الرئيسية | من نحن | اتصل بنا

منبر الكتّاب

الحلقات:         5   6   7   8    10   11   12   13

 

 

هدرزة في السّياسَة والتاريخ (5)    

الملك.. العقيد.. المعارضة الليبيّة في الخارج 

بقلم الصادق شكري

الجزء الأوَّل ( 5 مِن 13 )

 

الحلقة الخامسة

 

انضم الأمير إدريس السنوسي إلى الحلفاء لما قامت الحرب العالميّة الثانية. ودخل حوالي 12 ألف مجاهد ليبي منضوين تحت قيادة جيش التحرير (الجيش السنوسي) الذي أسسه الأمير في مصر، إلى ليبيا تحت اللواء الثامن للجيش البريطاني. هُزمت إيطاليا وخرجت مغلوبة من ليبيا. قدم الجيش السنوسي عوناً كبيراً للحلفاء في حملاتهم ضد قوى "المحور" في شمال أفريقيا، وساهم مساهمة كبيرة في تحرير ليبيا من المستعمر الإيطالي، علاوة على التعاون الإيجابي الذي قدمه سكان ليبيا لقوات "الحلفاء " وقت هجومهم على " المحور" والذي ساعد بشكلِ أو بآخر في هزيمة إيطاليا ودحر قواتها الغازيّة.  

{.. عاد الأمير إدريس السنوسي إلى ليبيا في شعبان 1364 هجري الموافق يوليو 1944م، فاستقبله الشعب في برقة استقبالا حافلاً. وما إنّ استقر في برقة حتى أخذ يعد العدة لنقل الإدارة إلى حكومته، فأصدر قراراً بتعيين حكومة ليبيّة تتولى إدارة البلاد، وأصدر دستور برقة، وهو يعد وثيقة مهمة من وثائق التاريخ العربي الحديث، وقد كفل هذا الدستور حريّة العقيدة والفكر، والمساواة بين الأهالي وحريّة الملكيّة، واعتبر اللغة العربيّة لغة الدولة الرسميّة، ونص الدستور على أنّ حكومة برقة حكومة دستوريّة قوامها مجلس نواب منتخب.

اعترفت إيطاليا في عام 1366 هجري الموافق 1946م باستقلال ليبيا، وبحكم السيد محمد إدريس السنوسي لها، ولم تكن إمارته كاملة السيادة بسبب وجود قوات إنجليزيّة وفرنسيّة فوق الأراضي الليبيّة. 

ونتيجة لمطالبة الليبيّين بضرورة الاحتفاظ بوحدة الأقاليم الثلاثة (برقة- طرابلس- فزّان) تحت زَّعامة الأمير إدريس السنوسي أرسلت الأمم المتحدة مندوبها إلى ليبيا لاستطلاع الأمر، وأخذ رأي زعماء العشائر فيمن يتولى أمرهم، فاتجهت الآراء إلى قبول الأمير إدريس السنوسي حاكماً على ليبيا.

اتجه الأمير بعد أنّ توحدت البلاد تحت قيادته إلى تقويّة دولته، فأسس أوّل جمعيّة وطنيّة تمثل جميع الولايات الليبيّة في يوم 13صفر 1370 هجري الموافق 25 نوفمبر 1950م، وقد أخذت هذه الجمعيّة عدة قرارات في اتجاه قيام دولة ليبيّة دستوريّة، منها أنّ " تكون ليبيا دولة ديمقراطيّة إتحاديّة مستقلة ذات سيادة على أنّ تكون ملكيّة  دستوريّة، وأنّ يكون سمو الأمير السيد محمد إدريس السنوسي أمير برقة ملك المملكة الليبيّة المتحدة "..} م40.

وأنّ تضمن هذه الدولة – وكما جاء في الوثائق التاريخيّة –،..(.. الوحدة القوميّة وتصون الطمأنينة الداخليّة وتهيئ وسائل الدفاع المشتركة وتكفل إقامة العدالة وتضمن مبادئ الحريّة والمساواة والإخاء وترعى الرقي الاقتصادي والإجتماعي والخير العام..). 

جاء أعضاء الجمعيّة الوطنيّة في نهايّة عام 1950م إلى الأمير إدريس السنوسي وعرضوا عليه أنّ يتولى على الفور عرش المملكة الليبيّة المتحدة ويعلن ذلك رسمياً إلاّ أنّ الأمير ردّ عليهم قائلاً:..(.. أنا مستعد لتولي هذه الأمانة والمسئوليّة، ولكن، من المستحسن أنّ نرجئ الآن من طرفنا الإعلان رسمياً باعتلائنا عرش المملكة الميمون ريثما تصل الخطوات السياسيّة والإداريّة والدستوريّة إلى مرحلة يمكننا معها ممارسة سلطاتنا الملكيّة..). وهنا يمكن القول – وكما قال د/ عبدالرحمن سعيد في مقالته: نحو وعي دستوري المنشورة على موقع الإنقاذ الإلكتروني –،..(.. هنا تتجلي حكمة الملك بعدم قبوله حكم البلاد إلا إذا بنيِ أحد أعمدة الحكم ومشروعيّة السلطة الحاكمة وأدواتها وهو الدستور..).

رجع أعضاء الجمعيّة إلى عملهم أكثر إصراراً على إنجاز الدستور في أقرب وقت ممكن وانصرفوا على الفور بوضع دستور متحضر عادل يتوخى تطبيق الروح الديمقراطيّة واحترام الحريات العامّة والخاصّة. انتهت الجمعيّة الوطنيّة الليبيّة في يوم الأحد 6 محرم 1371 هجري الموافق 7 أكتوبر من سنة 1951 من وضع الدستور الليبي. الدستور الذي تمّ التصويت عليه من قبل أعضاء الجمعيّة الوطنيّة وكانت النتيجة الموافقة بالإجماع،  ثمّ تمّ إقراره وإصداره في مدينة بنغازي. ويذكر أنّ الأمير إدريس السنوسي زار أعضاء الجمعيّة الوطنيّة – وقبل إقرار الدستور وإصداره – في مقر عملهم في بنغازي، وألقى أمامهم كلمة قصيرة عبر فيها عن سعادته بإتمام مهمة إنجاز الدستور، وعن فرحته بما حمله من مواد تكفل الحقوق وتصون الحريات وتضمن العيش الكريم للجميع. وأعلن أمامهم موافقته على مواد الدستور المائتي والأربعة ( 204 مادة ) وفصوله الاثنى عشر (12) ، متعهداً  بإحترام الدستور والإلتزام بأحكامه والعمل على تطبيق مواده وفصوله بالكامل.

وفي يوم 24 ديسمبر 1951م.. أعلن الملك إدريس السنوسي من شرفة قصر المنار بمدينة بنغازي بأنّ ليبيا ومنذ اليّوم أصبحت دولة مستقلة ذات سيادة اسمها المملكة الليبيّة المتحدة (18) .

ويذكر أنّ حياة الليبيّين وقتما أعلن الإستقلال في ديسمبر 1951م كانت غايّة في الفقر والبؤس والتخلف، وكانت الأمراض والأوبئة تحصد أرواح الآلاف منهم سنوياً. وكان أكثر من 90% من الشعب الليبي أمي، وكان غالبية الموطنين يسكنون في خيام أو أكواخ، ونسبة بسيطة جداً منهم يسكنون البيوت، وكانت تلك البيوت شبه مدمرة من آثار الغارات الجويّة للحرب العالميّة الثانية. وكانت ليبيا في نظر العالم عبارة عن مساحة كبير من صحراء، وأراضي أخرى لا خصوبة في تربتها، وتندر فيها الأمطار والآبار بالإضافة إلى عدم وجود ثروات معدنية بها وانتشار الأوبئة والأمراض في أراضيها !. ولذا، لم يكن أحد في العالم..(.. يراهن على بقاء ليبيا واستمرارها لشده فقرها وإنعدام كافة مقومات الحياة فيها..)، كما قال د/ محَمّد يوسف المقريف.

تمكن الملك إدريس السنوسي بحكمته ودهائه السياسي من الحصول على معونات خارجيّة تضمن تسيير شئون الدولة الوليدة. واستطاعت حكوماته توظيف تلك المعونات توظيفاً مثالياً، حيث صرفت جلها على البنيّة التحتيّة، وعلى قطاعي التعليم والصحة على وجه الخصوص. وأصدر الملك بعد إستقلال ليبيا بشهور تعليمات لحكومته يحثها على جلب شركات أجنبيّة للبحث والتنقيب عن النفط. أخذت حكومته بتعليمات الملك وجلبت أكبر عدد ممكن وقتذاك من شركات التنقيب، وابتعدت – وكما نصحها الملك – عن إعطاء إمتيازات للتنقيب. وكلفت متخصصين بإعداد قانون خاص بالنفط وتمّ الانتهاء من وضع ذلك القانون أو التشريع النفطي في عام 1955م. 

اكتشف البترول في ليبيا مع بداية النصف الثاني من خمسينيات القرن المنصرم وشُرع في تصدير النفط الخام في عام 1961م.

نعمَ الشّعب الليبي في عهد الملك إدريس السنوسي بالحريّة والأمان، ورعايّة حقوقه الإقتصاديّة والإجتماعيّة والصحيّة والتعليميّة والثقافيّة. ونموّ موارده الماليّة بشكلِ مثالي لم يشهد الوطن العربي مثيل له وقتذاك أو كما قال د/ محمّد المقريف..(.. نموّ موارده الماليّة منذ شُرع في تصدير النفط الخام في عام 1961م حيث وظّفَ الجزء الأكبر من إجمالي عائداته التي بلغت بين عامي 1963م – 1969م نحو 3 مليار دور أمريكي في تنفيذ خطط وبرامج تنميّة إقتصاديّة وإجتماعيّة للبلاد..).    

{.. ويذكر أنّ تقرير البنك الدولي الصادر في عام 1952م قد وصفَ ليبيا كثاني أفقر دولة في العالم بعد اندونيسيا. وبدأت ليبيا رحلة الإستقلال ولم يزد حملة المؤهلات العاليّة من مواطنيها على إثنين، ولم يتجاوز عدد التلاميذ في جميع مدارسها رقم المائتين، كما لم يكن للبلاد سوى ثلاثة آلاف خط تلفوني محصورة في مدينتي طرابلس وبنغازي وعدد محدود من القرى. ومع إنّ الرحلة قد بدأت والليبيّون في أشد حالات العوز، فقد حققت البلاد خلال السنوات السبع عشرة، التي سبقت إنقلاب / أيلول / سبتمبر 1969م، إنجازات باهرة بكلّ المقاييس، إذ بلغ عدد تلاميذ المدارس رقم الثلاثمائة ألف، وفاق عدد طلاب الجامعة والمبعوثين العشرة آلاف، ناهيك عما جرى إنجازه من مرافق وخدمات واضحة الجودة ومنتشرة في كلّ مكان. كانت مسيرة الإستقلال رائعة، ولم يكن هناك من تقصير سوى ما فرضته إمكانات المال والإنسان، وما أملته حداثة التجربة على جميع الليبيّين، ومع إنّ الدولة لم تكن مثاليّة، كما تمنى الكثيرون، إلاّ أنّها حازت فضل المحاولة وحافظت على طاهرة الذمة وحمت الوشائج التي تربط بين الناس في مجتمع بريء...} م41

 

 

الملك إدريس السنوسي.. الإستقلال وتأسيس الدولة 

 

افتتح الملك إدريس السنوسي في عام 1952م أول برلمان ليبي، وذلك بمدينة بنغازي. وبإفتتاحه للبرلمان ترك مهمة رسم السياسيات ومراقبة الحكومات ومحاسبتها تقع على عاتق نواب البرلمان المنتخبون مباشرة من قبل الشعب. وجعل الحكومة مسئولة أمام البرلمان، ولذا، منحَ رئيس الحكومة صلاحيات واسعة لأجل أداء عمله على أكمل وجه دون أنّ يتدخل إلاّ إذا اضطر لذلك في حالات الضرورة القصوى، وظل دائماً – وباختياره –  بمعزل تام.. (.. عن النواحي الماليّة والتجاريّة، تاركاً للوزراء ومستشاريهم مهمة التفاوض مع شركات النفط والتصرف في الإيرادات المحصلة..)، وفقاً لما جاء في شهادة دي كاندول في كتابه "عاهل ليبيا.. حياته وعصره ".

عينَ الملك إدريس السنوسي أخيه السيد/ محمّد الرضا في 21 ديسمبر 1953م ولياً للعهد إلاّ أنّ الموت أدركه  مبكراً، وذلك في 29 يوليو 1955م، وبقى منصب ولي العهد شاغراً بعده لمدة سنة وأربعة شهور، حيث أعلن الملك رسمياً عن تعيين ابن أخيه السيد/ حسن الرضا وليّاً للعهد في يوم 26 نوفمبر 1956م .

وبعد أنَّ أعلن الملك إدريس السنوسي أنّ ليبيا أصبحت دولة ذات سيادة عقب إصدار الدستور انضمت ليبيا إلى جامعة الدّول العربيّة في عام 1373 هجري الموافق 14 ديسمبر 1953م (19)، وإلى هيئة الأمم المتحدة في عام 1375 هجري الموافق 1955م. 

أصدر الملك إدريس السنوسي بعد إستقلال ليبيا بشهور تعليمات لحكومته يحثها على جلب شركات أجنبية للبحث والتنقيب عن النفط. وأكد للمسئولين على ضرورة جلب أكبر عدد ممكن من شركات التنقيب والابتعاد عن إعطاء إمتيازات للتنقيب – كانت هنالك 18 شركة بتروليّة تعمل في مجال التنقيب حتى نهاية عام 1959م طبقاً لما ورد في كتاب دي كاندول.

وقد أكد الأستاذ/ يوسف عيسى البندك توصيات الملك للمسئولين بالخصوص في كتابه "من الأفق السنوسي، حيث قال:..(.. أريد أنّ أذكر هنا أنه حين طلبت الشركات الفرنسيّة والبريطانيّة إمتيازات للتنقيب عن البترول في مناطق خاصّة رفض السنوسي أنّ تخصص أيّ منطقة لأيّ امتياز، لأنّه لا يريد أنّ تنطوي هذه الظلال الاقتصاديّة على نفوذ سياسي في أيّ حدود. وأعلن أنّ ليبيا ترحب بجميع شركات الأرض تبحث عن البترول فيها حيث تريد دون أيّ تمييز ودون أيّ امتياز. فإذا نبع الزيت، فعندها فقط تملى ليبيا شروطها، على ضوء الزيت الجديد..).

وربّما من المفيد الإشارة إلى ما قامت به حكومة السيد/ محمود المنتصر بخصوص انتهاج سياسة "الباب المفتوح " مع الشركات الراغبة في استكشاف البترول في ليبيا. فقد ذكر د/ محمّد يوسف المقريف في المجلد الثاني من كتابه: ليبيا بين الماضي والحاضر، ما نصه:..(.. أصرَّت حكومة السيد/ محمود المنتصر عن ضرورة فتح الباب أمام جميع الشركات المؤهلة من جميع الجنسيات الرغبة في استكشاف البترول في ليبيا. ورفضت أنّ تستجيب لطلب الشركتين البريطانيتين "شل " و "بريتش بتروليوم " منحمها "حق الألويّة " على أساس أنَّهما جاءتا إلى البلاد قبل غيرهما – أثناء الإدارة العسكريّة البريطانيّة في ليبيا – وأنَّهما بذلتا جهوداً وأنفقتا أموالاً في هذا الصدد...).     

ومن المفيد أيضاً أنّ نشير – ونحن نتحدث عن النفط – إلى القانون الخاص بالبترول رقم (25) الصادر في عام 1955م، والذي أُدخلت عليه ثلاث تعديلات: الأول في 3 يوليو 1961م والثاني في 9 نوفمبر 1961م والثالث في 26 أبريل 1962م، وذلك خلال حقبة رئاسة السيد/ محمّد عثمان الصيد للحكومة. وقد أشار الدكتور/ محمّد يوسف المقريف إلى ذلك القانون والتعديلات التي أُجريت عليه في المجلد الثالث من موسوعته مضيفاً ملاحظة هامّة نقلها عن د/ غانم، وجاءت الملاحظة على النحو التالي:..(.. عدّ قانون البترول الليبي عند صدوره في عام 1955م أول تشريع نفطي متكامل يصدر في منطقة الشرق الأوسط..).         

وعلى العموم.. كانت ليبيا تعتمد في حقبة ما قبل النفط بشكل أساسي على المعونات الخارجيّة حيث وصلت نسبة الاعتماد على معونات الخارج إلى 70%. وقد وظفت حكومات العهد الملكي (20) تلك المعونات خير توظيف، وصرفت جلها على البنيّة التحتيّة، وعلى قطاعي التعليم والصحة على وجه الخصوص. وكانت لتوصية الملك إدريس السنوسي بجلب أكبر عدد ممكن من شركات التنقيب الأثر الطيب على الإقتصاد الليبي وقتذاك حيث أحدثت نفقات شركات البترول على أعمال التنقيب تحولات جذرية في إقتصاد البلاد. فشركات التنقيب الأجنبيّة ساهمت بشكل مباشر في إنعاش حركة السوق والمصارف.. وتأسيس شركات ليبيّة محليّة لغرض تلبيّة احتياجات تلك الشركات من خدمات كأعمال البناء (المقاولات )، وشركات الأغذية (متعهدي التموين ). كما ساهمت في تخفيض نسبة البطالة، فوظفت تلك الشركات 4600 ليبي من المجموع الكلي للعاملين الذي بلغ في نهاية عام 1958م إلى 6400 شخص يعملون في خدمة الشركات البتروليّة مباشرة كما جاء في كتاب دي كاندول " عاهل ليبيا.. حياته وعصره".  

ويذكر أنّ البترول الليبي قد تمّ اكتشافه مع بداية النصف الثاني من خمسينيات القرن المنصرم. فقد تمّ اكتشاف أوّل   بئر للبترول في عام 1956م، وذلك في وادي العطشان قرب الحدود الجزائريّة الليبيّة. ثمّ توالت الاكتشافات فاكتشفت مناطق أغنى بكثير مما تمّ إكتشافه في عام 1956م وأفضل جغرافياً من حيث النقل إلى الخارج، ومن ناحيّة القرب إلى محافظات البلاد الرئيسيّة وهو أمر يوفر للدولة سبل أيسر للمتابعة والمراقبة ويمنحها إمكانيّة أكبر لجلب عمالة كافيّة تضمن تشغيل الحقول بالصورة المطلوبة. أُعلن رسمياً في عام 1961م عن إفتتاح أول ميناء لتصدير النفط في مرسى البريقة. وبدأت بعد ذلك مباشرة إيرادات النفط تتدفق على الخزانة الليبيّة.

{.. وسعياً إلى تحقيق الاستفادة المثلى من تلك الإيرادات، عمدت الحكومة عام 1960م إلى دعوة المصرف الدولي لدراسة وضع ليبيا الإقتصادي وتقديم ما يراه من توصيات بشأنه. ومن ثمّ أُنشي مجلس الأعمار الذي وضع الخطة الخمسيّة للتنميّة ( 1963م – 1969م ) موزعة على أحد عشر بنداً، وفي مقدمتها الأشغال العامّة والزراعة والتعليم. وقامت الخطة على أساس تخصيص 70% من عائدات البترول، فكلما ازدادت تلك الإيرادات كلما ارتفعت قيمة الإنفاق على مشاريع التنميّة.

ومن أهم مشروعات التنميّة التي نفذت طبقاً لهذا البرنامج ما عرف بمشروع إدريس للإسكان، وكان القصد منه إنشاء مساكن عصريّة لائقة مزودة بالمياه والكهرباء والمجاري بدلاً من الأكواخ المزرية التي كانت قائمة على أطراف المدن كمأوى لنحو 20% من السكان. كذلك استهدف البرنامج تحقيق قفرة هائلة في تطوير المرافق التعليميّة، إذ تضمن مشروعات لإنشاء جامعة حديثة فسيحة في الناحية الجنوبيّة من بنغازي – التي سميت فيما بعد بجامعة قاريونس – ومدارس ابتدائية جديدة في جميع المدن والقرى وكليّة فنيّة راقيّة خارج مدينة طبرق. وفي مجال الأشغال العامة شملت الخطة بناء محطات جديدة للكهرباء في كل من طرابلس وبنغازي، وشبكة من الطرق المزدوجة لمرور السيارات على طول معظم الشريط الساحلي الممتد إلى مسافة 1200 ميل من الحدود التونسيّة إلى الحدود المصريّة. أمّا الخطة الخمسيّة الثانيّة  (1969م – 1974م) التي وضعت هي الأخرى على أساس 70% من عائدات النفط لأغراض التنميّة فالظاهر أنّها قتلت في مهدها. ويبدو أنّ الحكم الحالي – يقصد حكم القذافي – يعتبر الإنفاق العسكري أهم من أهداف التطور الإقتصادي والإجتماعي..}م42  

وكان من المفترض أنَّ تستمر الخطط التنمويّة الخمسيّة للعهد الملكي، والتي بدأت في عام 1963م، إلى نهاية عام 2003م. ولكن لم ينفذ من تلك الخطط سوى الخطة الخمسيّة الأولى حيث قتلت الخطة الخمسيّة الثانيّة (1969م – 1974م) في مهدها بعد إستيلاء القذافي على السلطة في سبتمبر 1969م، وألغى الملازم (القذافي ) بجرة من قلمه باقي الخطط الخمسيّة الأخرى. 

عموماً، ومن جديد.. أصبحت ليبيا في غضون سنوات من إكتشاف النفط دولة غنيّة يأتي ترتيبها في المقام السابع للدّول المنتجة للنفط على مستوى العالم، والقائمة تأتي على الشكل التالي: أمريكا، الإتحاد السوفيتي، السعوديّة، إيران، فنزويلا، الكويت، ليبيا. وصار دخل المواطن الليبي في منتصف ستينيات القرن الماضي ثاني أعلى دخل في الوطن العربي بعد الكويت، وتدهور مستوى دخل المواطن الليبي بعد سنوات قليلة من إستيلاء القذافي على السلطة في سبتمبر 1969م .

ويذكر أنّ ليبيا ظلت طوال فترة ما قبل النفط تعتمد بشكل أساسي على المساعدات الخارجيّة. حيث بلغ حجم المساعدات الخارجيّة لليبيا طبقاً للإحصائيّة التي أوردها السيد/ دي كاندول في كتابه: الملك إدريس عاهل ليبيا.. حياته وعصره، كما يلي..(.. (10) عشرة ملايين جنيه إسترليني في عام 1956م.. 7,46 مليون جنيه إسترليني في عام 1957م.. 9,37 مليون جنيه إسترليني في عام 1958م. وكانت الميزانيّة المعتمدة لسنة 1959م / 1960م في حدود مبلغ 13,38 مليون جنيه إسترليني، ونصف هذه الميزانيّة تقريباً من المعونات الأجنبيّة التي قدمت معظمها بريطانيا...).     

وربّما استطردت هنا لأقول أنّ حياة الليبيّين كانت غايّة في الفقر والبؤس والتخلف، وكانت الأمراض والأوبئة تحصد أرواح الآلاف منهم سنوياً، وكانت الغالبية العظمى من الليبيين تسكن في خيام أو أكواخ، ونسبة بسيطة جداً منهم كانت تسكن في بيوت، والتي هي الأخرى لم تنجو من آثار الغارات الجوية للحرب العالمية الثانية. بل، حتى الأمير إدريس السنوسي وإلى شتاء عام 1950م كان يسكن في بيت صغير جداً يكاد يخلو من الأثاث، وقد وصفَ السيد/ دي كاندول بيته بما يلي:..{.. كنت أزور الأمير صباحاً في تلك الأيام من شتاء عام 1950م كنت أجده قابعاً قرب كانون الفحم بمنزله القليل الأثاث المكون من غرفتين...}م43.   

وجد الليبيّون بعد انتهاء الحرب العالميّة الثانية بيوتهم مهدمة، وشوارعهم محطمة، والمرافق مدمرة من جراء الغارات الجويّة التي وصلت على بنغازي وحدها 1200 غارة جويّة. وكانت الأجور غايّة في البؤس والتدني، ونسبة البطالة مرتفع جداً. ففي ولاية برقة، وعلى سبيل المثال لا الحصر، كانت الأجور والمرتبات في عام 1949 م زهيدة للغايّة، وبقى الكثيرون دون عمل. وكان مستوى الدخل في عام 1949 م في ولاية برقة طبقاً لما جاء في كتاب: " هدرزة في بنغازي" للدكتور / محمّد المفتي.. ( عشرة قروش يومياً للعامل.. حوالي خمس جنيهات في الشهر للموظف).

ومجدداً، وعلى أية حال.. عينَ الملك إدريس السنوسي في نوفمبر 1956م إبن أخيه السيد/ حسن الرضا وليّاً للعهد، وأعلن رسمياً هذا التعيين في يوم 26 نوفمبر 1956م في خطاب للعرش تلاه نيابة عنه في البرلمان الليبي السيد/ مصطفى بن حليم رئيس الوزراء وقتذاك. وقد أقرّ مجلس الأمة هذا التعيين. وصحيح أنّ هذا التعيين قوبل بشيء من الارتياح العام لأنّه وضع حداً للتكهنات بشأن خلافة الملك إدريس السنوسي، وحقق مطلب سد الفراغ الذي كان قائماً بسبب غياب وليّ العهد.

{.. وصحيح أنّ وليّ العهد السيد الحسن الرضا أتّصف بدماثة الأخلاق وحسن الشمائل والتواضع، كما أنّه كان يحظى بالتقدير والاحترام مما يؤهله لتولّي الأمر بعد الملك إدريس. رّغم ذلك فإنّ خلافة شخصيّة فذّة مثل الملك إدريس كانت غايّة في الصعوبة. كما أنّ هناك من كان يرى أنَّ السيد الحسن لا يُمثِّل الخيار الأفضل من بين الأسرة السنوسيّة من أمثال السيد/ صفي الدين الشريف أو أحد أبناء السيد/ أحمد الشريف ( السادة: العربي أو الزبير أو أبوالقاسم أو محي الدين ). بل إنّ عدم اختيار السيد الصديق الرضا (الأخ الأكبر للسيد الحسن ) قد أثار تساؤلات في مختلف الأوساط التي تعرف ما يتمتّع به السيد/ الصديق من شجاعة وحزم وذكاء أكسبته إحتراماً وتقديراً واسعاً، وفُسّر تجاوزه على أنّ بعض النافذين من الحاشيّة قد وضعوا "فيتو " أمام السيد/ الصدّيق وذلك بسبب مواقف له من أسرة الشلحي بما في ذلك موقفه المتوازن من مقتل السيد/ إبراهيم الشلحي...}م44.

لا شكّ أنّ الملك إدريس السنوسي وقتما اختار السيد/ الحسن الرضا وليّا للعهد كان لازال متأثراً بحادثة 5 أكتوبر 1954م التي قتل فيها رفيقه وكاتم أسراره وأخلص الناس إليه السيد/ إبراهيم الشلحي (ناظر الخاصّة الملكيّة ) على يد أحد أفراد العائلة السنوسيّة ( الشريف محي الدين السنوسي ). ويقال أنّ صدمة مقتل السيد/ إبراهيم الشلحي..(.. كانت صدمة عنيفة جداً بالنسبّة للملك، وأنّه لم يتغلب قط على تأثير تلك الصدمة نهائياً..) كما وصف السيد/ دي كاندول آثار مقتله على نفسيّة الملك. هذه الصدمة جعلت من الملك يذهب إلى أبعد ممّا سبق وأنّ اتخذه من خطوات بشأن إبعاد العائلة السنوسيّة عن الحكم كاستثناهم من شغل المناصب الرسميّة في الدولة، والترشح لعضويّة البرلمان، ومنع أنّ يطلق لقب أمير على أيّ فرد من أفراد العائلة السنوسيّة حيث حزم أمره بعد هذه الحادثة وقرر إبعاد العائلة السنوسيّة نهائياً عن مسألة الحكم وقطع الطريق أمام من يفكرون منهم في مسألة وراثة العرش. وزادت قناعته بعد مقتل رفيقه عمقاً ورسوخاً لأنّه أيقن أنّ محاباة عائلته أو التهاون معها سيجعل أبناء العائلة السنوسيّة عُرضةُ لاستغلال صلتهم به لكسب النفوذ والقوة وهو مسئول أمام الله عن هذه المسألة إنّ تركها تحدث ولم يقوم بشيء حيالها. غضب الملك من السنوسيين بعد مقتل السيد الشلحي، ونفى عدد منهم  إلى الدواخل والقرى، وقرر ألاّ يخفف الحكم عن أبن عمه وأبن أخ الملكة فاطمة الشفاء ( الشريف محي الدين السنوسي ) إذا ما ثبتت إدانته أمام محكمة الجنايات في جريمة إغتيال ناظر الخاصة الملكيّة – أدانت المحكمة الجنايات بمدينة بنغازي الشريف، ونفذ حكم الإعدام الصادر عن المحكمة في يوم 6 فبراير 1956م. وإعدام الشريف هو حكم الإعدام الوحيد الذي جرى تنفيذه على امتداد سنوات حكم الملك إدريس، بسبب جريمة سياسيّة.

ورأيناه في عام 1954م يأمر السيد/ مصطفى بن حليم رئيس وزرائه بإعداد مشروع نّظام جمهوري على غرار النموذج الأمريكي بشرط أنّ يكون وحدوياً لا فيدرالياً كما هو الحال في النظام الأمريكي نظراً للتكلفة العاليّة التي يتطلبها نّظام إدارة الدولة بالطريقة الفيدراليّة. وكان هدف الملك إدريس من التحول عن النظام الملكي إلى نّظام جمهوري هو إنهاء مسألة وراثة الحكم إلى الأبد، وتخليص نفسه من ورطة الحكم التي كان لا يطيق أعبائها على حد تعبير السيد/ دي كاندول. ولكن مشروع التحول عن النّظام الملكي إلى نظام جمهوري قوبل بالرفض التام، واضطر الملك إلى العدول عن رأيه إلاّ أنّ فكرة التخلص من أعباء الحكم ظلت مسيطرة على عقله وتفكيره. ويذكر أنّ السيد/ إدريس السنوسي – وتأكيداً لقول السيد محمّد بن غلبون –،..(.. أنّه ما قبل بلقب الملك وتوليّ أعباء الحكم إلاّ حينما كان ذلك ضرورة لتحقيق إستقلال ليبيا، وحاول التنازل عن الحكم عندما شعر أنّ ذلك قد يخدم استقرار البلاد..).

وحينما قرر الملك اختيار السيد الحسن الرضا لولاية العرش بنى قراره على أنّ السيد الحسن لا يطيق الصراعات ولا يرغب في الحكم، وله من الأخلاق وحسن الشمائل ما يجعله يتنازل بكلّ أريحية واطمئنان عن الحكم إذا ما شعر أنّ ذلك قد يخدم مصلحة بلاده وشعبه. وكان يعلم أنّ السيد الحسن الرضا سيقبل بولاية العرش لا حباً في الجاه والسلطة إنّما سيقبل المنصب لأنّه لا يعصى له أمراً.

وربّما استطرد هنا لأؤكد بأنّ السيد الحسن الرضا لم يكن ينقصه شيئاً ليكون حاكماً قوياً ويخلف العرش عن عمّه فهو من بيت علم وأسرة مجاهدة لها بصمات مشرفة في التاريخ الليبي وتاريخ الأمّة العربيّة والإسلاميّة، ومتزوج من بيت كبير من البيوت الطرابلسيّة المعروفة وقتذاك – متزوج من كريمة السيد/ طاهر باكير والي طرابلس . وهو ذو تعليم متوسط حيث درس المرحلة الابتدائيّة في مدينة بنغازي، ثمّ درس بالأزهر الشريف بالقاهرة نحو ستة سنوات. فهو لا يقل في تعليمه عن رؤساء وأمراء وملوك حكموا البلدان العربيّة وقتذاك، بل، وإلى الآن، لأنّه هو أكثر تعليماً وعلماً من كثيرين حيث لم يثبت دخول بعض حكام العرب للمدارس أصلاً !، ولا يتجاوز تأهيل بعضهم مؤهل الشهادة الابتدائيّة، علاوة !، على أنّهم لا يملكون الرصيد العائلي الذي هو يملكه. ولو أنّ السيد الحسن الرضا حرص على الحكم لأوقف السيد/ البوصيري الشلحي ناظر الخاصة الملكيّة – والبوصيري توفي في حادث سيارة يوم 13 أبريل 1964م – عند حده أو تحالف مع الغاضبين منه لإقناع الملك بضرورة إقالته !. وعمل لنفسه دعايّة مكثفة، وحرص على إبراز شخصه في وسائل الإعلام المختلفة الداخليّة منها والخارجيّة أو قبل بمشاريع عُرضت عليه ليستلم هو الحكم بدلاً من عمه !. وهي مشاريع موثقة كان أهمها محاولة استقطابه في عام 1962م أثناء زيارته للولايات المتحدة الأمريكيّة (21). ولكن السيد/ الحسن الرضا كان زاهداً في السلطة، ووفياً للملك إدريس السنوسي. هكذا، كان ظن العم بأبن أخيه. وكذا، لم يُخيب أبن الأخ ظن العم به. لم يُفتن السيد الحسن الرضا بكرسي العرش وبجاه السلطة والسلطان. ولم يسجل عليه أنّه ظلم أحداً أو أذى شخصاً أو تسبب في قطع رزق لأيّ إنسان، إنّما، هو من تعرض إلى الظلم والسجن والتعذيب.. وتعرض إلى الحصار المادي والنفسي منذ اليّوم الأوّل من استيلاء القذافيّ ورفاقه الأشرار على السلطة في الأوّل من سبتمبر 1969م. وعاش عشرين عاماً داخل ليبيا تحت الإقامة الجبريّة، وممنوعاً من السفر، ومحروماً من العلاج والعيش الكريم إلى أنّ أكرمه الله سبحانه وتعالى في أواخر الثمانينيات من مغادرة ليبيا للعلاج ببريطانيا فعاش الخمس سنوات الأخيرة من عمره في حرية وآمان بين أولاده ورفيقة عمره ابنة السيد/ الطاهر باكير أحد أعلام ليبيا ورجالات العهد الملكي. وتوفي في لندن في عام 1992م راضياً مرضياَ ونقل جثمانه إلى السعوديّة حيث دفن بقرب قبر سيدنا محمّد عليه الصلاة والسلام، وبجانب قبر عمّه الملك محمّد إدريس السنوسي (رحمه الله ) في البقيع بالمدينة المنورة.  

ومن جديد.. قام الملك إدريس السنوسي في عام 1963م بإلغاء النظام الفيدرالي، وأصبحت ليبيا منذ إصدار ذلك القرار تسمى ( المملكة الليبيّة) بدلاً من (المملكة الليبيّة المتحدة )، وأُعلنت طرابلس عاصمةُ  للبلاد.

وعلى أية حال..{.. استلم الملك محمّد إدريس بن المهدي السنوسي الكيان الليبي الوليد في عام 1951م أشبه بالحطام حيث لم يكن أحدُ يراهن على بقائه وإستمراره لشده فقره وإنعدام كافة مقومات الحياة فيه، وترك هذا الكيان في عام 1969م دولة متكاملة البنيان الدستوري والتشريعي والإداري والبرلماني، حريصة على حريات وحقوق ورفاهيّة كافة أبناء وبنات شعبها، وقاطعة أشواطاً كبيرة على طريق التقدم والنهضة في كلّ مجال..}م45.

لقد كان الملك إدريس صادقاً مع شعبه .. وفياً مع أصدقائه .. كريماً مع ضيوفه .. مخلصاً مع رفاقه .. وملجأً آمناً لكلّ مدافع عن قضايا العدل والحرية وحقوق الإنسان. واستمتع الليبيون في عهده بالعيش الكريم والحرية والأمان .

{.. وتمتعت ليبيا إلى حد ما طوال الخمسينات والستينات – أيّ قبل إستيلاء القذافي على السلطة –  بروح المجتمع المدني النامي من إتحادات مهنية وعمالية حرة، وصحافة نشطة تضم أكثر من تسع صحف يومية حرة، وتمثل ألوان الطيف السياسي كافة، وانتشرت النوادي الرياضيّة والثقافيّة، والمسارح الأهليّة، وجمعيات النفع العام..}م46

ويروى أنَّ حادثتين مختلفتين أثرتا بشكلِ كبير على نفسيّة وحياة الملك إدريس السنوسي، وظلت تلك الحادثتان عالقتين بذهنه إلى أنّ فارق الحياة، وهما: محاولة الإغتيال التي تعرض لها خلال زيارته لمدينة طرابلس قبل إعلان الإستقلال.. وحادثة إغتيال السيد إبراهيم أحمد الشلحي (ناظر الخاصّة الملكيّة ) في 5 أكتوبر 1954م على يد أحد أفراد عائلته ( الشريف محي الدين السنوسي ).

فقد ألقت جماعة من الشباب الطرابلسي في 19 مايو 1951م قنبلة على موكب الأمير/ إدريس السنوسي عند زيارته لطرابلس بهدف قتله لأجل تخليص البلاد من المعاهدة البريطانيّة كما زعموا !. فشلت محاولة الاغتيال إلاّ أنّ هذه الحادثة ظلت عالقة بذهن الملك إلى أنّ فارق الحياة كما يؤكد كثيرون. وأورد الكاتب المصري/ سامي الحكيم في صفحة ( 155/ 156 ) من كتابه: "هذه ليبيا "، أسماء مجموعة الشباب الذين تورطوا في تلك المحاولة، وقال هم كالتالي:..(.. علي فرحات، إسماعيل الأزمرلي، محمود الأزرق، إبراهيم الدويبي، على وريث، إبراهيم الغويل، علي بانون، محمود الهتكي..).  

والحادثة الثانية هي اغتيال رفيقه ومستشاره وكاتم أسراره السيد إبراهيم الشلحي. والشلحي كما جاء في كتاب: برقة العربيّة للسيد/ الطيب الأشهب – وبشيء من التصرف–،..(.. كان السيد إبراهيم الشلحي من كبار الإخوان االسنوسيين، وهو الذي منح أبنه ليكون في خدمة السيد إدريس السنوسي بعد رجوعه ( أيّ سيدي إدريس ) من الحج في عام 1915م، ومنذ ذلك التاريخ ظل السيد إبراهيم الشلحي في خدمة سيدي إدريس وأقرب الأشخاص إلى نفسه.. وكان رفق دربه ومستشاره والسند الذي ساعده بصدق وإخلاص على تجاوز الكثير من المصاعب والمتاعب التي مر بها..).

ولذا كانت صدمة إغتياله صدمة عنيفة جداً بالنسبّة للملك إدريس السنوسي أو كما وصف السيد/ دي كاندول بأنّها..(.. صدمة لم يتغلب الملك قط على تأثيرها نهائياً..). 

حكم الملك إدريس السنوسي ليبيا من سنة 1951م إلى سبتمبر 1969م (تاريخ وقوع إنقلاب القذافي ). وكان   وقت وقوع الإنقلاب في رحلة استشفائيّة بالخارج. فقد سافر الملك وزوجته في بداية صيف 1969م إلى الخارج قصد العلاج والاستجمام، وكان عاقد العزم على ترك الحكم، ليعود هو وزوجته ليقيما بطبرق بعد تصديق البرلمان على وثيقة التنازل عن العرش. 

{..وبتاريخ 4 أغسطس 1969م بينما كان الملك في اليونان قبل انتقاله إلى مدينة بورصة التركية للعلاج، أمضى وثيقة تنازله (22) وعهد بها إلى الشيخ عبدالحميد العبار (رئيس مجلس الشيوخ ) الذي كان المفروض أنّ يقدمها لمجلس الأمّة الليبي رسمياً في الثاني من سبتمبر 1969م. وفي ليلة 31 أغسطس تحرك ضباط صغار بالمصفحات من ثكنات الجيش واستولوا على الحكم..}م47. .      

وخلال أيام الإنقلاب الأولى.. زار المهندس/ يوسف ندا (رجل أعمال مصري من جماعة الأخوان المسلمين ) الملك إدريس السنوسي في مقر إقامته ب(كامينافورلا) في اليونان (23). وقد عبر الملك للسيد يوسف ندا عن رغبته في الإقامة بمصر، وقال له:..(.. وما أعتقد يكون عندي مكان أهنأ فيه وأرتاح فيه إلاّ أم الكنانة مصر..). وربّما استطرد هنا لأؤكد بأنّ محبة الملك إدريس السنوسي لمصر تعاظمت وازدادت عمقاً منذ لجوءه إليها بعد أنّ شددت إيطاليا خناقها عليه. فقد دعمَ الشارع المصري وكافة الفعاليات والشرائح المصريّة مطالب السنوسي وقضية بلاده، ونددوا من خلال الصحافة والمظاهرات الشعبيّة والمسيرات العارمة بجرائم دولة إيطاليا على أرض ليبيا. ويذكر أنّ جمع كبير من عظماء الوطنيين المصريين وقفوا مع..{.. حركة الجهاد الليبيّة، مقدمين العون المادي والمؤازرة المعنويّة، باذلين كلّ ما في وسعهم وجهدهم لنصرة قضيّة إخوانهم الليبيّين، فلم يبخل أهل المال بالجود به في تبرعاتهم السخيّة، ولم يتوان أهل القلم في كتابة مقالاتهم المناصرة والمؤيدة على ظهر الصحف والمجلات والدوريات المختلفة، ولم يبخل منهم الذين يحتلون مناصب أو مواقع مسئولة من الضغط على الحكومة المصريّة لتسهيل المصاعب التي يواجهها الليبيون المقيمون على أرض مصر.

ولما كانت الحكومة المصريّة قد حددت إقامة الأمير السنوسي داخل منطقة دلتا النيل، فقد انتقل بعد خمس سنوات من إقامته في القاهرة إلى الإسكندرية ليمضي بها بقيّة المدة التي قضاها بالمهجر في أرض مصر قبل أنّ يعود إلى ليبيا في بداية الأربعينات..}م48.

وبعد هذا الاستطراد أقول.. كان الملك إدريس السنوسي رحمه الله في اليونان وقت وقوع الإنقلاب، ووصل إلى القاهرة في نوفمبر 1969م في عهد الرئيس الراحل جمال عبدالناصر. وأقام الملك إدريس السنوسي في مصر من نوفمبر 1969م إلى أنّ  وفاته المنية في مايو 1983م. توفي عن عمر يناهز الرابعة والتسعين في القاهرة يوم 12 شعبان 1404 هجري الموافق  25 مايو 1983م، ونقل جثمانه الطاهر في طائرة مصريّة خاصّة إلى المملكة العربيّة السعوديّة حيث دفن في البقيع بالمدينة المنورة تنفيذاً لوصيته.

 

بقلم الصادق شكري

 

 

ملاحظات وإشارات هامة

18) المملكة الليبيّة المتحدة : قامت الدولة الليبيّة بعد إعلان إستقلالها في 24 ديسمبر 1951م على نّظام إتحادي (فيدرالي ) يُقسم البلاد إلى ثلاث ولايات ( طرابلس وبرقة وفزّان )، وتحت اسم المملكة الليبيّة المتحدة. تمّ إلغاء النّظام الاتحادي في عام 1963م، وعُدلَ اسم الدولة من المملكة الليبيّة المتحدة  إلى " المملكة الليبيّة " بموجب قانون رقم 1 لسنة 1963م. 

19) الإنظمام إلى جامعة الدّول العربيّة في 14 ديسمبر 1953م :

 يرجع السبب في تأخر إنضمام ليبيا إلى جامعة الدول العربية لمواقف الأمين العام لجامعة الدّول العربية وقتذاك (السيد/ عبدالرحمن عزام ) المحتجة على "استقلال ليبيا "، والمعاديّة للسيد/ إدريس السنوسي !. وعزام هو أوّل أمين لجامعة الدول العربيّة من عام 1945م إلى 1952م. قدمََ استقالته من أمانة الجامعة في سبتمبر 1952م أيّ بعد شهرين من سقوط الملكيّة في مصر ووصول جمال عبدالناصر إلى السلطة. سافر إلى السعوديّة بعد استقالته من الجامعة، فعُين مندوباً للمملكة في جامعة الدّول العربيّة، ثمّ في هيئة الأمم المتحدة، وظل حتى عام 1974م مستشاراً للدولة السعوديّة. أختلف مع السيد/ إدريس السنوسي في فترة كفاحه السياسي من أجل إستقلال ليبيا، ورفض إستقلال ليبيا بعد تحقيقه على يد الملك إدريس السنوسي موصياً بوضع ليبيا تحت وصاية جامعة الدول العربيّة أو تحت حكم الإدارة المصريّة !. تعمد عزام..(.. تجاهل السيد إدريس السنوسي بالرّغم من أنّه يعرف موقعه القيادي وزعامته التي لا يمكن تخطيها..) كما قال الأستاذ/ إبراهيم صهد. وكان السيد/ عبد الرحمن عزام – وحسبما وصف الأستاذ/ يوسف عيسى البندك –،..(..يحركه حقد جنوني ضد السيد/ إدريس السنوسي، لدرجة أنّه زار إيطاليا، وروما تحديداً، وأدلى بتصريحات صحفيّه تهجم فيها على السنوسي، بل، دافع عن حقوق المواطنين الطليان في ليبيا..!).

وبخصوص مواقف عزام من إستقلال ليبيا، ومن السيد/ إدريس السنوسي فضلاً عن تأخر إنضمام ليبيا لجامعة الدّول العربيّة، نعرض توضيحياً كاملاً لكلّ هذه المسائل ننقله عن مقالة: معركة الإستقلال .. صراع من أجل الحريّة والوحدة والسيادة للأستاذ/ إبراهيم صهد. وقد شرح الأستاذ/ إبراهيم صهد هذه المسائل بشكل متكامل ومختصر على النحو التالي:- 

[.. وفي الواقع فإنّ الجهود التي بذلتها الجامعة وأمينها قد شابتها سقطات غير قليلة ارتكبها الأمين العام، أدت إلى حرمان ليبيا من موقف مؤازر واضح من الجامعة، بل كان للجامعة بعض المواقف التي تحسب على أنّها معرقلة لإنجاز استقلال ليبيا. ويقول الدكتور مجيد خدوري في كتابه " ليبيا الحديثة": "كانت آراء عزام الشخصيّة حول القضيّة الليبيّة قد أصبحت معروفة في المحافل العربيّة، وقد أثارت جهوده في المجالس الدوليّة لتأييد مطالب مصر في الوصايّة على ليبيا انتقاد الكثيرين من الوطنيين الليبيّين ....وكان قد أصر على أنّ أفضل الحلول هو أنّ توضع ليبيا تحت وصايّة جامعة الدول العربيّة على أنّ تتحمل مصر العبء الأكبر بسبب قربها الجغرافي من ليبيا ولأنّ مصر تعرف مشكلات تلك البلاد، وقد عبر عزام أيضاً عن موافقته على توحيد برقة وطرابلس ولكنه قال:..".. إذا استحال وحدة المنطقتين واستقلالهما فإنّه من المناسب ضم برقة إلى مصر".

وقد لوحظ أنّ موقف السيد عزام قد تبلور حول تعمد تجاهل السيد إدريس السنوسي بالرّغم من أنّ عزام يعرف موقعه القيادي وزعامته التي لا يمكن تخطيها. وقد سبق للسيد إدريس أنّ قدمَ إلى عزام مذكرة بطلب عرض القضيّة الليبيّة على مجلس الجامعة، وهي المذكرة التي أشار إليها عزام نفسه في مذكراته بعد تنحيته عن أمانة الجامعة العربيّة. وفي الواقع فإن  عزام – وهو الأمين العام – بدلاً من أنّ يكون طرفاً محايداً بين الليبيّين رأيناه دائما يأخذ موقفاً مضاداً لموقف السيد إدريس. وقد سبق للسيد عزام أنّ تدخل في مسألة تأسيس الجيش السنوسي، ونصح بعض الزعماء وخذّلهم عن الانضمام إلى ذلك المسعى بحجة أنّ بريطانيا لم تقدم وعوداً كافية بالمقابل، وقد اعترف عزام بذلك أمام وفد الجمعية الوطنيّة التأسيسيّة الذي زاره في بيته في القاهرة بتاريخ 2 فبراير 1951، ولكن عزام أوعز السبب في قيامه بالتخذيل إلى قناعته – آنذاك – بأنّ المحور سوف ينتصر في النهاية.

وقد بلغت تجاوزات الأمين العام مداها عندما تدخل في أمور ليبيّة داخليّة صرفة، عندما شارك في الطعن في شرعيّة الجمعيّة الوطنيّة التأسيسيّة وأدلى بتصريح إلى صحيفة "تيمبو" الإيطاليّة أعلن فيه أنّ الجامعة لن تعترف بمقررات هذه الجمعيّة، وأنّ الجامعة لن تقبل في عضويتها دولة لم تؤسس بطريقة مشروعة. ثمّ أتبع هذا التصريح بأنّ طلب إلى اللجنة السياسيّة لجامعة الدول العربيّة أن ترفض الاعتراف بدولة ليبيا، ودفع عزام بمجلس الجامعة نحو اتخاذ هذا القرار الخطير بتاريخ 17 مارس 1951 بالرّغم من احتجاج بعض الوفود العربيّة خاصّة – العراق ولبنان – بأنّ  المشكلة الدستوريّة الليبيّة هي مسألة داخليّة لا يحق لجامعة الدول العربيّة أن تتدخل فيها. ومع ذلك استمر السيد عزام في الإدلاء بتصريحاته المناهضة للإجراءات والقرارات التي ابتدأت تشكل أسس بناء الدولة الليبيّة، كذلك استمر عزام في حرصه على توجيه النداءات إلى الشعب الليبي مباشرة دون مخاطبة قيادات هذا الشعب.

كذلك، لم يقم عزام بواجب تهنئة الشّعب الليبي بالمناسبة الإستقلال. ولقد حالت مواقف الأمين العام دون انضمام ليبيا إلى جامعة الدول العربيّة إلى أنّ أُجبر السيد عزام على تقديم استقالته من الأمانة العامة للجامعة تنفيذاً لتعليمات من مجلس قيادة الثورة المصري في صراع ليس له علاقة بالشأن الليبي.

كذلك، فقد أدت مواقف الأمين العام هذه إلى إسقاط ظلال من الشكوك على ما قامت به الجامعة من مساع أثناء نظر القضيّة الليبيّة. وقد وصف الدكتور نيقولا زيادة في كتابه القيم "ليبيا في العصور الحديثة" هذه المواقف بقوله:"إنّ موقف جامعة الدول العربيّة – ممثلا بأمينها العام يومئذ – لم يكن دوماً موقفاً عادلاً بعيداً عن الهوى كما يبدو في القرار الذي اتخذ بتاريخ 17 آذار/ مارس 1951 بخصوص لجنة الستين"..]. أنتهي كلام الأستاذ/ إبراهيم صهد.

20) حكومات العهد الملكي: هي الحكومات الواقعة في الفترة ما بين 24 ديسمبر 1951م إلى 1 سبتمبر 1969م، والمرتبة على النحو التالي:

الحكومة الأولى: حكومة السيد/محمود المنتصر ( من 24 ديسمبر 1951م إلى 15 فبراير 1954م  ).

الحكومة الثانية: حكومة السيد/ محمّد الساقزلي ( من 18 فبراير 1954م إلى 8 أبريل  1954م ).

الحكومة الثالثة: حكومة السيد/ مصطفى أحمد بن حليم ( من 11 أبريل 1954م إلى 24 مايو 1957م ).

الحكومة الرابعة: حكومة السيد/ عبدالمجيد عبدالهادي كعبار ( من 26 مايو 1957م إلى 16 أكتوبر 1960م ).

الحكومة الخامسة: حكومة السيد/ محمّد عثمان الصيد ( من 17 أكتوبر 1960م إلى 19 مارس 1962م ).

الحكومة السادسة: حكومة السيد/ محي الدين فكيني  ( من مارس 1962م إلى يناير 1964م ).

الحكومة السابعة: حكومة السيد/محمود المنتصر ( من يناير 1964م إلى مارس 1965م / المرة الثانية ). 

الحكومة الثامنة: حكومة السيد/ حسين مازق (من مارس 1965م إلى يونيو 1967م ).

الحكومة التاسعة: حكومة السيد/ عبدالقادر البدري ( من يونيو 1967م إلى أكتوبر 1967م ). 

الحكومة العاشرة: حكومة السيد/ عبدالحميد البكوش ( من أكتوبر 1967م إلى سبتمبر 1968م ). 

الحكومة الحادية عشر: حكومة السيد/ ونيس القذافيّ ( من سبتمبر 1968م إلى 1 سبتمبر 1969م ).

21) زيارة ولي العهد إلى أمريكا: وجه الرئيس الأمريكي جون .ف.كنيدي رئيس الولايات المتحدة الأمريكيّة دعوة إلى سمو الأمير الحسن الرضا السنوسي ولى عهد المملكة الليبيّة لزيارة أمريكا وتمّ تحديد الزيارة بين ليبيا والولايات المتحدة الأمريكيّة في يوم 12 أكتوبر 1962م وقد تمّ إرسال الطائرة الرئاسيّة الخاصّة إلى سمو الأمير والوفد المرافق له المكون من السيد/ ونيس القذافي (وزير الخارجيّة)، والسيد/ يونس عبد النبي بالخير (وزير الدفاع)، والدكتور/ محي الدين فكيني ( سفير ليبيا في الولايات المتحدة الأمريكيّة)، والسيد/ فتحي الخوجة ( رئيس دائرة التشريفات الملكيّة)، والسيد/ عبد الله سكته (مدير مجلس التنميّة)، والسيد/ خليفة موسى (نائب وزير الماليّة والمدير العام للجمارك)، والسيد/ احمد الهمالي ( مدير الإعلام والمطبوعات)، والسيد/ بالقاسم الغماري ( السكرتير الخاصّ لولى العهد)، والعقيد/ إدريس العيساوي ( نائب رئيس الجيش الليبي)، والعقيد/ راسم النائلي ( الياور الخاصّ لسمو الأمير).

راجع ما جاء في مجلة المنار بخصوص زيارة الأمير الحسن الرضا السنوسي إلى أمريكا – العدد رقم 2 . ومجلة المنار هي نشرة سياسيّة يصدرها مكتب الأمير محمد الحسن الرضا السنوسي.    

22) وثيقة تنازل الملك الموقعة بتاريخ 4 أغسطس 1969م:

سلم الملك إدريس السنوسي إلى الشيخ عبدالحميد العبار وثيقة تنازله عن العرش، وذلك في اليونان في أغسطس 1969م. وجه الملك وثيقة التنازل إلى رئيس وأعضاء مجلس الشيوخ وأعضاء مجلس النواب، يعنى مجلس الأمّة الليبيّة، ورئيس الحكومة الليبيّة.وجاء في مقتطفات من رسالة التنازل، العبارات التالية:..

[..وقد مارست هذه القضيّة وعمري 27 سنة والآن في الثانيّة والثمانين ولله الحمد اتركها في حالة هي أحسن ممّا باشرت في بلائي بها، فأسلمها الآن لوليّ العهد السيد الحسن رضا المهدي السنوسي، والبالغ من العمر 43 سنة، الذي يعتبر من اليّوم (الملك الحسن رضا المهدي الأول ) على أنّ يقوم بعبئها الثقيل أمام الله وأمام أهل البلاد الكريمة على نهج الشريعة الإسلاميّة والدستور الليبي بالعدل والإنصاف فاعتمدوه مثلي مادام على طاعة الله ورسوله والاستقامة. وبعد اعتماده من مجلس الأمّة يحلف اليمين الدستوريّة أمام مجلس الأمّة قبل أنّ يباشر سلطاته الدستوريّة. وإني أنّ شاء الله عقدت العزم على اجتناب السياسة بتاتاً والله على ما أقول وكيل.

....أوصي الجميع من أبناء وطني بتقوى الله في السر والعلن، وإنكم جميعاً في ارغد عيش وانعم النعم من الله تبارك وتعالى.

... تعانوا على البر والتقوى ولا تعانوا على الإثم والعدوان ولا تفرقوا، قال صلى الله عليه وسلم لتأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر أو ليسلطن الله عليكم شراركم فيدعوا خياركم فلا يستجاب لهم...].

بالإمكان الرجوع إلى نص وثيقة التنازل كاملاً في صفحة 166 من كتاب: " الملك إدريس عاهل ليبيا، حياته وعصره" للسيد/ ئي. آ. ف. دي كاندول.

23) في مقر إقامته ب(كامينافورلا) في اليونان: زار المهندس/ يوسف ندا الملك إدريس السنوسي في مقر إقامته ب(كامينافورلا) في اليونان بعد وقوع إنقلاب سبتمبر 1969م. كانت للمهندس/ يوسف ندا علاقات قديمة بملك ليبيا (إدريس السنوسي) والرئيس التونسي (الحبيب بورقيبة) الذي منحه الجنسيّة التونسيّة منتصف الستينيات.كان الإخوان المسلمون في فترة حكم جمال عبدالناصر لمصر يهربون من مصر إلى المملكة الليبيّة أو العربيّة السعوديّة. بل، هناك من جماعة الإخوان المصريّة من استجار بالسيد/ إدريس السنوسي قبل أنّ يصبح ملكاً أيّ حينماً كان أميراً وكانت مصر ملكيّة. في أحد أيام شهر يوليه من عام 1949م – ومساءاً – طرق باب بيت الأمير ثلاثة شبان من جماعة الأخوان المسلمين بمصر، وهم: محمود يونس الشريبني، عزالدين إبراهيم، وإبراهيم سعده، وطلبوا مقابلة الأمير، فقابلهم. قال هؤلاء الشبان للأمير: أنّهم متهمين زوراً بالإشتراك في عمليّة اغتيال النقراشي باشا، وأنّهم يطلبون الحمايّة والإيواء. أسكن الأمير الشبان الثلاثة في بيته، وقال للمسئول البريطاني في الإدارة العسكريّة: أيّ تعرض لهؤلاء الشبان هو تعرض ليّ أنا شخصياً، وأنهم ضيوفي ولا أملك إلاّ أنّ أجير من يلجأ إليّ. أغلقت الحكومة المصريّة حدودها مع برقة، وأرسلت أثنين من كبار الشرطة المصريّة إلى بنغازي لإلقاء القبض على الشبان الثلاث، وهددت الأمير وطلبت منه ضرورة الانصياع إلى طلب الحكومة المصريّة القاضي بتسليم هؤلاء. وجاء بخصوص هذه المسألة في كتاب: الملك إدريس عاهل ليبيا للسيد/ دي كاندول، ما يلي:.. (.. أوّل إجراء اتخذه الأمير بعد الإعتراف الرسمي به أقحمه في صدام مع الحكومة المصريّة. وكان رأيي – كاندول يقصد نفسه – أنّ يسلم الرجال المطلوبين حرصاً على مصلحة الأمن العام وحسن العلاقات مع مصر، ولكن، الأمير ظل متشبثاً بموقفه، وأصر على أنّه لا يملك إلاّ أنّ يجير من يلجأ إلى حماه، وأمر بإسكان الشبان في قصر المنارة...). 

هكذا وقف الأمير إدريس السنوسي موقفاً ثابتاً حيال مسألة إجارة من يلجأ إليه، وتمسك بهذا المبدأ بعد تأسيس الدولة الليبيّة حيث نص الدستور الليبي صراحة على احترام هذا المبدأ وضرورة التمسك به، وجاء في المادة رقم (189)  بخصوص مسألة اللاجئين السياسيين، النص التالي:– تسليم اللاجئين السياسيين محظور، وتحدد الإتفاقيّات الدوليّة والقوانين قواعد تسليم المجرمين العاديين.   

وهذا، يذكرني بالقصة التي وقعت لأبن السيد محمد صادق المجددي سفير أفغانستان بمصر في فترة إقامة السيد إدريس السنوسي بمصر. كان السيد/ محمّد هارون المجددي – أبن السفير الأفغاني – مقيماً بمصر، ومحسوباً على التيار الإخواني، وبعد تعرضه للاعتقال في عام 1956م – وللمرة الثانية – مع مجموعة الإخوان، استطاعت أخته إطلاق سراحه فتوجه إلى ليبيا !. تدخلت أخت السيد محمّد هارون لدى السيدة تحية السيدة/ تحية محمد كاظم –  ابنة تاجر من رعايا إيران وزوجة الرئيس جمال عبدالناصر – فاُخرج من السجن ونفي خارج مصر. ذهب السيد محمد هارون المجددي مع مجموعة من رفاق المعتقل إلى ليبيا، وأقاموا في مدينة طرابلس معززين مكرمين إلى أنّ قرروا بعد حوالي سنة وشهور من إقامتهم بطرابلس تقريباً – وبإختيارهم دون إجبار من أحد –  مغادرة ليبيا والإقامة في مكان أخر !.       

وعودة إلى المهندس/ يوسف ندا.. استقبل الملك إدريس الإخوان الفارين من عبدالناصر، والذين لجوا إليه استقبالاً حسناً، ولم يستسلم للضغوطات المصريّة التي كانت تدعوه مراراً لتسليمهم. ومن بين هؤلاء الأستاذ/ عزالدين إبراهيم، الأستاذ/ إبراهيم سعده، والأستاذ/ محمود الشريبني....وغيرهم. لجآ الشبان الثلاثة إلى قصر الملك في بنغازي، ولعب الأستاذ/ عز الدين إبراهيم على وجه الخصوص دوراً هاماًَ في المراحل التأسيسيّة لحركة الإخوان بليبيا – أو كما جاء لسان الأستاذ/ الحاج فرج النجار في مقالة منشورة على الموقع الإلكتروني الليبي " سجناء الإخوان في ليبيا" –،..(.. كان الدور الخاص بالدكتور عز الدين إبراهيم في مدينة بنغازي بالذات دورًا له آثاره الطيبة؛ حتى إنّه لا يكاد يكون هناك شاب من شباب هذه المدينة ممن لهم شأن يُذكر إلا وقد تتلمذ على يد هذا الداعية المسلم ..).

وصل الأستاذ/ عزالدين إبراهيم إلى ليبيا في يوليه من عام 1949م بعدما تعرضت جماعة الإخوان بمصر للسجن والمضايقة والملاحقة في عام 1948م أبان عهد الملك فاروق بعد اغتيال النقراشي باشا، وعاش في بنغازي، وكان معه شخصين من نفس جماعة الإخوان. وأتجه الأستاذ/ عزالدين إبراهيم بعد إنقلاب سبتمبر 1969م إلى الإمارات العربية المتحدة واستقر فيها حيث منحه الشيخ/ زايد بن سلطان آل نهيان الجنسيّة الإماراتيّة، وعينه في البداية رئيساً لجامعة الإمارات ثمّ عضواً بمجلس إدارة ( جمعية الدعوة الإسلاميّة ).

ويروي المهندس/ يوسف ندا أنّه قابل الملك إدريس في عام 1962م، وجاء في نص حديثه مع مذيع قناة الجزيرة الأستاذ/ أحمد منصور في برنامج " شاهد على العصر"، ونقلاً عن موقع "الجزيرة نت" / أغسطس 2002م، ما  يلي:..[.. قابلت الملك في عام 1962م. وقلت له:..(..أنا من الإخوان المسلمين، وظروفي كذا وكذا، وكنت معتقل في مصر..). واستطرد ندا، قائلاً:...(.. على أية حال، حكيت للملك قصتي كاملة..) وردّ عليّ الملك، قائلاً:..(.. يا ابني، أنا كنت لاجئ في مصر، ومصر تعتبر بلدي وعزيزة عليَّ زي ليبيا، واعتبر نفسك، أنت هنا في بلدك. وأعلم يا أبني أنك لست أول شخص يشعر بالاضطهاد والظلم، وعموماً، أي حاجة تريدها أو تحتاجها فعندك فلان!، يقضي لك ما تريد وتطلب. وأضاف ندا:..). بعد مقابلة الملك الصالح (السنوسي ) شعرت وأحسست بأنّ ضهري مسنود من الملك.

وعلى أية حال.. لم تتغير علاقة الملك إدريس بمجموعة الإخوان الذين لجوا لليبيا حتى بعد أحداث 1965م، وظلت علاقته بهم على ما يرام، ولم يتغير شيئاً بعد ما جرى وكان !. تََعرّف الملك عليّ، ولم يتعرّف عليّ أنا وحدي فقط، وكانت للملك علاقة بالدكتور أبو السعود – يرحمه الله. وكانت علاقة الملك بنا معروفة لدى عدد محدود جداً من العاملين معه، يعني مدير الأمن العام ومدير أمن الدولة (المباحث العامة ). وقد أعطى الملك تعليماته لمدير الأمن العام السيد/ سالم بن طالب لأجل إصدار جواز سفر ليّ. وتحصلت على جواز سفر ليبي ما بين عامي 63، 64 ..].

والحاصل، وبعد وقوع إنقلاب سبتمبر 1969م ترك المهندس يوسف ندا ماله وأعماله في ليبيا، وهرب بعد الإنقلاب مباشرة عن طريق البحر إلى اليونان. والتقى برئيس اليونان وقتذاك (بابا ببلوس)، ثمّ انتقل للإقامة في (كامبيونا) الإيطالية التي تقع داخل الحدود السويسريّة، ولازال يقيم بها إلى الآن.  

وفي الختام.. خرج يوسف ندا هارباً من ليبيا عند طريق البحر بعد إنقلاب القذافي مباشرة قاصداً النمسا، ومروراً باليونان. وبعد وصوله إلى اليونان زار الملك إدريس السنوسي الذي كان موجوداً في (كامينا فورلا) في اليونان. وبخصوص هذه الحادثة قال يوسف ندا:..[.. قابلت رئيس الدولة في اليونان (بابا دوبلوس)، وكان في غايّة الأدب. وقال ليّ: موضوع ليبيا بالنسبة لنا شديد الأهميّة. والأخبار التي تصلنا كلها عن طريق الإذاعات، وأنت الوحيد الذي خرج من ليبيا وبإمكانه أنّ يصف لنا حقيقة الأوضاع، وأنا أريد أن أسمع منك. والملك إدريس السنوسي موجود عندنا في (كامينا فورلا). ثم سألني: هل الملك سيرجع ثاني إلى ليبيا !؟. وهل من قاموا بالإنقلاب ستستقر لهم الأمور !؟. الحاصل.. لو سيرجع ثاني ونعامله هنا معاملة غير طيبة، ستكون نتيجة بعد رجوعه أننا سنفقد ليبيا،  ولو عاملناه معاملة طيبة ثم لم يتمكن من الرجوع وتستقر الأوضاع لجماعة الجديدة معنى ذلك سنفقد ليبيا لأنّ الجدد لن ينسوا لنا هذا الموقف !. فما هو رأيك ؟. وكيف تصور الوضع في ليبيا ؟ وهل الملك محبوب ؟.

فقلت (يوسف ندا ) له: الملك محبوب، ولكن، لن يرجع ثاني !. فقال لماذا ؟. فقلت: الملك ما في إيده سلطان، وليس لديه رجال يُعتمد عليهم، والذين حوله كلهم ناس مش كويسين.

قال ليّ أشكرك، وأتفضل . فقلت له: هل تسمح لي بطلب؟ قال: أطلب ( أتفضل). فقلت: هل ممكن أزور الملك؟. وكان ردّه بالإيجاب. 

زرت الملك وقابلته. وكانت مقابلة صعبة، الله يرحمه، صعبة، قبلت يده، وقلت للملك: أنا في خدمتك. فردّ عليّ قائلاً: (.. بارك الله فيك.. وما أعتقد يكون عندي مكان أهنأ فيه وأرتاح فيه إلاّ أم الكنانة مصر . ويستطرد ندا قائلاً:..).. كان حديثاً مؤلماً، وطلعت من عند الملك، من (كامينا فورلا) على المطار ثمّ على طول إلى فينيا.."...]. 

هذا ما أحببنا ذكره بالخصوص، ولمزيد من التفاصيل راجع حلقات البرنامج الأسبوعي "شاهد على العصر " على موقع الجزيرة نت/ الفضائية. بدأت حلقات البرنامج في 4 أغسطس 2002م، وما ذكرناها في هذه الفقرة هو منقول أمّا  بالنص الحرفي أو بشيء من التصرف عن موقع الجزيرة الفضائية، كذلك، أضفت في هذه الفقرة بعض المعلومات التي رأيت أنّها تخدم سياق هذه الوقفة.

 

مصادر ومراجع

م40) الأستاذ/ أحمد تمام – مقالة: إدريس السنوسي.. الصوفي الملك ( في ذكرى وفاته: 12 شعبان 1404 هجري) – موقع إسلام أون لاين. 

م41) الأستاذ/ عبدالحميد البكوش ( رئيس الحكومة الليبيّة الأسبق )– مقالة: ليبيا بين أمسها واليوم، أو الكيفيّة التي يتجلى فيها تاريخ مر ومرير- صحيفة الحياة اللندنيّة العدد/ 12719 الصادر بتاريخ 27 ديسمبر 1997م.   

م42) السيد/ ئي.آ. ف. دي كاندول – كتاب: "الملك إدريس عاهل ليبيا.. حياته وعصره" – صدر على نفقة المؤلف باللغة الإنجليزيّة في عام 1988م، وقام السيد/ محَمّد بن غلبون بنشره بعد ترجمته إلى العربيّة، وذلك في عام 1989م على نفقته الخاصّة. 

 م43) نفس المصدر السابق.     

م44) الأستاذ/ إبراهيم عبدالعزيز صهد – مقالة: إنقلاب سبتمبر.. نتاج الغفلة والخيانة والتآمر – مجلة ( الإنقاذ ) السنة السادسة عشر / العدد (47 ) – سبتمبر 1989م.

م45) د/ محَمّد يوسف المقريف – مقالة: رحم الله الشيخ زايد.. ورحم الله الملك إدريس – نشرت له على "موقع الإنقاذ" بتاريخ 25 نوفمبر 2004م.

م46) الأستاذ/ محمود شمام –  مقالة: صندوق الرمال المتحركة – مجلة: ( Newsweek – النسخة العربيّة) / العدد الصادر بتاريخ 21 يناير 2003م.

م47) السيد/ ئي.آ. ف. دي كاندول – كتاب: "الملك إدريس عاهل ليبيا.. حياته وعصره" – صدر على نفقة المؤلف باللغة الإنجليزيّة في عام 1988م، وقام السيد/ محمّد بن غلبون بنشره بعد ترجمته إلى العربيّة، وذلك في عام 1989م على نفقته الخاصّة.       

م48) الأستاذ/ مصطفى أحمد بن حليم – كتاب: ليبيا/ انبعاث أمّة.. وسقوط دولة – منشورات الجمل، كولونيا / ألمانيا – الطبعة الأولى 2003م.

 

 

 

(فاطمة إدريس ) لشده حبها لزوجها وعظيم ارتباطها به، ولازالت الملكة فاطمة – أطال الله في عمرها – توقع بنفس الاسم حتى بعد وفاة الملك إدريس، وتسعد كثيراً أنّ تدعى بهذا الاسم. وهذا، ما أكده السيد/ محمّد بن غلبون في تعليقاته التي جاءت في هوامش الكتاب الذي ترجمه إلى العربيّة عن حياة الملك وعصره للمؤلف البريطاني ولد ايريك آمار فولي دي كاندول .

 

لم يحيا للملك إدريس والملكة فاطمة أطفال..{..فتبنيا أبن أخ الملكة السيد/ عمر العربي (حفيد سيدي أحمد الشريف) وكان يتيماً، وتعهداه بالعطف والرعايّة حتى أكمل تعليمه العالي، وتحصل على مؤهل في الكيمياء، وهو الآن مقيم ويعمل في لندن. كما قاما أيضاً بتبني فتاة جزائريّة السيدة/ سُليمة، ممن لجأوا إلى ليبيا أثناء حرب الجزائر ضد الفرنسيين، وهي التحقت أولاً بمدرسة البنات في طبرق ثمّ أصبحت مثقفة جداً تتحدث اللغات الفرنسيّة والإنجليزيّة والإيطالية إلى جانب العربية..}م27. واصلت السيدة/ سُليمة تعليمها في القاهرة بعد استيلاء القذافي على السلطة في سبتمبر 1969م، وتزوجت من رجل مصري ينتمي إلى عائلة عريقة من أصول باشاويّة أسمه الدكتور/ هشام رضوان، وهي تقيم حالياً في القاهرة.

 

وعوداً على سيدي إدريس.. فقد تزوج مولاي الملك بعد الملكة فاطمة – في 30 يونية 1955م – من السيدة/ عالية ابنة السيد/ عبدالقادر باشا لملوم وهو ثري مصري، ومن كبار أنصار السنوسيّة وكان صديقاً شخصياً للملك إدريس السنوسي. وعُقدَ عقد القران في مبنى السفارة الليبيّة بالقاهرة، وبحضور الرئيس الراحل جمال عبدالناصر، ورئيس الحكومة الليبيّة وقتذاك السيد/ مصطفى بن حليم. وتاريخ عقد زواج الملك من السيدة/ عالية الذي أوردناه أعلى الصفحة نقلناه عن كتاب السيد/ دي كاندول. أمّا الدكتور/ محمّد يوسف المقريف يؤكد في مجلدته الثاني: صفحات من التاريخ السياسي، بأنّ الزواج تمّ في 5 يونيو 1955م وليس كما ذكر دي كاندول في كتابه.

روى ليّ أحد أفراد العائلة السنوسيّة أنّ الملكة فاطمة الشفاء حملت عدة مرات وفي كلّ مرة تُسقط وحاملها لا يكتمل. وفي مرة واحدة أكملت شهور حملها وأنجبت مولوداً ذكراً بصحة جيدة إلاّ أنّ ذلك المولود عاش لعدة أيام أو شهر أو أكثر من شهر بقليل. أنجبت الملكة فاطمة الشفاء ولد في عام 1953م بمستشفى الملاحة بطرابلس إلاّ أنّ مولودها توفي بعد مدة قصيرة من ميلاده. شُيع جثمان الفقيد في موكب رسمي تقدمه الملك إدريس السنوسي بنفسه، دُفنَ الفقيد بمدينة طرابلس. وقد رثا الطفل الفقيد شاعر الوطن الراحل/ أحمد رفيق المهدوي في قصيدة من خمسة أبيات شعريّة، وربّما سيعاد نشر هذه الأبيات في وقت قريب.    

 

وختم ليّ الراوي قصة إنجاب الملكة فاطمة الشفاء وزواج الملك من السيدة / عالية لملوم، بقوله:..(.. على أية حال، ما أقدمَ عليه الملك إدريس السنوسي – يقصد زواجه من السيدة / عالية لملوم – له مسوغاته الشرعيّة ولم يكن بالأمر الغريب أو النادر وقتذاك على المجتمع الليبي. وبالتأكيد، إنّ مشاعر الملكة فاطمة الشفاء قد أصابها نوع من الاضطرابِ كأيّ إمرأة تمر بمثل ما مرت به إلاّ أنّها لم تعارض زواج الملك ولم تعبر لأحد عن معارضتها لهذا الزواج لأنّها تمنت من أعماقها أنّ ترى ذرية للملك ..).        

  

ومن جديد.. جاء بخصوص زواج الملك من السيدة / عالية لملوم في كتاب السيد/ دي كاندول، ما يلي:..{..أقتنع الملك على مضض بفكرة الزواج مرة ثانية. وتم الزواج في القاهرة بتاريخ 30 يونية 1955م، وطلعت الصحف القاهرية يومها تحمل صور الحفل التي بدا فيها الملك إدريس أشيب اللحية عليه مسحة من الحزن والكآبة وهو يصافح الرئيس جمال عبدالناصر الشاهد على عقد القران، وذكرت أنّ عمر الملك آنذاك 65 عاماً بينما كانت العروس في سن الثامنة والثلاثين.

 

وعلى أية حال.. لم يكتب لهذا الزواج الجديد التوفيق، فبعد مضي تسعة أشهر أنتهي كل شيء. وعاد الملك سعيداً إلى السيدة/ فاطمة التي ما برح يحمل لها أعمق الود والوفاء..}م28

 

هذا من ناحية أمّا من ناحية توليه لإمارة الحركة السنوسيّة فقد تولاها  عن أبن عمّه السيد/ أحمد الشريف.ويذكر أنّ  السيد/ أحمد الشريف تولى قيادة الحركة السنوسيّة كوصي بعد وفاة عمّه السيد/ محمّد المهدي في عام 1902م. كان السيد/ أحمد الشريف مؤمناً بطريق واحد فقط مع المستعمر الغازي ألا وهو الاستمرار في طريق المواجهة المسلحة معه مهما كانت ظروف المواجهة وطبيعة النتائج على الأرض. فقد طلب بعض رفاق السيد/ أحمد الشريف ذات مرة منه أبرم هدنة مع العدو لأنَّهم متعبون مرهقون من مواجهات مع قوى كبرى على جبهات متعددة، فقال لهم مقولته الشهيرة:..(.. والله أحاربهم ولو بمفردي، وبعصايَ هذه التي استندُ عليها..).

 

جمع السيد/ أحمد الشريف بعد قصف إيطاليا لطرابلس وباقي المدن الليبيّة الأعيان والشيوخ وتداول معهم الأمر ثمّ  أصدر أوامره وتعليماته بالوقوف ضد الأطماع الإيطاليّة ومقاومة هذا الغزو. {.. وأصدر نداءه المشهور يحث أهالي البلاد على الجهاد ضد العدو، ويعلن فيه نبأ اعتزام النزول إلى ميدان القتال..}م29.

 

سلمَ السيد/ أحمد الشريف إمارة الحركة لوريثها الشرعي في عام 1916م. وأضطر في عام 1918م إلى مغادرة ليبيا مرغماً، وذلك حينما أرسلت له السلطات التركيّة غوّاصة ألمانيّة جاء على ظهرها – وكما سجل د/ محمّد المفتي–، ..(..السيد/ يوسف بن شتوان – عضو من الأعضاء الثمانيّة في مجلس المبعوثان العثماني (13) – لنقل السيد/ أحمد الشريف وصحبه إلى تركيا..). وكان في توديع  السيد/ أحمد الشريف عند مغادرته لليبيا مجموعة من الأعيان والمشايخ، وعلى رأسهم، الشيخ/ عبدالحميد العبار. ويروى أنّ السيد/ أحمد الشريف أوصى الشيخ/ عبدالحميد العبار أثناء توديع الثاني له: أنّ يطيع الأمير إدريس، ويلتزم بتوجيهاته، ويسعى لتوحيد صفوف الليبيّين . وقد ظل الشيخ/ عبدالحميد العبار وفياً للملك إدريس السنوسي إلى أخر يوم في حياته.   

         

والحاصل.. قاد السيد/ أحمد الشريف في فترة من فترات إمارته للحركة السنوسيّة المجاهدين الليبيين في مواجهات مسلحة على أكثر من جبهة قتال، وتمكن.. {.. بقواته من احتلال واحات الداخلة والفرافرة وسيوة، وقد أثار هذا العمل حفيظة قيادة الحامية البريطانية في مصر التي كانت تمتلك قوات ضخمة موزعة ما بين الإسكندرية والقاهرة وقناة السويس ودفعها إلى إرسال بعض من قواتها لرد هجومه على أعقابه، ودفعته ومن معه تحت ضغط قوة هجومها الكاسح إلى التقهقر وسلوك طريق الصحراء الداخلي من سيوة والجغبوب وجالو وأوجلة ثم إلى سرت ومنها إلى العقيلة، ثمّ البريقة حيث نقلته من ساحلها غواصة ألمانية، بعثتها له السلطات التركية إلى دار الآستانة، وانتهت بذلك زعامته لحركة المقاومة والجهاد في ليبيا التي انتقلت منذ ذلك الحين إلى أبن عمّه السيد محمّد إدريس السنوسي..}م30.

 

تولى السيد/ إدريس السنوسي إمارة الحركة السنوسيّة في عام 1916م، وسعى منذ توليه لزمام الأمور دفع القضيّة الليبيّة خطوات متقدمة إلى الأمام معتمداً على نهج حركي ينظر إلى العمل السياسي على أنّه طريق هام من طرق مقاومة العدو ومواجهته. فغلّب كفة العمل السياسي على كفة العمل العسكري بحكم ضغوطات الواقع وظروف المرحلة وإمكانيات المواجهة المتواضعة وقتذاك حيث أنّ إمكانيات المقاومة المتاحة لليبيين حينذاك كانت لا تقارن  بأي شكل من الأشكال بإمكانيات الجيوش الغازية، علاوة، على الثمن الباهض الذي دفعه الليبيون – نصف تعدادهم السكاني/ حوالي مليون شهيد – في مواجهة الغزو الإيطالي، وحاجتهم إلى هدنة تخفف من وطأة الحصار المضروب عليهم.      

 

دخل السيد/ إدريس بن المهدي السنوسي في النصف الثاني من عشرينات القرن الماضي في مفاوضات مع إيطاليا..{.. بعد أنّ فرضت المفاوضات نفسها عليه كنتيجة للحرب التي ورط الأتراك فيها المجاهدين الليبيّين ضد بريطانيا.. وبعد أنّ سادت المجاعة في كافة أرجاء البلاد وانتشرت الأمراض ومات البشر والدواب على حد السواء من شدة القحط. لم يكن أمام السيد/ إدريس السنوسي إلاّ أنّ يجد حلاً ينتشل البلاد من هذه الورطة، ووسيلة تفك الحصار المضروب على المجاهدين وذويهم، بل، على أهل البلاد عامة. وبالطبع فإن هذا الحل لن يأتي إلاّ  بفتح الحدود بين مصر وليبيا في بلدة السلوم حتى يمكن للمؤن والعتاد الحربي من الوصول إلى مناطق البلاد المتفرقة، وهذا ما لا يمكن تحقيقه دون التوصل إلى تفاهم مع السلطات البريطانيّة. 

 

ومن هنا.. طلب السيد/ إدريس السنوسي الاجتماع بالبريطانيين لإقناعهم بالسماح للإمدادات بالمرور من الحدود المصريّة، ولم تمانع السلطات البريطانية في الاجتماع بالسنوسي والوصول معه إلى إتفاق بهذا الخصوص تحت ظل شرط واحد وهو أنّ يكون الاجتماع بين الأطراف الثلاثة: الوفد الليبي والسلطات البريطانيّة والإيطاليّة...}م31.

وافق السيد/ إدريس السنوسي على الشرط البريطاني، ودخل في مفاوضات مريرة مع الإيطاليين.. مفاوضات الزويتينة (من يوليو إلى سبتمبر 1916م).. مفاوضات منطقة عكرمة القريبة من مدينة طبرق ( من يناير إلى أبريل 1917م).. مفاوضات الرجمة (14) وأبو مريم وصولاً إلى اجتماع السيد/ إدريس السنوسي بوزير المستعمرات الإيطالية أمندولا في عام 1922م في منطقة غوط الساس بالقرب من جردس العبيد، والذي قرر بعده أيّ السيد/ إدريس السنوسي الرحيل إلى خارج ليبيا ليتابع حركة كفاحه العسكري والسياسي من مصر.

 

تعرض السيد/ إدريس السنوسي لبعض حملات التشكيك التي وصفته بالإنقلابي الذي أزاح ابن عمّه ليتولى هو قيادة الحركة السنوسيّة !.. وبالخائن الذي تآمر مع العدو لقتل قائد المقاومة (السيد/ أحمد الشريف) ليتمكن من تحقيق مآربه الخاصة !.. وبالفار إلى الخارج من أجل سلامته الشخصيّة تاركاً عبء مسئوليّة معركة التحرير تقع على كاهل الشيخ عمر المختار وحده !.

 

لم يُقدم سيدي إدريس السنوسي حينما قرر الهجرة على شيء كان مخالفاً لمواريثنا الثقافيّة ونصوص معتقداتنا الإسلاميّة. فللهجرة منزلة عظيمة في تاريخنا الإسلامي، وأجراً عظيماً طبقاً للنص القرآني. فقد هاجر بعضاً من المسلمين إلى الحبشة عند النجاشي الملك العادل الذي كان لا يٌظلم عنده أحد قاصديه.. ..(.. حفظ أنفسهم في مكان آمن حتى لا يستأصل الإسلام بالكليّة إذا تعرض المسلمون في مكة للإبادة. أمّا الهجرة من مكة إلى المدينة فكان الغرض منها الاستعداد والإعداد لإقامة الدولة..)، كما جاء في مقالة الداعية المصري الطبيب/ راغب السرجاني : في ظلال الهجرة النبوية، المنشورة على الموقع الإلكتروني " إسلام أون لاين" .   

 

فالهجرة ليست فرار ولا هروب إنّما هي تعبير عن موقف، وبحثُ عن طريق للخلاص من الظلم والقهر والاستبداد وليست بحثاً عن الراحة والترف والحياة الأفضل. والهجرة ليست بالقرار السهل ولا الأمر الهين ولا الطريق المفروش بالورود. وهي تعني ترك الوطن والدار، وربّما الأهل وعدد من الأقارب والأحباب.. وتعني ترك مسقط الرأس وعالم الطفولة والذكريات، وربّما ترك المال والأعمال.. وتعني مواجهة تبعيات الغربة الأمنيّة والنفسيّة والماليّة والأسريّة.. وتعني الإعداد والاستعداد لخوض معركة التحرير والخلاص من قوى الظلم والطغيان والاستبداد. 

 

أنّ الذين يشككون في موقف سيدي إدريس السنوسي الوطني ويعتبرون هجرته هروباً وتقصيراً لا ينظرون إلى مكانة   الهجرة في التاريخ والفقه الإسلامي ولا إلى أجر المهاجر في سبيل الله كما جاء في النص القرآني. وموقفهم التشكيكي هذا ينطبق مع ثقافة زرع بذورها حكام المنطقة العربيّة الطغاة الذين صادروا حقوق الناس وكافة وسائل الإعلام والتعبير ووصفوا من تمكن من الهجرة والإفلات من قبضتهم الحديدية بالخائن والعميل أو الكلب الضال كما يحلو للقذافي وصف خصومه ومعارضيه. بل، أنّ شخصاً طاغيةُ كالقذافي اعتبر الهجرة في صدر الإسلام الأول – والعياذ بالله – بمثابة الهروب والخوف والتقصير أو كما قال الأستاذ/ عبدالحميد البكوش..(.. ألغى القذافي التاريخ الهجري وحل محله التاريخ بموعد وفاة الرسول عليه الصلاة والسلام لأن القذافي يرى في الهجرة مجرد هروب وتقصير..).     

 

لقد حمى الله سيدي إدريس السنوسي من مكر الطليان وكيدهم فيسر له أمر الخروج مهاجراً من برقة إلى مصر. وبعد وصول سيدي إدريس إلى مصر بدأ على الفور في التفاوض من أجل إيجاد منافذ لإيصال المؤن والعتاد إلى الليبيين في الداخل.. وتجميع كلمة المهاجرين وتوحيد صفهم.. وتكوين شبكة واسعة من المناصرين لقضية الشعب الليبي.. ونهج طريق يحقق استقلال ليبيا وبناء دولتها، فأسس نواة حربية مقاتلة (الجيش السنوسي) التي بدأت عملها العسكري بتحالفها مع بريطانيا لطرد الإيطاليين من ليبيا. تمكن سيدي إدريس السنوسي من طرد الإيطاليين من ليبيا بعدما دخل جيشه من مصر متحالفاً مع البريطانيين ( تحت لواء الجيش الثامن البريطاني ). واستطاع بعد طرد إيطاليا من الأراضي الليبيّة توظيف الوسائل الدبلوماسيّة والسياسيّة لأجل بناء الدولة وتحقيق الاستقلال، فتمكن ببراعة فائقة ودهاء متقطع النظير من انتزاع اعترفاً من المجتمع الدولي باستقلال ليبيا وذلك حينما تبنّت الجمعيّة العامّة للأمم المتحدة بتاريخ 21 نوفمبر 1949م  قراراً يمنح ليبيا استقلالها قبل حلول سنة 1952م. وتحقق استقلال ليبيا في 24 ديسمبر 1951م.  

 

لم يُسخر السيد/ إدريس السنوسي وقته للرد على الحملات المغرضة ضده إنّما سخر وقته للعمل من أجل تحقيق مصالح الوطن العليا. ولم يعير أيّ اهتمام يذكر لتلك الحملات المغرضة لأنّه كان مؤمناً بأنّ الله لن يخذله، وأنّ الأيام ستثبت حسن نواياه ومقاصده. ولأنّه كان مقتنعاً بأنّ تلك الحملات تنطلق أمّا من هوى قبلي أو جهوي أو حقد شخصي، ولذا، لا تستحق الرد عليها، فالأقاويل تذهب مع الريح إلى خانة الإفتراءات، والتاريخ لا يسمح للإفتراءات أنّ تستقر بين صفحاته. ولكن، حينما كتب الشيخ الطاهر الزاوي كتاباً عنوانه ( عمر المختار: الحلقة الأخيرة من الجهاد الوطني في طرابلس الغرب )، والذي أثار ضجة بين صفوف الليبيّين في المهجر (مصر ) وغضب الموالين للأمير إدريس السنوسي، وأثار غضب الأمير لما حمله من مغالطات واتهامات وأقاويل لا أساس لها من الصحة، لدرجة أنّ الأمير إدريس السنوسي تقدم بدعوة ضد الشيخ الزاوي في المحاكم المصريّة. وجاء بخصوص هذه الحادثة في مقالة: الشيخ الطاهر الزاوي.. سيرة مؤرخ ومسيرة مزاج للدكتور فرج نجم – مجلة عراجين العدد الثالث/ يناير 2005م – ما يلي:..(.. بالرغمّ من أنّ الشيخ الطاهر الزاوي كان ممن أتى له – يقصد السيد/ إدريس السنوسي – بالبيعة الطرابلسيّة فيما عُرف بهيئة الإصلاح التي سافر وفدها إلى مدينة إجدابيا سنة 1922م لتوحيد كلمة أهل البلاد وإصلاح ذات البين، ولكنّ سرعان ما انقلب عليه وكتب كتابه الشهير الذي عنونه ب" عمر المختار: الحلقة الأخيرة من الجهاد الوطني في طرابلس الغرب". هذا الكتاب دفع الشيخ العلامة محمّد الأخضر العيساوي – وهو من علماء الزنتان وإخوان السنوسيّة – بالرد على الشيخ الزاوي بكتاب عنونه ب" رفع الستار عمّا جاء في كتاب المختار" جمع فيه آفات وهفوات الشيخ المفتي، ولم يقف الأمر عند ذلك، بل، رفع السيد/ إدريس شكوى ضد شيخنا في المحاكم المصريّة..). انتهى كلام الدكتور/ فرج نجم. 

 

ويروى أنّ الشيخ الطاهر الزاوي لم يزر ليبيا منذ إعلان إستقلالها وتولي الملك إدريس السنوسي للحكم في ديسمبر 1951م حتى إنقلاب سبتمبر 1969م إلاّ مرة واحدة، وذلك في عام 1964م.  

 

وعودة إلى المفاوضات مع الإيطاليين، وبشيء من الاستطراد، أؤكد بأن كبار المجاهدين الليبيين شاركوا في تلك المفاوضات، وعلى رأسهم السيد/ عمر المختار. وأنَّ ما يقال حول خلاف الشيخ/ عمر المختار مع السيد/ أحمد الشريف والسيد/ محمّد إدريس بن محمّد المهدي بسبب خروج الأول إلى تركيا، ولجوء الثاني إلى مصر وترك عبء مسئولية معركة التحرير تقع على عاتق الشيخ وحده !، هو قول لا أساس له من الصحة. كذلك، ما يقال حول خلاف الشيخ/ عمر المختار مع السيد/ محمّد إدريس بن محمّد المهدي حول مسألة التفاوض مع الإيطاليين!، وخلاف السيد/ أحمد الشريف حول نفس المسألة مع السّيد/ محمّد إدريس !، هو قول لا يستند إلى دليل قاطع يثبت هذا الزعم. فالسيد/ أحمد الشريف لم تنقطع صلته وعلاقته بالشيخ عمر المختار وغيره من قادة الجهاد على الأرض الليبيّة بعد خروجه مجبرّاً من ليبيا، بل، علاقة التشاور والتنسيق بين الشيخ والسيد/ الشريف ازدادت تشابكاً وترابطاً منذ تعيين الأمير إدريس السنوسي للشيخ عمر المختار – قبل خروج الأمير إلى مصر – نائباً له وقائداً للجهاد العسكري. وأنّ علاقة السيد/ أحمد الشريف بالسيد/ محمّد إدريس بن محمّد المهدي هي علاقة أكبر من أنّ يؤثر عليها أي خلاف في وجهات النظر، وأنّ السيد/ أحمد الشريف هو الذي ترك الإمارة لوريثها الشرعي بعد بلوغ الوريث السن التي تؤهله لإمارة الحركة السنوسيّة، وهو من زوج ابنته (السيدة/ فاطمة الشفاء) للسيد/ محمّد إدريس السنوسي في عام 1930م – والسيد/ أحمد الشريف توفي في مارس 1933م.    

 

أيضاً، هو من طلب من السيد/ بشير بك السعداوي في لقاء جمعهما في الشام الإلتفاف حول الأمير إدريس كما أكد الدكتور/ محمّد المفتي في دارسة له، حيث قال:..{..قابل السيد/ الشريف في الشام السيد/ بشير بك السعداوي، وأخذ عليه العهد العظيم والميثاق على كتاب الله أنّ يسعى للتفاهم ما بين القطرين الطرابلسي والبرقاوي وأنّ يسعى لتوحيد الصفوف والإلتفاف حول الأمير إدريس..}م32

 

وهو من قال أيّ السيد/ أحمد الشريف للملك عبدالعزيز: (..الأمير إدريس السنوسي ينوب عني شخصياً..). ففي مناقشة دارت بين الاثنين في بيت الشيخ محمّد حسين نصيف بجدة، أبدى الملك عبد العزيز استعداده تقديم ضمانات للسيد/ أحمد الشريف وإدخاله بموافقة إيطاليا في المفاوضات الجارية مع السّيد/ إدريس السنوسي، إلاّ أنّ السيد/ أحمد الشريف رفض عرض الملك عبدالعزيز قائلاً له:..(.. أنَّ الأمير إدريس السنوسي موجود في برقة وينوب عنه شخصياً وعن أهل برقة..). هذا ما ورد في كتاب: الفوائد الجليّة للشيخ/ عبدالملك بن علي، ونقله السيد/ محَمّد بن غلبون كحاشية توضيحيّة في الكتاب المترجم للسيد/ دي كاندول:" الملك إدريس عاهل ليبيا، حياته وعصره ".

 

وكتاب: الفوائد الجليّة صدر في دمشق عن دار الجزائر العربيّة عام 1966م، وفي أكثر من جزء. ومؤلفه هو أحد تلاميذ السيد/ أحمد الشريف. والمؤلف هو الشيخ/ عبدالملك بن علي، واسمه كاملاً هو: عبدالملك عبدالقادر بن علي الدرسي – من قبيلة الدرسه بشرق ليبيا. أوفده أنور باشا إلى تركيا لغرض الدراسة، واتمم دراسته هناك. ثمّ ألتحق بالسيد أحمد الشريف بعد وصوله مباشرة إلى تركيا، ومنذ ذلك الحين ظل الشيخ/ عبدالملك بن علي يرافقه وينظم لقاءاته ومواعيده (سكرتير خاص ) إلى مارس 1933م تاريخ وفاة السيد/ أحمد الشريف. استقر الشيخ عبدالملك في السعوديّة ومنحت له الجنسيّة، ولم ينقطع طوال فترة حياته عن زيارة أخوته وأهله وأقاربه في ليبيا، وكانت أخر زياراته لليبيا في عام 1994م، وتوفي في السعوديّة في شهر يونيو من عام 1996م. وكتاب: الفوائد الجليّة..(.. هو السيرة الأوثق للسيد/ أحمد الشريف، لأنّ مؤلفه هو تلميذ وكاتب السيد/ أحمد الشريف ورفيقه في الهجرة لمدة خمسة عشر عاماً وحتى وفاته. ورغم أسلوب الكتاب العتيق إلاّ أنّه من المراجع الأساسيّة للتاريخ الليبي الحديث، وربّما وجب تحقيقه وطباعته وتداوله..)، كما قال د/ محَمّد المفتي.       

            

وعودة إلى الموضوع، وإلى الشيخ عمر المختار تحديداً.. فارتباط الشيخ بالسنوسيّة كان ارتباطاً روحياً بكل ما يعني هذا الوصف من معنى أو ما يعرف عند الصوفيين بعلاقة "المريد بالشيخ"، فكان سيدي عمر المختار سنوسي ويحب السنوسيين حباً جما أو كما قال أبنه: محمّد عمر المختار، وباللهجة الليبيّة، في مقابلة أجراه معه الأستاذ/ خالد المهير، ونشرت على موقع "ليبيا اليّوم"..(.. كان السنوسيون غاليين عليه واجد ويعزوا عليه ).   

كان الشيخ/ عمر المختار يعلم علم اليقين أنّ السيد/ أحمد الشريف سافر إلى تركيا جبرّاً لا هروباً، ولذا، لا يمكن أنّ يكون قد اختلف معه حول مسألة خروجه، وهذا، ما تؤكده الإتصالات بين الرجلين، فقد ظل الشيخ على إتصال وتشاور دائم مع السيد/ أحمد الشريف طوال فترة قيادته الميدانية لمعارك التحرير من  1923م إلى عام 1931م – تاريخ استشهاد عمر المختار.     

 

وكان الشيخ عمر المختار يوقع على محاضر إتفاقيّات الهدنة وغيرها بالاسم التالي: خادم الحضرة السنوسيّة / عمر المختار. وكان آخر تفاوض شارك فيه الشيخ/ عمر المختار هو لقاءه بالمارشال بادوليو قبل أنّ يدخل في هدنة لمدة شهرين قابلة للتجديد. وتؤكد الوثائق التاريخيّة أنّ الشيخ قال لبادوليو في تلك المقابلة:  (.. أذهب إلى الأمير إدريس السنوسي، فأنا مجرد جندي أتلقى الأوامر منه. فإذا قال ليّ السنوسي توقف توقفت أما إذا ما قال ليّ أستمر فلن يكون ليّ خيار أخر غير الاستمرار..). وروى المؤرخ الليبي الأستاذ/ الطيِّب الأشهب في كتاباته بعض ما قاله الشيخ عمر المختار رداً على عملاء الطليان الذين حالوا – وبإيعاز من السلطات الإيطاليّة –  الإيقاع بينه وبين السنوسيّة، وإقناعه بالإقلاع عن فكرة مواجهة السياسات الإيطاليّة، فقال الشيخ عمر المختار لهم:.. (.. إنّني أعرف أنِّ قيمتي في بلادي، إذا كانت ليّ قيمة أنا وأمثالي، فإنِّها مستمدَّة من السنوسيّة..).     

  

والزيارة التي قام بها الشيخ عمر المختار في مارس 1923م لمصر، ومقابلته للأمير إدريس السنوسي في السنة الأولى من وصول الأمير إلى مصر تؤكد تأكيداً مادياً على العلاقة الوطيدة بين الرجلين، وتدحض بالبرهان القاطع كلّ ما يقال حول خلاف الشيخ مع الأمير. ولمزيد من التأكيد على علاقة الشيخ القويّة المتينة بالأمير إدريس السنوسي أروي ما نقله د/ محمّد يوسف المقريف في موسوعته التاريخيّة نقلاً عن الأستاذ/ الطيِّب الأشهب – المجلد الأول: ليبيا بين الحاضر والماضي.. صفحات من التاريخ السياسي. وجاء في نقل الدكتور المقريف، ما يلي:..{.. أثناء زيارة الشيخ / عمر المختار لمصر في شهر مارس / آذار 1923م حاول جماعة من أبناء قبيلته "المنفه " المقيميّن بمصر أنّ يقابلوه للترحيب. فاستفسر السيد/ عمر المختار، قبل أنّ يأذن لهم بذلك، عمَّا إذا كانوا قد سعوا لمقابلة الأمير إدريس السنوسي عند وصوله في يناير/ كانون الثاني 1923م إلى مصر، فلمَّا علمَ من إجابتهم أنَّهم لم يقوموا بذلك الواجب لأسباب عائلية قهرية رفض سي عمر مقابلتهم قائلاً:..".. وكيف تظهرون لي العناية وتحضرون لمقابلتي، وأنتم الذين تركتم شيخي الذي هو وليّ نعمتي وسبب خيري !؟ – الأمير إدريس – .. أمَّا وقد فعلتم ذلك فإنّي لا أسمح لكم بمقابلتي ولا علاقة من الآن بيني وبينكم.."..}م33.         

     

وقد أكد الشيخ عمر المختار في مقابلته مع الأمير إدريس السنوسي على ضرورة بقائه في المرحلة الحاليّة في مصر لأنّ في ذلك خدمة جليلة للقضيّة الليبيّة. هكذا، كانت العلاقة بين الشيخ/ عمر المختار والأمير إدريس السنوسي – علاقة قوية وطيدة كما وصفها السيد/ مصطفى بن حليم في كتابه: انبعاث أمّة.. وسقوطُ دولة. 

 

وربّما هذا المقام يستدعي منا الوقوف قليلاً عند مسألة قبول القبائل الكبيرة في برقة لقيادة الشيخ عمر المختار المنتمي إلى قبيلة صغيرة !، لأنّ الوقوف عند هذه المسألة يفيد السياق الذي نتحدث عنه. فمن المعروف أنّ الشيخ عمر المختار ينتمي إلى قبيلة المنفه، وهي قبيلة صغيرة مقارنة بالقبائل الأخرى في برقة كقبيلة العبيدات والعواقير والبراعصة.. وغيرها. ولا أظن أنّ العرف القبلي السائد وقتذاك كان بإمكانه أنّ يسمح لشخص ينتمي إلى قبيلة صغيرة أنّ يقود مجاهدين ينتمون إلى قبائل كبيرة لولا مبايعة تلك القبائل للسيد/ إدريس السنوسي وقبولها بالسنوسيّة كمرجعيّة يحتكم إليها الجميع.  فقبول القبائل الكبيرة بقيادة الشيخ عمر المختار يرجع في المقام الأول إلى التزام تلك القبائل بالتعليمات الصادرة من قيادة حركة المقاومة وولائها للسنوسيّة، فالشيخ عمر المختار هو شيخ زاوية القصور السنوسيّة، ومُكلف من قبل السيد/ إدريس السنوسي بقيادة الجهاد العسكري. وهذا لا يلغي بأيّ شكل من الأشكالِ القدرات والصفات والشمائل التي ميزت شخصيّة الشيخ عمر المختار عن غيره من الشخصيّات إنّما يحلل هذه المسألة من باب النظر إلى العوامل التي ساعدت هذا الرجل العملاق المنتمي إلى قبيلة صغيرة ليصبح قائداً لأدوار كافة القبائل في برقة بما فيها القبائل الكبيرة. 

 

وربّما استطرد هنا لأقول بأنّ الشيخ/ عمر المختار ولد في عام 1862م بقرية جنزور الشرقيّة التي تبعد عن مدينه طبرق حوالي 90 كيلوا متر شرقاً، وتربّى يتيماً بعد أن توفي والده وهو في طريقه إلى مكة المكرمة لأداء فريضة الحج. وتكفل الشيخ/ حمد الغرياني برعاية الشيخ عمر المختار واعتنى به كاعتنائه بابنه الشاف باشا الغرياني. تلقى الشيخ عمر المختار تعليمه في الزّوايَا السنوسيّة حتى صار شيخاً متفقهاً في الدين، وترأس فيما بعد أحدى الزّوايَا السنوسيّة – زاوية القصور. قد ظهرت صفات الشيخ عمر المختار النبيلة وأخلاقه الرفيعة منذ وقت مبكر كما ظهرت نباهته وذكائه الأمر الذي جعل شيوخ السنوسيّة وزعمائها يُوكلون إليه المهام الصعبة ويفوضونه بالإنابة عنهم في بعض مناطق البلاد. شارك الشيخ عمر المختار في فترة شبابه في الجهاد ضد القوات الفرنسيّة في المناطق الجنوبية. وبعد عودته من معارك الجهاد عينته القيادة السنوسيّة شيخاً لإحدى زّوايَاها ( زاوية القصور ). وقبل أنّ يغادر الأمير إدريس السنوسي ليبيا متجهاً إلى مصر في شهر نوفمبر من عام 1922م، عينه قائداً للجهاد العسكري ضد قوات إيطاليا نيابة عنه. وقاد الشيخ عمر المختار الجهاد الليبي ضد الطليان في الفترة الواقعة من بين 1923م إلى 1931م. وقد حكمت إيطاليا عليه – بعد أسره – بالإعدام. جيء بالشيخ عمر المختار في 15 سبتمبر 1931م إلى مبنى البرلمان البرقاوي بمدينة بنغازي ، وكان مكبلاً بالسلاسل تظهر على قميصه بقع من الدم حيث كان قد جرح في يده قبل أنّ يلقي الإيطاليون القبض عليه. عًقدت للشيخ محكمة صوريّة داخل قاعة البرلمان، واستغرقت محاكمته حوالي ساعة وخمس عشرة دقيقة. كلفت المحكمة مترجم يدعى "نصرت هرمس" ليترجم إجابات الشيخ من العربيّة إلى الإيطاليّة إلاّ أنّ المترجم تأثر بشخصيّة الشيخ وقوة إيمانه وصلابته ووقاره فلم يتمكن من القيام بمهمته، فاعتذر عن مواصلة الترجمة، فأسندت المحكمة مهمة الترجمة إلى شخص أخر يدعى "لمبوزو ". أصدرت المحكمة على الشيخ حكمها بإعدامه شنقاً (15) . وأرغم الإيطاليون حوالي عشرين ألفاً من المواطنين الليبيّين لرؤيّة مشهد تنفيذ الإعدام الرهيب في الشيخ البطل، فساقوهم سوقاً إلى ساحة الإعدام. نفذ حكم الإعدام شنقاً في الشيخ عمر المختار صباح يوم الثالث من جمادي الأوّل 1350 هجري الموافق 16 سبتمبر (أيلول ) 1931م، وتمت عملية إعدامه في قرية سلوق غرب مدينة بنغازي.

 

وبلا شكّ.. أنّ شيخ الشهداء عمر المختار كما نسميه في ليبيا هو من قاد الجهاد العسكري ميدانياً من نوفمبر عام 1922م إلى سبتمبر من عام 1931م – تاريخ استشهاده. وقد كان يقود الجهاد بتنسيق دائم ومستمر مع الأمير إدريس السنوسي حيث كان يتلقى الأوامر والتعليمات منه من مقر إقامته في القاهرة.

 

ولا يفوتني قبل نهاية هذه الفقرة الإشارة إلى محاولات الفصل التعسفي التي تهدف لفصل تاريخ الشيخ عمر المختار عن تاريخ الحركة السنوسيّة، وتسعى للإساءة إلى السادة السنوسيّة. وأحدى هذه المحاولات فيلم "عمر المختار" !. فقد تعمّد القذافي فصل تاريخ الشيخ عمر المختار عن تاريخ الحركة السنوسيّة حينما كلف المخرج العالمي/ مصطفى العقاد بإخراج فيلم "عمر المختار"، وتعمّد تشويه صورة بعض كبار المشايخ والأبطال المخلصين كتزوير الفيلم لدور العالم المجاهد الشارف باشا الغرياني ( أحد أعضاء حكومة إجدابيا )، والإساءة إليه وللسادة السنوسيّة. أو كما قال الدكتور/ فرج نجم..{.. يعد الدور الذي لعبه الممثل الإنجليزي القدير جون غليوغود (John Gielgud) في أقل من خمس دقائق – في فيلم عمر المختار – إساءة إلى المجاهد الشارف باشا الغرياني، وكذلك، السادة السنوسيّة..}م34.

 

وهذا، يذكرني بإشارة مبكرة وردت في اليوم الأول من استيلاء القذافي ورفاقه على السلطة حيث صاغ الإنقلابيون في بيانهم الأول الصادر في الأول من سبتمبر1969م جملة تدل على أنّ نواياهم متجهة نحو التزوير وتحريف التاريخ وتشويه صورة من أسسوا الدولة وصنعوا لليبيا تاريخها الحديث، والجملة جاءت على النحو التالي:..(.. يا من شاركتم عمر المختار جهاداً مقدساً من أجل ليبيا والعروبة والإسلام، ويا من قاتلتم مع أحمد الشريف قتالاً حقاً..). هكذا، كانت بداية التزوير والتشويه – ومنذ اليوم الأول – حيث فصلَ البيان المذكور تاريخ الشيخ عمر المختار عن تاريخ الحركة السنوسيّة، وذكر إسم السيد/ أحمد الشريف دون أنّ يذكر اسم عائلته ( العائلة السنوسيّة)، أو يُشير إلى الدور الذي لعبته الحركة السنوسيّة التي تولى هو – أيّ السيد/ الشريف – إمارتها بعد وفاة عمه السيد/ محمّد المهدي السنوسي في عام 1902م.     

      

وبعد هذه الاستطرادات نعود لسيرة الملك إدريس وتاريخه، وتحديداً، من محطة المفاوضات. فقد وظف السيد/ إدريس السنوسي حضور الوفد البريطاني للمفاوضات خير توظيف، واستطاع بذكائه الشديد تأجيل مطلب السلطات الإيطاليّة القاضي بفك أسر الجنود الإيطاليين بحجة أن هؤلاء تم أسرهم من قبل السيد/ أحمد الشريف ولا يمكنه إطلاق سراحهم إلاّ بعد موافقة السيد/ الشريف على ذلك. واستطاع أيضاً، وبمهارة فائقة، تأجيل الاستجابة للمطلب الطلياني القاضي بتسليم المجاهدين للسلاح حيث تعمّد مماطلتهم إلى اتضاح الصورة بشكل لا لبس فيه. واستطاع أنّ يحقق هدنة كان لابد منها ليتمكن المجاهدون من التقاط أنفاسهم، وأعداد جيشهم لمعركة قادمة!، و تمكن كذلك من انتزاع حكماً ذاتياً لبرقة (حكومة إجدابيا ) بعد مفاوضات طويلة ومريرة مع الطليان، والتي انتهت في نوفمبر 1920م بتوقيع الإتفاقيّة...{.. التي عرفت باسم "معاهدة الرجمة" وكان أهم شروطها هو الاعتراف بالسيد/ إدريس السنوسي كأمير سنوسي لإدارة الحكم الذاتي بحيث يشمل نطاقها واحات: الجغبوب وجالو والكفرة ويكون مقرها في إجدابيا..}م35. وهذا الحكم الذاتي وصفه السيد/ محمّد بن غلبون في الإضافات التي كتبها كحواشي في كتاب كاندول: "الملك إدريس عاهل ليبيا .. حياته وعصره "، وجاء وصفه على النحو التالي..(.. استطاع سيدي إدريس السنوسي انتزاع الاعتراف الرسمي الأول بميلاد الدولة الليبيّة، وأصبحت حكومة إجدابيا أول حكومة وطنيّة برقاويّة..).

 

وصحيح أنّ حكومة إجدابيا لم تدم طويلاً إلاّ أنّها كانت تجربة هامّة جداً بالنسبّة لليبيين، وتجربة حديثة جديدة – وقتذاك –  على المنطقة العربيّة، وربّما، كانت ليبيا أوّل دولة عربيّة تمر بهذه التَّجربة !.

 

ولابُدَّ أنّ نذكر هنا بأنّ حكومة إجدابيا أسقطها الإيطاليون وتعاون معهم في هذه المهمة عددُ لا يستهان به وقتذاك من الليبيين !. وذلك بدخول فيلق عسكري قوامه 7000 (سبعة ألاف ) مجند ليبي إلى مدينة إجدابيا !. ولو رجعنا لحقبة حكم الإدارة البريطانيّة لإقليمي برقة وطرابلس – بعد هزيمة إيطاليا – سنجد ملفات محاكمات الليبيّين المتعاونين مع الطليان . 

 

والحاصل.. لم تستمر حكومة إجدابيا طويلاً لأنّ إيطاليا أرادت التخلص من اتفاقاتها، فرأت السبيل إلى ذلك هو قتل السنوسي لأنّ قتله سيربك حركة المقاومة باعتباره قائداً للمجاهدين، وسيجنبها ضغطاً سياسياً دولياً يُمارس عليها ما كان له أنّ يكون لولا وجود السنوسي. خططت إيطاليا لإغتيال السيد إدريس السنوسي فدست له السم لقتله إلاّ أنّ إرادة الله أنجته، وأثر هذا التسميم على أحباله الصوتيّة فبعدما كان صوته جهوراً شابته بحة لا تخطئها آذان السامعين، كذلك، أثر على قلبه فتأثرت صحته بوجه عام. قرر السيد إدريس السنوسي الرحيل إلى مصر ليستأنف دوره الجهادي على أرض تمنحه فرصة الإتصال السياسي والمناورة وعرقلة مساعي السلطات الإيطاليّة الهادفة إلى الحيلولة دون وصول الإمدادات القادمة إلى المجاهدين الليبيّين من مصر، وإيقاف لجوء المجاهدين الليبيين إلى مصر .

 

وقبل أنّ يشد الرحيل إلى مصر،..{.. فوض شقيقه الأصغر السيد/ محمّد الرضا السنوسي وكيلاً عنه على شؤون الحركة السنوسيّة في برقة، وعين السيد/  عمر المختار نائباً له  وقائداً للجهاد العسكري...}م36

 

هاجر الأمير إدريس السنوسي إلى مصر بعد أنّ شددت إيطاليا الخناق عليه وبعد تعرضه لمحاولة الاغتيال.غادر ليبيا في شهر نوفمبر من عام 1922م، ووصل إلى مصر في شهر يناير من عام 1923م. أبلغ وزير إيطاليا المفوض في مصر الأمير إدريس السنوسي بعد حوالي خمسة شهور من وصوله إلى القاهرة – مايو 1923م – بأنّ الحكومة الإيطاليّة ألغت جميع الاتفاقيّات التي أبرمتها معه، وأنّها ..{.. قامت بمصادرة ممتلكات الزّوايَا السنوسيّة، واعتقلت شيوخها ونفتهم إلى جزيرة أوستيكا الإيطاليّة، وقبضت على وكيل الأمير إدريس السيد/ محمّد الرضا ونقلته إلى إيطاليا، ثمّ اعتقلت عمر باشا الكيخيا متهمة إياه بخيانتها بتواطئه مع الأمير إدريس ومساعدته على الهروب من ليبيا !...}م37.

 

وعلم الأمير إدريس السنوسي فيما بعد بأنّ إيطاليا طلبت من الحكومة المصريّة أنّ تسلمها إياه. فأتصل الأمير السنوسي بعد تأكده من الخبر بمكتب مندوب بريطانيا السامي في مصر (مستر/ كلارك كير ) إلاّ أنّ الأخير كان خارج مصر، فالتقى بمندوبه (اللورد اللنبي). وتمكن الأمير السنوسي بعد اجتماعه باللورد اللنبي من الالتقاء بعدد من الشخصيّات السياسيّة المصريّة، وتحصل على حق اللجوء السياسي في مصر.    

   

بدأ الأمير إدريس السنوسي منذ اليوم الأوّل من وصوله إلى مصر في تنظيم صفوف الليبيين في المهجر، وفي إرسال توجيهاته وإرشاداته لأتباع الحركة السنوسيّة داخل ليبيا. وما لقاء الشيخ/ عمر المختار به في مصر إلاّ دليل مادي على الدور القيادي الذي كان يلعبه من أجل قضيّة الوطن. فقد وصل الشيخ/ عمر المختار إلى مصر خلال العام الأوّل – عام 1923م – من وصول الأمير إدريس السنوسي إلى المهجر، ليتناقش معه حول القضيّة الوطنيّة، ويأخذ منه التعليمات والإرشادات، ويتفقا حول برنامج العمل في المرحلة القادمة. {.. واتفق كلاهما على أن يبقى الأمير إدريس السنوسي في الأراضي المصريّة ليبذل قصارى جهده في عرقلة مساعي السلطات الإيطاليّة لدى السلطات المحليّة المصريّة والسلطات البريطانيّة التي لا تنفك في إلحاحها عليهما بالعمل على منع لجوء المجاهدين الليبيين إلى مصر، وكذلك، منع وصول المساعدات والإمدادات إليهم. كما اتفق السيد/ عمر المختار والأمير إدريس السنوسي على أنّ يقوم الأخير بتوفير كافة الإمدادات من سلاح ومؤن وعتاد بكلّ الوسائل الممكنة، وأنّ يقوم بإرسالها تباعاً للسيد/ عمر المختار مصحوبة بإرشاداته وتعليماته، كما اتفق الأمير إدريس والسيد/ عمر المختار على أنّ يكون الحاج التواتي البرعصي هو حلقة الوصل بينهما في نقل التعليمات والإرشادات من الأمير إدريس إلى السيد عمر المختار، وينقل ما يتم من مجريات الأمور على أرض الجهاد الليبي إلى الأمير إدريس السنوسي..}م38.

 

وبدأ الأمير إدريس السنوسي منذ وصوله لمصر في تكوين شبكة علاقات تعينه على تحقيق مصلحة بلاده الوطنيّة.. وإيجاد وسائل تمكنه من تقليص حجم الاختلافات بين الليبيّين وتوحيد كلمتهم.. وإيجاد منافذ ومنابر يشرح من خلالها أوضاع ليبيا وظروف قضيتها الوطنيّة هادفاً لخلق تعاطف عام مع القضيّة الليبيّة ثمّ مناصرين وحلفاء يساندوه على تحقيق مصالح بلاده الوطنيّة. أجرت معه الصحف المصريّة العديد من المقابلات وكتب لها بعض التقارير التي تبين ظروف ومراحل القضيّة الوطنيّة. ونسج علاقات مع رموز حركات التحرير للبلاد الإسلاميّة من أمثال الأمير عبدالكريم الخطابي من المغرب، والسيد/ الفضيل الورتلاني من الجزائر.. وغيرهم. وكان الأمير إدريس السنوسي من رواد الملتقى الذي كان يعقد في بيت الشيخ محمّد صادق المجددي سفير أفغانستان بمصر وقتذاك. وكان يجد في بيت الشيخ المجددي مكاناً يؤنسه في غربته، والملتقى الحواري الذي يفتح أمامه آفاق واسعة للتأمل والتفكير وإمعان النظر. وديوانيّة الشيخ المجددي كانت ملتقى يومي مفتوح يلتقي فيه العلماء والسياسيون والقادة ورجال الفكر من أمثال شيخ الأزهر مصطفى المراغي، والأمير عبدالكريم الخطابي، بالإضافة إلى صاحب الديوانيّة السفير محمّد الصادق المجددي .. وغيرهم. ( راجع ما كتب عن سيرة السّيد/ محمّد هارون المجددي في موقع الملتقى على شبكة الإنترنت)

 

ولما قامت الحرب العالمية الثانية في عام 1939م، راهن الأمير إدريس السنوسي على الحلفاء (16) وأعلن فيما بعد إنظمامه إليهم. عقد الأمير إدريس السنوسي اجتماعاً في داره بمدينة الإسكندرية ضم حوالي 40 شيخاً ليبياً مقيماً في المهجر (مصر)، وذلك يوم 6 من رمضان  1359هجري الموافق 20 من أكتوبر 1939م. فوض الشيوخ الأمير السنوسي بمفاوضة الحكومة المصريّة والحكومة البريطانيّة لأجل الإنظمام إلى الحلفاء، وتأسيس جيش وطني (الجيش السنوسي ) يشترك في حرب الحلفاء ضد إيطاليا لطردهم من ليبيا. تأسس الجيش السنوسي على يد الأمير إدريس السنوسي في 9 أغسطس 1940م. تفاوض الأمير مع البريطانيين بشأن التحالف معهم، ووضع شروطاً أمامهم، من بينها ما يلي:-

 

1-    ألا يحارب المجاهدون الليبيّون عند دخولهم مع الحلفاء خارج الحدود الليبيّة.

2-    ألا يعطي المجاهدون الليبيون المنضوين تحت اللواء الثامن للجيش البريطاني التحية والسلام إلاّ للعلم السنوسي باعتباره العلم الوحيد الذي يمثلهم حالياً لأنّ ليبيا مستعمرة ولا يوجد لديها علماً يمثلها.

3-    عند انتصار الحلفاء على الطليان لابُدَّ أنّ تعطي بريطانيا لليبيين صلاحيات لإدارة شئونهم، وأنّ تعدهم بمزيد من الصلاحيات مع مرور الوقت وتُغير الظروف والأحوال.

 

وافق البريطانيون على شروط الأمير إدريس السنوسي، ودخل إلى ليبيا متحالفاً معهم لطرد الغزاة الإيطاليين، وبجيش قوامه حوالي 12 ألف مقاتل ليبي. هزم الحلفاء في عام 1943م جيوش إيطاليا الغازية وأصبحت ليبيا منذ ذلك التاريخ تحت حكم الإدارة البريطانية والفرنسية (الحلفاء).

 

أسست بريطانيا إدارة حكم عسكرية حكمت بها ولايتي طرابلس وبرقة. وشكل الأمير إدريس السنوسي في 28 صفر 1367 هجري الموافق 10 يناير 1948م المؤتمر الوطني البرقاوي برئاسة محمّد الرضا السنوسي تمهيداً لإعلان استقلال برقة.

 

منذ خروج قوات المحور من البلاد – وكما قال الأستاذ/ إبراهيم عبد العزيز صهّد في مقالته: " المعركة الدبلوماسيّة" –،..(..نشط الشعب الليبي فشكل النوادي السياسيّة والجمعيات والأحزاب التي كانت في معظمها تطالب باستقلال البلاد ووحدتها، وكان مطلب إمارة السيد محمد إدريس أمراً متفقاً عليه في كل من برقة وفزان وكان يجد أنصاراً ومعارضين في طرابلس... غير أن الأحزاب والجمعيات السياسية في طرابلس ما لبثت في نهاية المطاف حتى وحدت كلمتها بالقبول بالزعامة السنوسية، بعد أن أتضح  جليا أمام الجميع أن الوحدة الليبية لن يكون في الإمكان تحقيقها إلاّ تحت قيادته...).

 

 وأعلن الأمير إدريس السنوسي إستقلال ولاية برقة في 11 أكتوبر 1949م، وانتقلت سلطات الإدارة العسكريّة البريطانية إلى حكومة برقة، وتمكن من إنتزاع صلاحيات كثيرة لتدبير شئون ولاية برقة الداخليّة مع بقاء بعض الصلاحيات في يد البريطانيين. 

 

تعرض الأمير إدريس السنوسي لمحاولة إغتيال في طرابلس عند زيارته لها في عام 1951م، وقبل إعلان إستقلال ليبيا في ديسمبر من العام نفسه. وجاء في مقالة للأستاذ/ سعيد الجطلاوي بخصوص هذه الحادثة، ما نصه..{.. عندما عينت الجمعيّة الوطنيّة الليبيّة حكومة مؤقتة في شهر أبريل عام 1951م برئاسة السيد/ محمود المنتصر رأت الحكومة أهمية زيارة الملك لمنطقة طرابلس تلبيّة لرغبة أبناء طرابلس لهذه الزيارة ، لبى الملك تلك الرغبة، وابتهجت المدن الليبيّة في جهة الغرب بهذه الزيارة، واستقبلته الوفود من الرجال والنساء والشيوخ والشباب، وعندما وصل موكبه إلى طرابلس واخترق شارع عمر المختار كان بعض الحاقدين يتربص بالملك الدوائر، وقذف موكبه ببعض القنابل، ولكن الله سلم وظهرت من الملك شجاعة نادرة في مثل تلك المواقف، وثبات عجيب، وما كاد يذاع نبأ المحاولة الفاشلة في ليبيا حتى اجتمعت جموع الشعب في أسرع من لمح البصر، وبإندفاع ذاتي لا كما يحصل في عهد القذافي اليّوم، وذلك لفرط حبها لملكها وقائدها. وقال شاعر الوطن أحمد رفيق المهدوي في هذا الحدث الأبيات التالية:

 

وقاك الله من شر الأعادي   .....  ودام علاك يا أمل البلاد

وعشت لأمة جعلتك رمزاً  .....  لوحدتها وروحاً للجهاد 

حياتك بيننا لله نوراً          .....  أيطفي نوره أهل الفساد

أتم الله نعمته علينا           .....  بحفظك واهتدائك للسداد  ..}م39.  

     

وعوداً على ذي بدء أقول.. آمن الأمير إدريس السنوسي بسنن التدرج وسياسة (خذ وطالب ) ليصل – وعلى مراحل – إلى مجمل الأهداف المرسومة. تحصلَ في نوفمبر 1920م على حكم ذاتي ( حكومة إجدابيا )، ثمّ تحصلَ في أكتوبر1949م على إستقلال برقة، ثم صعد الضغط عبر القنوات السياسيّة والدبلوماسيّة فتمكن بعد شهر من إعلان استقلال برقة من استصدار قراراً من الجمعية العامة للأمم المتحدة يعترف بإستقلال ليبيا من خلال مذكرة قدمها ذو الفقار خان (وزير خارجية الباكستان ). وافقت الجمعية العامة على المذكرة التي قدمها السيد/ ذو الفقار خان، وتبنّت بتاريخ 21 نوفمبر 1949م  قراراً يمنح ليبيا إستقلالها قبل حلول سنة 1952م.

 

أنشئت في مارس 1951م حكومات محلية مؤقتة في إقليم طرابلس وأخرى في إقليم فزان على غرار الحكومة القائمة في إقليم برقة. وتولى السيد/ محمود المنتصر الحكومة الطرابلسيّة المؤقتة، وأصبح السيد/ أحمد سيف النصر رئيساً لإقليم فزان. ثمّ كلّف السيد/ محمود المنتصر برئاسة الحكومة الإتحاديّة الإنتقاليّة.  

 

شُكلت في نوفمبر 1949م لجنة وطنيّة تحضيريّة من واحد وعشرين عضواً أُسندت إليها مهمة إيجاد طريقة يتم بها اختيار أعضاء جمعيّة وطنيّة تأسيسيّة تكون هي الجهة المسئولة على وضع الدستور. توصلت اللجنة الوطنيّة التحضيريّة بعد اجتماعات عقدتها على اتفاق ينص على أنّ تتكون الجمعيّة الوطنيّة التأسيسيّة – الجهة المسئولة على وضع الدستور – من ستين عضواً نصيب كلّ إقليم من أقاليم البلاد الثلاثة عشرون عضواً. اجتمع أعضاء الجمعيّة التأسيسيّة الستون، واتفقوا على تشكيل لجنة من الخبراء والمتخصصين (لجنة الدستور ) لوضع الدستور شرط أنّ تنجز هذه اللجنة مهمتها بالتنسيق والتشاور التام مع فريق الخبراء الدوليين ( هيئة الأمم المتحدة )، وأنّ تعرض هذه اللجنة كل ما تتوصل إليه على الجمعيّة الوطنيّة التأسيسيّة لغرض مناقشته وإقرار ما يتفق عليه. وفي يوم 17 ديسمبر 1950م ذهب أعضاء الجمعيّة الوطنيّة التأسيسيّة الستون إلى الأمير إدريس السنوسي في قصر المنارة بمدينة بنغازي، وأعلنوا مبايعتهم له.

 

وفي جانب أخر.. وضع السيد/ دريان بيلت (ممثل الأمم المتحدة ) تحت تصرف لجنة الدستور المكونة من ثمانيّة عشر (18 ) عضواً، والمنبثقة عن الجمعيّة الوطنيّة التأسيسيّة، كلّ ما استطاع توفيره لها من مساعدات قانونيّة وفنيّة. وعينت لجنة الدستور لجنة مكونة من ستة أشخاص – شخصان من كلّ إقليم – تكون مهمتها الإشراف على نقل السلطة من الدولتين المتكفلتين بالإدارة (بريطانيا وفرنسا) إلى الليبيّين بعد إعلان الإستقلال. وقد أخذت هذه الجمعيّة الوطنيّة التأسيسيّة عدة قرارات في اتجاه قيام دولة ليبيّة دستوريّة، وفرغت لجنة الدستور في نهاية نوفمبر 1951م من وضع دستور متضمن 204 مادة دستوريّة تنص أهم مواده: أنّ تكون ليبيا دولة ديمقراطيّة إتحاديّة مستقلة ذات سيادة، ويكون شكل الحكم ملكياً دستورياً، ويكون سمو الأمير محمّد إدريس السنوسي أمير برقة هو ملك " المملكة الليبيّة المتحدة". أقرت الجمعيّة الوطنيّة التأسيسيّة الدستور في 6 محرم 1371 هجري الموافق 7 أكتوبر 1951م بعد مفاوضات غير رسميّة أجراها مفوض الأمم المتحدة – السيد/ دريان بيلت – مع الأمير إدريس السنوسي. 

 

وفي 24 ديسمبر 1951م، أعلن الأمير محمّد إدريس السنوسي من شرفة قصر المنارة في مدينة بنغازي الإستقلال وميلاد الدولة الليبيّة كنتيجة لجهاد الشعب الليبي، وتنفيذاً لقرار هيئة الأمم المتحدة، وبناءاً على قرار الجمعيّة الوطنيّة الصادر بتاريخ 2 ديسمبر 1950م. وأعلن أنّ ليبيا منذ اليّوم – 24 ديسمبر 1951م – أصبحت دولة مستقلة ذات سيادة، وأنّه اتخذ لنفسه لقب ملك المملكة الليبية المتحدة، وأنّه سيمارس سلطاته وفقاً لأحكام الدستور.

أصبحت ليبيا منذ إعلان إستقلالها – ولأوّل مرة في تاريخها – دولة مستقلة يحكمها أبنائها أسمها (المملكة الليبيّة المتحدة ) في ظل نظام دستوري فيدرالي يُقسم البلاد إلى ثلاث ولايات (برقة..طرابلس..فزان ) تحت تاج الملك محمّد إدريس السنوسي.

 

وقال شاعر الوطن أحمد رفيق المهدوي في يوم إعلان الإستقلال المشهود:

 

عيدُ عليه مهابةُ وجلال ..... عيدُ وحَسبُكَ أنه استقلال

يومُ سعيدُ فيه نالت أمّة ..... ملكاً تمجدُ ذكره الأجيالُ 

 

وقد تولى الأخ غير الشقيق للملك السيد/ محَمّد الرضا المهدي السنوسي ولايّة العهد في 21 ديسمبر 1953م واستمر ولياً للعهد حتى  29 يوليو 1955م تاريخ وفاته. وتولى أبنه الأصغر الأمير الحسن الرضا (17) ولايّة العهد بعد وفاة أبيه، وذلك حينما عينه الملك ولياً للعهد في 26 نوفمبر 1956م.     

 

بقلم الصادق شكري

 


ملاحظات وإشارات هامة

 

13) الأعضاء الثمانيّة في مجلس المبعوثان العثماني: أعضاء المجلس كما ورد في مقالة: الهوية.. فسيفساء للدكتور/ محمّد المفتي، والسادة هم: الصادق بالحاج، ومحمّد ناجي، ومحمّد فرحات عن طرابلس.. عمر منصور الكيخيا، ويوسف بن شتوان عن متصرفيّة بنغازي.. سليمان الباروني عن متصرفيّة الجبل الغربي.. مصطفى بن قدارة عن متصرفيّة الخمس.. جامي بك عن متصرفيّة فزان.

 

14) مفاوضات الرجمة: بعد مفاوضات الرجمة وقعت إيطاليا اتفاقاً مع السنوسي عرفُ باسم أتفاق الرجمة. وتنفيذا لهذا الاتفاق، أصدرت إيطاليا مرسوماً ملكياً رقم 1755 بتاريخ 25 /10/ 1920م ، يمنح السيد إدريس الإمارة، وجاء فيه :..(.. تقديراً للأعمال التي قام بها السيد إدريس السنوسي، أثناء الحرب العالمية والاتفاق مع الحكومة الإيطالية، وتقديراً لهمته في التعاون مع الحكومة الإيطاليّة لتهدئة الخواطر في برقة، ورفاهية البلاد وتقدمها، وتقديراً وإثباتاً لفضله، وبالاستناد إلى رأي مجلس الوزراء، وبناء على اقتراح وزير المستعمرات، أمرنا بما هو آت :

 

أولاً: يمنح السيد محمد إدريس السنوسي، لقب أمير بما له من مزايا وإكرام للقب صاحب السمو، وبوصفه رئيسا منتدبا منا ليتولى إدارة أوجلة وجالو والجغبوب والكفرة إدارة ذاتية، كما يرخص له باختيار إجدابيا كمركز رئيسي لإدارته.

 

ثانياً: نأمر بأنّ يسجل هذا المرسوم، وعليه خاتم الدولة في الجريدة الرسميّة الخاصّة بقوانين ومراسيم مملكة إيطاليا.  على كل من يخصه الأمر، تنفيذ هذا المرسوم والعمل به .

– صدر في روما يوم 25 أكتوبر 1920م، ملك إيطاليا فيتو ديوايمانويلي، رئيس الوزراء جيوليتي، وزير المستعمرات روسما....). 

 

15) إعدام الشيخ شنقاً : لمعرفة المزيد من التفاصيل عن عملية اعتقال ومحاكمة وإعدام الشيخ عمر المختار يُرجى مراجعة كتاب: ثمانيّة من أبطال العرب للأستاذ/ قدري قلعجي. وكتاب قلعجي هو المصدر الأساسي لما ورد في الفقرة المُشار إليها  أعلى الصفحة.

  

16) ) الحلفاء: ضمت مجموعة الحلف (الحلفاء) في فترة الحرب العالميّة الأولى (1914 – 1918م ) الدّول التاليّة: بريطانيا، فرنسا، روسيا. وضمت مجموعة ( المحور )، الدّول التاليّة: ألمانيا، الإمبراطوريّة النمساويّة المجريّة، تركيا.  اتخذ المجتمع الدولي إجراءات عقابيّة ضد ألمانيا فيما عرف بمعاهدة فرساي 1919م، وذلك بعد انتهاء الحرب العالميّة الأولى. خسرت ألمانيا بموجب تلك الإجراءات العقابيّة (معاهدة فرساي ) كما جاء في مصادر التوثيق الدوليّة: 12,5% من مساحتها الجغرافيّة، وحوالي 12% من تعداد سكانها، وما يقارب عن 15% من إنتاجها الزراعي، وحوالي 10% من منتوجها الصناعي وما يقارب عن 75% من إنتاجها من خام الحديد. وإلى جانب ذلك، قيدت معاهدة فرساي حركة وصلاحيات الجيش الألماني حيث نصت على ألا يزيد عدد المنتسبين إلى الجيش الألماني عن مائة ألف جندي، كذلك، ألزمت ألمانيا بدفع تعويضات كبيرة للحلفاء.

تحالفت ألمانيا بعد ظهور الحركة النازيّة في يناير/ كانون الثاني 1933 مع الفاشيّة الإيطاليّة التي ظهرت في أكتوبر/ تشرين الأول 1922. شكلت الدولتان ( ألمانيا وإيطاليا ) وحدهما في البدايّة محوراً ثمّ انضمت اليابان فيما بعد إليهما. وأصبحت دّول المحور حينما قامت الحرب العالمية الثانية ( 1939م – 1945م ) تضم كلّ من: إيطاليا، ألمانيا، اليابان. أمّا دّول الحلفاء فكانت كالتالي: بريطانيا، فرنسا، الولايات المتحدة الأمريكيّة، الاتحاد السوفيتي. بدأت الحرب العالميّة الثانيّة 1 سبتمبر 1939م وانتهت بشكل نهائي في بداية عام 1945م، حيث هُزم الأسطول الياباني في معركة (ميداوي)، ثم هُزم القائد الألماني رومل في العلمين، ثمّ دخل الحلفاء روما وأعدم الثوار الإيطاليون "موسوليني"، وانتحر هتلر في إبريل 1945م، ووقَّع ممثلو ألمانيا وثيقة الاستسلام بلا قيد أو شرط.

راهن الأمير إدريس السنوسي على الحلفاء لما قامت الحرب العالمية الثانية في عام 1939م وأنظم إليهم لأجل طرد المستعمر الإيطالي من ليبيا، وبعد نجاح رهانه، نقل القضيّة الليبيّة إلى أروقة هيئة الأمم المتحدة إلى أنّ تبنّت الجمعيّة العامة لهيئة الأمم بتاريخ 21 نوفمبر 1949م قراراً يعترف باستقلال ليبَيا، ويمنحها ذلك قبل حلول سنة 1952م. وتحقق استقلال ليبيا في 24 ديسمبر 1951م.

 

أخيراً.. المعلومات الواردة في هذه الوقفة مطابقة تماماً لما نشر بخصوص "الحلفاء والمحور " في الحربين العالميتين الأولى والثانيّة في الوثائق والمصادر التاريخيّة المنشورة في كتب أو الموجودة على شبكة الإنترنت.

 

17)الأمير الحسن الرضا المهدي السنوسي: هو إبن السيد/ محمّد الرضا ( 1892م – 1955م ) الأخ غير الشقيق للملك إدريس السنوسي، والذي تولى ولايّة العهد في 21 ديسمبر 1953م واستمر ولياً للعهد حتى 29 يوليو 1955م تاريخ وفاته عن عمر ناهز 63 عاماً. تولى الحسن الرضا ( 25 عاماً) ولايّة العهد بعد شهور عدة من وفاة  أبيه، وذلك حينما عينه الملك ولياً للعهد في 26 نوفمبر 1956م.     

 

ولد سمو الأمير الحسن الرضا في عام 1931م، وفي روايّة أخرى في عام 1928م إلاّ أننا نميل إلى تاريخ الميلاد الأوَّل. وتلقى تعليمه الأوَّل في الزّوايَا السنوسيّة والمدارس الليبيّة ثمّ واصل تعليمه المتوسط – ولمدة خمس سنوات – بالأزهر الشريف بالقاهرة. وهو أصغر أبناء السيد/ محمّد الرضا الخمسة، والأخوة الخمسة ترتبهم كالتالي: محمّد الصديق.. الحسن الأول (الحصن توفي شاباً ).. السنوسي.. مصطفى.. الحسن (وليّ العهد ).  

   

عينه الملك إدريس السنوسي في نوفمبر 1956م وليّاً للعهد. وأُعلنَ في يوم 26 نوفمبر 1956م رسمياً عن هذا التعيين في خطاب للعرش تلاه نيابة عن الملك في البرلمان الليبي السيد/ مصطفى بن حليم رئيس الوزراء وقتذاك. أقرّ مجلس الأمّة التعيين وبقى سموه ولياً للعهد منذ نوفمبر 1956م إلى سبتمبر 1969م حيث أجبره إنقلابيو سبتمبر تحت تهديد السلاح على التنازل عن العرش.  

 

تزوج سمو الأمير وليّ العهد في 20 أبريل 1959م من كريمة والي طرابلس آنذاك السيد/ الطاهر باكير. وغنى المطرب الليبي الشهير آنذاك محمّد السيد بومدين (شادي الجبل ) في يوم عرس الأمير الحسن الرضا أغنية كتبت لهذه المناسبة اسمها: " مبروك عرسك يا أمير بلادي". وله خمسة أولاد، والسادة هم: محمّد المهدي.. محمّد الرضا ( ناشط سياسي مقيم بلندن ومتحدث باسم العائلة السنوسيّة فوضه والده لهذا الدور قبل وفاته في عام 1992م ) .. خالد.. أشرف جلال.    

 

شارك سمو الأمير الحسن الرضا (ولي العهد ) نيابة عن الملك إدريس السنوسي في إعمال القمة العربيّة التي انعقدت بالقاهرة في الفترة الواقعة ما بين 13-17 /1/1964م .. وأعمال القمة العربيّة التي انعقدت بالإسكندرية في سبتمبر 1964م .. وأعمال القمة العربيّة التي انعقدت في الخرطوم بالسودان في الفترة الواقعة ما بين 9 /8-1/9/1967م. وشارك كذلك نيابة عن الملك في أعمال القمة الإفريقيّة التي انعقدت في أديس بابا والقمة الإفريقيّة التي انعقدت بالقاهرة في عام 1964م. 

 

ويذكر أنّ ولي العهد – وأثناء حضوره لمؤتمر القمة العربي الذي انعقد بالقاهرة في يناير 1964م – تبرع بمبلغ 55 مليون جنيه لصالح المجهود الحربي، وتعهد بدفع مثله سنوياً باسم الدولة الليبيّة والملك إدريس السنوسي، في حين تبرعت آنذاك السعودية بمبلغ 40 مليون جنيه وتبرعت الكويت بخمسة عشر (15 ) مليون جنيه فقط.   

قام الأمير/ الحسن الرضا أثناء ولايته للعهد بزيارات رسميّة للعديد من دول العالم أهمها: زيارته لواشنطن في أكتوبر 1962م واجتماعه بالرئيس الأمريكي جون .ف.كنيدى كما قام سموه خلال هذه الزيارة بزيارة مقر الأمم المتحدة وألقى خطاب أمام الجمعيّة العامّة.  

 

تحرك مجموعة من الضباط صغار الرتب في فجر الأول من سبتمبر 1969م واستولوا على السلطة بقوة السلاح. كان سمو الأمير/ الحسن الرضا (وليّ العهد) داخل ليبيا حينما استولى الإنقلابيون على السلطة بينما كان الملك إدريس السنوسي في رحلة للعلاج والاستجمام خارج ليبيا. أُلقي القبض على سمو الأمير ولي العهد بعد إنقلاب 1 سبتمبر 1969م مباشرة ثمّ أجبره الإنقلابيون على التنازل عن العرش أو كما قال إبنه السيد/ محمّد الحسن الرضا في لقاءه مع مجلة الحقيقة الإلكترونيّة في مايو 2005م ..(.. تمّ إجبار والدي – سمو الأمير الحسن الرضا – تحت تهديد السلاح بالتنازل عن العرش .. وهذا الموقف أستطيع أنّ أوثقه الآن فقد أخبرني الوالد أنّ عبدالمنعم الهوني دخل عليه برفقة بعض الحرس يحملون غدارات (رشاشة).. وكان الوالد جالساً وعبدالمنعم الهوني يدور حوله وفى يده مسدس!، ويشير بالمسدس بطريقة إستفزازية وتحمل معاني التهديد.. ثمّ أخذ المسدس ووضعه أمامه وقال مخاطباً الوالد: الحسن لابُدَّ أنّ تتنازل عن العرش..!). 

 

ويروى أنّ أعضاء مجلس الإنقلاب كلفوا كلّ من: عبدالمنعم الهوني و الخويلدي الحميدي بالقبض على وليّ العهد. جاء الاثنان لقصر الأمير الحسن الرضا لاستطلاع المكان فوجدا مقر سكن وليّ العهد دون حراسة مشددة وأنّ أيّ شخص عادي بإمكانه مقابلته. وهذا ما أكده عبدالمنعم الهوني (عضو مجلس الإنقلاب ) بنفسه في مقابلته مع مجلة "الوسط" اللندنيّة في عددها 188 الصادرة بتاريخ 4 سبتمبر 1995م، حيث قال..(.. الحقيقة أنّ النّظام كان بسيطاً، وكان في إستطاعة أيّ مواطن عادي أنّ يسأل عن وليّ العهد وأنّ يطلب مقابلته..).

 

عموماً.. جاء الاثنان ( الهوني والخلويلدي ) إلى قصر ولي العهد بصحبة عدد من الجنود. اتفق الهوني مع الخلويلدي على خطة القبض على ولي العهد، ثمّ ترك الأوّل الثاني أمام القصر بعدما تبين لهما بأنّ عمليّة القبض لا تحتاج لأكثر من عضو من أعضاء مجلس الإنقلاب. غادر الهوني القصر ليبدأ الخلويلدي  في تنفيذ الخطة المتفق عليها من قبلهما. وجد الخويلدي الحميدي القصر دون حراس والمكان مُظلم ( الأنوار مغلقة ) فظن أنّ وليّ العهد في قصر ثان، أيّ في قصر الضيافة. عاد الخلويدي والجنود الذين معه إلى جماعته في باب العزيزية دون أنّ يقبض على وليّ العهد. وعمر الحريري هو من قبض على وليّ العهد. وهذا ما أكده عبدالمنعم الهوني في مقابلته مع مجلة "الوسط" اللندنيّة، حيث قال..(.. لم تكن عمليّة إحضار وليّ العهد من مهمة عمر الحريري، ولكن لدى مروره في الطريق قال له الجنود هناك ضوء في قصر وليّ العهد. دخل عمر الحريري القصر وقبض عليه وجاء به إلى باب العزيزية..). وجد وليّ العهد نفسه محاطاً بالغدارات (الرشاشات).. وفي أجواء كلها استفزاز وتهديد قادها بوقاحة لا مثيل لها عبدالمنعم  الهوني. أو كما قال ابن وليّ العهد السيد/ محمّد الحسن الرضا..(.. كان الوالد جالساً وعبدالمنعم الهوني يدور حوله وفى يده مسدس!، ويشير بالمسدس بطريقة إستفزازيّة وتحمل معاني التهديد.. ثمّ أخذ المسدس ووضعه أمامه وقال مخاطباً الوالد : الحسن لابُدَّ أنّ تتنازل عن العرش..!).  

         

تنازل ولي العهد عن العرش تحت تهديد السلاح ونُقل نص خطاب التنازل إلى الشّعب الليبي عبر موجات الأثير (الإذاعة الليبيّة المسموعة). وضع ولي العهد في السجن من سبتمبر 1969م إلى صيف 1972م ثمّ تحت الإقامة الجبريّة في بيت تحرسه كتيبة جيش من صيف 1972م إلى منتصف عام 1977م. رفعت قيود الإقامة الجبريّة عليه في منتصف عام 1977م إلاّ أنّ استفزاز الأجهزة الأمنيّة ومضايقتها له استمر على ما هو عليه وكأن شيء لم يحدث أو يتغير.  

 

لوليّ العهد بيت في منطقة "أبي ستة" بطرابلس وهو البيت الذي استولى عليه عبدالرحمن شلقم (وزير خارجيّة القذافي) ولازال البيت تحت قبضته إلى يومنا هذا ( ونحن في عام 2005م ). وبيت ثاني كان يسكن فيه إلى عام 1984م حيث قام نّظام القذافي بحرق هذا البيت في عام 1984م وتحديداً بعد الأحداث التي قامت بها الجبهة الوطنيّة لإنقاذ ليبيا في مايو 1984م. وقال إبنه السيد/ محمّد الحسن الرضا عن هذه الحادثة في لقاءه مع مجلة الحقيقة الإلكترونيّة في مايو 2005م ..(.. جاءت إلى بيتنا في عام 1984م مجموعة من اللجان الثوريّة بعثهم القذافي ـ وهذا حسب ما قالوا للوالد يومها: أنّهم مبعوثون من طرف القذافي شخصياً لحرق البيت على أنّ تخرجوا منه وتتفرجوا عليه وهو يحترق .. وبالفعل جاء حوالي 14 شخصاً معهم عصي وتنكات "براميل" بنزين وأخرجونا خارج البيت بإستفزاز وقلة إحترام .. وسط إطلاق ألفاظ بذيئة .. وأحرقوا البيت بعد أنّ سرقوا محتويات البيت للمرة الثانية .. حيث سبق لهم وسرقوا بيتنا الأوّل في سبتمبر 1969م..).

 

تنقل وليّ العهد وأسرته – وبعد حرق بيتهم في عام 1984م، ووجودهم في الشارع بدون منازل تؤويهم –  من مكان إلى أخر، ليقيموا أولاً مع السيد الطاهر باكير في منازله ثمّ في مزرعته، وفي السنتين الأخيرتين قبل الخروج من ليبيا في 1988م في شاليه صغير جداً – 2 غرفة – في المدينة السياحيّة بمنطقة تاجوراء. 

 

أصيب سمو الأمير/ الحسن الرضا بجلطة في عام 1988م ونقلته أجهزة القذافي المخابراتيّة إلى مستشفى صلاح الدين بطرابلس. وسُمحَ لسموه بالعلاج في الخارج بعدما أكد الدكاترة لرجال مخابرات القذافي بأنّ سموه لن يعيش أكثر من شهر. وهذا من أكده إبنه حينما حاورته مجلة الحقيقة. حيث قال:..(.. الدكاترة قالوا إنّ الوالد لن يعيش أكثر من أشهر.. ولكن شاء الله أنّ يبقى الوالد حياً لخمس سنوات من سنة 88م إلى 1992م ..). 

 

عاش سمو الأمير الحسن الرضا السنوسي حوالي عشرين عاماً داخل ليبيا في ظروف السجن ثمّ الإقامة الجبريّة، وقضى كلّ هذه المدة ممنوعاً من السفر، ومحروماً من العلاج والعيش الكريم إلى أنّ أكرمه الله سبحانه وتعالى في أواخر الثمانينيات (1988م ) من مغادرة ليبيا للعلاج ببريطانيا فعاش الخمس سنوات الأخيرة من عمره في حرية وآمان بين أولاده ورفيقة عمره ابنة السيد/ الطاهر باكير أحد أعلام ليبيا ورجالات العهد الملكي. وتوفي في لندن في عام 1992م راضياً مرضياَ ونقل جثمانه إلى السعوديّة حيث دفن بقرب قبر سيدنا محمّد عليه الصلاة والسلام، وبجانب قبر عمّه الملك محمّد إدريس السنوسي (رحمه الله ) في البقيع بالمدينة المنورة.  رحم الله السيد/ الحسن الرضا واسكنه فسيح جناته. 

 

بعض أجزاء هذه الوقفة منقولة عن المجلد الثاني من موسوعة د/محمّد يوسف المقريف ( ليبيا بين الحاضر والماضي .. صفحات من التاريخ السياسي)، ومقابلة السيد/ محمّد الحسن الرضا السنوسي مع مجلة الحقيقة  الشهريّة في عدد شهر مايو 2005م والمنشورة على موقع المجلة الإلكتروني. 

 


مصادر ومراجع

 

م24) د/ علي عبداللطيف حميدة – كتاب: المجتمع والدولة والإستعمار في ليبيا – مركز دراسات الوحدة العربيّة / الطبعة الأولى يناير 1995م.

م25) الأستاذ/ أحمد جبريل (محاضر في كليّة أكسبردج ومهتم بالشؤون الليبيّة) –  مقالة: معوقات التغيير السياسي عبر التاريخ القديم والمعاصر – نشرت على موقع " أخبار ليبيا" بتاريخ 10 يناير 2005م.  

م26) الأستاذ/ عبدالحميد البكوش – مقالة: ليبيا بين أمسها واليوم، أو الكيفية التي يتجلى فيها تاريخ مر ومرير – صحيفة الحياة اللندنيّة العدد/ 12719 الصادر بتاريخ 27 ديسمبر 1997م.

م27) السيد/ ئي.آ. ف. دي كاندول – كتاب: "الملك إدريس عاهل ليبيا.. حياته وعصره" – صدر على نفقة المؤلف باللغة الإنجليزيّة في عام 1988م، وقام السيد/ محَمّد بن غلبون بنشره بعد ترجمته إلى العربيّة، وذلك في عام 1989م على نفقته الخاصة.  

م28) نفس المصدر السابق. 

م29) د/ علي محَمّد الصلابي – كتاب: الحركة السنوسية في ليبيا /2 – دار البيادق / الطبعة الأولى 1999م.  

م30) الأستاذ/ مصطفى أحمد بن حليم – كتاب: انبعاث أمّة.. وسقوط دولة – منشورات در الجمل بكولونيا / ألمانيا 2003م. 

م31) نفس المصدر السابق.  

م32) د/ محَمّد المفتي – مقالة: الهوية .. فسيفساء – نشرت في العدد الأول من مجلة (عراجين / يناير 2004م).

م33) د/ محَمّد يوسف المقريف – المجلد الأول: ليبيا بين الماضي والحاضر.. صفحات من التاريخ السياسي – مركز الدراسات الليبيّة (أكسفورد – بريطانيا ) الطبعة الأولى 1425 هجري / 2004ميلادي.

م34) د/ فرج نجم – مقالة: سيرة الأجداد.. الشارف الغرياني نموذجاً – الحلقة الأولى المنشورة على موقع "ليبيا وطننا" بتاريخ 16 ديسمبر 2004م.  

م35) السيد/ ئي.آ. ف. دي كاندول – كتاب: "الملك إدريس عاهل ليبيا.. حياته وعصره" – صدر على نفقة المؤلف باللغة الإنجليزيّة في عام 1988م، وقام السيد/ محَمّد بن غلبون بنشره بعد ترجمته إلى العربيّة، وذلك في عام 1989م على نفقته الخاصّة. 

م36) الأستاذ/ مصطفى أحمد بن حليم- كتاب: انبعاث أمّة.. وسقوط دولة – منشورات در الجمل بكولونيا / ألمانيا 2003م.

م37) نفس المصدر السابق.    

م38) نفس المصدر السابق. 

م39) الأستاذ/ سعيد الجطلاوي: مقالة: إدريس السنوسي.. ملك أحبه شعبه – نشر المقال في باب " الرسائل" على موقع "ليبيا وطننا" بتاريخ 20 أبريل 2002م.

 

 

[email protected]

 

إن جميع المقالات التي تنشر في هذا الموقع تعبر عن رأي أصحابها فقط، ولا تعبر بالضرورة عن رأي إدارة الموقع