الرئيسية | من نحن | اتصل بنا

منبر الكتّاب

الحلقات:         5   6   7   8    10   11   12   13

 

 

هدرزة في السّياسَة والتاريخ (4)     

الملك.. العقيد.. المعارضة الليبيّة في الخارج 

بقلم الصادق شكري

الجزء الأوَّل ( 4 مِن 13 )

الحلقة الرابعة

 

لم تنفرد ليبيا بنفسها إلاّ لفترات زمنية قصيرة لعل أبرزها حكم الأسرة القرمانيلة خلال القرن الثامن عشر الميلادي. (..وهي فترة لا يمكن وصفها بالإستقلال على أيّ حال..)، كما قال الأستاذ/ عبدالحميد البكوش. وتشكلت في فزان (1550م – 1812م) دولة أولاد محَمّد. وظلت ليبيا على مدار تاريخها قبل ديسمبر 1951م تابعة لحكم يديرها من الخارج، وبقيت هكذا – وكما قال الأستاذ/ عبدالحميد البكوش..(.. تابعة لحكم يديرها من خارج حدودها تبادله الإغريق والرومان، فالدولة الإسلاميّة العربيّة ثمّ الدولة الإسلاميّة العثمانيّة، ومن بعدها الإيطاليون، فحلفاء الحرب العالميّة الثانية..).

 

قامت حكومة مصراتة أولاً ثمّ تحلف زعماء وأعيان مصراتة والساحل وغريان فأسسوا أول جمهوريّة في الشمال الإفريقي وثاني جمهوريّة في منطقة الشرق الأوسط ألاّ وهي الجمهوريّة الطرابلسيّة (1918م – 1920م) . أو كما قال د/ علي حميدة..(.. ربّما ثاني جمهوريّة في منطقة الشرق الأوسط بعد جمهوريّة "زحلة" في لبنان..). وبعد قيام الجمهوريّة الطرابلسيّة بفترة وجيزة قامت في المنطقة الشرقيّة حكومة إجدابيا بزعامة السيد/ محَمّد إدريس السنوسي.

 

ولم يكن الشعب الليبي قبل اتحاده على يد الزعامة السنوسيّة شعباً واحداً بالمعنى الحقيقي للكلمة. ولم تكن ليبيا في يومِ من الأيامِ دولة بالمفهوم الحديث للدولة إلاّ بعد أنّ أسسها الملك إدريس السنوسي في 24 ديسمبر 1951م. وتاريخ التأسيس هذا هو حقيقة لابُدَّ من أقررها والاعتراف بها، ولا يجوز تخطيها وتجاوزها، لأنّ هنالك  عدد من النخبة يدعون غير ذلك وكأن الدولة الليبيّة نشأت على يد الإغريق منذ عشرين قرناً من الزمان !. وحقيقة التأسيس هذه لا تعني اختزال تاريخ ليبيا في شخص الملك إدريس السنوسي، ولا تعني شطب تاريخ الرجال الذي حاربوا المستعمر وساهموا في صنع الإستقلال لأنّ أولئك الرجال هم من أعطوا السيد/ إدريس السنوسي الفرصة والثقة، وهم من راهنوا عليه واختاروه قائداً وزعيماً ثمّ بايعوه من أجل وحدة ليبيا واستقلالها ثلاث بيعات مكتوبة. وحينما نقول الملك إدريس السنوسي هو الأب المؤسس للدولة الليبيّة نقولها بكلّ ثقة ويقين لأنّه هو من قاد الكفاح المسلح ضد الغزو الإيطالي.. وهو من راهن على الحلفاء لما قامت الحرب العالمية الثانية في عام 1939م وأنظم إليهم لأجل طرد المستعمر الإيطالي من ليبيا، وبعد نجاح رهانه، نقل القضيّة الليبيّة إلى أروقة هيئة الأمم المتحدة إلى أنّ تبنّت الجمعيّة العامة لهيئة الأمم بتاريخ 21 نوفمبر 1949م قراراً يعترف بإستقلال ليبيا، ويمنحها  ذلك قبل حلول سنة 1952م.. وهو من وقف في يوم 24 ديسمبر 1951م معلناً – ومن شرفة قصر المنار بمدينة بنغازي – إستقلال ليبيا ووحدتها الوطنيّة. وأصبحت ليبيا منذ إعلان إستقلالها – ولأوّل مرة في تاريخها – دولة مستقلة ذات سيادة يحكمها أبنائها أسمها (المملكة الليبيّة المتحدة ).

 

وبكلّ صدق وأمانة.. لا أستطيع أنّ أفهم الحياديّة حينما تكون الحقيقة واضحة كوضوح الشمس، فالأسلوب الحيادي في هذه حالات لا جدوى منه ولا طائل من ورائه، بل، سيزيد المسائل تعقيداً والقضايا تمييعاً، وربّما، لن يخدم أحد سوى طائفة العابثين بالتاريخ !. وإذا كان من سبقونا كالأستاذ/ خليفة التليسي قالوا..(.. أنّ تاريخنا أحيط بحساسيات جعلت التعرّض له بالكشف والدراسة مجلبة للمتاعب والمشاكل التي يحرص الإنسان أنّ يتجنّبها ويبتعد عنها، وهكذا تحجب الحقيقة، ويموت التاريخ ولا يبقى منه سوى أصداء خافتة تردّدها ذاكرة عبث بها الزمن..). فلماذا نستمر نحن بهذه العقد والحساسيات إلى أجل غير مسمى !؟. ولماذا نخاف من تفسيرات الآخرين وتأويلاتهم ولا نجابههم بالحقائق حفاظاً على التاريخ ومنعاً لعبث الزمن بالذاكرة !؟.

 

وأيّ شخص لديه حساسيّة من الحديث عن دور الملك إدريس السنوسي وشخصه هو مجحف في حق التاريخ الليبي قبل أنّ يكون مجحفاً في حق الملك إدريس. فالملك إدريس هو مؤسس الدولة الليبيّة وجزءاً من تاريخها، وهو مِلك لكلّ أبناء ليبيا، وليس مِلكاً لطائفة من الناس أو لمنطقة دون سواها من مناطق ليبيانا الحبيبة. ولا يقبل أنّ يصنف الحديث عن شخصيّة وطنيّة ما في مصاف التحزب لجهة معينة أو الإنتماء لمنطقة دون سواها من مناطق ليبيانا الحبيبة، لأنّ إنتماءنا للوطن هو إنتماء لكلّ مدن ليبيا وقراها وأريافها وسواحلها وصحراءها.. وإنتماء لتاريخ ليبيا وكافة الرجال الذين قاوموا المستعمر ورفضوا الظلم وضربوا المثل ورسموا طريق الإقتداء.. وإنتماء لتنوع تراث ليبيا، وتعدد لهجاتها، واختلاف أصول سكانها إمازيغيون كانوا أو عرب أو من أصول إفريقيّة أو تركيّة أو البانيّة أو يونانيّة أو أيّ أصول أخرى. والإنتماء إلى الوطن فوق كلّ الإعتبارات والحساسيات، وأكبر وأعمق من محبةِ ترسم حدودها جغرافيا قرية أو مدينة، أو يحدد عمقها بعد عائلي أو قبلي.

 

وتعزيز قيمة الإنتماء إلى الوطن لا تأتي بتغييب مادة التاريخ أو بتجاهل دور من صنعوه، فلا يمكن أنّ نعزز قيمة الإنتماء إلى الوطن إلاّ بجمع تاريخ بلادنا وتوثيقه، وبإفراد صفحات لمآثر رجالات ليبيا وأدوارهم.  وأقسم بالله العظيم، إنّ لم نتخلص من عقدنا وحساسياتنا وكافة موروثاتنا السلبية.. وإنّ لم نجابه المتاعب والمشاكل سنغتال إرثاً تاريخياً من الواجب الحفاظ عليه. واغتيال التاريخ هو اغتيال للمستقبل في كلّ الأحوال !.  والحديث عن الدولة الليبيّة دون إبراز – وبشكل واضح – دور من صنع دولة الإستقلال هو حديث يحجب الحقيقة ويوجه البندقية نحو قلب التاريخ.    

                 

إذن، وبالفم المليان.. الملك إدريس السنوسي هو الأب المؤسس للدولة الليبيّة وأيّ حديث لا يقر بهذه الحقيقة ويحاول فرض شيء غير ذلك وكأن الدولة الليبيّة نشأت منذ قرون هو حديث عاري من الصحة كونه يريد أنّ يفرض الحاضر على ماضي الزمان. {.. وإسم "ليبيا" استخدم أول مرة خلال الفترة الإغريقيّة والرومانيّة وأعادت الحكومة الإيطاليّة الإستعماريّة استخدامه كنوع من التبرير الإيديولوجي الإستعماري، أو كما كان يدعي موسوليني من أنه لابُدَّ من إعادة الإمبراطوريّة الرومانيّة في البحر المتوسط.

 

والعثمانيون منذ القرن السادس عشر استخدموا اسم "طرابلس الغرب " لوصف ليبيا. ولكن إبان الحكم العثماني كانت طرابلس جزءاً من الإقليم الأكبر المغرب الإسلامي. هنا لابُدَّ من الحذر في استخدام اسم ليبيا والليبيين قبل المرحلة الإستعماريّة إذ لم تكن هناك ليبيا ولكن ولايّة طرابلس الغرب. محاولات فرض الدولة الوطنيّة القطريّة وكأنها نشأت منذ قرون بعيدة قبيل الدولة الإستعماريّة هي في الغالب محاولة لفرض الحاضر على الماضي، لأن كلاً من الدولة القطريّة الليبيّة والتونسيّة والجزائريّة وغيرها في المنطقة بنيت خلال الفترة الإستعماريّة وكرد فعل لها..}م24.

 

وبكل تأكيد..{.. لم تكن ليبيا في يومِ من الأيامِ ‏دولة بالمفهوم الحديث للدولة إلاّ بعد استقلالها في نهاية عام 1951م، ‏وبعد أنّ حصلت على الاعتراف من هيئة الأمم المتحدة بفارق صوت واحد ‏يتيم. لهذا فإنّ ما اصطلح على تسميته ليبيا قديماً لم يكن عبر التاريخ ‏سوى موقعاً جغرافياً كان موضع اهتمام الكثير من الدّول والحضارات ‏المجاورة، إبتداءاً بالحضارة الفينيقيّ وإنتهاءاً بالغزو الإيطالي ‏الحديث...}م25.  

 

وعليه.. تأسست الدولة الليبيّة على يد الملك إدريس السنوسي بعد أنّ قاد الجهاد المسلح ثمّ أدار معركة سياسيّة  نشطة أسفرت عن ميلاد الدولة الليبيّة في الرابع والعشرين من شهر ديسمبر عام 1951م. فالملك إدريس هو مؤسس الدولة وصانع الإستقلال. وهو الزعيم الذي بايعه الليبيون ثلاث بيعات مكتوبة..{.. فقد عُقدَ في البويرات في 15/11/1918م، مؤتمر وطني أدى إلى إعلان مجلس للشورى لمناطق البلاد الغربية ذلك المجلس الذي أجتمع في غريان خلال الشهر نفسه وشكل حكومة الإصلاح المعروفة برئاسة المجاهد أحمد المريض وهي نفسها التي اجتمعت في ( ابوعرقوب ) بمنطقة الرقيعات، لتقرر إرسال وفد التقى بممثلي السيد/ إدريس السنوسي زعيم المناطق الشرقيّة  في مدينة سرت، ولينتهي الأمر بتقديم بيعة مكتوبة له بالزّعامة في 28/ 7/ 1922م، الموافق 3 ذي الحجة 1340هجري.أما البيعة الثانيّة فقد رفعها المهاجرون الليبيون وبلادهم يحتلها الإيطاليون في مؤتمر عقدوه في الإسكندرية في تشرين الأول / أكتوبر 1939م. وقدمت البيعة الثالثة إلى الملك السابق من جميع الأحزاب السياسيّة  في 16/ 6/ 1944م، وكان الرجل قد عاد محارباً على رأس الجيش السنوسي الليبي الذي شكله بمساعدة بريطانيّة  في مصر في 9 أغسطس 1940م.

 

هكذا يبرر التاريخ شرعية السّيد/ محمّد إدريس السنوسي كملك مؤسس حفلت حياته بالجهاد ، فكيف يبرر التاريخ شرعيّة حكم من قام بالإنقلاب للإستيلاء على السلطة بعدما أقسم ضباط الإنقلاب يميناً مقدماً بالحفاظ على الدستور الذي انقلبوا عليه..}م26

 

الملك محَمّد إدريس السنوسي.. لمحة تاريخيّة عن شخصه ودوره  

 

تزوج السيد/ محمّد المهدي بن محمّد بن علي بن السنوسي من السيدة/ عائشة أحمد البوسيفي (بوسيف ). وهي من منطقة الجبل الأخضر بشرق ليبيا، وأصول عائلتها من المنطقة الغربية، وقد كان والدها سيدي أحمد البوسيفي من كبار الإخوان السنوسيين. أنجب السيد/ محمّد المهدي من السيدة/ عائشة أحمد البوسيفي: السيد/ محمّد إدريس.

 

ولد السيد/ محمّد إدريس في واحة الجغبوب في 20 رجب 1307 هجري الموافق 12 مارس 1890م، وكان والده وقتذاك أميراً للحركة السنوسيّة. التحق السيد/ إدريس السنوسي بمدرسة زاوية "التاج" بالكفرة، لحفظ القرآن الكريم ودراسة الحديث والفقه والتاريخ وسائر العلوم الشرعيّة إلى جانب العلوم الأخرى كعلم الفك والحساب. رحل إلى برقة في عام (1902م)، وتوفى والده "السيد المهدي" في نفس العام الذي وصل فيه إلى برقة. وللسيد/ محمّد إدريس أخ واحد (غير شقيق) هو السيد/ محمّد الرضا، وهو يصغره بثلاث سنوات، ومن زوجة أبيه الثانية السيدة/ فاطمة عمران المنتمية إلى العائلات التي كانت تقطن بمنطقة الجبل الأخضر في شرق ليبيا. ولأخيه ( السيد/ محمّد الرضا ) أربعة أبناء والسادة هم: الصديق، مصطفى، السنوسي، الحسن. هذا، وقد رُزق السّيد محمّد الرضا بمولود قبل أبنه الحسن (وليّ العهد ) أسماه الحسن. توفي الحسن الأول قبل ولادة أخيه (وليّ العهد ) فسما الأب المولود الجديد على اسم أخيه الذي انتقل إلى رحمة الله.    

 

وللسيد/ محمّد إدريس السنوسي ثلاث أخوات، والسيدات هن: نفسية ، صفية، حُسنية. وكانت أخوات الملك إدريس يقمن قبل إستقلال ليبيا بمدينة درنة، وبعد الإستقلال أقامت السيدة/ حُسينة بمدينة طرابلس عدة سنوات ثم انتقلت للإقامة في بنغازي مقر إقامة أختيها واستقرت هناك إلى أنّ انتقلت إلى رحمة الله في عام 1966م،ودفنت في واحة الجغبوب. والسيدة/ نفسية ، والسيدة/ صفية أقامتا بعد انتقلهما من درنة في شقة في منطقة جليانة بالقرب من مبنى إذاعة بنغازي ثمّ انتقلتا إلى مدينة الحدائق بالفويهات الشرقيّة ببنغازي، وسكنتا في فيلا بالإيجار تقع مقابل فيلا المرحوم الحاج/ مصطفى علي بوقرين، وصاحبها السيد/ خليل العبار عضو مجلس النواب، وقد سكن العبار في الفيلا بعد خروج أختا الملك منها.

 

كان الملك إدريس يزور أختاه بشكل مستمر حيث كان ينتقل من مقر سكنه إلى مقر سكن أختاه – في شقة بشارع دريان بيلت بجانب مبنى الإذاعة أولاً ثمّ في فيلا العبار بمدينة الحدائق – بشكل طبيعي دون حراسات وترتيبات أمنية ولا يرافقه أحد سوى سائقه السيد/ مؤمن الفيتوري رحمة الله عليه.       

  

تزوج السيد/ إدريس أربعة مرات: أولاً من السيدة/ سكنية الشريف ثمّ من نفسية العيساوية ثمّ من السيدة فاطمة الشفاء أحمد الشريف ثمّ من السيدة/ عالية عبدالقادر باشا لملوم. أنجب من الأولى ولدان وتوفيا في سنة الطفولة ونفس الشيء حدث مع السيدة/ نفسية العيساوية. وقد انفصل السيد/ إدريس عن الاثنين قبل زوجه من السيدة/ فاطمة الشفاء أحمد الشريف. وتزوج من السيدة عالية لملوم ( الزواج الرابع ) في القاهرة بتاريخ 30 يونية 1955م، ولم ينفصل عن السيدة/ فاطمة الشفاء. لم يُكتب لزواجه من السيدة/ عالية عبدالقادر باشا لملوم التوفيق حيث انفصل الملك عنها بعد مضي تسعة أشهر تقريباً، ليعود سعيداً إلى السيدة/ فاطمة الشفاء أحمد الشريف.. (.. التي ما برح يحمل لها أعمق الود والوفاء) كما قال السيد/ دي كاندول.  

 

ويذكر أنّ السيد/ إدريس السنوسي تزوج من السيدة/ فاطمة الشفاء أحمد الشريف في عام 1930م في مصر. والسيدة/ فاطمة الشفاء هي بنت المجاهد الكبير/ أحمد الشريف ووالدتها هي: السيدة/ خديجة بنت سيدي أحمد الريفي، والذي كان من كبار الإخوان السنوسيين. ولدت في واحة الكفرة وترعرعت فيها. حضر عقد زواجها من السيد/ محمّد إدريس، ومن طرفها أخويها: السيد/ محي الدين والسيد/ إبراهيم.

 

وفي رواية للسيد/ محمّد بن غلبون بالخصوص..(.. حضر عقد الزواج: السيد/ محي الدين والسيد/ إبراهيم، واثنان من كبار الإخوان وهما سيدي عبدالقادر الزنتالي وسيدي الأخضر العيساوي. وكان المهر 25 قرشاً مصرياً و 7 قطع قماش ستة منها (6 ) قطنيّة وواحدة من القطيفة..).

 

وللسيدة فاطمة الشفاء ستة أخوة، والسادة هم: محي الدين، وإبراهيم، والعربي، وعبدالله، أبو القاسم، والزبير. ولها ثلاث أخوات، والسيدات هن: فاطمة الجغبوبية ( زوجة السيد/ السنوسي الرضا)، زينب (تزوجت من السيد/ شمس الدين الخطابي، وأنجبت منه السيد/ السنوسي شمس الدين وتوفيت مبكراً وأبنها لازال طفلاً رضيعاً )، السيدة/ فاطمة الكبرى ( تزوجت من السيد/ شمس الدين الخطابي بعد وفاة أختها السيدة زينب، ولم يرزقها الله بأطفال ).  

 

والسيدة/ فاطمة الشفاء منذ زواجها من أبن عمّها السيد/ إدريس السنوسي وهي توقع على كافة مراسلاتها باسم (فاطمة إدريس ) لشده حبها لزوجها وعظيم ارتباطها به، ولازالت الملكة فاطمة – أطال الله في عمرها – توقع بنفس الاسم حتى بعد وفاة الملك إدريس، وتسعد كثيراً أنّ تدعى بهذا الاسم. وهذا، ما أكده السيد/ محمّد بن غلبون في تعليقاته التي جاءت في هوامش الكتاب الذي ترجمه إلى العربيّة عن حياة الملك وعصره للمؤلف البريطاني ولد ايريك آمار فولي دي كاندول .

 

لم يحيا للملك إدريس والملكة فاطمة أطفال..{..فتبنيا أبن أخ الملكة السيد/ عمر العربي (حفيد سيدي أحمد الشريف) وكان يتيماً، وتعهداه بالعطف والرعايّة حتى أكمل تعليمه العالي، وتحصل على مؤهل في الكيمياء، وهو الآن مقيم ويعمل في لندن. كما قاما أيضاً بتبني فتاة جزائريّة السيدة/ سُليمة، ممن لجأوا إلى ليبيا أثناء حرب الجزائر ضد الفرنسيين، وهي التحقت أولاً بمدرسة البنات في طبرق ثمّ أصبحت مثقفة جداً تتحدث اللغات الفرنسيّة والإنجليزيّة والإيطالية إلى جانب العربية..}م27. واصلت السيدة/ سُليمة تعليمها في القاهرة بعد استيلاء القذافي على السلطة في سبتمبر 1969م، وتزوجت من رجل مصري ينتمي إلى عائلة عريقة من أصول باشاويّة أسمه الدكتور/ هشام رضوان، وهي تقيم حالياً في القاهرة.

 

وعوداً على سيدي إدريس.. فقد تزوج مولاي الملك بعد الملكة فاطمة – في 30 يونية 1955م – من السيدة/ عالية ابنة السيد/ عبدالقادر باشا لملوم وهو ثري مصري، ومن كبار أنصار السنوسيّة وكان صديقاً شخصياً للملك إدريس السنوسي. وعُقدَ عقد القران في مبنى السفارة الليبيّة بالقاهرة، وبحضور الرئيس الراحل جمال عبدالناصر، ورئيس الحكومة الليبيّة وقتذاك السيد/ مصطفى بن حليم. وتاريخ عقد زواج الملك من السيدة/ عالية الذي أوردناه أعلى الصفحة نقلناه عن كتاب السيد/ دي كاندول. أمّا الدكتور/ محمّد يوسف المقريف يؤكد في مجلدته الثاني: صفحات من التاريخ السياسي، بأنّ الزواج تمّ في 5 يونيو 1955م وليس كما ذكر دي كاندول في كتابه.

روى ليّ أحد أفراد العائلة السنوسيّة أنّ الملكة فاطمة الشفاء حملت عدة مرات وفي كلّ مرة تُسقط وحاملها لا يكتمل. وفي مرة واحدة أكملت شهور حملها وأنجبت مولوداً ذكراً بصحة جيدة إلاّ أنّ ذلك المولود عاش لعدة أيام أو شهر أو أكثر من شهر بقليل. أنجبت الملكة فاطمة الشفاء ولد في عام 1953م بمستشفى الملاحة بطرابلس إلاّ أنّ مولودها توفي بعد مدة قصيرة من ميلاده. شُيع جثمان الفقيد في موكب رسمي تقدمه الملك إدريس السنوسي بنفسه، دُفنَ الفقيد بمدينة طرابلس. وقد رثا الطفل الفقيد شاعر الوطن الراحل/ أحمد رفيق المهدوي في قصيدة من خمسة أبيات شعريّة، وربّما سيعاد نشر هذه الأبيات في وقت قريب.    

 

وختم ليّ الراوي قصة إنجاب الملكة فاطمة الشفاء وزواج الملك من السيدة / عالية لملوم، بقوله:..(.. على أية حال، ما أقدمَ عليه الملك إدريس السنوسي – يقصد زواجه من السيدة / عالية لملوم – له مسوغاته الشرعيّة ولم يكن بالأمر الغريب أو النادر وقتذاك على المجتمع الليبي. وبالتأكيد، إنّ مشاعر الملكة فاطمة الشفاء قد أصابها نوع من الاضطرابِ كأيّ إمرأة تمر بمثل ما مرت به إلاّ أنّها لم تعارض زواج الملك ولم تعبر لأحد عن معارضتها لهذا الزواج لأنّها تمنت من أعماقها أنّ ترى ذرية للملك ..).        

  

ومن جديد.. جاء بخصوص زواج الملك من السيدة / عالية لملوم في كتاب السيد/ دي كاندول، ما يلي:..{..أقتنع الملك على مضض بفكرة الزواج مرة ثانية. وتم الزواج في القاهرة بتاريخ 30 يونية 1955م، وطلعت الصحف القاهرية يومها تحمل صور الحفل التي بدا فيها الملك إدريس أشيب اللحية عليه مسحة من الحزن والكآبة وهو يصافح الرئيس جمال عبدالناصر الشاهد على عقد القران، وذكرت أنّ عمر الملك آنذاك 65 عاماً بينما كانت العروس في سن الثامنة والثلاثين.

 

وعلى أية حال.. لم يكتب لهذا الزواج الجديد التوفيق، فبعد مضي تسعة أشهر أنتهي كل شيء. وعاد الملك سعيداً إلى السيدة/ فاطمة التي ما برح يحمل لها أعمق الود والوفاء..}م28

 

هذا من ناحية أمّا من ناحية توليه لإمارة الحركة السنوسيّة فقد تولاها  عن أبن عمّه السيد/ أحمد الشريف.ويذكر أنّ  السيد/ أحمد الشريف تولى قيادة الحركة السنوسيّة كوصي بعد وفاة عمّه السيد/ محمّد المهدي في عام 1902م. كان السيد/ أحمد الشريف مؤمناً بطريق واحد فقط مع المستعمر الغازي ألا وهو الاستمرار في طريق المواجهة المسلحة معه مهما كانت ظروف المواجهة وطبيعة النتائج على الأرض. فقد طلب بعض رفاق السيد/ أحمد الشريف ذات مرة منه أبرم هدنة مع العدو لأنَّهم متعبون مرهقون من مواجهات مع قوى كبرى على جبهات متعددة، فقال لهم مقولته الشهيرة:..(.. والله أحاربهم ولو بمفردي، وبعصايَ هذه التي استندُ عليها..).

 

جمع السيد/ أحمد الشريف بعد قصف إيطاليا لطرابلس وباقي المدن الليبيّة الأعيان والشيوخ وتداول معهم الأمر ثمّ  أصدر أوامره وتعليماته بالوقوف ضد الأطماع الإيطاليّة ومقاومة هذا الغزو. {.. وأصدر نداءه المشهور يحث أهالي البلاد على الجهاد ضد العدو، ويعلن فيه نبأ اعتزام النزول إلى ميدان القتال..}م29.

 

سلمَ السيد/ أحمد الشريف إمارة الحركة لوريثها الشرعي في عام 1916م. وأضطر في عام 1918م إلى مغادرة ليبيا مرغماً، وذلك حينما أرسلت له السلطات التركيّة غوّاصة ألمانيّة جاء على ظهرها – وكما سجل د/ محمّد المفتي–، ..(..السيد/ يوسف بن شتوان – عضو من الأعضاء الثمانيّة في مجلس المبعوثان العثماني (13) – لنقل السيد/ أحمد الشريف وصحبه إلى تركيا..). وكان في توديع  السيد/ أحمد الشريف عند مغادرته لليبيا مجموعة من الأعيان والمشايخ، وعلى رأسهم، الشيخ/ عبدالحميد العبار. ويروى أنّ السيد/ أحمد الشريف أوصى الشيخ/ عبدالحميد العبار أثناء توديع الثاني له: أنّ يطيع الأمير إدريس، ويلتزم بتوجيهاته، ويسعى لتوحيد صفوف الليبيّين . وقد ظل الشيخ/ عبدالحميد العبار وفياً للملك إدريس السنوسي إلى أخر يوم في حياته.   

         

والحاصل.. قاد السيد/ أحمد الشريف في فترة من فترات إمارته للحركة السنوسيّة المجاهدين الليبيين في مواجهات مسلحة على أكثر من جبهة قتال، وتمكن.. {.. بقواته من احتلال واحات الداخلة والفرافرة وسيوة، وقد أثار هذا العمل حفيظة قيادة الحامية البريطانية في مصر التي كانت تمتلك قوات ضخمة موزعة ما بين الإسكندرية والقاهرة وقناة السويس ودفعها إلى إرسال بعض من قواتها لرد هجومه على أعقابه، ودفعته ومن معه تحت ضغط قوة هجومها الكاسح إلى التقهقر وسلوك طريق الصحراء الداخلي من سيوة والجغبوب وجالو وأوجلة ثم إلى سرت ومنها إلى العقيلة، ثمّ البريقة حيث نقلته من ساحلها غواصة ألمانية، بعثتها له السلطات التركية إلى دار الآستانة، وانتهت بذلك زعامته لحركة المقاومة والجهاد في ليبيا التي انتقلت منذ ذلك الحين إلى أبن عمّه السيد محمّد إدريس السنوسي..}م30.

 

تولى السيد/ إدريس السنوسي إمارة الحركة السنوسيّة في عام 1916م، وسعى منذ توليه لزمام الأمور دفع القضيّة الليبيّة خطوات متقدمة إلى الأمام معتمداً على نهج حركي ينظر إلى العمل السياسي على أنّه طريق هام من طرق مقاومة العدو ومواجهته. فغلّب كفة العمل السياسي على كفة العمل العسكري بحكم ضغوطات الواقع وظروف المرحلة وإمكانيات المواجهة المتواضعة وقتذاك حيث أنّ إمكانيات المقاومة المتاحة لليبيين حينذاك كانت لا تقارن  بأي شكل من الأشكال بإمكانيات الجيوش الغازية، علاوة، على الثمن الباهض الذي دفعه الليبيون – نصف تعدادهم السكاني/ حوالي مليون شهيد – في مواجهة الغزو الإيطالي، وحاجتهم إلى هدنة تخفف من وطأة الحصار المضروب عليهم.      

 

دخل السيد/ إدريس بن المهدي السنوسي في النصف الثاني من عشرينات القرن الماضي في مفاوضات مع إيطاليا..{.. بعد أنّ فرضت المفاوضات نفسها عليه كنتيجة للحرب التي ورط الأتراك فيها المجاهدين الليبيّين ضد بريطانيا.. وبعد أنّ سادت المجاعة في كافة أرجاء البلاد وانتشرت الأمراض ومات البشر والدواب على حد السواء من شدة القحط. لم يكن أمام السيد/ إدريس السنوسي إلاّ أنّ يجد حلاً ينتشل البلاد من هذه الورطة، ووسيلة تفك الحصار المضروب على المجاهدين وذويهم، بل، على أهل البلاد عامة. وبالطبع فإن هذا الحل لن يأتي إلاّ  بفتح الحدود بين مصر وليبيا في بلدة السلوم حتى يمكن للمؤن والعتاد الحربي من الوصول إلى مناطق البلاد المتفرقة، وهذا ما لا يمكن تحقيقه دون التوصل إلى تفاهم مع السلطات البريطانيّة. 

 

ومن هنا.. طلب السيد/ إدريس السنوسي الاجتماع بالبريطانيين لإقناعهم بالسماح للإمدادات بالمرور من الحدود المصريّة، ولم تمانع السلطات البريطانية في الاجتماع بالسنوسي والوصول معه إلى إتفاق بهذا الخصوص تحت ظل شرط واحد وهو أنّ يكون الاجتماع بين الأطراف الثلاثة: الوفد الليبي والسلطات البريطانيّة والإيطاليّة...}م31.

وافق السيد/ إدريس السنوسي على الشرط البريطاني، ودخل في مفاوضات مريرة مع الإيطاليين.. مفاوضات الزويتينة (من يوليو إلى سبتمبر 1916م).. مفاوضات منطقة عكرمة القريبة من مدينة طبرق ( من يناير إلى أبريل 1917م).. مفاوضات الرجمة (14) وأبو مريم وصولاً إلى اجتماع السيد/ إدريس السنوسي بوزير المستعمرات الإيطالية أمندولا في عام 1922م في منطقة غوط الساس بالقرب من جردس العبيد، والذي قرر بعده أيّ السيد/ إدريس السنوسي الرحيل إلى خارج ليبيا ليتابع حركة كفاحه العسكري والسياسي من مصر.

 

تعرض السيد/ إدريس السنوسي لبعض حملات التشكيك التي وصفته بالإنقلابي الذي أزاح ابن عمّه ليتولى هو قيادة الحركة السنوسيّة !.. وبالخائن الذي تآمر مع العدو لقتل قائد المقاومة (السيد/ أحمد الشريف) ليتمكن من تحقيق مآربه الخاصة !.. وبالفار إلى الخارج من أجل سلامته الشخصيّة تاركاً عبء مسئوليّة معركة التحرير تقع على كاهل الشيخ عمر المختار وحده !.

 

لم يُقدم سيدي إدريس السنوسي حينما قرر الهجرة على شيء كان مخالفاً لمواريثنا الثقافيّة ونصوص معتقداتنا الإسلاميّة. فللهجرة منزلة عظيمة في تاريخنا الإسلامي، وأجراً عظيماً طبقاً للنص القرآني. فقد هاجر بعضاً من المسلمين إلى الحبشة عند النجاشي الملك العادل الذي كان لا يٌظلم عنده أحد قاصديه.. ..(.. حفظ أنفسهم في مكان آمن حتى لا يستأصل الإسلام بالكليّة إذا تعرض المسلمون في مكة للإبادة. أمّا الهجرة من مكة إلى المدينة فكان الغرض منها الاستعداد والإعداد لإقامة الدولة..)، كما جاء في مقالة الداعية المصري الطبيب/ راغب السرجاني : في ظلال الهجرة النبوية، المنشورة على الموقع الإلكتروني " إسلام أون لاين" .   

 

فالهجرة ليست فرار ولا هروب إنّما هي تعبير عن موقف، وبحثُ عن طريق للخلاص من الظلم والقهر والاستبداد وليست بحثاً عن الراحة والترف والحياة الأفضل. والهجرة ليست بالقرار السهل ولا الأمر الهين ولا الطريق المفروش بالورود. وهي تعني ترك الوطن والدار، وربّما الأهل وعدد من الأقارب والأحباب.. وتعني ترك مسقط الرأس وعالم الطفولة والذكريات، وربّما ترك المال والأعمال.. وتعني مواجهة تبعيات الغربة الأمنيّة والنفسيّة والماليّة والأسريّة.. وتعني الإعداد والاستعداد لخوض معركة التحرير والخلاص من قوى الظلم والطغيان والاستبداد. 

 

أنّ الذين يشككون في موقف سيدي إدريس السنوسي الوطني ويعتبرون هجرته هروباً وتقصيراً لا ينظرون إلى مكانة   الهجرة في التاريخ والفقه الإسلامي ولا إلى أجر المهاجر في سبيل الله كما جاء في النص القرآني. وموقفهم التشكيكي هذا ينطبق مع ثقافة زرع بذورها حكام المنطقة العربيّة الطغاة الذين صادروا حقوق الناس وكافة وسائل الإعلام والتعبير ووصفوا من تمكن من الهجرة والإفلات من قبضتهم الحديدية بالخائن والعميل أو الكلب الضال كما يحلو للقذافي وصف خصومه ومعارضيه. بل، أنّ شخصاً طاغيةُ كالقذافي اعتبر الهجرة في صدر الإسلام الأول – والعياذ بالله – بمثابة الهروب والخوف والتقصير أو كما قال الأستاذ/ عبدالحميد البكوش..(.. ألغى القذافي التاريخ الهجري وحل محله التاريخ بموعد وفاة الرسول عليه الصلاة والسلام لأن القذافي يرى في الهجرة مجرد هروب وتقصير..).     

 

لقد حمى الله سيدي إدريس السنوسي من مكر الطليان وكيدهم فيسر له أمر الخروج مهاجراً من برقة إلى مصر. وبعد وصول سيدي إدريس إلى مصر بدأ على الفور في التفاوض من أجل إيجاد منافذ لإيصال المؤن والعتاد إلى الليبيين في الداخل.. وتجميع كلمة المهاجرين وتوحيد صفهم.. وتكوين شبكة واسعة من المناصرين لقضية الشعب الليبي.. ونهج طريق يحقق استقلال ليبيا وبناء دولتها، فأسس نواة حربية مقاتلة (الجيش السنوسي) التي بدأت عملها العسكري بتحالفها مع بريطانيا لطرد الإيطاليين من ليبيا. تمكن سيدي إدريس السنوسي من طرد الإيطاليين من ليبيا بعدما دخل جيشه من مصر متحالفاً مع البريطانيين ( تحت لواء الجيش الثامن البريطاني ). واستطاع بعد طرد إيطاليا من الأراضي الليبيّة توظيف الوسائل الدبلوماسيّة والسياسيّة لأجل بناء الدولة وتحقيق الاستقلال، فتمكن ببراعة فائقة ودهاء متقطع النظير من انتزاع اعترفاً من المجتمع الدولي باستقلال ليبيا وذلك حينما تبنّت الجمعيّة العامّة للأمم المتحدة بتاريخ 21 نوفمبر 1949م  قراراً يمنح ليبيا استقلالها قبل حلول سنة 1952م. وتحقق استقلال ليبيا في 24 ديسمبر 1951م.  

 

لم يُسخر السيد/ إدريس السنوسي وقته للرد على الحملات المغرضة ضده إنّما سخر وقته للعمل من أجل تحقيق مصالح الوطن العليا. ولم يعير أيّ اهتمام يذكر لتلك الحملات المغرضة لأنّه كان مؤمناً بأنّ الله لن يخذله، وأنّ الأيام ستثبت حسن نواياه ومقاصده. ولأنّه كان مقتنعاً بأنّ تلك الحملات تنطلق أمّا من هوى قبلي أو جهوي أو حقد شخصي، ولذا، لا تستحق الرد عليها، فالأقاويل تذهب مع الريح إلى خانة الإفتراءات، والتاريخ لا يسمح للإفتراءات أنّ تستقر بين صفحاته. ولكن، حينما كتب الشيخ الطاهر الزاوي كتاباً عنوانه ( عمر المختار: الحلقة الأخيرة من الجهاد الوطني في طرابلس الغرب )، والذي أثار ضجة بين صفوف الليبيّين في المهجر (مصر ) وغضب الموالين للأمير إدريس السنوسي، وأثار غضب الأمير لما حمله من مغالطات واتهامات وأقاويل لا أساس لها من الصحة، لدرجة أنّ الأمير إدريس السنوسي تقدم بدعوة ضد الشيخ الزاوي في المحاكم المصريّة. وجاء بخصوص هذه الحادثة في مقالة: الشيخ الطاهر الزاوي.. سيرة مؤرخ ومسيرة مزاج للدكتور فرج نجم – مجلة عراجين العدد الثالث/ يناير 2005م – ما يلي:..(.. بالرغمّ من أنّ الشيخ الطاهر الزاوي كان ممن أتى له – يقصد السيد/ إدريس السنوسي – بالبيعة الطرابلسيّة فيما عُرف بهيئة الإصلاح التي سافر وفدها إلى مدينة إجدابيا سنة 1922م لتوحيد كلمة أهل البلاد وإصلاح ذات البين، ولكنّ سرعان ما انقلب عليه وكتب كتابه الشهير الذي عنونه ب" عمر المختار: الحلقة الأخيرة من الجهاد الوطني في طرابلس الغرب". هذا الكتاب دفع الشيخ العلامة محمّد الأخضر العيساوي – وهو من علماء الزنتان وإخوان السنوسيّة – بالرد على الشيخ الزاوي بكتاب عنونه ب" رفع الستار عمّا جاء في كتاب المختار" جمع فيه آفات وهفوات الشيخ المفتي، ولم يقف الأمر عند ذلك، بل، رفع السيد/ إدريس شكوى ضد شيخنا في المحاكم المصريّة..). انتهى كلام الدكتور/ فرج نجم. 

 

ويروى أنّ الشيخ الطاهر الزاوي لم يزر ليبيا منذ إعلان إستقلالها وتولي الملك إدريس السنوسي للحكم في ديسمبر 1951م حتى إنقلاب سبتمبر 1969م إلاّ مرة واحدة، وذلك في عام 1964م.  

 

وعودة إلى المفاوضات مع الإيطاليين، وبشيء من الاستطراد، أؤكد بأن كبار المجاهدين الليبيين شاركوا في تلك المفاوضات، وعلى رأسهم السيد/ عمر المختار. وأنَّ ما يقال حول خلاف الشيخ/ عمر المختار مع السيد/ أحمد الشريف والسيد/ محمّد إدريس بن محمّد المهدي بسبب خروج الأول إلى تركيا، ولجوء الثاني إلى مصر وترك عبء مسئولية معركة التحرير تقع على عاتق الشيخ وحده !، هو قول لا أساس له من الصحة. كذلك، ما يقال حول خلاف الشيخ/ عمر المختار مع السيد/ محمّد إدريس بن محمّد المهدي حول مسألة التفاوض مع الإيطاليين!، وخلاف السيد/ أحمد الشريف حول نفس المسألة مع السّيد/ محمّد إدريس !، هو قول لا يستند إلى دليل قاطع يثبت هذا الزعم. فالسيد/ أحمد الشريف لم تنقطع صلته وعلاقته بالشيخ عمر المختار وغيره من قادة الجهاد على الأرض الليبيّة بعد خروجه مجبرّاً من ليبيا، بل، علاقة التشاور والتنسيق بين الشيخ والسيد/ الشريف ازدادت تشابكاً وترابطاً منذ تعيين الأمير إدريس السنوسي للشيخ عمر المختار – قبل خروج الأمير إلى مصر – نائباً له وقائداً للجهاد العسكري. وأنّ علاقة السيد/ أحمد الشريف بالسيد/ محمّد إدريس بن محمّد المهدي هي علاقة أكبر من أنّ يؤثر عليها أي خلاف في وجهات النظر، وأنّ السيد/ أحمد الشريف هو الذي ترك الإمارة لوريثها الشرعي بعد بلوغ الوريث السن التي تؤهله لإمارة الحركة السنوسيّة، وهو من زوج ابنته (السيدة/ فاطمة الشفاء) للسيد/ محمّد إدريس السنوسي في عام 1930م – والسيد/ أحمد الشريف توفي في مارس 1933م.    

 

أيضاً، هو من طلب من السيد/ بشير بك السعداوي في لقاء جمعهما في الشام الإلتفاف حول الأمير إدريس كما أكد الدكتور/ محمّد المفتي في دارسة له، حيث قال:..{..قابل السيد/ الشريف في الشام السيد/ بشير بك السعداوي، وأخذ عليه العهد العظيم والميثاق على كتاب الله أنّ يسعى للتفاهم ما بين القطرين الطرابلسي والبرقاوي وأنّ يسعى لتوحيد الصفوف والإلتفاف حول الأمير إدريس..}م32

 

وهو من قال أيّ السيد/ أحمد الشريف للملك عبدالعزيز: (..الأمير إدريس السنوسي ينوب عني شخصياً..). ففي مناقشة دارت بين الاثنين في بيت الشيخ محمّد حسين نصيف بجدة، أبدى الملك عبد العزيز استعداده تقديم ضمانات للسيد/ أحمد الشريف وإدخاله بموافقة إيطاليا في المفاوضات الجارية مع السّيد/ إدريس السنوسي، إلاّ أنّ السيد/ أحمد الشريف رفض عرض الملك عبدالعزيز قائلاً له:..(.. أنَّ الأمير إدريس السنوسي موجود في برقة وينوب عنه شخصياً وعن أهل برقة..). هذا ما ورد في كتاب: الفوائد الجليّة للشيخ/ عبدالملك بن علي، ونقله السيد/ محَمّد بن غلبون كحاشية توضيحيّة في الكتاب المترجم للسيد/ دي كاندول:" الملك إدريس عاهل ليبيا، حياته وعصره ".

 

وكتاب: الفوائد الجليّة صدر في دمشق عن دار الجزائر العربيّة عام 1966م، وفي أكثر من جزء. ومؤلفه هو أحد تلاميذ السيد/ أحمد الشريف. والمؤلف هو الشيخ/ عبدالملك بن علي، واسمه كاملاً هو: عبدالملك عبدالقادر بن علي الدرسي – من قبيلة الدرسه بشرق ليبيا. أوفده أنور باشا إلى تركيا لغرض الدراسة، واتمم دراسته هناك. ثمّ ألتحق بالسيد أحمد الشريف بعد وصوله مباشرة إلى تركيا، ومنذ ذلك الحين ظل الشيخ/ عبدالملك بن علي يرافقه وينظم لقاءاته ومواعيده (سكرتير خاص ) إلى مارس 1933م تاريخ وفاة السيد/ أحمد الشريف. استقر الشيخ عبدالملك في السعوديّة ومنحت له الجنسيّة، ولم ينقطع طوال فترة حياته عن زيارة أخوته وأهله وأقاربه في ليبيا، وكانت أخر زياراته لليبيا في عام 1994م، وتوفي في السعوديّة في شهر يونيو من عام 1996م. وكتاب: الفوائد الجليّة..(.. هو السيرة الأوثق للسيد/ أحمد الشريف، لأنّ مؤلفه هو تلميذ وكاتب السيد/ أحمد الشريف ورفيقه في الهجرة لمدة خمسة عشر عاماً وحتى وفاته. ورغم أسلوب الكتاب العتيق إلاّ أنّه من المراجع الأساسيّة للتاريخ الليبي الحديث، وربّما وجب تحقيقه وطباعته وتداوله..)، كما قال د/ محَمّد المفتي.       

            

وعودة إلى الموضوع، وإلى الشيخ عمر المختار تحديداً.. فارتباط الشيخ بالسنوسيّة كان ارتباطاً روحياً بكل ما يعني هذا الوصف من معنى أو ما يعرف عند الصوفيين بعلاقة "المريد بالشيخ"، فكان سيدي عمر المختار سنوسي ويحب السنوسيين حباً جما أو كما قال أبنه: محمّد عمر المختار، وباللهجة الليبيّة، في مقابلة أجراه معه الأستاذ/ خالد المهير، ونشرت على موقع "ليبيا اليّوم"..(.. كان السنوسيون غاليين عليه واجد ويعزوا عليه ).   

كان الشيخ/ عمر المختار يعلم علم اليقين أنّ السيد/ أحمد الشريف سافر إلى تركيا جبرّاً لا هروباً، ولذا، لا يمكن أنّ يكون قد اختلف معه حول مسألة خروجه، وهذا، ما تؤكده الإتصالات بين الرجلين، فقد ظل الشيخ على إتصال وتشاور دائم مع السيد/ أحمد الشريف طوال فترة قيادته الميدانية لمعارك التحرير من  1923م إلى عام 1931م – تاريخ استشهاد عمر المختار.     

 

وكان الشيخ عمر المختار يوقع على محاضر إتفاقيّات الهدنة وغيرها بالاسم التالي: خادم الحضرة السنوسيّة / عمر المختار. وكان آخر تفاوض شارك فيه الشيخ/ عمر المختار هو لقاءه بالمارشال بادوليو قبل أنّ يدخل في هدنة لمدة شهرين قابلة للتجديد. وتؤكد الوثائق التاريخيّة أنّ الشيخ قال لبادوليو في تلك المقابلة:  (.. أذهب إلى الأمير إدريس السنوسي، فأنا مجرد جندي أتلقى الأوامر منه. فإذا قال ليّ السنوسي توقف توقفت أما إذا ما قال ليّ أستمر فلن يكون ليّ خيار أخر غير الاستمرار..). وروى المؤرخ الليبي الأستاذ/ الطيِّب الأشهب في كتاباته بعض ما قاله الشيخ عمر المختار رداً على عملاء الطليان الذين حالوا – وبإيعاز من السلطات الإيطاليّة –  الإيقاع بينه وبين السنوسيّة، وإقناعه بالإقلاع عن فكرة مواجهة السياسات الإيطاليّة، فقال الشيخ عمر المختار لهم:.. (.. إنّني أعرف أنِّ قيمتي في بلادي، إذا كانت ليّ قيمة أنا وأمثالي، فإنِّها مستمدَّة من السنوسيّة..).     

  

والزيارة التي قام بها الشيخ عمر المختار في مارس 1923م لمصر، ومقابلته للأمير إدريس السنوسي في السنة الأولى من وصول الأمير إلى مصر تؤكد تأكيداً مادياً على العلاقة الوطيدة بين الرجلين، وتدحض بالبرهان القاطع كلّ ما يقال حول خلاف الشيخ مع الأمير. ولمزيد من التأكيد على علاقة الشيخ القويّة المتينة بالأمير إدريس السنوسي أروي ما نقله د/ محمّد يوسف المقريف في موسوعته التاريخيّة نقلاً عن الأستاذ/ الطيِّب الأشهب – المجلد الأول: ليبيا بين الحاضر والماضي.. صفحات من التاريخ السياسي. وجاء في نقل الدكتور المقريف، ما يلي:..{.. أثناء زيارة الشيخ / عمر المختار لمصر في شهر مارس / آذار 1923م حاول جماعة من أبناء قبيلته "المنفه " المقيميّن بمصر أنّ يقابلوه للترحيب. فاستفسر السيد/ عمر المختار، قبل أنّ يأذن لهم بذلك، عمَّا إذا كانوا قد سعوا لمقابلة الأمير إدريس السنوسي عند وصوله في يناير/ كانون الثاني 1923م إلى مصر، فلمَّا علمَ من إجابتهم أنَّهم لم يقوموا بذلك الواجب لأسباب عائلية قهرية رفض سي عمر مقابلتهم قائلاً:..".. وكيف تظهرون لي العناية وتحضرون لمقابلتي، وأنتم الذين تركتم شيخي الذي هو وليّ نعمتي وسبب خيري !؟ – الأمير إدريس – .. أمَّا وقد فعلتم ذلك فإنّي لا أسمح لكم بمقابلتي ولا علاقة من الآن بيني وبينكم.."..}م33.         

     

وقد أكد الشيخ عمر المختار في مقابلته مع الأمير إدريس السنوسي على ضرورة بقائه في المرحلة الحاليّة في مصر لأنّ في ذلك خدمة جليلة للقضيّة الليبيّة. هكذا، كانت العلاقة بين الشيخ/ عمر المختار والأمير إدريس السنوسي – علاقة قوية وطيدة كما وصفها السيد/ مصطفى بن حليم في كتابه: انبعاث أمّة.. وسقوطُ دولة. 

 

وربّما هذا المقام يستدعي منا الوقوف قليلاً عند مسألة قبول القبائل الكبيرة في برقة لقيادة الشيخ عمر المختار المنتمي إلى قبيلة صغيرة !، لأنّ الوقوف عند هذه المسألة يفيد السياق الذي نتحدث عنه. فمن المعروف أنّ الشيخ عمر المختار ينتمي إلى قبيلة المنفه، وهي قبيلة صغيرة مقارنة بالقبائل الأخرى في برقة كقبيلة العبيدات والعواقير والبراعصة.. وغيرها. ولا أظن أنّ العرف القبلي السائد وقتذاك كان بإمكانه أنّ يسمح لشخص ينتمي إلى قبيلة صغيرة أنّ يقود مجاهدين ينتمون إلى قبائل كبيرة لولا مبايعة تلك القبائل للسيد/ إدريس السنوسي وقبولها بالسنوسيّة كمرجعيّة يحتكم إليها الجميع.  فقبول القبائل الكبيرة بقيادة الشيخ عمر المختار يرجع في المقام الأول إلى التزام تلك القبائل بالتعليمات الصادرة من قيادة حركة المقاومة وولائها للسنوسيّة، فالشيخ عمر المختار هو شيخ زاوية القصور السنوسيّة، ومُكلف من قبل السيد/ إدريس السنوسي بقيادة الجهاد العسكري. وهذا لا يلغي بأيّ شكل من الأشكالِ القدرات والصفات والشمائل التي ميزت شخصيّة الشيخ عمر المختار عن غيره من الشخصيّات إنّما يحلل هذه المسألة من باب النظر إلى العوامل التي ساعدت هذا الرجل العملاق المنتمي إلى قبيلة صغيرة ليصبح قائداً لأدوار كافة القبائل في برقة بما فيها القبائل الكبيرة. 

 

وربّما استطرد هنا لأقول بأنّ الشيخ/ عمر المختار ولد في عام 1862م بقرية جنزور الشرقيّة التي تبعد عن مدينه طبرق حوالي 90 كيلوا متر شرقاً، وتربّى يتيماً بعد أن توفي والده وهو في طريقه إلى مكة المكرمة لأداء فريضة الحج. وتكفل الشيخ/ حمد الغرياني برعاية الشيخ عمر المختار واعتنى به كاعتنائه بابنه الشاف باشا الغرياني. تلقى الشيخ عمر المختار تعليمه في الزّوايَا السنوسيّة حتى صار شيخاً متفقهاً في الدين، وترأس فيما بعد أحدى الزّوايَا السنوسيّة – زاوية القصور. قد ظهرت صفات الشيخ عمر المختار النبيلة وأخلاقه الرفيعة منذ وقت مبكر كما ظهرت نباهته وذكائه الأمر الذي جعل شيوخ السنوسيّة وزعمائها يُوكلون إليه المهام الصعبة ويفوضونه بالإنابة عنهم في بعض مناطق البلاد. شارك الشيخ عمر المختار في فترة شبابه في الجهاد ضد القوات الفرنسيّة في المناطق الجنوبية. وبعد عودته من معارك الجهاد عينته القيادة السنوسيّة شيخاً لإحدى زّوايَاها ( زاوية القصور ). وقبل أنّ يغادر الأمير إدريس السنوسي ليبيا متجهاً إلى مصر في شهر نوفمبر من عام 1922م، عينه قائداً للجهاد العسكري ضد قوات إيطاليا نيابة عنه. وقاد الشيخ عمر المختار الجهاد الليبي ضد الطليان في الفترة الواقعة من بين 1923م إلى 1931م. وقد حكمت إيطاليا عليه – بعد أسره – بالإعدام. جيء بالشيخ عمر المختار في 15 سبتمبر 1931م إلى مبنى البرلمان البرقاوي بمدينة بنغازي ، وكان مكبلاً بالسلاسل تظهر على قميصه بقع من الدم حيث كان قد جرح في يده قبل أنّ يلقي الإيطاليون القبض عليه. عًقدت للشيخ محكمة صوريّة داخل قاعة البرلمان، واستغرقت محاكمته حوالي ساعة وخمس عشرة دقيقة. كلفت المحكمة مترجم يدعى "نصرت هرمس" ليترجم إجابات الشيخ من العربيّة إلى الإيطاليّة إلاّ أنّ المترجم تأثر بشخصيّة الشيخ وقوة إيمانه وصلابته ووقاره فلم يتمكن من القيام بمهمته، فاعتذر عن مواصلة الترجمة، فأسندت المحكمة مهمة الترجمة إلى شخص أخر يدعى "لمبوزو ". أصدرت المحكمة على الشيخ حكمها بإعدامه شنقاً (15) . وأرغم الإيطاليون حوالي عشرين ألفاً من المواطنين الليبيّين لرؤيّة مشهد تنفيذ الإعدام الرهيب في الشيخ البطل، فساقوهم سوقاً إلى ساحة الإعدام. نفذ حكم الإعدام شنقاً في الشيخ عمر المختار صباح يوم الثالث من جمادي الأوّل 1350 هجري الموافق 16 سبتمبر (أيلول ) 1931م، وتمت عملية إعدامه في قرية سلوق غرب مدينة بنغازي.

 

وبلا شكّ.. أنّ شيخ الشهداء عمر المختار كما نسميه في ليبيا هو من قاد الجهاد العسكري ميدانياً من نوفمبر عام 1922م إلى سبتمبر من عام 1931م – تاريخ استشهاده. وقد كان يقود الجهاد بتنسيق دائم ومستمر مع الأمير إدريس السنوسي حيث كان يتلقى الأوامر والتعليمات منه من مقر إقامته في القاهرة.

 

ولا يفوتني قبل نهاية هذه الفقرة الإشارة إلى محاولات الفصل التعسفي التي تهدف لفصل تاريخ الشيخ عمر المختار عن تاريخ الحركة السنوسيّة، وتسعى للإساءة إلى السادة السنوسيّة. وأحدى هذه المحاولات فيلم "عمر المختار" !. فقد تعمّد القذافي فصل تاريخ الشيخ عمر المختار عن تاريخ الحركة السنوسيّة حينما كلف المخرج العالمي/ مصطفى العقاد بإخراج فيلم "عمر المختار"، وتعمّد تشويه صورة بعض كبار المشايخ والأبطال المخلصين كتزوير الفيلم لدور العالم المجاهد الشارف باشا الغرياني ( أحد أعضاء حكومة إجدابيا )، والإساءة إليه وللسادة السنوسيّة. أو كما قال الدكتور/ فرج نجم..{.. يعد الدور الذي لعبه الممثل الإنجليزي القدير جون غليوغود (John Gielgud) في أقل من خمس دقائق – في فيلم عمر المختار – إساءة إلى المجاهد الشارف باشا الغرياني، وكذلك، السادة السنوسيّة..}م34.

 

وهذا، يذكرني بإشارة مبكرة وردت في اليوم الأول من استيلاء القذافي ورفاقه على السلطة حيث صاغ الإنقلابيون في بيانهم الأول الصادر في الأول من سبتمبر1969م جملة تدل على أنّ نواياهم متجهة نحو التزوير وتحريف التاريخ وتشويه صورة من أسسوا الدولة وصنعوا لليبيا تاريخها الحديث، والجملة جاءت على النحو التالي:..(.. يا من شاركتم عمر المختار جهاداً مقدساً من أجل ليبيا والعروبة والإسلام، ويا من قاتلتم مع أحمد الشريف قتالاً حقاً..). هكذا، كانت بداية التزوير والتشويه – ومنذ اليوم الأول – حيث فصلَ البيان المذكور تاريخ الشيخ عمر المختار عن تاريخ الحركة السنوسيّة، وذكر إسم السيد/ أحمد الشريف دون أنّ يذكر اسم عائلته ( العائلة السنوسيّة)، أو يُشير إلى الدور الذي لعبته الحركة السنوسيّة التي تولى هو – أيّ السيد/ الشريف – إمارتها بعد وفاة عمه السيد/ محمّد المهدي السنوسي في عام 1902م.     

      

وبعد هذه الاستطرادات نعود لسيرة الملك إدريس وتاريخه، وتحديداً، من محطة المفاوضات. فقد وظف السيد/ إدريس السنوسي حضور الوفد البريطاني للمفاوضات خير توظيف، واستطاع بذكائه الشديد تأجيل مطلب السلطات الإيطاليّة القاضي بفك أسر الجنود الإيطاليين بحجة أن هؤلاء تم أسرهم من قبل السيد/ أحمد الشريف ولا يمكنه إطلاق سراحهم إلاّ بعد موافقة السيد/ الشريف على ذلك. واستطاع أيضاً، وبمهارة فائقة، تأجيل الاستجابة للمطلب الطلياني القاضي بتسليم المجاهدين للسلاح حيث تعمّد مماطلتهم إلى اتضاح الصورة بشكل لا لبس فيه. واستطاع أنّ يحقق هدنة كان لابد منها ليتمكن المجاهدون من التقاط أنفاسهم، وأعداد جيشهم لمعركة قادمة!، و تمكن كذلك من انتزاع حكماً ذاتياً لبرقة (حكومة إجدابيا ) بعد مفاوضات طويلة ومريرة مع الطليان، والتي انتهت في نوفمبر 1920م بتوقيع الإتفاقيّة...{.. التي عرفت باسم "معاهدة الرجمة" وكان أهم شروطها هو الاعتراف بالسيد/ إدريس السنوسي كأمير سنوسي لإدارة الحكم الذاتي بحيث يشمل نطاقها واحات: الجغبوب وجالو والكفرة ويكون مقرها في إجدابيا..}م35. وهذا الحكم الذاتي وصفه السيد/ محمّد بن غلبون في الإضافات التي كتبها كحواشي في كتاب كاندول: "الملك إدريس عاهل ليبيا .. حياته وعصره "، وجاء وصفه على النحو التالي..(.. استطاع سيدي إدريس السنوسي انتزاع الاعتراف الرسمي الأول بميلاد الدولة الليبيّة، وأصبحت حكومة إجدابيا أول حكومة وطنيّة برقاويّة..).

 

وصحيح أنّ حكومة إجدابيا لم تدم طويلاً إلاّ أنّها كانت تجربة هامّة جداً بالنسبّة لليبيين، وتجربة حديثة جديدة – وقتذاك –  على المنطقة العربيّة، وربّما، كانت ليبيا أوّل دولة عربيّة تمر بهذه التَّجربة !.

 

ولابُدَّ أنّ نذكر هنا بأنّ حكومة إجدابيا أسقطها الإيطاليون وتعاون معهم في هذه المهمة عددُ لا يستهان به وقتذاك من الليبيين !. وذلك بدخول فيلق عسكري قوامه 7000 (سبعة ألاف ) مجند ليبي إلى مدينة إجدابيا !. ولو رجعنا لحقبة حكم الإدارة البريطانيّة لإقليمي برقة وطرابلس – بعد هزيمة إيطاليا – سنجد ملفات محاكمات الليبيّين المتعاونين مع الطليان . 

 

والحاصل.. لم تستمر حكومة إجدابيا طويلاً لأنّ إيطاليا أرادت التخلص من اتفاقاتها، فرأت السبيل إلى ذلك هو قتل السنوسي لأنّ قتله سيربك حركة المقاومة باعتباره قائداً للمجاهدين، وسيجنبها ضغطاً سياسياً دولياً يُمارس عليها ما كان له أنّ يكون لولا وجود السنوسي. خططت إيطاليا لإغتيال السيد إدريس السنوسي فدست له السم لقتله إلاّ أنّ إرادة الله أنجته، وأثر هذا التسميم على أحباله الصوتيّة فبعدما كان صوته جهوراً شابته بحة لا تخطئها آذان السامعين، كذلك، أثر على قلبه فتأثرت صحته بوجه عام. قرر السيد إدريس السنوسي الرحيل إلى مصر ليستأنف دوره الجهادي على أرض تمنحه فرصة الإتصال السياسي والمناورة وعرقلة مساعي السلطات الإيطاليّة الهادفة إلى الحيلولة دون وصول الإمدادات القادمة إلى المجاهدين الليبيّين من مصر، وإيقاف لجوء المجاهدين الليبيين إلى مصر .

 

وقبل أنّ يشد الرحيل إلى مصر،..{.. فوض شقيقه الأصغر السيد/ محمّد الرضا السنوسي وكيلاً عنه على شؤون الحركة السنوسيّة في برقة، وعين السيد/  عمر المختار نائباً له  وقائداً للجهاد العسكري...}م36

 

هاجر الأمير إدريس السنوسي إلى مصر بعد أنّ شددت إيطاليا الخناق عليه وبعد تعرضه لمحاولة الاغتيال.غادر ليبيا في شهر نوفمبر من عام 1922م، ووصل إلى مصر في شهر يناير من عام 1923م. أبلغ وزير إيطاليا المفوض في مصر الأمير إدريس السنوسي بعد حوالي خمسة شهور من وصوله إلى القاهرة – مايو 1923م – بأنّ الحكومة الإيطاليّة ألغت جميع الاتفاقيّات التي أبرمتها معه، وأنّها ..{.. قامت بمصادرة ممتلكات الزّوايَا السنوسيّة، واعتقلت شيوخها ونفتهم إلى جزيرة أوستيكا الإيطاليّة، وقبضت على وكيل الأمير إدريس السيد/ محمّد الرضا ونقلته إلى إيطاليا، ثمّ اعتقلت عمر باشا الكيخيا متهمة إياه بخيانتها بتواطئه مع الأمير إدريس ومساعدته على الهروب من ليبيا !...}م37.

 

وعلم الأمير إدريس السنوسي فيما بعد بأنّ إيطاليا طلبت من الحكومة المصريّة أنّ تسلمها إياه. فأتصل الأمير السنوسي بعد تأكده من الخبر بمكتب مندوب بريطانيا السامي في مصر (مستر/ كلارك كير ) إلاّ أنّ الأخير كان خارج مصر، فالتقى بمندوبه (اللورد اللنبي). وتمكن الأمير السنوسي بعد اجتماعه باللورد اللنبي من الالتقاء بعدد من الشخصيّات السياسيّة المصريّة، وتحصل على حق اللجوء السياسي في مصر.    

   

بدأ الأمير إدريس السنوسي منذ اليوم الأوّل من وصوله إلى مصر في تنظيم صفوف الليبيين في المهجر، وفي إرسال توجيهاته وإرشاداته لأتباع الحركة السنوسيّة داخل ليبيا. وما لقاء الشيخ/ عمر المختار به في مصر إلاّ دليل مادي على الدور القيادي الذي كان يلعبه من أجل قضيّة الوطن. فقد وصل الشيخ/ عمر المختار إلى مصر خلال العام الأوّل – عام 1923م – من وصول الأمير إدريس السنوسي إلى المهجر، ليتناقش معه حول القضيّة الوطنيّة، ويأخذ منه التعليمات والإرشادات، ويتفقا حول برنامج العمل في المرحلة القادمة. {.. واتفق كلاهما على أن يبقى الأمير إدريس السنوسي في الأراضي المصريّة ليبذل قصارى جهده في عرقلة مساعي السلطات الإيطاليّة لدى السلطات المحليّة المصريّة والسلطات البريطانيّة التي لا تنفك في إلحاحها عليهما بالعمل على منع لجوء المجاهدين الليبيين إلى مصر، وكذلك، منع وصول المساعدات والإمدادات إليهم. كما اتفق السيد/ عمر المختار والأمير إدريس السنوسي على أنّ يقوم الأخير بتوفير كافة الإمدادات من سلاح ومؤن وعتاد بكلّ الوسائل الممكنة، وأنّ يقوم بإرسالها تباعاً للسيد/ عمر المختار مصحوبة بإرشاداته وتعليماته، كما اتفق الأمير إدريس والسيد/ عمر المختار على أنّ يكون الحاج التواتي البرعصي هو حلقة الوصل بينهما في نقل التعليمات والإرشادات من الأمير إدريس إلى السيد عمر المختار، وينقل ما يتم من مجريات الأمور على أرض الجهاد الليبي إلى الأمير إدريس السنوسي..}م38.

 

وبدأ الأمير إدريس السنوسي منذ وصوله لمصر في تكوين شبكة علاقات تعينه على تحقيق مصلحة بلاده الوطنيّة.. وإيجاد وسائل تمكنه من تقليص حجم الاختلافات بين الليبيّين وتوحيد كلمتهم.. وإيجاد منافذ ومنابر يشرح من خلالها أوضاع ليبيا وظروف قضيتها الوطنيّة هادفاً لخلق تعاطف عام مع القضيّة الليبيّة ثمّ مناصرين وحلفاء يساندوه على تحقيق مصالح بلاده الوطنيّة. أجرت معه الصحف المصريّة العديد من المقابلات وكتب لها بعض التقارير التي تبين ظروف ومراحل القضيّة الوطنيّة. ونسج علاقات مع رموز حركات التحرير للبلاد الإسلاميّة من أمثال الأمير عبدالكريم الخطابي من المغرب، والسيد/ الفضيل الورتلاني من الجزائر.. وغيرهم. وكان الأمير إدريس السنوسي من رواد الملتقى الذي كان يعقد في بيت الشيخ محمّد صادق المجددي سفير أفغانستان بمصر وقتذاك. وكان يجد في بيت الشيخ المجددي مكاناً يؤنسه في غربته، والملتقى الحواري الذي يفتح أمامه آفاق واسعة للتأمل والتفكير وإمعان النظر. وديوانيّة الشيخ المجددي كانت ملتقى يومي مفتوح يلتقي فيه العلماء والسياسيون والقادة ورجال الفكر من أمثال شيخ الأزهر مصطفى المراغي، والأمير عبدالكريم الخطابي، بالإضافة إلى صاحب الديوانيّة السفير محمّد الصادق المجددي .. وغيرهم. ( راجع ما كتب عن سيرة السّيد/ محمّد هارون المجددي في موقع الملتقى على شبكة الإنترنت)

 

ولما قامت الحرب العالمية الثانية في عام 1939م، راهن الأمير إدريس السنوسي على الحلفاء (16) وأعلن فيما بعد إنظمامه إليهم. عقد الأمير إدريس السنوسي اجتماعاً في داره بمدينة الإسكندرية ضم حوالي 40 شيخاً ليبياً مقيماً في المهجر (مصر)، وذلك يوم 6 من رمضان  1359هجري الموافق 20 من أكتوبر 1939م. فوض الشيوخ الأمير السنوسي بمفاوضة الحكومة المصريّة والحكومة البريطانيّة لأجل الإنظمام إلى الحلفاء، وتأسيس جيش وطني (الجيش السنوسي ) يشترك في حرب الحلفاء ضد إيطاليا لطردهم من ليبيا. تأسس الجيش السنوسي على يد الأمير إدريس السنوسي في 9 أغسطس 1940م. تفاوض الأمير مع البريطانيين بشأن التحالف معهم، ووضع شروطاً أمامهم، من بينها ما يلي:-

 

1-    ألا يحارب المجاهدون الليبيّون عند دخولهم مع الحلفاء خارج الحدود الليبيّة.

2-    ألا يعطي المجاهدون الليبيون المنضوين تحت اللواء الثامن للجيش البريطاني التحية والسلام إلاّ للعلم السنوسي باعتباره العلم الوحيد الذي يمثلهم حالياً لأنّ ليبيا مستعمرة ولا يوجد لديها علماً يمثلها.

3-    عند انتصار الحلفاء على الطليان لابُدَّ أنّ تعطي بريطانيا لليبيين صلاحيات لإدارة شئونهم، وأنّ تعدهم بمزيد من الصلاحيات مع مرور الوقت وتُغير الظروف والأحوال.

 

وافق البريطانيون على شروط الأمير إدريس السنوسي، ودخل إلى ليبيا متحالفاً معهم لطرد الغزاة الإيطاليين، وبجيش قوامه حوالي 12 ألف مقاتل ليبي. هزم الحلفاء في عام 1943م جيوش إيطاليا الغازية وأصبحت ليبيا منذ ذلك التاريخ تحت حكم الإدارة البريطانية والفرنسية (الحلفاء).

 

أسست بريطانيا إدارة حكم عسكرية حكمت بها ولايتي طرابلس وبرقة. وشكل الأمير إدريس السنوسي في 28 صفر 1367 هجري الموافق 10 يناير 1948م المؤتمر الوطني البرقاوي برئاسة محمّد الرضا السنوسي تمهيداً لإعلان استقلال برقة.

 

منذ خروج قوات المحور من البلاد – وكما قال الأستاذ/ إبراهيم عبد العزيز صهّد في مقالته: " المعركة الدبلوماسيّة" –،..(..نشط الشعب الليبي فشكل النوادي السياسيّة والجمعيات والأحزاب التي كانت في معظمها تطالب باستقلال البلاد ووحدتها، وكان مطلب إمارة السيد محمد إدريس أمراً متفقاً عليه في كل من برقة وفزان وكان يجد أنصاراً ومعارضين في طرابلس... غير أن الأحزاب والجمعيات السياسية في طرابلس ما لبثت في نهاية المطاف حتى وحدت كلمتها بالقبول بالزعامة السنوسية، بعد أن أتضح  جليا أمام الجميع أن الوحدة الليبية لن يكون في الإمكان تحقيقها إلاّ تحت قيادته...).

 

 وأعلن الأمير إدريس السنوسي إستقلال ولاية برقة في 11 أكتوبر 1949م، وانتقلت سلطات الإدارة العسكريّة البريطانية إلى حكومة برقة، وتمكن من إنتزاع صلاحيات كثيرة لتدبير شئون ولاية برقة الداخليّة مع بقاء بعض الصلاحيات في يد البريطانيين. 

 

تعرض الأمير إدريس السنوسي لمحاولة إغتيال في طرابلس عند زيارته لها في عام 1951م، وقبل إعلان إستقلال ليبيا في ديسمبر من العام نفسه. وجاء في مقالة للأستاذ/ سعيد الجطلاوي بخصوص هذه الحادثة، ما نصه..{.. عندما عينت الجمعيّة الوطنيّة الليبيّة حكومة مؤقتة في شهر أبريل عام 1951م برئاسة السيد/ محمود المنتصر رأت الحكومة أهمية زيارة الملك لمنطقة طرابلس تلبيّة لرغبة أبناء طرابلس لهذه الزيارة ، لبى الملك تلك الرغبة، وابتهجت المدن الليبيّة في جهة الغرب بهذه الزيارة، واستقبلته الوفود من الرجال والنساء والشيوخ والشباب، وعندما وصل موكبه إلى طرابلس واخترق شارع عمر المختار كان بعض الحاقدين يتربص بالملك الدوائر، وقذف موكبه ببعض القنابل، ولكن الله سلم وظهرت من الملك شجاعة نادرة في مثل تلك المواقف، وثبات عجيب، وما كاد يذاع نبأ المحاولة الفاشلة في ليبيا حتى اجتمعت جموع الشعب في أسرع من لمح البصر، وبإندفاع ذاتي لا كما يحصل في عهد القذافي اليّوم، وذلك لفرط حبها لملكها وقائدها. وقال شاعر الوطن أحمد رفيق المهدوي في هذا الحدث الأبيات التالية:

 

وقاك الله من شر الأعادي   .....  ودام علاك يا أمل البلاد

وعشت لأمة جعلتك رمزاً  .....  لوحدتها وروحاً للجهاد 

حياتك بيننا لله نوراً          .....  أيطفي نوره أهل الفساد

أتم الله نعمته علينا           .....  بحفظك واهتدائك للسداد  ..}م39.  

     

وعوداً على ذي بدء أقول.. آمن الأمير إدريس السنوسي بسنن التدرج وسياسة (خذ وطالب ) ليصل – وعلى مراحل – إلى مجمل الأهداف المرسومة. تحصلَ في نوفمبر 1920م على حكم ذاتي ( حكومة إجدابيا )، ثمّ تحصلَ في أكتوبر1949م على إستقلال برقة، ثم صعد الضغط عبر القنوات السياسيّة والدبلوماسيّة فتمكن بعد شهر من إعلان استقلال برقة من استصدار قراراً من الجمعية العامة للأمم المتحدة يعترف بإستقلال ليبيا من خلال مذكرة قدمها ذو الفقار خان (وزير خارجية الباكستان ). وافقت الجمعية العامة على المذكرة التي قدمها السيد/ ذو الفقار خان، وتبنّت بتاريخ 21 نوفمبر 1949م  قراراً يمنح ليبيا إستقلالها قبل حلول سنة 1952م.

 

أنشئت في مارس 1951م حكومات محلية مؤقتة في إقليم طرابلس وأخرى في إقليم فزان على غرار الحكومة القائمة في إقليم برقة. وتولى السيد/ محمود المنتصر الحكومة الطرابلسيّة المؤقتة، وأصبح السيد/ أحمد سيف النصر رئيساً لإقليم فزان. ثمّ كلّف السيد/ محمود المنتصر برئاسة الحكومة الإتحاديّة الإنتقاليّة.  

 

شُكلت في نوفمبر 1949م لجنة وطنيّة تحضيريّة من واحد وعشرين عضواً أُسندت إليها مهمة إيجاد طريقة يتم بها اختيار أعضاء جمعيّة وطنيّة تأسيسيّة تكون هي الجهة المسئولة على وضع الدستور. توصلت اللجنة الوطنيّة التحضيريّة بعد اجتماعات عقدتها على اتفاق ينص على أنّ تتكون الجمعيّة الوطنيّة التأسيسيّة – الجهة المسئولة على وضع الدستور – من ستين عضواً نصيب كلّ إقليم من أقاليم البلاد الثلاثة عشرون عضواً. اجتمع أعضاء الجمعيّة التأسيسيّة الستون، واتفقوا على تشكيل لجنة من الخبراء والمتخصصين (لجنة الدستور ) لوضع الدستور شرط أنّ تنجز هذه اللجنة مهمتها بالتنسيق والتشاور التام مع فريق الخبراء الدوليين ( هيئة الأمم المتحدة )، وأنّ تعرض هذه اللجنة كل ما تتوصل إليه على الجمعيّة الوطنيّة التأسيسيّة لغرض مناقشته وإقرار ما يتفق عليه. وفي يوم 17 ديسمبر 1950م ذهب أعضاء الجمعيّة الوطنيّة التأسيسيّة الستون إلى الأمير إدريس السنوسي في قصر المنارة بمدينة بنغازي، وأعلنوا مبايعتهم له.

 

وفي جانب أخر.. وضع السيد/ دريان بيلت (ممثل الأمم المتحدة ) تحت تصرف لجنة الدستور المكونة من ثمانيّة عشر (18 ) عضواً، والمنبثقة عن الجمعيّة الوطنيّة التأسيسيّة، كلّ ما استطاع توفيره لها من مساعدات قانونيّة وفنيّة. وعينت لجنة الدستور لجنة مكونة من ستة أشخاص – شخصان من كلّ إقليم – تكون مهمتها الإشراف على نقل السلطة من الدولتين المتكفلتين بالإدارة (بريطانيا وفرنسا) إلى الليبيّين بعد إعلان الإستقلال. وقد أخذت هذه الجمعيّة الوطنيّة التأسيسيّة عدة قرارات في اتجاه قيام دولة ليبيّة دستوريّة، وفرغت لجنة الدستور في نهاية نوفمبر 1951م من وضع دستور متضمن 204 مادة دستوريّة تنص أهم مواده: أنّ تكون ليبيا دولة ديمقراطيّة إتحاديّة مستقلة ذات سيادة، ويكون شكل الحكم ملكياً دستورياً، ويكون سمو الأمير محمّد إدريس السنوسي أمير برقة هو ملك " المملكة الليبيّة المتحدة". أقرت الجمعيّة الوطنيّة التأسيسيّة الدستور في 6 محرم 1371 هجري الموافق 7 أكتوبر 1951م بعد مفاوضات غير رسميّة أجراها مفوض الأمم المتحدة – السيد/ دريان بيلت – مع الأمير إدريس السنوسي. 

 

وفي 24 ديسمبر 1951م، أعلن الأمير محمّد إدريس السنوسي من شرفة قصر المنارة في مدينة بنغازي الإستقلال وميلاد الدولة الليبيّة كنتيجة لجهاد الشعب الليبي، وتنفيذاً لقرار هيئة الأمم المتحدة، وبناءاً على قرار الجمعيّة الوطنيّة الصادر بتاريخ 2 ديسمبر 1950م. وأعلن أنّ ليبيا منذ اليّوم – 24 ديسمبر 1951م – أصبحت دولة مستقلة ذات سيادة، وأنّه اتخذ لنفسه لقب ملك المملكة الليبية المتحدة، وأنّه سيمارس سلطاته وفقاً لأحكام الدستور.

أصبحت ليبيا منذ إعلان إستقلالها – ولأوّل مرة في تاريخها – دولة مستقلة يحكمها أبنائها أسمها (المملكة الليبيّة المتحدة ) في ظل نظام دستوري فيدرالي يُقسم البلاد إلى ثلاث ولايات (برقة..طرابلس..فزان ) تحت تاج الملك محمّد إدريس السنوسي.

 

وقال شاعر الوطن أحمد رفيق المهدوي في يوم إعلان الإستقلال المشهود:

 

عيدُ عليه مهابةُ وجلال ..... عيدُ وحَسبُكَ أنه استقلال

يومُ سعيدُ فيه نالت أمّة ..... ملكاً تمجدُ ذكره الأجيالُ 

 

وقد تولى الأخ غير الشقيق للملك السيد/ محَمّد الرضا المهدي السنوسي ولايّة العهد في 21 ديسمبر 1953م واستمر ولياً للعهد حتى  29 يوليو 1955م تاريخ وفاته. وتولى أبنه الأصغر الأمير الحسن الرضا (17) ولايّة العهد بعد وفاة أبيه، وذلك حينما عينه الملك ولياً للعهد في 26 نوفمبر 1956م.     

 

بقلم الصادق شكري

 


ملاحظات وإشارات هامة

 

13) الأعضاء الثمانيّة في مجلس المبعوثان العثماني: أعضاء المجلس كما ورد في مقالة: الهوية.. فسيفساء للدكتور/ محمّد المفتي، والسادة هم: الصادق بالحاج، ومحمّد ناجي، ومحمّد فرحات عن طرابلس.. عمر منصور الكيخيا، ويوسف بن شتوان عن متصرفيّة بنغازي.. سليمان الباروني عن متصرفيّة الجبل الغربي.. مصطفى بن قدارة عن متصرفيّة الخمس.. جامي بك عن متصرفيّة فزان.

 

14) مفاوضات الرجمة: بعد مفاوضات الرجمة وقعت إيطاليا اتفاقاً مع السنوسي عرفُ باسم أتفاق الرجمة. وتنفيذا لهذا الاتفاق، أصدرت إيطاليا مرسوماً ملكياً رقم 1755 بتاريخ 25 /10/ 1920م ، يمنح السيد إدريس الإمارة، وجاء فيه :..(.. تقديراً للأعمال التي قام بها السيد إدريس السنوسي، أثناء الحرب العالمية والاتفاق مع الحكومة الإيطالية، وتقديراً لهمته في التعاون مع الحكومة الإيطاليّة لتهدئة الخواطر في برقة، ورفاهية البلاد وتقدمها، وتقديراً وإثباتاً لفضله، وبالاستناد إلى رأي مجلس الوزراء، وبناء على اقتراح وزير المستعمرات، أمرنا بما هو آت :

 

أولاً: يمنح السيد محمد إدريس السنوسي، لقب أمير بما له من مزايا وإكرام للقب صاحب السمو، وبوصفه رئيسا منتدبا منا ليتولى إدارة أوجلة وجالو والجغبوب والكفرة إدارة ذاتية، كما يرخص له باختيار إجدابيا كمركز رئيسي لإدارته.

 

ثانياً: نأمر بأنّ يسجل هذا المرسوم، وعليه خاتم الدولة في الجريدة الرسميّة الخاصّة بقوانين ومراسيم مملكة إيطاليا.  على كل من يخصه الأمر، تنفيذ هذا المرسوم والعمل به .

– صدر في روما يوم 25 أكتوبر 1920م، ملك إيطاليا فيتو ديوايمانويلي، رئيس الوزراء جيوليتي، وزير المستعمرات روسما....). 

 

15) إعدام الشيخ شنقاً : لمعرفة المزيد من التفاصيل عن عملية اعتقال ومحاكمة وإعدام الشيخ عمر المختار يُرجى مراجعة كتاب: ثمانيّة من أبطال العرب للأستاذ/ قدري قلعجي. وكتاب قلعجي هو المصدر الأساسي لما ورد في الفقرة المُشار إليها  أعلى الصفحة.

  

16) ) الحلفاء: ضمت مجموعة الحلف (الحلفاء) في فترة الحرب العالميّة الأولى (1914 – 1918م ) الدّول التاليّة: بريطانيا، فرنسا، روسيا. وضمت مجموعة ( المحور )، الدّول التاليّة: ألمانيا، الإمبراطوريّة النمساويّة المجريّة، تركيا.  اتخذ المجتمع الدولي إجراءات عقابيّة ضد ألمانيا فيما عرف بمعاهدة فرساي 1919م، وذلك بعد انتهاء الحرب العالميّة الأولى. خسرت ألمانيا بموجب تلك الإجراءات العقابيّة (معاهدة فرساي ) كما جاء في مصادر التوثيق الدوليّة: 12,5% من مساحتها الجغرافيّة، وحوالي 12% من تعداد سكانها، وما يقارب عن 15% من إنتاجها الزراعي، وحوالي 10% من منتوجها الصناعي وما يقارب عن 75% من إنتاجها من خام الحديد. وإلى جانب ذلك، قيدت معاهدة فرساي حركة وصلاحيات الجيش الألماني حيث نصت على ألا يزيد عدد المنتسبين إلى الجيش الألماني عن مائة ألف جندي، كذلك، ألزمت ألمانيا بدفع تعويضات كبيرة للحلفاء.

تحالفت ألمانيا بعد ظهور الحركة النازيّة في يناير/ كانون الثاني 1933 مع الفاشيّة الإيطاليّة التي ظهرت في أكتوبر/ تشرين الأول 1922. شكلت الدولتان ( ألمانيا وإيطاليا ) وحدهما في البدايّة محوراً ثمّ انضمت اليابان فيما بعد إليهما. وأصبحت دّول المحور حينما قامت الحرب العالمية الثانية ( 1939م – 1945م ) تضم كلّ من: إيطاليا، ألمانيا، اليابان. أمّا دّول الحلفاء فكانت كالتالي: بريطانيا، فرنسا، الولايات المتحدة الأمريكيّة، الاتحاد السوفيتي. بدأت الحرب العالميّة الثانيّة 1 سبتمبر 1939م وانتهت بشكل نهائي في بداية عام 1945م، حيث هُزم الأسطول الياباني في معركة (ميداوي)، ثم هُزم القائد الألماني رومل في العلمين، ثمّ دخل الحلفاء روما وأعدم الثوار الإيطاليون "موسوليني"، وانتحر هتلر في إبريل 1945م، ووقَّع ممثلو ألمانيا وثيقة الاستسلام بلا قيد أو شرط.

راهن الأمير إدريس السنوسي على الحلفاء لما قامت الحرب العالمية الثانية في عام 1939م وأنظم إليهم لأجل طرد المستعمر الإيطالي من ليبيا، وبعد نجاح رهانه، نقل القضيّة الليبيّة إلى أروقة هيئة الأمم المتحدة إلى أنّ تبنّت الجمعيّة العامة لهيئة الأمم بتاريخ 21 نوفمبر 1949م قراراً يعترف باستقلال ليبَيا، ويمنحها ذلك قبل حلول سنة 1952م. وتحقق استقلال ليبيا في 24 ديسمبر 1951م.

 

أخيراً.. المعلومات الواردة في هذه الوقفة مطابقة تماماً لما نشر بخصوص "الحلفاء والمحور " في الحربين العالميتين الأولى والثانيّة في الوثائق والمصادر التاريخيّة المنشورة في كتب أو الموجودة على شبكة الإنترنت.

 

17)الأمير الحسن الرضا المهدي السنوسي: هو إبن السيد/ محمّد الرضا ( 1892م – 1955م ) الأخ غير الشقيق للملك إدريس السنوسي، والذي تولى ولايّة العهد في 21 ديسمبر 1953م واستمر ولياً للعهد حتى 29 يوليو 1955م تاريخ وفاته عن عمر ناهز 63 عاماً. تولى الحسن الرضا ( 25 عاماً) ولايّة العهد بعد شهور عدة من وفاة  أبيه، وذلك حينما عينه الملك ولياً للعهد في 26 نوفمبر 1956م.     

 

ولد سمو الأمير الحسن الرضا في عام 1931م، وفي روايّة أخرى في عام 1928م إلاّ أننا نميل إلى تاريخ الميلاد الأوَّل. وتلقى تعليمه الأوَّل في الزّوايَا السنوسيّة والمدارس الليبيّة ثمّ واصل تعليمه المتوسط – ولمدة خمس سنوات – بالأزهر الشريف بالقاهرة. وهو أصغر أبناء السيد/ محمّد الرضا الخمسة، والأخوة الخمسة ترتبهم كالتالي: محمّد الصديق.. الحسن الأول (الحصن توفي شاباً ).. السنوسي.. مصطفى.. الحسن (وليّ العهد ).  

   

عينه الملك إدريس السنوسي في نوفمبر 1956م وليّاً للعهد. وأُعلنَ في يوم 26 نوفمبر 1956م رسمياً عن هذا التعيين في خطاب للعرش تلاه نيابة عن الملك في البرلمان الليبي السيد/ مصطفى بن حليم رئيس الوزراء وقتذاك. أقرّ مجلس الأمّة التعيين وبقى سموه ولياً للعهد منذ نوفمبر 1956م إلى سبتمبر 1969م حيث أجبره إنقلابيو سبتمبر تحت تهديد السلاح على التنازل عن العرش.  

 

تزوج سمو الأمير وليّ العهد في 20 أبريل 1959م من كريمة والي طرابلس آنذاك السيد/ الطاهر باكير. وغنى المطرب الليبي الشهير آنذاك محمّد السيد بومدين (شادي الجبل ) في يوم عرس الأمير الحسن الرضا أغنية كتبت لهذه المناسبة اسمها: " مبروك عرسك يا أمير بلادي". وله خمسة أولاد، والسادة هم: محمّد المهدي.. محمّد الرضا ( ناشط سياسي مقيم بلندن ومتحدث باسم العائلة السنوسيّة فوضه والده لهذا الدور قبل وفاته في عام 1992م ) .. خالد.. أشرف جلال.    

 

شارك سمو الأمير الحسن الرضا (ولي العهد ) نيابة عن الملك إدريس السنوسي في إعمال القمة العربيّة التي انعقدت بالقاهرة في الفترة الواقعة ما بين 13-17 /1/1964م .. وأعمال القمة العربيّة التي انعقدت بالإسكندرية في سبتمبر 1964م .. وأعمال القمة العربيّة التي انعقدت في الخرطوم بالسودان في الفترة الواقعة ما بين 9 /8-1/9/1967م. وشارك كذلك نيابة عن الملك في أعمال القمة الإفريقيّة التي انعقدت في أديس بابا والقمة الإفريقيّة التي انعقدت بالقاهرة في عام 1964م. 

 

ويذكر أنّ ولي العهد – وأثناء حضوره لمؤتمر القمة العربي الذي انعقد بالقاهرة في يناير 1964م – تبرع بمبلغ 55 مليون جنيه لصالح المجهود الحربي، وتعهد بدفع مثله سنوياً باسم الدولة الليبيّة والملك إدريس السنوسي، في حين تبرعت آنذاك السعودية بمبلغ 40 مليون جنيه وتبرعت الكويت بخمسة عشر (15 ) مليون جنيه فقط.   

قام الأمير/ الحسن الرضا أثناء ولايته للعهد بزيارات رسميّة للعديد من دول العالم أهمها: زيارته لواشنطن في أكتوبر 1962م واجتماعه بالرئيس الأمريكي جون .ف.كنيدى كما قام سموه خلال هذه الزيارة بزيارة مقر الأمم المتحدة وألقى خطاب أمام الجمعيّة العامّة.  

 

تحرك مجموعة من الضباط صغار الرتب في فجر الأول من سبتمبر 1969م واستولوا على السلطة بقوة السلاح. كان سمو الأمير/ الحسن الرضا (وليّ العهد) داخل ليبيا حينما استولى الإنقلابيون على السلطة بينما كان الملك إدريس السنوسي في رحلة للعلاج والاستجمام خارج ليبيا. أُلقي القبض على سمو الأمير ولي العهد بعد إنقلاب 1 سبتمبر 1969م مباشرة ثمّ أجبره الإنقلابيون على التنازل عن العرش أو كما قال إبنه السيد/ محمّد الحسن الرضا في لقاءه مع مجلة الحقيقة الإلكترونيّة في مايو 2005م ..(.. تمّ إجبار والدي – سمو الأمير الحسن الرضا – تحت تهديد السلاح بالتنازل عن العرش .. وهذا الموقف أستطيع أنّ أوثقه الآن فقد أخبرني الوالد أنّ عبدالمنعم الهوني دخل عليه برفقة بعض الحرس يحملون غدارات (رشاشة).. وكان الوالد جالساً وعبدالمنعم الهوني يدور حوله وفى يده مسدس!، ويشير بالمسدس بطريقة إستفزازية وتحمل معاني التهديد.. ثمّ أخذ المسدس ووضعه أمامه وقال مخاطباً الوالد: الحسن لابُدَّ أنّ تتنازل عن العرش..!). 

 

ويروى أنّ أعضاء مجلس الإنقلاب كلفوا كلّ من: عبدالمنعم الهوني و الخويلدي الحميدي بالقبض على وليّ العهد. جاء الاثنان لقصر الأمير الحسن الرضا لاستطلاع المكان فوجدا مقر سكن وليّ العهد دون حراسة مشددة وأنّ أيّ شخص عادي بإمكانه مقابلته. وهذا ما أكده عبدالمنعم الهوني (عضو مجلس الإنقلاب ) بنفسه في مقابلته مع مجلة "الوسط" اللندنيّة في عددها 188 الصادرة بتاريخ 4 سبتمبر 1995م، حيث قال..(.. الحقيقة أنّ النّظام كان بسيطاً، وكان في إستطاعة أيّ مواطن عادي أنّ يسأل عن وليّ العهد وأنّ يطلب مقابلته..).

 

عموماً.. جاء الاثنان ( الهوني والخلويلدي ) إلى قصر ولي العهد بصحبة عدد من الجنود. اتفق الهوني مع الخلويلدي على خطة القبض على ولي العهد، ثمّ ترك الأوّل الثاني أمام القصر بعدما تبين لهما بأنّ عمليّة القبض لا تحتاج لأكثر من عضو من أعضاء مجلس الإنقلاب. غادر الهوني القصر ليبدأ الخلويلدي  في تنفيذ الخطة المتفق عليها من قبلهما. وجد الخويلدي الحميدي القصر دون حراس والمكان مُظلم ( الأنوار مغلقة ) فظن أنّ وليّ العهد في قصر ثان، أيّ في قصر الضيافة. عاد الخلويدي والجنود الذين معه إلى جماعته في باب العزيزية دون أنّ يقبض على وليّ العهد. وعمر الحريري هو من قبض على وليّ العهد. وهذا ما أكده عبدالمنعم الهوني في مقابلته مع مجلة "الوسط" اللندنيّة، حيث قال..(.. لم تكن عمليّة إحضار وليّ العهد من مهمة عمر الحريري، ولكن لدى مروره في الطريق قال له الجنود هناك ضوء في قصر وليّ العهد. دخل عمر الحريري القصر وقبض عليه وجاء به إلى باب العزيزية..). وجد وليّ العهد نفسه محاطاً بالغدارات (الرشاشات).. وفي أجواء كلها استفزاز وتهديد قادها بوقاحة لا مثيل لها عبدالمنعم  الهوني. أو كما قال ابن وليّ العهد السيد/ محمّد الحسن الرضا..(.. كان الوالد جالساً وعبدالمنعم الهوني يدور حوله وفى يده مسدس!، ويشير بالمسدس بطريقة إستفزازيّة وتحمل معاني التهديد.. ثمّ أخذ المسدس ووضعه أمامه وقال مخاطباً الوالد : الحسن لابُدَّ أنّ تتنازل عن العرش..!).  

         

تنازل ولي العهد عن العرش تحت تهديد السلاح ونُقل نص خطاب التنازل إلى الشّعب الليبي عبر موجات الأثير (الإذاعة الليبيّة المسموعة). وضع ولي العهد في السجن من سبتمبر 1969م إلى صيف 1972م ثمّ تحت الإقامة الجبريّة في بيت تحرسه كتيبة جيش من صيف 1972م إلى منتصف عام 1977م. رفعت قيود الإقامة الجبريّة عليه في منتصف عام 1977م إلاّ أنّ استفزاز الأجهزة الأمنيّة ومضايقتها له استمر على ما هو عليه وكأن شيء لم يحدث أو يتغير.  

 

لوليّ العهد بيت في منطقة "أبي ستة" بطرابلس وهو البيت الذي استولى عليه عبدالرحمن شلقم (وزير خارجيّة القذافي) ولازال البيت تحت قبضته إلى يومنا هذا ( ونحن في عام 2005م ). وبيت ثاني كان يسكن فيه إلى عام 1984م حيث قام نّظام القذافي بحرق هذا البيت في عام 1984م وتحديداً بعد الأحداث التي قامت بها الجبهة الوطنيّة لإنقاذ ليبيا في مايو 1984م. وقال إبنه السيد/ محمّد الحسن الرضا عن هذه الحادثة في لقاءه مع مجلة الحقيقة الإلكترونيّة في مايو 2005م ..(.. جاءت إلى بيتنا في عام 1984م مجموعة من اللجان الثوريّة بعثهم القذافي ـ وهذا حسب ما قالوا للوالد يومها: أنّهم مبعوثون من طرف القذافي شخصياً لحرق البيت على أنّ تخرجوا منه وتتفرجوا عليه وهو يحترق .. وبالفعل جاء حوالي 14 شخصاً معهم عصي وتنكات "براميل" بنزين وأخرجونا خارج البيت بإستفزاز وقلة إحترام .. وسط إطلاق ألفاظ بذيئة .. وأحرقوا البيت بعد أنّ سرقوا محتويات البيت للمرة الثانية .. حيث سبق لهم وسرقوا بيتنا الأوّل في سبتمبر 1969م..).

 

تنقل وليّ العهد وأسرته – وبعد حرق بيتهم في عام 1984م، ووجودهم في الشارع بدون منازل تؤويهم –  من مكان إلى أخر، ليقيموا أولاً مع السيد الطاهر باكير في منازله ثمّ في مزرعته، وفي السنتين الأخيرتين قبل الخروج من ليبيا في 1988م في شاليه صغير جداً – 2 غرفة – في المدينة السياحيّة بمنطقة تاجوراء. 

 

أصيب سمو الأمير/ الحسن الرضا بجلطة في عام 1988م ونقلته أجهزة القذافي المخابراتيّة إلى مستشفى صلاح الدين بطرابلس. وسُمحَ لسموه بالعلاج في الخارج بعدما أكد الدكاترة لرجال مخابرات القذافي بأنّ سموه لن يعيش أكثر من شهر. وهذا من أكده إبنه حينما حاورته مجلة الحقيقة. حيث قال:..(.. الدكاترة قالوا إنّ الوالد لن يعيش أكثر من أشهر.. ولكن شاء الله أنّ يبقى الوالد حياً لخمس سنوات من سنة 88م إلى 1992م ..). 

 

عاش سمو الأمير الحسن الرضا السنوسي حوالي عشرين عاماً داخل ليبيا في ظروف السجن ثمّ الإقامة الجبريّة، وقضى كلّ هذه المدة ممنوعاً من السفر، ومحروماً من العلاج والعيش الكريم إلى أنّ أكرمه الله سبحانه وتعالى في أواخر الثمانينيات (1988م ) من مغادرة ليبيا للعلاج ببريطانيا فعاش الخمس سنوات الأخيرة من عمره في حرية وآمان بين أولاده ورفيقة عمره ابنة السيد/ الطاهر باكير أحد أعلام ليبيا ورجالات العهد الملكي. وتوفي في لندن في عام 1992م راضياً مرضياَ ونقل جثمانه إلى السعوديّة حيث دفن بقرب قبر سيدنا محمّد عليه الصلاة والسلام، وبجانب قبر عمّه الملك محمّد إدريس السنوسي (رحمه الله ) في البقيع بالمدينة المنورة.  رحم الله السيد/ الحسن الرضا واسكنه فسيح جناته. 

 

بعض أجزاء هذه الوقفة منقولة عن المجلد الثاني من موسوعة د/محمّد يوسف المقريف ( ليبيا بين الحاضر والماضي .. صفحات من التاريخ السياسي)، ومقابلة السيد/ محمّد الحسن الرضا السنوسي مع مجلة الحقيقة  الشهريّة في عدد شهر مايو 2005م والمنشورة على موقع المجلة الإلكتروني. 

 


مصادر ومراجع

 

م24) د/ علي عبداللطيف حميدة – كتاب: المجتمع والدولة والإستعمار في ليبيا – مركز دراسات الوحدة العربيّة / الطبعة الأولى يناير 1995م.

م25) الأستاذ/ أحمد جبريل (محاضر في كليّة أكسبردج ومهتم بالشؤون الليبيّة) –  مقالة: معوقات التغيير السياسي عبر التاريخ القديم والمعاصر – نشرت على موقع " أخبار ليبيا" بتاريخ 10 يناير 2005م.  

م26) الأستاذ/ عبدالحميد البكوش – مقالة: ليبيا بين أمسها واليوم، أو الكيفية التي يتجلى فيها تاريخ مر ومرير – صحيفة الحياة اللندنيّة العدد/ 12719 الصادر بتاريخ 27 ديسمبر 1997م.

م27) السيد/ ئي.آ. ف. دي كاندول – كتاب: "الملك إدريس عاهل ليبيا.. حياته وعصره" – صدر على نفقة المؤلف باللغة الإنجليزيّة في عام 1988م، وقام السيد/ محَمّد بن غلبون بنشره بعد ترجمته إلى العربيّة، وذلك في عام 1989م على نفقته الخاصة.  

م28) نفس المصدر السابق. 

م29) د/ علي محَمّد الصلابي – كتاب: الحركة السنوسية في ليبيا /2 – دار البيادق / الطبعة الأولى 1999م.  

م30) الأستاذ/ مصطفى أحمد بن حليم – كتاب: انبعاث أمّة.. وسقوط دولة – منشورات در الجمل بكولونيا / ألمانيا 2003م. 

م31) نفس المصدر السابق.  

م32) د/ محَمّد المفتي – مقالة: الهوية .. فسيفساء – نشرت في العدد الأول من مجلة (عراجين / يناير 2004م).

م33) د/ محَمّد يوسف المقريف – المجلد الأول: ليبيا بين الماضي والحاضر.. صفحات من التاريخ السياسي – مركز الدراسات الليبيّة (أكسفورد – بريطانيا ) الطبعة الأولى 1425 هجري / 2004ميلادي.

م34) د/ فرج نجم – مقالة: سيرة الأجداد.. الشارف الغرياني نموذجاً – الحلقة الأولى المنشورة على موقع "ليبيا وطننا" بتاريخ 16 ديسمبر 2004م.  

م35) السيد/ ئي.آ. ف. دي كاندول – كتاب: "الملك إدريس عاهل ليبيا.. حياته وعصره" – صدر على نفقة المؤلف باللغة الإنجليزيّة في عام 1988م، وقام السيد/ محَمّد بن غلبون بنشره بعد ترجمته إلى العربيّة، وذلك في عام 1989م على نفقته الخاصّة. 

م36) الأستاذ/ مصطفى أحمد بن حليم- كتاب: انبعاث أمّة.. وسقوط دولة – منشورات در الجمل بكولونيا / ألمانيا 2003م.

م37) نفس المصدر السابق.    

م38) نفس المصدر السابق. 

م39) الأستاذ/ سعيد الجطلاوي: مقالة: إدريس السنوسي.. ملك أحبه شعبه – نشر المقال في باب " الرسائل" على موقع "ليبيا وطننا" بتاريخ 20 أبريل 2002م.

 

 

[email protected]

 

إن جميع المقالات التي تنشر في هذا الموقع تعبر عن رأي أصحابها فقط، ولا تعبر بالضرورة عن رأي إدارة الموقع