاية طرابلس، وبعد ذلك في جنوبي تونس، وعلى سواحل بحر مرمرة وفي مصر، والجزيرة العربيّة، ووسط إفريقيا، وبين الطوارق وفي السودان. وعند نهاية حياته كان عملياً هو الحاكم على المنطقة التي يحدّها البحر المتوسط من الإسكندرية إلى قابس، والتي تمتد عمقاً نحو الجنوب إلى الممالك الزنجيّة. كذلك كان له أتباع كثيرون في الحجاز، حيث أقرّ عدد من القبائل – بنو حرب، ولام، والحارث، وثقيف، وغيرهم – بالولاء للسنوسي بوصفه سيدهم الأعلى. ويؤكد البعض أن كل قبائل البدو في غربي الجزيرة العربية، ممن لم يعتنقوا المذهب الوهابي قد اعتنقوا مذهب السنوسيّة. وانتشرت الحركة السنوسية بسرعة فائقة بين بدو شبه جزيرة سيناء وفلسطين. وقبل أنّ يغادر السنوسي الجزيرة العربية، وعلى الرغم من المعارضة التي حملته بعد ذلك على الجلاء منها، كان قد أنشأ زّوايَا في أماكن مهمة عديدة بالإضافة إلى الزاوية الأصلية التي أقامها على جبل أبي قبيس، أعني في الطائف، والمدينة، وبدر، وجدة، وينبع.

 

.... ولما كانت الزّوايَا السنوسيّة قائمة على طرق القوافل القادمة من قلب القارة الإفريقية سائقة للعبيد لبيعهم في ميناء بنغازي وطرابلس، فكثيراً ما قامت هذه الزوايا بتحرير هؤلاء وضمّهم إلى الزّوايَا أحراراً يعملون فيها أنَّ شاءوا، فقد كان لها دوراً إنسانياً محمودً لتحرير العبيد والحد من تجارة الرقيق. فأضفى عليها هذا العمل الإنساني النبيل سمعة حميدة في تلك المناطق ومهدت بذلك لدخول العبيد وغيرهم في الإسلام. 

 

وكانت الحركة السنوسيّة نشيطة في نشر الإسلام في تشاد والسودان والنيجر، وإليها يرجع الفضل في أعتناق كثير من القبائل في تلك النواحي للإسلام...}م17.   

      

ومن أهم سمات الحركة السنوسيّة هو الابتعاد كلّ البعد عن تصعيد أيّ خلاف بين المسلمين والامتناع عن الدخول في أيّ معركة مسلحة تنشب بين أبناء الوطن الواحد. وهي سمة سنها  الإمام محَمّد بن علي السنوسي وتمسك بها كلّ من تولى إمارة الحركة السنوسيّة بعده. فتجنبت الحركة السنوسية في عهد السيد/ محَمّد المهدي التصعيد مع مهديّة السودان، وابتعدت عن مناطق نفوذ المهدي السوداني في القارة الإفريقيّة لتختار ساحات تحرك أخرى في نفس القارة تجنباً لأيّ تماس أو صدام أو تصادم مع أتباع المهدي في إفريقيا. وتمسك بنفس المبدأ السيد/ أحمد الشريف، والسيد/ محَمّد إدريس السنوسي من بعده. فالسيد/ محَمّد إدريس السنوسي حينما كان أميراً للحركة السنوسيّة – وهو أخر أميرٍ لها – أصدر أوامره للسيد/ صفي الدين السنوسي بالعودة إلى المنطقة الشرقيّة لليبيا فوراً بعدما أرسله إلى المنطقة الغربية لمعاضد مناضلي ومجاهدي إقليم طرابلس لمقاومة المستعمر الإيطالي خوفاً من نشوب خلاف أو صراع مسلح بين الجماعة التي يقودها السيد/ رمضان السويحلي وأتباع الحركة السنوسيّة بقيادة السيد/ صفي الدين (9). وبالخصوص قال الأستاذ/ مصطفى أحمد بن حليم في كتابه "انبعاث أمّة.. وسقوط دولة"..(.. أضطر المجاهدون السنوسيون بقيادة السيد/ صفي الدين إلى الرجوع بعد أنًّ صدرت إليهم الأوامر من السيد/ إدريس السنوسي بالعودة حفظاً وحقناً لأرواح ودماء المسلمين، وكان دافع السويحلي من وراء معاداة الحركة السنوسيّة هو خوفه وخشيته من سيطرتها على حركة الجهاد ومن ثمّ على مقاليد الأمور في إقليم طرابلس، وهذا ما يعنى تقزيم دوره القيادي وطموحه في بسط نفوذه على الإقليم بأسره..).

 

كذلك.. موقف السيد/ إدريس السنوسي بعدما صار ملكاً لليبيا من الانفجار التشادي – النزاع الداخلي بين التشاديين – في منطقة شمال تشاد على الحدود الليبيّة التشاديّة في 1968م، حيث اكتفى بدعم الجهود المبذولة من أجل إحلال السلام بين التشاديين . دعم العلاقات العربيّة التشاديّة لأجل ضمان ربط تشاد بالمحيط العربي والإسلامي، ودعم الجهود الهادفة لبناء المدارس ودور حفظ القرآن داخل تشاد وتقديم كافة الخدمات التي يحتاجها الشعب التشادي. الاستمرار في استقبال مئات من الطلاب التشاديين – وعلى نفقة المملكة – القاصدين الدارسة في المعاهد والجامعات الليبية، وبالأخص، الراغبين في دارسة العلوم الدينيّة واللغة العربيّة في الجامعة الإسلاميّة بمدينة البيضاء. وفي الوقت الذي وقف فيه الملك إدريس هذا الموقف الحكيم رأينا الصادق المهدي يتخذ موقفاً مغايراً لموقف الملك السنوسي. {..ففي مدينة "نيالا" في غرب السودان المتاخم لتشاد تمّ عقد أول مؤتمر تأسيسي لجبهة التحرير الوطني التشادي في 22 يونيو 1966م، وبعد موافقة السلطات السودانيّة على ذلك. وهنالك من يؤكد بأنَّ الحكومة السودانية في ذلك الوقت برئاسة السيد/ الصّادق المهدي، قد قدمت الدعم المادي والمعنوي للحركة، ومنحتها تسهيلات واسعة داخل الأراضي السودانية. وقد تمخض المؤتمر عن قيام جبهة التحرير الوطني التشادي}م18.

 

وربّما من المفيد الإشارة إلى أنَّ العلاقة بين الشعبين الليبي والتشادي (10) ظلت متشابكة متداخلة وحميمة طوال فترة نشاط الحركة السنوسيّة، واستمرت العلاقة وديّة بين البلدين دون أنّ يعتريها سوء تفاهم طوال عهد الملك محمّد إدريس بن محَمّد المهدي السنوسي. وهذا، ولم تعرف هذه العلاقة التوتر والنزاعات والصدامات المسلحة إلاّ بعد مجيء معمّر القذافي إلى السلطة في ليبيا في الأوَّل من سبتمبر من عام 1969م.         

                  

وعلى أية حال.. لم تهدف الحركة السنوسيّة إلى بسط نفوذها، ولم تسع إلى السلطة والحكم. فلم يكن النفوذ السياسي من بين أهدافها ولا إقامة دولة لها من بين مساعيها، ولذا، أختلفت مع أتباع الإمام محمّد عبدالوهاب في الحجاز ومع المهديّة في السودان. ورغم الأختلاف المنهجي بين الحركة السنوسيّة والحركة المهديّة، وامتناع السيد المهدي السنوسي في فترة إمارته عن دعم ومساعدة الثورة المهديّة في السودان إلاّ أن الحركة السنوسيّة تجنبت أيّ تصعيد مع المهديّة وابتعدت عن مناطق نفوذ المهدي السوداني في القارة الإفريقيّة لتختار ساحات تحرك أخرى في نفس القارة تجنباً لأيّ تماس أو صدام أو تصادم مع أتباع المهدي في إفريقيا.

 

وعمل السيد/ محَمّد المهدي منذ استلامه لإمارة الحركة السنوسية بعد وفاة الإمام محَمّد بن علي السنوسي في سنة 1859م، على تطبيق منهج دعوة الحركة السنوسيّة القائمة على القواعد الثلاث – كما رتبها السيد/ مصطفى أحمد بن حليم في كتابه: انبعاث أمّة.. وسقوط دولة – وهي كالتالي:

  1. تعلم العلم وتعليمه.

  2. إرشاد العباد إلى الله ودعوتهم إليه.

  3. الجهاد في سبيل الله لإعلاء كلمته.

طبق السيد/ محَمّد المهدي هذه القواعد، واستمر على نهجها إلى أنّ وافته المنية في عام 1902م في تشاد، ودفن في أراضيها. وطبق هذه القواعد كذلك من تولى من بعده الأمر. عاد السيد/ أحمد الشريف بالعائلات الليبيّة من تشاد إلى ليبيا ( الكفرة ) عقب وفاة عمّه السيد/ محمّد المهدي وتوليه زّعامة الحركة السنوسيّة أو كما جاء في النص المنشور في مجلة "عراجين " الصادر في يونيو 2004م في مقالة " النّسْج بالزّوايَا " للدكتور/ محمّد المفتي..(.. عاد السيد/ أحمد الشريف بالعائلات إلى الكفرة، وقام السيد/ أحمد الريفي بنقل جثمان السيد/ المهدي إلى الكفرة بعد عامين من وفاته. وبعد نصف قرن من وفاته أي في سنة 1953م قررت حكومة المملكة الليبيّة نقل جثمان السيد/ المهدي من الكفرة إلى الجغبوب، وتصادف ذلك مع هبوب رياح قبلية كثيفة الرمال، ما اشتهر باسم "عجاج سيدي المهدي"، واعتبره الناس علامة على عدم رضاه.. وبالفعل فقد ألغت الدولة مشروع نقل الجثمان، مما يدل على مدى عمق الاعتقاد في ولايّة السيد / محمّد المهدي، آنذاك...).

 

أعلن السيد/ أحمد الشريف في عام 1911م الجهاد ضد قوات إيطاليا الغازيّة دفاعاً عن الوطن والعرض والمال. ولم يتنازل السيد/ أحمد الشريف عن قيمة آمنَ بها أو توقف يوماً عن جهاده ضد القوات الإيطاليّة حتى أضطر – كما قال السيد/ مصطفى بن حليم – ،..(.. مرغماً بعد ذلك بسنين عدة، على مغادرة البلاد وتسليم قيادة الحركة السنوسيّة لوريثها الشرعي السيد/ محَمّد إدريس السنوسي..).

 

وعوداً على ذي بدء.. قاتلت الحركة السنوسيّة الغزاة الفرنسيين في تشاد من عام 1902م إلى عام 1918م. وهاجمت قوات الحركة السنوسيّة – عشرة آلاف مجاهد – بقيادة السيد/ أحمد الشريف القوات الإستعماريّة البريطانيّة في الصحراء الغربيّة المصريّة عند السلّوم. واستمر القتال بين السنوسيين والبريطانيين إلى 1917م العام الذي انتصر فيه البريطانيون بقيادة الجنرال بيتون (Peyton) على قوات المجاهدين. وحارب السنوسيون في الجزائر ودعموا المجاهدين بكافة الوسائل حتى نالت الجزائر استقلالها في عام 1962م. فقد استقلت الجزائر مع بدء انسحاب القوات الفرنسيّة منهزمة من أراضيها في يوم 5 يوليو/ تموز 1962م وتعيين السيد أحمد بن بله في نفس اليوم كأول رئيس لجمهورية الجزائر المستقلة بعد خروجه من السجون الفرنسيّة مع عدد من قادة جبهة التحرير وكوادرها.  

 

توصل السيد/ محمّد إدريس السنوسي بعد توليه لإمارة الحركة السنوسيّة بسنوات إلى عقد إتفاق مع البريطانيين، وبعدما قامت الحرب العالمية الثانية في عام 1939م أنضم السيد/ إدريس السنوسي إلى الحلفاء وراهن عليهم. ودخل إلى ليبيا بجيش أسسه في المنفى (الجيش السنوسي ) متحالفاً مع البريطانيين لطرد الغزاة الإيطاليين. هُزمت إيطاليا في عام 1943م، وأصبحت ليبيا منذ ذلك التاريخ تحت حكم الإدارة البريطانيّة والفرنسية (الحلفاء). وتمكن السيد/ إدريس السنوسي عبر الوسائل الدبلوماسيّة والسياسيّة  من إنتزاع اعترفاً من المجتمع الدولي باستقلال ليبيا وذلك حينما تبنّت الجمعيّة العامّة للأمم المتحدة بتاريخ 21 نوفمبر 1949م  قراراً يمنح ليبيا إستقلالها قبل حلول سنة 1952م. وتحقق إستقلال ليبيا في 24 ديسمبر 1951م.     

       

وربّما أسجل هنا ملاحظة بخصوص ما رواه البعض – ومنهم دي كاندول – عن أتفاق أبرمه السيد/ أحمد الشريف مع السيد/ محمّد إدريس السنوسي حينما قام الأول بتسليم الإمارة إلى الثاني في عام 1916م. يقول هؤلاء في روايتهم :..".. أنّ السيد/ أحمد الشريف اشترط على السيد/ محمّد إدريس السنوسي أنّ يتولى قيادة الحركة السنوسيّة بعد وفاة السيد/ إدريس – ابنه السيد/ العربي أحمد الشريف..".

 

وملاحظتي حول هذه الروايّة : المشيخة في الطرق الصوفيّة لشيخ واحد فقط ولا يجوز أنّ يكون هناك شيخين للطريقة في آن واحد. والأصل في الطرق الصوفيّة أيضاً أنَّ يتولى ابن الشيخ مشيخة الطريقة بعد وفاة أبيه، وفي حالة عدم توليه لها فيكون السبب أمّا صغر السن أو الانحراف عن المنهج . إذن، ومن هذا المنطلق، فالسيد/ محَمّد إدريس السنوسي كان هو الوريث الشرعي لقيادة الطريقة السنوسيّة عن أبيه السيد/ محمّد المهدي، وعدم توليه لها بعد وفاة أبيه مباشرة يرجع إلى أنّه كان صغيراً في السن – أقل من أثنى عشر عاماً – ولذا تولاها ابن عمّه السيد/ أحمد الشريف وصياً حتى يبلغ الوريث الشرعي السن التي تؤهله لذلك. ولم يكن من حق السيد/ أحمد الشريف أنَّ يشترط على السيد/ محَمّد إدريس أنَّ يتولى المشيخة بعده ابنه (السيد/ العربي أحمد الشريف) لأنّ السيد/ محَمّد إدريس كان شاباً وقتذاك، فلو رزقه الله بولد لتولى المشيخة بعده تلقائياً كما هو سائد في كافة الأوساط الصوفيّة. وبناءً عليه، ما قام به السيد/ أحمد الشريف كان أمراً طبيعياً بعد بلوغ الوريث الشرعي العشرينات من العمر. ولذا، أرى أيّ حديث عن اشتراطات وضعها السيد/ أحمد الشريف أمام السيد/ محمّد إدريس السنوسي هو حديث لا يتفق مع الواقع كونه ينظر إلى عمليّة تسليم السيد/ أحمد الشريف المشيخة للسيد/ محمّد إدريس من زاويّة سياسيّة تجرد السنوسيّة من صوفيتها في حين ميزان النظرة لما قام به السيد/ أحمد الشريف لا يستقيم دون النظر إلى السنوسيّة كطريقة صوفيّة. وهو حديث لا يتفق مع المنطق كون وضع السيد/ أحمد الشريف وصياً، وهو وضع لا يسمح له بوضع الشروط والاشتراطات.

 

ولعلّ تكليف السيد/ إدريس لأخيه السيد/ الرضا لينوب عنه وقتما هاجر لمصر يؤكد بوضوح تام هذه المسألة !. فلم يسجل أنّ السيد/ أحمد الشريف اعترض على اختيار السيد/ إدريس لأخيه وليس السيد/ العربي، ولم يسجل كذلك أنّه    انتقد هذا الاختيار أو عبر عن استيائه منه.   

 

ومن جديد مرة ثانية.. تأسست أول الزّوايَا السنوسيّة في ليبيا في أقليم برقة – والبيضاء تحديداً . أنشأت أول زواية بمدينة البيضاء بشرق ليبيا في عام 1257 هجري الموافق 1843ميلادية، ثمّ توالى انتشار الزّوايَا في كافة أقاليم البلاد الثلاثة . وقد بنى أبن السنوسي الزّوايَا وفق خطة سياسيّة اقتصاديّة، وأحسن بناءها . وقد أختار أبن السنوسي مواقعاً استراتيجيّةً للزّوايَا لتكون على طريق القوافل، ومكاناً آمناً لخزن وحفظ المؤن، وتكون مساحة أراضى الزّوايَا واسعة وفسيحة ليشمل حيز كلّ زاويّة مساحات للزراعة ومكاناً للآبار الجوفيّة والصهاريج لحفظ المياه، ذلك ما جاء في وصف مواقعها في كتابي (المجتمع الليبي) للدكتور/ عبدالجليل الطاهر، وكتاب (السنوسي الكبير) للأستاذ/ محَمّد الطيب الأشهب. كذلك، بُنيت الزّوايَا لتكون كالقلاع لصد هجمات المعتدين في الحروب، وتكون المتمركزة منها في الصحراء مكاناً آمناً للنازحين إليها في أوقات الشدة أو الحروب. وكانت الزّوايَا الخندق الأهم في معارك الجهاد ضد جيوش الغازة والمستعمرين.

 

وبلا شكّ.. قد أحدثت معاهدة لوزان سنة 1912م – الاتفاق التركي الإيطالي – نقلة نوعيّة في مسار الحركة السنوسيّة حيث أوقدت المعاهدة فكرة السيادة الوطنيّة لدى قيادة الحركة والمنتسبين إليها خصوصاً بعد سحب تركيا لقواتها من إقليمي برقة وطرابلس، وتركها لليبيّين يواجهون مصيرهم لوحدهم، فتعاظمت فكرة السيادة بقيادة السيد/ أحمد الشريف ثمّ ازدادت عمقاً منذ تولى السيد إدريس السنوسي لإمارة الحركة السنوسيّة. فقد بادر السيد أحمد الشريف بإعلان الحكومة السنوسيّة، والتي اتخذت "الجنة تحت ظلال السيوف" شعاراً لها، فسد السيد/ أحمد الشريف بمبادرته الفراغ الذي ترتب على إنسحاب القوات التركيّة من البلاد. ثمّ أضفى الأمير إدريس السنوسي على الحركة بعداً سياسياً فاستطاع عبر التفاوض والمناورة والتحالف انتشال إستقلال ليبيا من بين أيدي القوة الإستعمارية. فقد اتفق الليبيون في الفترة الواقعة ما بين (1940م و 1950م ) على خوض المعركة السياسيّة من أجل استقلال ليبيا بكلّ عزم وتصميم محددين أسساً وأهدافاً اتفقت حولها الغالبيّة الساحقة من أبناء ليبيا، وهي:

  1. رفض الوصايّة والانتداب وكلّ أشكال الاستعمار المقنّع.

  2. المطالبة بالاستقلال التام.

  3. وحدة ليبيا بأقاليمها الثلاثة (برقة وطرابلس وفزان).

  4. الإمارة السنوسيّة، أو بمعنى آخر زّعامة السيد محمّد إدريس السنوسي الذي سبق أنّ بويع أكثر من مرة، والذي برز بوضوح على أنّه الزعيم القادر على توحيد الأمّة الليبيّة وجمع كلمتها والوصول بها إلى الإستقلال، علاوة على قدرته على استقطاب القبول الدولي..}م19.

أو كما قال الأستاذ/ سالم الحاسي..{.. معاهدة لوزان سنة 1912؛ التي بموجبها سحبت تركيا قواتها من إقليمي برقة وطرابلس، أضافت بعداً جديداً في منطلقات الجهاد وغاياته.. فالمعاهدة تركت الليبيين يواجهون مصيرهم لوحدهم، الأمر الذي أوقد فكرة السيادة في الوعي السياسي الوطني.

 

لقد دفعت المعاهدة الزعماء الوطنيين في الإقليم الطرابلسي إلى مشاورات ومداولات حول الاستقلال والسيادة أدت إلى ولادة الجمهوريّة الطرابلسيّة سنة 1918، وفي برقة سارعت الحركة السنوسيّة – بعد المعاهدة مباشرة – بالبدء في توقيع مراسلاتها الرسميّة باسم "الحكومة السنوسيّة" كمظهر من مظاهر السيادة الوطنيّة..}م20

 

وربما نضيف هنا إلى ما قاله الأستاذ/ سالم الحاسي النقطة التالية: فبعد مشاركة كافة أبناء مناطق ليبيا المختلفة ولأول مرة في معركة واحدة ضد القوات الإيطاليّة (معركة القرضابيّة) بدأت جسور الثقة تمتد بين المجاهدين في أقاليم البلاد المختلفة، وبدأ زعماء المقاومة وقادتها في مناطق البلاد المختلفة يفكرون في توحيد الجهود والصفوف، وربّما، في الكيفيّة التي يحققون بها وحدة بلادهم الوطنيّة. ولعل معركة القرضابيّة كانت – وكما قال د/ محَمّد المفتي – ..{.. المعركة الكبرى، وربّما، الوحيدة التي حارب فيها " الطرابلسيون " و "البراوقة " في جبهة واحدة ضد عدو مشترك. وقاد انتصار المجاهدين في معركة القرضابيّة إلى انحسار الوجود الإيطالي في الدواخل، مما سمح بظهور حكومة مصراتة، ثمّ الجمهورية الطرابلسيّة، ثمّ حكومة إجدابيا في برقة..}م21

 

وانطلاقاً من هذا التراكم  استطاع الأمير إدريس السنوسي في المرحلة الأولى – أكتوبر1949م – من تحقيق إستقلال برقة. وبعد مبايعة زعماء إقليمي ( طرابلس وفزان) له استطاع أنّ يتكلم باسم ليبيا بأقاليمها الثلاثة (طرابلس وبرقة وفزان )، ويكثف من ضغطه السياسي والدبلوماسي، فتمكن في 21 نوفمبر 1949م من استصدار قراراً من الجمعيّة العامة للأمم المتحدة يعترف بإستقلال ليبيا، ويمنحها ذلك قبل حلول سنة 1952م. وتحققت الوحدة الوطنيّة والإستقلال وأصبحت ليبيا في 24 ديسمبر 1951م دولة مستقلة ذات سيادة تحت تاج الملك إدريس السنوسي.   

 

عرفت فترة الإمام محَمّد بن علي السنوسي بفترة البناء والانتشار والإصلاح، والتي استمرت إلى عام 1859م تاريخ وفاته ودفنه في واحة الجغبوب (11) . {.. فقد كانت حقبة الإمام محَمّد بن علي السنوسي، فترة البناء والانتشار والإصلاح، المتولدة من طاقة الإيمان والتفاؤل والإحساس بأداء واجب مقدس التي حقنها الرجل في رفاقه. ولا شكّ أنَّ الإمام محمّد بن علي السنوسي ذو عبقرية تنظيميّة عاليّة، فقد توزع تلاميذه في بيئات اجتماعية كانت فقيرة الموارد وشبه معزولة. فكانوا أشبه بمن يستكشف قارة مجهولة، دونما معين سوى التصميم وقوة الإرادة..}م22. واستطاع السيد/ محمّد المهدي إلى جانب علمه ومشيخته أنّ يكون رجل إداري من طراز خاص فقام بتوسيع الزّوايَا، ونشر المزيد منها في مناطق وبلدان عديدة، ثمّ ربطها في شبكة إداريّة متجانسة متماسكة متعاونة. وبعد ذلك..{..استطاع استنفار الزّوايَا كمنظومة إمداد ومعلومات لتوفير الرجال والمال والسلاح لخوض حرب مقاومة ضد التوسع الفرنسي جنوبي الصحرا..}م23. واستطاع السيد/ أحمد الشريف استنفار الزّوايَا في حرب مقاومة ضد الغزاة المستعمرين في ليبيا وغيرها من بلدان المسلمين، ثمّ بادر بإعلان الحكومة السنوسيّة،  فسد الفراغ الذي ترتب على إنسحاب القوات التركيّة من البلاد.

 

وكانت الجغرافيا تشكل بعداً هاماً في تفكير السيد/ أحمد الشريف الإستراتيجي، وكان البعد الإيماني هو عنصره المحرك في عمليات الإقدام والمباغتة بعد إكتمال أسس التخطيط في رسم خرائط الحرب. وكان السيد/ أحمد الشريف يحظى باحترام واسع من قبل قادة وزعماء العالم الإسلامي، وكان بعض الزعماء يلجئون إليه لحل الخلافات بينهم. فقد نحج السيد/ أحمد الشريف على سبيل المثال لا الحصر في 21 أكتوبر 1926م في عقد معاهدة بين "إمام اليمن يحيى"، و"إمام عسير الحسن بن علي الإدريسي"، وملك الحجاز عبد العزيز عبد الرحمن الفيصل آل سعود أنهت الخلافات والحروب الدائرة في تلك المنطقة. ويذكر أنّ لجان البحث عن حلّ الخلاف الحدودي بين السعوديّة واليمين – بعد تصاعد الخلاف الحدودي مجدّداً بين البلدين – اعتمدت الحلّ الذي قدمه السيد/ أحمد الشريف في عام 1926م. وأبرمت إتفاقيّة حدوديّة بين البلدين في عام 2000م، وقعها عن الجانب اليمني الرئيس علي عبد الله صالح، وعن الجانب السعودي الأمير عبدالله بن عبدالعزيز وليّ العهد. وبُنيت قواعد إتفاقيّة عام 2000م على الأسس التي وضعها السيد/ أحمد الشريف في عام 1926م.

 

وكان السيد/ إدريس السنوسي ينظر إلى خروج السيد/ أحمد الشريف في أغسطس 1918م مرغماً من ليبيا إلى تركيا هو خسارة كبيرة لحركة المقاومة نظراً لعقله الإستراتيجي، وقدراته القياديّة، ومقدراته الفائقة على التفكير والتدبير، إلاّ أنّ السيد/ محمّد إدريس السنوسي استطاع قيادة الحركة بمهارة فائقة حيث ادخل على برامج الحركة بعداً جديداً ألا وهو البعد السياسي. وتمكن من خلال موقعه كقائد لعمليات المقاومة أنّ يقود تحركاً سياسياً استخدام فيه وسائل العمل السياسي كافة، ففاوض وناور وتحالف إلى أنّ تحقق لليبيا إستقلالها ووحدتها الوطنيّة.  

 

نظمت الحركة السنوسيّة صفوف الجهاد الليبي وقاومت الغزاة المستعمرين بكلّ بسالة وإقدام. وأطفأت نيران الفتنة والتعصب القبلي والجهوي فآخت بين القبائل الليبيّة المتناحرة وجمعت أبناء أقاليم البلاد الثلاث (طرابلس وبرقة وفزان ) في وحدة واحدة متماسكة متراصة فحققت على يد أحد أبناءها الملك محَمّد إدريس بن محَمّد المهدي بن محَمّد بن علي السنوسي – وحدة ليبيا واستقلالها في 24 ديسمبر 1951م.

 

أعلن الملك إدريس السنوسي عن إستقلال ليبيا في كلمة ألقاها من شرفة قصر المنارة في بنغازي (12) أمام حشد جماهيري كبير تجمعَ حول القصر في الرابع والعشرين من ديسمبر سنة 1951م.  

 

أخيراً.. نشأت السنوسيّة كطريقة صوفيّة ذات نفس أو بعد إصلاحي، ثمّ تحولت إلى حركةِ مناهضةِ ومقاومةِ للإستعمارِ، ثمّ أعادها السيد/ محمّد إدريس السنوسي مرة ثانية إلى النهج الأوَّل لها ( طريقة صوفيّة ) أيّ (تربويّة روحيّة ) بعد أنّ استقلت ليبيا وأصبح هو ملكاً لكلّ الشعب الليبي.

 

وربّما من المفيد الإشارة إلى تراجع دور الزّوايَا السنوسيّة في عهد الملك إدريس السنوسي، حيث لم تُشيد زّوايَا جديدة طوال فترة العهد الملكي وكلّ ما تمّ في هذا الشأن هو ترميم زاوية واحدة في الفترة الواقعة مابين عام 1954م وعام 1957م، وذلك في فترة ترأس السيد/ مصطفى بن حليم للحكومة.

 

أراد الملك إدريس السنوسي – بعد تحقيق الاستقلال والوحدة الوطنيّة – أنّ يعيد السنوسيّة إلى نهجها الصوفي (طريقة صوفيّة ) كسابق عهدها في عهد الإمام المؤسس/ محَمّد بن علي السنوسي. فالإمام / محَمّد بن علي السنوسي حينما بدأ دعوته كانت ليبيا تابعة لدولة الخلافة العثمانيّة فنأى بدعوته عن السياسة و الاصطدام مع الولاة الأتراك، وركز وجوده ونشاطه بين البدو (مناطق الباديّة )، وطرق القوافل التجاريّة في الصحراء بدلاً من المدن الرئيسية التي رأى أنّها تتمتع بقدر من التعليم، وتوجد فيها طرق صوفيّة أخرى. ولذا، لم يؤسس الإمام أول زّوايَا السنوسيّة في مدينة درنة مثلاً أو بنغازي بينما أسسها في البيضاء، فتلك المدينتان كانتا على سبيل المثال لا الحصر فيهما نسبة من المتعلمين، وطرق صوفيّة تهتم بالشئون التربويّة والروحيّة كالطريقة الرفاعيّة والشاذليّة والأسمريّة والقادريّة .. وغيرها. 

 

وعلى سبيل الملاحظة، فأنّ الأثر الذي تركته السنوسيّة في المدن ( الزّوايَا والأتباع ) هو أقل بكثير مما تركته في مناطق الباديّة وطرق القوافل التجاريّة في الصحراء. ولعلّ هذه الملاحظة تفيد – وعلى نحو ما – إلى ما ذهبنا إليه أو أسلفناه في هذا التحليل !.  

 

لم يشأ الإمام/ محَمّد بن علي السنوسي الدخول في منافسة أو صدام مع الطرق الصوفيّة الموجودة في تلك المدن، واكتفى أنّ يكون وجود الطريقة السنوسيّة في المدن الرئيسيّة وجوداً محدوداً بينما كثف وجوده وتحركه في مناطق البادية لأنّه رأى أنّ أهالي تلك المناطق محتاجون أكثر من غيرهم  إلى من يعلمهم علوم دينهم والعلوم الأخرى بما فيها المهن والحرف.

 

رأى الملك إدريس السنوسي أنّ جده تجنب الاصطدام مع الولاة الأتراك، وأقام الزّوايَا في مناطق لا سلطان عليها. وحلت الزّوايَا في أماكن إقامتها محل الدولة الغائبة، فكانت بمثابة الدولة فهي الجهة التي كانت تدير التعليم، وعجلة الإقتصاد، وتبرم العقود بما فيها عقود الزواج والطلاق، وتفصل في النزاعات، وتبث في القضايا الخلافيّة. ورأى الملك إدريس السنوسي أنّ قيام دولة ليبيا الحديثة يفترض أنّ يلغي الدور الذي كانت الحركة السنوسيّة تقوم به قبل قيام الدولة، ويجب ألاّ تترك للحركة هذه الواجبات بعد قيام الدولة. بل، يجب على الحركة السنوسيّة أنّ تعود كطريقة صوفيّة يقوم كل منتسب إليها بقراءة الوُرد والتسابيح والأذكار وفق منهج الطريقة، وأنّ يجتمع أتباع الطريقة للذكر في الزاوية أو بيت أحد كبار مشايخ الطريقة أو أيّ مكان يختارون شأنهم شأن باقي الطرق الصوفيّة في ليبيا.

 

وبناءاً على ذلك.. رأى الملك محمّد إدريس السنوسي أنّ الدواعي التي انتقلت فيه الطريقة السنوسيّة إلى حركة زالت أو اختفت بطرد المستعمر وإعلان إستقلال ليبيا، وأنّه آن الأوان لتعود السنوسيّة لسابق عهدها كطريقة صوفيّة شأنها شأن الطرق الصوفيّة الأخرى في ليبيا. وأراد الملك إدريس السنوسي أنّ ينأى بالسنوسيّة عن السياسة ولا يميزها عن غيرها من الطرق الصوفيّة... وأنّ يجعل من ليبيا دولة عصريّة تحكمها لغة الدستور ولا يتميز فيها أحداً أمام القضاء والقانون. وهكذا، كان.

 

الصادق شكري

    


ملاحظات وإشارات هامة

 

9) السيد/ صفي الدين: هو صفي الدين بن محَمّد الشريف بن محَمّد بن علي السنوسي. أمه هي السيدة/ خديجة على المحجوب، ووالدها من مصراتة ومن كبار الإخوان السنوسيين . ولد السيد/ صفي الدين في عام 1895م وتلقى تعلمه  في الزّوايَا  السنوسيّة، وحفظ القرآن الكريم على يد العلامة المغربي ( سيدي/ العربي الفاسي ). ولسيد/ صفي الدين أربعة أخوة، والسادة هم: أحمد الشريف، علي الخطّابي، هلاّل، محمّد عابد. وله ثمانيّة أبناء، والسادة هم: علي، فخري، رضا، منصور، أمين، السنوسي، عادل، صبري.

 

والسيد/ صفي الدين هو الأخ الأصغر للمجاهد الكبير السيد/ أحمد الشريف. ويذكر أنّ السيد/ أحمد الشريف في فترة إمارته لحركة السنوسيّة كلّف أخيه الأصغر السيد/ صفي الدين – ولم يتجاوز وقتذاك الثامنة عشر (18) من العمر – بالإنابة عنه في مناطق حدود إجدابيا، وبالذات،..(.. على دورى النوفلية والقطافية..)، كما جاء في مقالة للدكتور/ محمّد المفتي.

 

ويروي د/ علي الصلابي في كتابه: الحركة السنوسيّة في ليبيا / الجزء الثاني،..(..أنّ السيد/ أحمد الشريف أرسل أخيه السيد/ صفي الدين ليتولى قيادة الجهات الغربية من برقة، وكان إرساله فرحة عظيمة لدى القبائل المنضويّة تحت لواء الحركة السنوسيّة، وقاد السيد/ صفي الدين السنوسي معركة عظيمة ضد إيطاليا بموقع "أبي هادي "، واستمرت المعركة بشدة وعنف ساعات انجلت عن خسارة إيطاليا. وكانت الانتصارات التي حققتها الحركة السنوسيّة، محل الإعجاب والتقدير من أبناء ليبيا المخلصين، ولذلك اتصل كثير من القادة والشيوخ بالسيد/ صفي الدين، وكان السيد/ رمضان السويحلي المجاهد الكبير على رأس أولئك الأبطال المغاوير..). ويذكر أنّ السيد/ صفي الدين اختار في الفترة الواقعة ما بين 1914م إلى 1922م الشيخ محمود بوهدمة سكرتيراً ومساعداً عسكريّاً له. 

         

كان السيد/ صفي الدين السنوسي من أهم وأشهر قادة معركة القرضابية. ومعركة القرضابية انطلقت في صحراء سرت في 29 أبريل 1915م ، وقد هُزمت القوات الإيطاليّة الغاشمة في هذه المعركة التاريخيّة على أيدي القوات السنوسيّة وقوافل المجاهدين الذين توافدوا من كافة مناطق ليبيا للمشاركة فيها. ويروي الدكتور/ محَمّد المفتي في مقالة له نشرت في مجلة "عراجين " في يناير 2004م عن دور السيد/ صفي الدين في معركة القرضابيّة ما يلي:..

 

(.. للأمانة التاريخيّة، كانت هناك على أرض معركة القرضابيّة كتائب مجاهدين لعبت دوراً أساسياً في دحر الطليان. كان هناك مجاهدو قبيلة المغاربة – من منطقة إجدابيا – بقيادة المجاهد/ صالح الإطيوش يرافقهم المجاهد/ صفي الدين السنوسي، الذين أوقفوا تقدم الطليان...). أو يمكن تحديد دور السنوسيّة، والسيد/ صفي الدين في معركة القرضابيّة على النحو الذي ذكره د/ علي الصلابي في كتابه " الحركة السنوسيّة في ليبيا / الجزء الثاني"، والذي قال عنه ..(.. لقد كانت القيادة الفعليّة لمعركة القرضابيّة للسيد المجاهد صفي الدين السنوسي والقادة السنوسيين الذين معه، وقد ساندهم مساندة فعّالة المجاهد رمضان السويحلي بجنوده وانضم معهم في الوقت المناسب..).        

 

ويذكر أنّ الأمير/ إدريس السنوسي كان قد أرسل السيد/ صفي الدين على رأس جيش من المجاهدين إلى المنطقة الغربية لمعاضدة مناضلي ومجاهدي إقليم طرابلس لمقاومة المستعمر الإيطالي إلاّ أن الأمير طلب منه الرجوع إلى برقة بعد أنّ توعد السيد/ رمضان السويحلي بقتال السنوسيين لأنّه رأى في تواجدهم تهديداً لزّعامته لإقليم طرابلس. وبعد هذا التهديد، أمره الأمير بالرجوع إلى برقة خوفاً من نشوب صراع مسلح بين جماعته ( الجماعة السنوسيّة بقيادة السيد صفي ) وأتباع السيد/ رمضان السويحلي. وقد نفذ السيد/ صفي الدين ما طلبه الأمير منه.  

 

ويذكر كذلك أنّ دولة الخلافة العثمانيّة كانت قد منحت رتبة جنرال بجيش التركي ( لواء ) للسيد/ صفي الدين اعترافاً بقدراته العسكريّة والقياديّة، وتكريماً من تركيا لشخصه حيث لعب أداوراً هامّة من أجل الإسلام وقضايا المسلمين. وعُين السيد/ صفي الدين في عام  1921م  رئيساً لبرلمان برقة. وأرسله الأمير إدريس السنوسي في نوفمبر 1921م إلى سرت للتباحث مع أعيان طرابلس بشأن البيعة.

ذكر السيد/ دي كاندول على لسان الملك إدريس في كتابه "عاهل ليبيا.. حياته وعصره" بخصوص هذه البيعة ما نصه:..(.. أثناء مؤتمر لأعيان طرابلس عقد في غريان في شهر نوفمبر 1921م، تقرر تأسيس إمارة طرابلسيّة وعرض البيعة عليّ. ثم طلبوا مني إرسال مبعوثين إلى سرت لبحث الأمر معهم، قأوفدت أبن عمي السيد/ صفي الدين للقائهم، كما أعلمت والي بنغازي في الوقت نفسه...).   

 

وبعد حادثة إغتيال السيد/ إبراهيم الشلحي (ناظر الخاصة الملكية ) في 5 أكتوبر 1954م على يد أحد أفراد العائلة السنوسيّة ( الشريف محي الدين السنوسي)، قرر السيد/ صفي الدين الخروج من ليبيا حتى يقطع الطريق على أيّ فتنة يُراد لها أنّ تحدث بين أبناء العائلة السنوسيّة أو يسبب وجوده إحراجاً من أيّ نوع  للملك إدريس السنوسي كبير العائلة وشيخ الطريقة السنوسيّة. غادر السيد/ صفي الدين ليبيا في سيارتين يصبحه فيهما أفراد عائلته ووصل إلى منطقة الأهرامات بمصر في الليل وتصادف وصوله في تلك الليلة إلى القاهرة  مع بدء غارات العدوان الثلاثي على مصر ( حرب 1956م ). قضى السيد/ صفي الدين وأفراد عائلته تلك الليلة في السيارتين حيث تعذر عليهم مواصلة سوق السيارة إلى وسط مدينة القاهرة.

 

ذهب السيد/ صفي الدين في صباح ثاني يوم وصل فيه إلى القاهرة إلى السفارة السعوديّة بالقاهرة وتحدث مع السفير السعودي بشأن رغبته في الإقامة بالأراضي السعوديّة. اتصل السفير بالسيد/ صفي الدين بعد ساعات من مغادرة الأخير لمبنى السفارة وأعلمه بقبول الملك سعود لطلبه. توجه السيد/ صفي الدين وعائلته إلى السعودية بعد حوالي عشرة أيام من وصولهم إلى القاهرة على متن طائرة سعوديّة خاصّة. أقام السيد/ صفي الدين وعائلته في  السعوديّة منذ ذلك التاريخ إلى أواخر عام 1960م. غادر السيد/ صفي الدين في أواخر عام 1960م السعوديّة، واستقر في القاهرة منذ بداية عام 1961م وإلى عام 1967م. أقام في شقة بمدينة المهندسين في القاهرة بالمنطقة المعروفة باسم  جامعة الدّول العربيّة – 5 ميدان سفنكس / المهندسين.

 

منحته السعوديّة حق الإقامة الدائمة على أراضيها وظلت هذه الإقامة ساريّة المفعول حتى بعد انتقاله إلى مصر. خصصت السعوديّة له مرتباً شهرياً وأرسلت له سيارة خاصّة ( هديّة ) إلى القاهرة، واستمرت السعوديّة تعامله على هذا النحو حتى بعد وصول الملك فيصل إلى كرسي العرش،بل، ظلت متكفلة بمصاريفه الشهريّة إلى أنّ وافته المنية في عام 1967م. لم يغادر السيد/ صفي الدين  القاهرة منذ وصوله إليها إلاّ بعد هزيمة 1967م حيث ذهب إلى ليبيا وقرر الاستقرار فيها مجدداً فأختار لنفسه مقراً سكنياً في مدينة الحدائق بالفويهات الشرقيّة بمدينة بنغازي. وكان المقر السكني الذي اختاره عبارة عن فيلتان مملوكتان للسيد/ مختار الأشهب، وتعهدت الدولة الليبيّة بدفع إيجارهما السنوي.

 

عاد من ليبيا إلى القاهرة لأجل تسويّة كافة شئونه الخاصّة ثمّ ليعود مجدداّ إلى ليبيا ويقضي ما تبقى من العمر في بلاده بين أهله وأحبابه إلاّ أنّ المرض حال بينه وبين العودة حيث توفي في أواخر السنة نفسها، وذلك في 22 نوفمبر 1967م. وبعد وفاته أمر الملك إدريس بنقل جثمانه إلى ليبيا حيث دفنَ في الجغبوب مع جده مؤسس الحركة السنوسيّة الإمام محمّد بن علي السنوسي.

 

كان الإيمان بالله زاده.. والمصطفى عليه الصلاة والسلام مثله وقدوته.. والذكرُ والتسبيحُ سر صفاء نفسه ونقاء سريرته. وكانت التضحية عنوان سيرته الذاتيّة.. والوفاء أبرز سماته الشخصيّة.. والإخلاص في العمل سر تخليد اسمه في صفحات التاريخ الليبي. رحم الله السيد/ صفي الدين السنوسي واسكنه فسيح جناته.      

 

10) العلاقة بين الشعبين الليبي والتشادي: العلاقات الليبيّة التشاديّة علاقات متشابكة ومترابطة منذ قدم التاريخ، فهنالك قرابات لغوية وإثنية، وتداخلات إجتماعيّة، وروابط ثقافيّة وتاريخيّة، بالإضافة إلى المصالح التجاريّة – الروابط الإقتصاديّة – التي ربطت بين الشعبين قبل ترسيم الحدود بين البلدين الذي تم في عام 1884م وفقاً لمقررات مؤتمر برلين. وقد استمرت تلك الروابط في تداخلها حتى بعد مؤتمر برلين في عام 1884م. وقد كان للحركة السنوسيّة الفضل الكبير في توثيق العلاقات بين الشعبين، وفي توطيد صلة التشاديين بالعرب. 

 

ولم أجد في هذه الوقفة أفضل مما قاله الباحث الأكاديمي الأستاذ/ محَمّد شريف جاكو  (تشادي ) عن العلاقات الليبيّة التشاديّة في كتابة ( العلاقات السياسيّة بين تشاد وليبيا ) الصادر عن مكتبة مدبولي في عام 1989م. وانقل ما قاله الأستاذ/ محمد شريف جاكو بقليل من التصرف، ووفق ترتيب اقتضته هذه الوقفة. وجاء في الكتاب المذكور ما يلي:_

[..يعود أثر الحركة السنوسيّة في تشاد إلى بداية العلاقة بين السنوسيّة ومنطقة السودان الأوسط، وإلى اللقاء الذي تمّ بين مؤسس الحركة السنوسيّة الإمام محَمّد بن علي السنوسي والسيد/ محَمّد شريف بن صالح (تشادي ) في مكة المكرمة أثناء وجودهما في الحجاز. والسيد/ محمّد بن صالح هو أحد أفراد العائلة الحاكمة في مملكة وداي بتشاد. ومملكة وداي هي أحدى ثلاث ممالك كانت حاكمة في تشاد، والممالك هي ( مملكة كانم، مملكة باقرمي، مملكة وداي)، واستمرت هذه الممالك قرابة تسعة قرون. ونظراً لموقع مملكة وداي الجغرافي المتاخم للسودان ومصر وليبيا، وعلاقتها الوثيقة عن طريق القاهرة بالباب العالي في اسطنبول في فترة الخلافة العثمانية، فقد لعبت المملكة دوراً كبيراً في نشر الإسلام، وتطور اللغة العربيّة في المنطقة. وهذا الدور يماثل دور مملكة كانم في تشاد وإنّ لم يتحقق الكثير لمملكة باقرمي نتيجة لموقعها الجغرافي.

تأثر السيد/ محَمّد الشريف بالدعوة السنوسيّة وتعاليمها. وعقب عودة كل منهما إلى بلده – بعد الإقامة في الحجاز – ظلا على إتصال فيما بينهما، وبعد تأسيس الحركة السنوسيّة في ليبيا وتولي السيد/ محَمّد الشريف ( 1835 – 1858م) الخلافة في وداي خلفاً لشقيقه سلطان علي الشريف، توطدت العلاقة، فازدادت الروابط بين السنوسيّة ووداي منذ ذلك العهد. وخاصة بين الخليفة محمد المهدي السنوسي، والسلطان يوسف بن محَمّد الشريف (1874 – 1898م).

 

ومن المعلوم، أنّ السيد/ محَمّد المهدي تولى إمارة الحركة السنوسيّة بعد وفاة أبيه في عام 1859م في الجغبوب، وظل أميراً لها حتى وفاته في عام 1901م. ويذكر أنّ السيد/ محَمّد المهدي كان قد نقل مقر الحركة السنوسيّة من واحة "الجغبوب" إلى "الجوف" في واحة الكفرة بجنوب ليبيا. وبعد قرابة أربعة سنوات من إقامته بواحة الكفرة انتقل إلى مدينة "غورو" في شمال تشاد في منطقة بوركو – أنيدي، تبستي – واتخذها مقراً له ومركزاً لحركته الإصلاحيّة بعدما علم بالمؤامرات التي تحاك ضده للقبض عليه، وتقويض حركته من قبل الدولة العثمانيّة لأسباب اقتصاديّة نتيجة لسيطرة الحركة السنوسيّة على الطرق التجاريّة، وأخذ الضرائب من التجار. واختار منطقة شمال تشاد ليفوت الفرصة على من أراد القبض عليه، وتقويض حركته، ونظراً لوجود جالية ليبيّة كبيرة في شمال تشاد، وباعتبار أنّ تشاد مجال توسع لحركته.

 

أقام السيد/ محَمّد المهدي بعد انتقاله إلى تشاد زوايا سنوسيّة في منطقة الشمال التشادي أهمها:-

  1. زاوية (غورو ) التي اتخذها مركزاً لإقامته.

  2. زاوية ( واجنغ ) الكبير. 

  3. زاوية (واجنغ ) الصغير. في بور – كوانيدي – تبستي.

  4.  زاوية ( بئر علالي) في منطقة كانم. 

وكانت الزّوايَا السنوسيّة بمثابة مراكز إسلامية شاملة. فإلى جانب تلاوة القرآن الكريم والعلوم الدينيّة والشرعيّة، كان يمارس فيها نشاطه السياسي والإقتصادي أيّ أنّ الزّوايَا كانت لها أهمية الدين والدولة. وقد تغلغل تأثير السنوسيّة في المناطق التي أقيمت فيها الزّوايَا وما حولها، وتوثقت الروابط السياسيّة والثقافيّة والإقتصاديّة مع مملكة كانم، ونظراً لطبيعة البدو لم تقع مصادمات أو مواجهات مع المجتمع التشادي. لأنّ الحركة السنوسيّة تتلاءم مع المجتمع البدوي أو تكفي حاجات البدو وتتفق مع رؤاهم. وشارك السنوسيون مع التشاديين في معارك دامية في الشمال التشادي ضد الغزاة الفرنسيين خلال الفترة ما بين 1910م إلى 1913م.

 

وظلت العلاقة بين الشعبين الليبي والتشادي متشابكة متداخلة وحميمة طوال فترة نشاط الحركة السنوسيّة، واستمرت العلاقة ودية بين البلدين دون أن يعتريها سوء تفاهم طوال عهد الملك محمّد إدريس بن محَمّد المهدي السنوسي. ولم تعرف هذه العلاقة التوتر والنزاعات والصدامات المسلحة إلاّ بعد مجيء معمر القذافي إلى السلطة في ليبيا في الأوَّل سبتمبر من عام 1969م. وقد قطع الرئيس التشادي تومبلباي العلاقات الدبلوماسيّة مع ليبيا بعد أقل من سنتين من وصول القذافي إلى السلطة، وذلك في مطلع عام 1971م. حيث قام نّظام القذافي بتدريب وتسليح مجموعة من التشاديين للقيام بمحاولة لقلب نظام تومبلباي في تشاد. كانت العلاقات التشاديّة الليبيّة فيما بين 1970م إلى 1990م عدائية تارة، وصداقة تارة أخرى، وإن كان العداء هو الأصل، مع أكثر من زعيم تشادي طوال الفترة المشار إليها سالفاً – إذا استثنينا الفترة التي تمّ التوقيع فيها على إتفاقيّة الوحدة الإندماجيّة بين البلدين.

 

تعامل نّظام القذافي مع تشاد وفق رؤى القيادة الليبيّة مع الدائرة الإفريقيّة، والتي من بينها:

 

– إفريقيا جنوب الصحراء كمجال حيوي للحركة، واتخاذها كمنطقة جذب وتأثير للسياسيّة الليبيّة، ونظراً لفراغ القوة الناشىء فيها عن ضعف دولها الإقتصادي والسياسي والعسكري وقابلتيها للاختراق – وذلك للتعويض عن الإحباط الذي أصيبت به الثورة الليبيّة في مجال حركتها العربيّة – أيّ فشل الصيغ الوحدويّة مع ( مصر، والسودان، وتونس، والجزائر، وسوريا، والمغرب ).   

– تعلق طرابلس على انجامينا أهميّة خاصّة لتدعم تطلعاتها الخارجيّة للهيمنة، فإن لم يكن بضم تشاد في وحدة سياسيّة مع ليبيا، فعلى الأقل إيجاد نّظام حكم موالِ لها في انجامينا. وكانت تحلم بقيام جماهيريّة ثانية في تشاد، وإقامة دولة طبقاً لتعاليم الكتاب الأخضر.      

                        

والحاصل.. عملت ليبيا في عهد القذافي على الدوام على تسليح فصائل المعارضة المتتالية للحكم المركزي في انجامينا والمساهمة في تصعيد الخلافات الداخليّة بزعزعة استقرار البلاد لتبرير وجودها وتدخلها في الشئون الداخليّة التشاديّة. بمنطق أنّ تشاد المقسمة وغير المستقرة هي الطريق الأضمن لليبيا لتحقيق أهدافها !. وقد دخلت القوات الليبيّة في النصف الثاني من السبعينيات إلى وسط العاصمة التشاديّة (انجامينا )، ثمّ استقرت في الشمال التشادي، وهنا قرر الرئيس حسين هبري الدخول في حرب مباشرة مع ليبيا لتحرير الشمال من القوات الليبيّة المحتلة.ثمّ دخل هبري في معارك مع قوات الليبيّة في أواخر ثمانينيات القرن الماضي – معركة وادي الدوم، ومعركة معطن السارة. وتمكنت قوات هبري من الإنتصار على قوات القذافي. اعترف القذافي بحكومة هبري وأعلن عن رغبته في تسويّة علاقته مع الحكومة المركزيّة في انجامينا، وعبر وساطات إفريقيّة تمّ اللقاء بين القذافي وحسين هبري في " باماكو" عاصمة جمهوريّة مالي. وتمّ إعادة العلاقات بين البلدين في 3 أكتوبر 1988م بعد سلسلة الهزائم والنكسات العسكريّة التي منيت بها قوات القذافي العسكريّة. طلبت تشاد في شهر سبتمبر 1990م من محكمة العدل الدوليّة رسم الحدود الفاصلة بين تشاد وليبيا، وحل الخلاف حول الشريط الحدودي المتنازع عليه – شريط قطاع أوزو .

 

اتفقت الدولتان على إخلاء أوزو من قوات البلدين أثناء نظر محكمة العدل الدوليّة للقضيّة. ولكن تطورات الأحداث في تشاد بعد سقوط الرئيس حسين هبري في 30 نوفمبر 1990م، وتولي العقيد إدريس دبي الحكم في الأوَّل من ديسمبر 1990م بمباركة القيادة الليبيّة. دخلت ليبيا وتشاد بعد وصول إدريس دبي لكرسي الحكم في إطار جديد من العلاقة بينهما. ورّغم ترحيب ليبيا بالعقيد إدريس دبي إلاّ أنّ دبي أكد من جهته الإلتزام بالنتيجة التي تصدرها محكمة العدل بشأن قضية أوزو. أصدرت محكمة العدل الدوليّة في فبراير 1994م قرارها بشأن قضية أوزو، وجاء القرار في صالح تشاد. كسبت تشاد الجولة النهائيّة دبلوماسياً بعد أنّ سبق لها كسبها عسكرياً، وعلق الرئيس التشادي في 5 يونيو 1994 على مجمل الأحداث بقوله:.."..إنّ عهداً جديداً من التعاون والأخوة بين البلدين قد بدأ لتحقيق المصلحة المشتركة لهما.."..].    

 

والعلاقات الليبيّة التشاديّة اليوم هي أشبه ما تكون إلى أنّها مستقرة عن أيّ شيء أخر منذ وصول العقيد إدريس دبي إلى الحكم في الأوَّل من ديسمبر 1990م. وقد تجنب القذافي استفزاز التشاديين والتحرش بهم منذ أنّ أصبحت قضايا الإرهاب تطارده وتحاصر نظامه. وتجنب تصعد أيّ خلاف مع تشاد منذ أنّ قدم مشروعاً وحدوياً (الوحدة الإفريقية) كبديل لصيغة (منظمة الوحدة الإفريقيّة)، وذلك في قمة سرت الأولى (9 سبتمبر 1999). وبعد إقرار الدول الإفريقيّة لمشروع القذافي في قمة سرت الاستثنائيّة الثانية – التي  عقدت في ليبيا (أوائل مارس 2001) – أصبح القذافي يتعامل مع تشاد كبلد مستقل لا تابع له بالرّغم من أنّ وسائل إعلام القذافي تظهر – وبطريقة ما – أنّ العقيد إدريس دبي الذي يزور ليبيا بشكل شبه دوري، يزورها لأخذ مشورة القذافي والاستئناس برأيه في كلّ القضايا التي تشغل تشاد !. 

 

11) دفن الإمام محَمّد بن علي السنوسي في واحة الجغبوب :  دفن الإمام عام 1276 هجري الموافق 1859م بضريح في واحة الجغبوب. في سنة 1984م تمّ هدم ضريح الإمام محمّد بن علي السنوسي بناءاً على أمر معمر القذافي، وقد أشرف على عمليّة الهدم في احتفال كبير من اللجان الثوريّة ابن عم القذافي المدعو حسن اشكال، كما نبشت قبور السادة والإخوان وزوجات السيد/ محَمّد بن علي السنوسي الموجودة في المقبرة الملحقة بالجامع. وبالرّغم من اكتشاف جسد سيدي ابن السنوسي في قبره على نفس الحالة التي دفن عليها لم يتحلل ولا لحقه البلى كذلك جسد ابنه السيد/ محَمّد الشريف ومريده وصهري سيدي عمران بن بركة.، إلاّ أنّ عمليّة الهدم تمت والقي بالأجساد الطاهرة الثلاثة في الصحراء وجمعت العظام الموجودة في بقيّة القبور في حفرة واحدة ودفنت في مكان مجهول.

 

وقد تمّ نفس الشيء في المقبرة الملحقة بمقام سيدي رافع الأنصاري بالبيضاء حيث نبشت جميع قبور السادة والإخوان  في تلك المقبرة وجمعت العظام في حفرة واحدة ودفنت في مكان مجهول بعد تركها في العراء بقرب الضريح مدة طويلة.

 

راجع ما كتب بالنص في الإضافات – صفحة أربعة (4 ) – التي كتبها الشيخ محمّد بن غلبون كحواشي في النسخة العربية من كتاب: " الملك إدريس السنوسي عاهل ليبيا.. حياته وعصره"  الذي كتبه السيد/ دي كاندول باللغة الإنجليزيّة.   

 

12) كلمة ألقاها الملك إدريس السنوسي بمناسبة حدث الإستقلال السعيد من شرفة قصر المنارة في بنغازي: اجتمع الليبيون في يوم الرابع والعشرين من ديسمبر 1951م حول قصر المنارة بمدينة بنغازي للاستماعِ إلى الملك إدريس السنوسي معلناً إستقلال ليبيا، ونص كلمته جاء كما يلي:

 

بسم الله الرحمن الرحيم

إلى شعبنا الكريم

 

يسرنا أنّ نعلن للأمّة الليبيّة الكريمة أنه نتيجة لجهادها وتنفيذاً لقرار هيئة الأمم المتحدة الصادر في 21 نوفمبر 1949م قد تحقق بعون الله إستقلال بلادنا العزيزة، وإنا لنبتهل إلى المولى عز وجل بأخلص الشكر وأجمل الحمد على نعمائه، ونوجه إلى الأمّة الليبيّة أخلص التهاني بمناسبة هذا الحدث التاريخي السعيد، ونعلن رسمياً أنّ ليبيا منذ اليوم أصبحت دولة مستقلة ذات سيادة. وبناء على قرار الجمعيّة الوطنيّة الليبيّة الصادر بتاريخ 2 ديسمبر 1950م نتخذ لنفسنا لقب ملك المملكة الليبيّة المتحدة.

 

ونشعر أيضاً بأعظم الاغتباط لبداية العمل منذ الآن بدستور البلاد كما وضعته وأصدرته الجمعيّة الوطنيّة في 6 من محرم سنة 1371 هجريّة الموافق 7 أكتوبر 1951م ميلاديّة. وإنه لمن أعز أمانينا، كما تعرفون، أنّ تحيا البلاد حياة دستوريّة صحيحة، وسنمارس من اليوم سلطاتنا وفقاً لأحكام الدستور.

 

ونحن نعاهد الله والوطن في هذه الفترة الخطيرة التي تجتازها البلاد أنّ نبذل كلّ جهدنا بما يعود بالمصلحة والرفاهيّة لشعبنا الكريم حتى تتحقق أهدافنا الساميّة، وتتبوأ بلادنا العزيزة  المكان اللائق بها بين الأمم الحرة.

 

وعلينا جميعاً أنّ نحتفظ بما قد اكتسبناه بثمن غال، وأنّ ننقله بكلّ حرص وأمانة إلى أجيالنا القادمة، وإننا في هذه الساعة المباركة نذكر أبطالنا ونستمطر شآبيب الرحمة والرضوان على أرواح شهدائنا الأبرار ونحيي العلم المقدس رمز الجهاد والإتحاد وتراث الأجداد، راجين أنّ يكون العهد الجديد الذي يبدأ اليوم عهد خير وسلام للبلاد، ونطلب من الله أنّ يعيننا على ذلك ويمنحنا التوفيق والسداد إنّه خير معين. ( انتهت كلمة الملك بمناسبة حدث الإستقلال التاريخي السعيد).        

 

وبعد أنّ أمعنت النظر في معاني هذه الكلمة التاريخيّة وشخصيّة قائلها، أحببت أن أقف عندها واعلق عليها في شكلِ مختصر أضعه في النقاط التالية: 

 

النقطة الأولى: عبرت هذه الكلمة التاريخيّة عن مدى ارتباط الملك إدريس السنوسي بالقيم الإسلاميّة حيث بدأ كلمته بالبسملة والحمد والثناء والشكر للمولى عز وجل، وختمها بالدعاء وطلب العون من خير معين.

 

النقطة الثانية : رأينا الملك في هذا الخطاب ما ذكر كلمة الأمّة أو الشّعب إلاّ وأقرنها بصفة الكريم  كقوله : إلى شعبنا الكريم..ونعلن للأمّة الليبية الكريمة.. بما يعود بالمصلحة والرفاهيّة لشعبنا الكريم. ورأيناه ما ذكر كلمة البلاد إلا وأقرنها بصفة العزيزة كقوله: تحقق بعون الله إستقلال بلادنا العزيزة.. حتى تتحقق أهدافنا الساميّة، وتتبوأ بلادنا العزيزة  المكان اللائق بها بين الأمم الحرة. 

 

النقطة الثالثة: رأينا الملك في هذا الخطاب، لم يذكر اسم عائلته "العائلة السنوسيّة" أو ينسب إليها الفضل رَّغم أنّها صاحبة دعوة ومنهج علمت الناس علوم دينهم ونشرت الدين في أفريقيا وغيرها من قارات العالم، وحارب أعضاؤها وأتباعها فوق ظهور الخيل ضد الإستعمار الإيطالي في ليبيا، والبريطاني في مصر، والإستعمار الأوربي بصفة عامة في تشاد والنيجر والسودان والجزائر. وتجنب ذكر اسم عائلته تواضعاً منه لا نكراناً لدورها، وخوفاً من أنّ يبخس حق قبائل وعائلات أخرى ساهمت بجهود جبارة في نشر الدعوة الإسلاميّة وتحرير الوطن، كذلك، لأنّه أراد أنّ يبدأ العهد الجديد بالجميع ولأجل الجميع. ورأيناه في هذا الخطاب، لم ينسب فضل الإستقلال إلى نفسه كما يفعل كثيرون من القادة رغم أنّه هو من قاد الجهاد و المفاوضات والجهود الدبلوماسيّة التي توجت بالإستقلال، بل، استمعنا له وهو ينسب الفضل إلى العون الإلهي وجهاد كافة الليبيّين وقرار هيئة الأمم المتحدة الصادر في 21 نوفمبر 1949م.   

 

النقطة الرابعة: لاحظنا أنّ كلمته عبرت عن حرصه التام في أنّ يحكم الدستور البلاد، ويكون الناس أجمعين سواسيّة أمام القضاء والقانون، ولذا، حرص على قول أنّ لقب ملك الذي اتخذه لنفسه إنّما هو تنفيذاً لقرار الجمعيّة الوطنيّة الليبيّة الصادر بتاريخ 2 ديسمبر 1950م . كذلك، جاء في فقرة من خاطبه أنّه يتمنى أنّ تحيا البلاد حياة دستوريّة صحيحة، ووعد الشعب الليبي بأنّه سيمارس سلطاته وفقاً لأحكام الدستور لا لأيّ شيء أخر.

 

النقطة الخامسة: رأينا الملك في هذه الكلمة الموجزة المعبرة لم يغفل أنّ يُذكر نفسه وكافة أبناء شعبه بالشهداء الأبطال الذين دافعوا عن دينهم وحاربوا فوق ظهور الخيل المستعمر الإيطالي البغيض، ورأيناه، يختم كلمته بالدعاء لهم ويستمطر شآبيب الرحمة والرضوان على أرواحهم. ورأيناه، يُذكر بقيمة ورمزيّة علم البلاد، والذي دعا إلى تحيته والإنحاء له لأنّه رمز الجهاد والإتحاد وتراث الأجداد. 

 

النقطة السادسة: جاءت كلمة الملك إدريس السنوسي قصيرة جداً، ومعبرة جداً، وهي تعبر على نحو ما عن شخصيّة الملك المؤمنة بالحكمة القائلة "خير الكلام ما قل ودل"، فرأيناه يطبق هذه الحكمة بحذافيرها منذ أول كلمة رسميّة يُلقيها على مسامع الليبيين.

 

هكذا كان الملك إدريس حكمياً وفياً صادقاً، وحريصاً على مصلحة الشّعب الليبي ورفاهيته، وهادفاً إلى أنّ تتبوأ ليبيا المكان اللائق بها بين الأمم الحرة. هكذا كان، واستمر طيلة سنوات حكمه.  

 

وأخيراً.. جاءت هذه الوقفة من باب الإشارة إلى القيم والمعاني التي تضمنها هذا الخطاب التاريخي الهام.. والكيفيّة التي كان الملك يخاطب بها الشعب الليبي، لا من باب عقد مقارنة بينه وبين من تعود على مخاطبة الليبيّين لساعات طوال في خطابات لا تحتوي إلاّ على إرهاب الناس وتضليلهم، ونشر الفساد والتخريب، وتلويث كلّ شيء في حياة الليبيّين، وهي أيّ "خطابات القذافي" مصاغة بأسلوب استفزازي استعلائي فيه استهزاء بتاريخ الليبيّين واستخفاف بعقولهم وتحقير لذواتهم والعياذ بالله .

 

ومجدداً، أقول من باب الإشارة لتتعظ الأجيال القادمة وترسم مستقبلها على نحو لا يمنح لأمثال القذافي موقعاً في أيّ سلطة قادمة أو أيّ دائرة من دوائر صنع القرار. وأؤكد أنّها إشارة فحسب لا مقارنة بين ملك حكيم تقي ورع، وحاكم خبيث معجون بماء الشيطان، لأنّ ..(.. المقارنة بين معمر القذافي والملك المرحوم محمّد إدريس السنوسي مقارنة ظالمة بكل المقاييس.)، كما قال الأستاذ/ عبد الحميد البكوش.

 


مصادر ومراجع

 

م13) د/ عبدالرحمن بدوي – كتاب: سيرة حياتي /2 – المؤسسة العربيّة للدراسات والنشر/ الطبعة الأولى 2000م.

م14) د/ علي محَمّد الصلابي – كتاب: الحركة السنوسيّة /1- دار البيادق / الطبعة الأولى 1999م.

م15) نفس المصدر السابق. 

م16) دكتور/ محَمّد محَمّد المفتي – مقالة: " الهوية / فسيفساء .. بنية المجتمع الليبي وانعكاساتها على مقاومة الغزو الإيطالي" – مجلة (عراجين ) الليبيّة / العدد(1) الصادر بتاريخ يناير 2004م.      

 م17) د/ عبدالرحمن بدوي – كتاب: سيرة حياتي /2 – المؤسسة العربيّة للدراسات والنشر/ الطبعة الأولى 2000م.

م18) الأستاذ/ محَمّد شريف جاكو ( تشادي) – كتاب: العلاقات السياسيّة بين تشاد وليبيا – الطبعة الأولى 1989م الصادر (الناشر): مكتبة مدبولي – 6 ميدان طلعت حرب القاهرة.                       

م19) الأستاذ/ إبراهيم صهد – مقالة: معركة الإستقلال .. صراع من أجل الحرية والوحدة والسيادة – موقع الجبهة الوطنية لإنقاذ ليبيا.  

م20) الأستاذ/ سالم عبدالسلام الحاسي – مقالة: في ذكرى الإستقلال.. حصاد ثلاثة عقود – مجلة "الحقيقة" الإلكترونيّة الشهريّة / عدد يناير 2005م.

م21) د/ محَمّد محَمّد المفتي – مقالة: الهوية / فسيفساء .. بنية المجتمع الليبي وانعكاساتها على مقاومة الغزو الإيطالي – مجلة (عراجين ) الليبية / العدد رقم (1 ) الصادر بتاريخ يناير 2004م.

م22) د/ محَمّد محَمّد المفتي – مقالة: النّسْج بالزّوايَا – مجلة (عراجين ) الليبيّة / العدد رقم (2 ) الصادر بتاريخ يونيو  2004م.

م23) نفس المصدر السابق.

 

 

[email protected]

 

إن جميع المقالات التي تنشر في هذا الموقع تعبر عن رأي أصحابها فقط، ولا تعبر بالضرورة عن رأي إدارة الموقع