الرئيسية | من نحن | اتصل بنا

منبر الكتّاب

الحلقات:         5   6   7   8    10   11   12   13

 

 

   هدرزة في السّياسَة والتاريخ (8)  

 

  الملك.. العقيد.. المعارضة الليبيّة في الخارج

 

بقلم/ الصادق شكري

 

   الجزء الأوَّل ( 8 مِن 13 )

 

الحلقة الثامنة

     

كان هم الملك إدريس السنوسي الأساسي منذ حصول ليبيا على إستقلالها خوض معركة التعليم حتى يستطيع الليبيون حل كافة المشاكل التي ستواجههم بالدراسة والبحث العلمي لأنّه رأى في العلم الرأس مال الحقيقي لأيّ دولة تنشد التقدم والرقي. فجلب إلى ليبيا أفضل أساتذة العالم – وأساتذة العالم العربي تحديداً. فبدأ طريق الدولة التي ولدت في 24 ديسمبر 1951م ولم يتجاوز عدد حَمَلة المؤهلات العاليّة عن شخصين اثنين فقط، ولم يتجاوز عدد التلاميذ في جميع المدارس – وكما ذكر الأستاذ/ عبدالحميد البكوش – رقم المائتين. واستلم البلاد وهي خالية من المعاهد والجامعات وعدد المدارس فيها لا يتجاوز العشرة في أحسن التقديرات. وترك البلاد بعد استيلاء القذافي على السلطة في سبتمبر 1969م، والبلاد فيها مئات المدارس وعشرات المعاهد ومواقع التأهيل والتدريب بالإضافة إلى جامعة ليبيّة مركزها في مدينة بنغازي وفرعها الرئيسي بمدينة طرابلس. وترك ليبيا وعدد التلاميذ في المدارس أكثر من ثلاثمائة ألف تلميذ بعدما كانوا حينما استلمها لا يتجاوز عددهم رقم المائتين. وفاق عدد طلاب الجامعة والمبعوثين في الخارج – وكما ذكر الأستاذ/ عبدالحميد البكوش– رقم العشرة ألاف. لدرجة أنّ تقارير المنظمات الدوليّة الصادرة في عام 1968م وصفت نحاج المملكة الليبيّة في مجال التعليم أفضل نجاح سجل في المنطقة العربيّة وأكدت على أنّ الحكومات الليبيّة القادمة إذا ما استمرت على نفس مناهج التخطيط العلمي الذي اتبعته الحكومات السابقة وعلى نفس وتيرة الأداء الحكومي المنضبط لسوف تتمكن خلال بضع سنوات قليلة قادمة من نقل الدولة الليبيّة إلى منظومة الدّول الأكثر تقدماً و رقياًَ بدلاً من منظومتها الحاليّة ألاّ وهي منظومة دول العالم الثالث – دول العالم المتخلف.    

 

لم يسخر الملك إدريس السنوسي وقته ولا جهده في الرد على ادّعاءات الآخرين أو الدخول في مناوشات وصراعات مع كائن من كان، إنّما سخر جل وقته للاهتمام بشعبه والنهوض ببلاده وتقديم كلّ ما بوسعه لنصرة قضايا العرب والمسلمين دون أنّ يعلن عن ذلك أو يزايد به على أحد. وأرتبط في تحركاته بسياسة العمل الدءوب في صمت لا بالسياسات الدعائيّة القائمة على فن الكلام أكثر من أيّ شيء أخر. ومنع وسائل الإعلام الليبيّة من أنّ تزايد بمواقف ليبيا في نصرة المظلوم ومساعدة المحتاج ودعم قضايا التحرر والاستقلال على أحد لأنّ ذلك واجبا أخلاقياً ودينياً لا يليق أنّ يعلن عنه ولا يجوز المن به.  

 

الوقفة الثالثة  

 

قدم الملك إدريس السنوسي كلّ سبل النصرة والعون – دون دعايّة أو مَن – لثوار حرب التحرير الجزائرية باعتبار إنّ ذلك واجباً أخلاقياً ودينياً وأنّ أجره ومثوبته عند الباري في يوم لا ينفع فيه مال ولا بنون إلاّ من أتي الله بعمل صالح وقلب سليم. دعم الملك الثوار الجزائريين بكلّ ما أستأمنه الله عنده وجعل بلاده مقراً ثابتاً لاجتماعات قيادات ورجالات الثورة الجزائريّة وجعل حدود ليبيا ممراً أمناً لتمرير السلع والأسلحة إلى ثوار التحرير داخل الأراضي الجزائريّة. وتلاحم الشعب الليبي مع الثورة الجزائريّة وقتذاك تلاحماً ليس له مثيل في العالم العربي. وفتحت المملكة الليبيّة المتحدة حدودها أمام ثوار الجزائر وشجعت الأعمال الشعبيّة المساندة والمؤيدة لثوار الجزائر (لجنة نصرة الثورة الجزائرية ). فاتسعت حركة تشكيل اللجان الوطنيّة لدعم الثورة الجزائريّة في كلّ المدن والقرى الليبيّة، وهي اللجان التي كانت تعمل تحت إشراف اللجنة الرئيسيّة في طرابلس.

 

وأصبح التسابق على التبرع ودعم الثورة الجزائريّة ميداناً واسعاً يتسابق فيه كل النّاس أفراداً وجماعات، فالكلّ كان يريد أنّ يسجل سبقاً في مقدار ما تبرع به أو أعطاه. وتعاونت الحكومة الليبيّة سرياً مع الهيئات الشعبيّة والحكومة المصريّة بشأن تمرير الأسلحة إلى الثوار الجزائريين عبر الأراضي الليبيّة. وسمحت بإرسال برقيات التأييد للثورة الجزائرية، وبرقيات الشجب للحكومة الفرنسيّة.

 

ورّغم تناغم الموقف الحكومي مع الموقف الشعبي إلاّ أن الحكومة الليبيّة اختارت وقتذاك ألا تعلن عن موقفها  المناصر للثوار الجزائريين خوفاً من أنّ ترجع فرنسا عن الاتفاق الذي أبرمته معها بشأن إجلاء قواتها من فزّان قبل نهاية 1956م. قال السيد/ مصطفى أحمد بن حليم  رئيس الحكومة الليبيّة في عام 1956م وفقاً لما جاء في مذكراته المنشورة في عام 1990م،..(.. كانت الحكومة الليبيّة شديدة الحرص على الادعاء بأنّها تقف على الحياد في الصراع الدائر بين الجزائريين وفرنسا، وأنّه " لا دخل للحكومة الليبيّة بالأعمال الشعبيّة العفويّة المؤيدة للثوار الجزائريين في الحريّة والاستقلال، وأنّ خير سبيل أمام فرنسا هو الاستجابة لنصائحنا – أيّ نصائح الحكومة الليبيّة – بإتباع الطرق السلميّة مع الثورة الجزائريّة وإيقاف القمع والقتل والتشريد الذي تقوم به القوات الفرنسيّة في الجزائر..).

 

وتقر معظم الدراسات التحليليّة بأنّ الحكومة الليبيّة..(.. لم تكن تنوي وقتذاك الإقدام على عمل من شأنه تعكير هذه العلاقات، ويعطي فرنسا ذريعة للنكوص عن تعهداتها بالجلاء عن فزّان خصوصاً وأنّها توصلت بمشقة بالغة إلى اتفاق مع فرنسا ينص على إجلاء القوات الفرنسيّة من إقليم فزّان قبل نهاية 1956م ..).   

 

ومن جديد..{.. استطاعت اللجنة الليبيّة لنصرة الثورة الجزائرية بعد فترة وجيزة من تأسيسها أنّ يصبح لديّها رصيد مالي كبير في أحد المصارف الليبيّة بمدينة طرابلس. وبدأ أعضاء اللجنة يسلمون جزءاً من هذه الأموال، وفقاً لمحاضر رسميّة موقع عليها من جميع أعضاء اللجنة، لبعض أعضاء حركة التحرير الوطنيّة الجزائريّة الذي يزورون طرابلس فرادي في مهام داخل ليبيا أو في طريقهم إلى جهات أخرى، واستمر هذا الإجراء معمولاً به حتى يونية 1957، حين أسس مكتب جبهة التحرير بطرابلس، وأصبحت الأموال المجباة تحول إلى حساب هذا المكتب بأحد المصارف بطرابلس أوّلاً بأوّل.   

 

تأسس مكتب جبهة التحرير بطرابلس في يونية 1957م، ترأسه أحد مناضلي الجبهة، وهو السيد/ أحمد بودا الذي ينتمي إلى حزب الشعب وعضو اللجنة المركزيّة فيه. وكان السيد/ محمد الصالح الصديق أحد أعضاء المكتب والمسئول الإعلامي فيه. وهو المشرف على برنامج صوت الجزائر بالإذاعة الليبيّة، ويساعده السيد/ بشير القاضي، إلى جانب السيد/ حسن يامي الذي كان يترأس فريق إعداد وتحرير مادّة برنامج صوت الجزائر بالإذاعة الليبيّة.

 

اهتمت الصحف الليبيّة بالقضيّة الجزائريّة اهتماماً كبيراً، فعلى سبيل المثال، يلاحظ أنّ اهتمام صحيفة طرابلس الغرب بمسألة تطورات القضية الجزائريّة قد ازداد، خلال أشهر مايو و يونية 1956، وقد وضعت القضيّة الجزائريّة بعد إعلان تشكيل لجان جمع التبرعات على رأس جدول أعمال مجلس النواب والشيوخ، ومطالبة أعضاء المجلسين الحكومة بأنّ تتخذ موقفاً صريحاً وواضحاً لدعم الثورة الجزائريّة، والوقوف ضد فرنسا وسياساتها العدوانيّة ضد الشعب الجزائري. وقد أدرجت مسألة القضية الجزائريّة في جدول أعمال مجلس النواب حين أثار هذا الموضوع أحد نواب المعارضة، وهو السيد/ عبد العزيز الزقلعي عندما..".. طلب من الحكومة أنّ تعلن مقاطعتها السياسية وغير السياسية مع حكومة فرنسا بسبب موقفها الفاجر العنيد – على حد تعبيره – ضد الشعب الجزائري... هذا الشعب الأبي المجاهد الذي يطالب بحقه في الحياة الحرة المستقلة على أساس مبدأ حرية تقرير المصير..". وقد ردّ عليه رئيس الوزراء ووزير الخارجيّة وقتذاك قائلين:..".. أنّ ليبيا تؤيد كافة الشعوب العربيّة المتطلعة للاستقلال ... وأنّ ليبيا سوف تكون (أول) دولة تنفذ قرار الجامعة العربيّة إذا صدر، بفرض مقاطعة فرنسا..".

 

وقد اتخذ المجلس قراراً بالإبراق بالاحتجاج وطلب التدخل لصالح شعب الجزائر من جميع برلمانات دول حلف الأطلسي، واستنكار المجلس وتعبيره عن سخط الشعب الليبي لاستخدام قوات الحلف الأطلسي في القضاء على حركة التحرير في الجزائر. ويعتبر تصريح رئيس مجلس الوزراء في مجلس النواب بداية الإعلان الرسمي الحكومي لدعم الثورة الجزائرية. وقد نشرت صحيفة "طرابلس الغرب " في عددها رقم 109 بتاريخ 15 يونية 1956م، خبراً مفاده أنّه في جدول أعمال مجلس الشيوخ في جلسته المقبلة اقتراح من أحد الأعضاء يدعو فيه إلى الإبراق للدول الأعضاء في حلف الأطلسي باستنكار أعمال فرنسا في الجزائر، وإشراك عضو من المجلس في اللجان الشعبيّة التي تكونت لجمع التبرعات للمجاهدين الجزائريين. وقد نشرت الصحيفة المذكورة في عددها رقم 113 بتاريخ 20 يونية 1956، نص البرقيتين اللتين أرسلهما رئيس مجلس الشيوخ باسم المجلس إلى مجلس الأمن ومنظمة حلف الأطلسي احتجاجاً على أعمال العنف والعسف التي تتبعها فرنسا في الجزائر.  

 

وفي أول يناير 1961م، أعلن الشعب الليبي بمختلف فئاته مقاطعته التامة للبضائع والسفن والطائرات الفرنسية، وأعطى تحذيراً لجميع البواخر والطائرات الأخرى بعدم شحن وتفريغ البضائع الفرنسيّة، وإلاّ تعرضوا همّ بدورهم للمقاطعة. وقد كان العمال في طليعة من قام بدور قوي وفعال في هذا المجال. وقد أدى تضامن العمال والتجار وبقيّة فئات الشعب في حملة المقاطعة الشاملة إلى نجاحها نجاحاً كبيراً، وبذلك كان الشعب الليبي أوّل شعب يقوم بمقاطعة فرنسا مقاطعة اقتصاديّة تامـّة.

 

وبمناسبة بدء المقاطعة وجه السيد/ أحمد بودا ممثل الحكومة الجزائريّة المؤقتة بليبيا كلمة إلى الشعب الليبي جاء فيها:...".. الشعب الليبي الذي ألف الكفاح والمجد وشب على البطولة والفداء أول شعب حقق هذه الفكرة وضرب بذلك أروع الأمثلة في الشجاعة والتضحية والوفاء وبرهن على أنّ العبرة في وزن الشعوب وحقيقتها ليست في كثرة أفرادها، ولا في غناها المادي ولكن في مقوماتها النفسيّة ورصيدها المعنوي..". 

 

واستمرت المقاطعة قويّة جبارة إلى أنّ تمّ إعلان وقف إطلاق النار بين قوات جبهة التحرير الجزائريّة وقوات الاستعمار الفرنسي، وبدأت الخطوات العمليّة تتخذ نحو إعلان استقلال الجزائر. وفي احتفال شعبي كبير أقيم في طرابلس بمناسبة وقف إطلاق النار وإطلاق سراح الزعماء الخمسة، أعلن إيقاف المقاطعة الشعبيّة العربيّة للبضائع الفرنسيّة يوم 21 مارس 1962م...}م61

 

وقف الملك والشعب الليبي مع الشعب الجزائري ودعما موقف السيد/ أحمد بن بلة (31) بكلّ قوة إلى أنّ تحررت الجزائر وأصبح بن بلة رئيساً للجزائر في عام 1962م. ويذكر أنّ بن بلة كان يزور ليبيا بشكل دائم، وكانت الدولة الليبيّة لا تضع أغلالاً على حركته وتنقلاته ولا قيوداً على اجتماعاته ولقاءاته، بل، فتحت له أبواب ليبيا على مصراعيها وسمحت له بحمل مسدس شخصي لمواجهة أيّ طاريء أو مكروه !. وفي أحدى زيارات بن بلة  لطرابلس في أواخر عام 1955م حاولت المخابرات الفرنسيّة اغتياله إلاّ أنّ محاولتها باءت بالفشل بفضل يقظته وحسن تصرفه ثمّ بملاحقة الشرطة الطرابلسيّة للجاني وإلقاء القبض عليه بالقرب من الحدود التونسيّة !. وجاء في كتاب: " صفحات مطويّة من تاريخ ليبيا السياسي"  للسيد/ مصطفى أحمد بن حليم حول هذه الحادثه، ما نصه:..(.. وكُلَّف أحد رجال المخابرات الفرنسيّة باغتيال الأخ أحمد بن بلة، وبالفعل داهم الفرنسي غرفة بن بلة في فندق "اكسيلسيور " بطرابلس وأطلق الرصاص عليه، إلاّ أنّ أحمد بن بله سارع لمسدسه وأطلق الرصاص على الفرنسي الذي فرّ في اتجاه الحدود التونسيّة، ولاحقته الشرطة الطرابلسيّة الليبيّة إلى أنّ أصابته في عدة مواقع في كتفه وصدره، وقبضوا عليه بالقرب من الحدود ولكنه قضى نحبه قبل أنّ يصل إلى المستشفى. وكان هذا في أواخر سنة 1955م..). 

 

ويذكر أنّ الملك إدريس السنوسي كانت تربطه علاقة قويّة برئيس الوزراء التركي في الخمسينيات السيد/ عدنان مندريس وأنّ الملك كان يحب أنّ يستجم أو يقضي أجازته في تركيا دون غيرها من بلدان العالم. وكان يحب تركيا حباً كبيراً نظراً للعلاقة التاريخيّة التي تربطها بليبيا. وأنّ تركيا كانت.."..تعتبر ليبيا الدولة العربيّة الوحيدة التي لم تطعنها من الخلف..". وهذا ما قلته الصحافة التركيّة وكتبته بالبنط العريض على الصفحات الأولى لجرائدها حينما زار رئيس الوزراء الليبي السيد/ مصطفى أحمد بن حليم تركيا رسمياً في عام 1954م. وقال السيد/ مصطفى أحمد بن حليم عن تلك الزيارة..(..رحب بنا الأتراك ترحيباً قلبياً صادقاً. وأحاطونا بعنايّة كبيرة، وفتحوا لنا قلوبهم وعقولهم وعاملونا معاملة أخويّة صادقة. ووصفت جريدة "الوطن " التركيّة  ليبيا بأنَّها الدولة العربيّة الوحيدة التي لم تطعن تركيا من الخلف..).

 

كانت ليبيا لا تملك المال الكثير ولا السلاح الكافي في فترة اندلاع الثورة الجزائريّة إلاّ أنها قدمت للجزائر أكثر ممّا  قدمه الآخرون حيث فتحت أبواب التبرع والتطوع على مصراعيها، ووظفت علاقاتها السياسيّة لخدمة القضيّة الجزائريّة. ومن بين تلك العلاقات السياسيّة التي وظفتها ليبيا لخدمة ثوار الجزائر – علاقتها المتميزة بالدولة التركيّة. فقد كان الملك إدريس السنوسي يعلم تمام العلم أنّ ارتباط تركيا بحلف " الأطلسي" قد يحول بينها وبين مد الثوار الجزائريين بالسلاح!. فلا يجوز أنّ يمد عضو في الحلف شعب بالسلاح ليحارب به أحد أعضاء الحلف. ولذا اقترح رئيس وزراءه على تركيا أنّ تعلن أنّها تريد أنّ ترسل كميّة من السلاح إلى ليبيا هديّه ومساهمة منها في بناء الجيش الليبي الشقيق. وأن ليبيا بدورها ستستلم السلاح المرسل في حفل عسكري رسمي ثمّ تقوم ليبيا بتسريبه سرياً وتدريجياً إلى ثوار الجزائر. وحينما قام السيد/ عدنان مندريس بزيارة رسميّة لليبيا في أوائل فبراير 1957م، كلّف الملك إدريس السنوسي رئيس حكومته السيد/ مصطفى أحمد بن حليم بمفاتحة مندريس بشكل سري وثنائي حول إذا ما كانت تركيا مستعدة لمساعدة الجزائريين في ثورتهم ضد تنصير الجزائر وفرنستها. قبلَ رئيس الوزراء التركي دعم ثوار الجزائر وفق مقتضيات المقترح الليبي، وشدد على ضرورة المحافظة على الكتمان والسريّة. وجاء في كتاب: "صفحات مطويّة من تاريخ ليبيا السياسي" للسيد/ مصطفى أحمد بن حليم حول الاتفاق الذي أبرمه مع مندريس، ما نصه:..(.. قال السيد/ عدنان مندريس: أمّا نحن في تركيا فإننا نقدم الهديّة لجيش ليبيا الشقيقة فقط، وشدد على المحافظة على السريّة المطلقة. واستطرد بن حليم قائلاً: بالفعل وصل السلاح التركي بعد أسابيع قليلة إلى ليبيا واستلمه الجيش الليبي في احتفال عسكري رسمي ثمّ بدأنا في تسريبه تدريجياً إلى ثوار الجزائر..).         

 

وبعد أنّ استقال بن حليم من منصبه كرئيس للوزراء في مايو 1957م وبعدما استئذان من الملك في أواخر نوفمبر 1957م أنّ يترك العمل السياسي ليزاول مهنته الأصليّة ( مهنة الهندسة ) ونشاط الأعمال الخاصّة، أصر الملك على بقاءه في خدمة الدولة، وأنّه يحتاجه في إنجاز مهمة ما لصالح قضايا الأمّة العربيّة والإسلاميّة. وجاء في كتاب: "صفحات مطويّة من تاريخ ليبيا السياسي" للسيد/ مصطفى أحمد بن حليم حول هذا الموضوع، ما يلي..(.. قال ليّ الملك: يا سيد مصطفى أنت لديك علاقات ممتازة مع رجال الثورة الجزائريّة والظروف الآن أوصلت الحكومة الفرنسيّة لقناعة مفادها: أنّ قضيّة الجزائر لا تُحل عسكرياً وإنّما بالمفاوضة مع سكان الجزائر. وقال ليّ: هذان العنصران سيجعلاني في وضع ممتاز للتحدث مع كبار رجال الحكومة الفرنسيّة للوصول إلى حل سلمي لقضيّة الجزائر.

 

وعندما لفتّ نظر الملك إدريس السنوسي إلى أنّ الحكومة الفرنسيّة أصبحت على علم تام بالدور الخطير الذي قمت به – بن حليم يقصد نفسه – في مساعدة الثورة الجزائريّة وتهريب السلاح والعتاد لها، وأنّ الثقة منعدمة بينهم وبيني!، ردّ الملك بأنّ هذا هو خير مؤهل يجعل الحكومة الفرنسيّة تستعمل مساعيّ كقناة للوساطة مع الثورة الجزائريّة لتأكدها من أنّ زعماء الجزائر سيتقبلون نصحي قبولاً حسناً ويثقون بما أنقل لهم من اقتراحات، وأضاف الملك:.." عليك أنّ تكمل رسالتك نحو الثورة الجزائريّة"...).

وفي فترة تولي بن حليم لرئاسة السفارة الليبيّة في فرنسا كلفه الملك بتشجيع الحكومة الفرنسيّة على انتهاج سياسيّة التفاهم والتفاوض مع جبهة التحرير والإقلاع عن سياسات القتل والتشريد ومحاولات فرنسة الجزائر. ونصحه بفتح حوار متواصل مع كبار الثوار الجزائريين لأجل دعم النهج العاقل المعتدل ومنعاً للتشنج والتطرف. ودعاه إلى ضرورة دعم موقف السجناء من ثوار الجزائر في سجن "لاسنتيه" بجوار باريس، والتواصل مع السجناء عبر القنوات القانونيّة. واقترح عليه أنّ يقدم مقترحاً للحكومة الفرنسيّة يدعوها إلى الإفراج الفوري عن هؤلاء السجناء.

 

كان أحمد بن بلة أحد سجناء سجن "لاسنتيه" بفرنسا. وقد اجتمع بن حليم مع شارل ديجول (الرئيس الفرنسي ) أكثر من عشرة مرات خلال فترة ترأسه للسفارة الليبيّة بفرنسا، وتحدث معه طويلاً حول كل القضايا، وكان في كلّ مرة يذكره بضرورة الإفراج عن بن بلة ورفاقه. لدرجة أنّ ديجول قال له ذات مرة – ونقلاً عن مذكرات بن حليم –،..".. أشكرك على إطرائك وأقدر فصاحتك ولكنها لم تقنعني بتغيير اسمي إلى شارل بن بلة..!!!!".

 

ويبدو أنّ إلحاح بن حليم وكثرة حديثه عن سجناء "لاسنتيه" ودعوته لديجول بالإفراج عنهم أدى في نهاية المطاف إلى النتيجة المرجوة. وجاء بالخصوص في مذكرات بن حليم: "صفحات مطويّة من تاريخ ليبيا السياسي" ما نصه:..(.. في نهايّة أحدى مقابلاتي مع شارل ديجول صافحني قائلاً:..".. يمكنك أنّ تبلغ الملك إدريس السنوسي أنّ مسعاه لن يذهب سدى..".

وفهمت من ذلك – بن حليم يتحدث- أنّ قراراً بالإفراج أو تخفيف الاعتقال عن أحمد بن بله ورفاقه أصبح وشيك الوقوع، وهذا ما حدث بعد أيام إذ نقل بن بله ورفاقه إلى فيلا في ضاحيّة "شانتييي" بجوار باريس....).

 

عاد أحمد بن بله ورفاقه  إلى الجزائر في 05 يوليو/ تموز 1962م، ووقفت ليبيا معه إلى أنّ انتخب في 15 سبتمبر 1963م رئيساً للجمهوريّة الجزائريّة الديمقراطيّة الشعبيّة .            

                          

ويذكر أنّ الملك إدريس السنوسي كان قد استقبلَ السيد/ أحمد بن بلة قبل تحرير الجزائر عدة مرات في ليبيا، بل، سانده بكلّ قوة وإخلاص في مرحلة حرب التحرير الجزائريّة ووقف معه إلى أنّ انتخب رئيساً للجمهوريّة الجزائريّة في سبتمبر 1963م إلاّ أنّ بن بلة تنكر لكلّ ذلك بعد تحرير الجزائر وترأسه للدولة الوليدة، فبدل من أنّ يتوجه إلى ليبيا بعد تحرير الجزائر توجه مباشرة إلى جمال عبدالناصر وألقى خطاباً أمامه تجاهل فيه دور الشعب الليبي والملك إدريس في تحرير الجزائر، وحمل الخطاب بين ثناياه كلّ آيات الشكر والتعظيم لعبدالناصر وقدمَ طقوس الولاء والطاعة للقيادة المصريّة وعلى رأسهم جمال عبدالناصر. والأدهى من ذلك أنّ بن بله وضع يده في يد القذافي منذ خروجه من السجن في عام 1980م وأنّه عبر أكثر من مرة بأنّ القذافي زعيم قومي مخلص لشعبه وأمته، وأنّ ثورته – يقصد إنقلاب 1سبتمبر 1969م – هو التاريخ أو اليّوم الحقيقي لإستقلال ليبيا !!!. 

 

قدم الملك إدريس السنوسي كامل الدعم والمعونة للفلسطينيين، وبادر بمساندة الجهد الدبلوماسي الفلسطيني في المحافل الدوليّة، وكان سباقاً في دعم منظمة "فتح" حيث اعتباره الممثل للعمل الفدائي الفلسطيني وسمح لها بفتح مكاتب في ليبيا، وأعطاها تصاريح للقيام بحملات لجمع التبرّعات من الليبيّين وغيرهم من المقيمين داخل ليبيا لأجل دعم وتنفيذ برامج فتح الفدائيّة النضاليّة. وسمح لمنظمة التحرير الفلسطينية بفتح مكاتب لها في المدن الليبيّة الرئيسيّة وأعطاها أيّ "منظمة التحرير الفلسطينيّة" جناحاً خاصّاً في معرض طرابلس الدولي. وقد أورد أبو جهاد في مذكراته التي نشرها على حلقات في مجلة "المجلة " السعوديّة بخصوص دعم ليبيا للقضيّة الفلسطينيّة حيثُ قالَ في العدد رقم  (438 ) الصادر بتاريخ 5 يونيّة 1988م ما نصه:..(.. ففي ليبيا على سبيل المثال وجدنا أرضيّة جاهزة لعملنا على هذا الصعيد من خلال تحول "لجنة نصرة الثورة الجزائرية " بكلّ عناصرها وإمكانياتها إلى " لجنة نصرة فلسطين " وهذه اللجنة من خلال القائمين عليها، وهم كانوا مجموعة من الطيبين الأنقياء الصادقين في عروبتهم وفي إخلاصهم للعمل القومي الذي إنصب أولاً بإتجاه الجزائر إلى أنّ نالت إستقلالها وتحرّرت، ثمّ تحوّل بإتجاه فلسطين، قدّمت لنا الكثير الكثير، خصوصاً إننا في البدايّة كنّا "حركة فتح " بحاجة إلى أيّ دعم أو مساندة، وللتاريخ والأمانة أؤكد أنّ أول دفعة من الدعم المالي تلقيناها كانت من ليبيا ومن أبناء الشعب الليبي...).   

 

لقد وقف الملك إدريس مع ثوار الجزائر ومع القضيّة الفلسطينيّة وبادر بتعويض الأشقاء في خسائر حلت بهم نتيجة حروب أو شدائد أو ظروف عصيبة مروا بها، وشدد على وزراءه وسفراءه بعدم جعل ما تقدمه بلادهم من مساعدات ماليّة مادة للإعلام والدعاية لأنّ في ذلك خدشاً لكبرياء من تقدم لهم المساعدات. ولعل في حادثة تبرع ليبيا بمبلغ  ستين مليون دولار للخطوط الجويّة المصريّة كتعويض عن خسائرها الناجمة عن حرب يونيو 1976م، ما يُشير إلى صحة ما أشرنا إليه. وكان مبلغ ستون مليون دولار مبلغاً كبيراً إذ أنه يعادل – وحسب ظني – عدد من المليارات بحساب اليوم!. طلب الملك إدريس السنوسي من السيد/ عبدالسلام بسيكري سفير ليبيا لدى مصر وقتذاك عدم نشر أيّ خبر يتعلق بالمساعدات التي قدمتها ليبيا لمصر!. وقال الأستاذ/ فاضل المسعودي في مقال له بخصوص هذه الواقعة وأشياء أخرى ما نصه..(.. لم يتخلف الملك إدريس عن المشاركة في "لمة عربيّة واحدة " مما يسمونه بمؤتمرات القمة العربيّة، ووفي بأكثر مما طلبوه منه في قمة " اللاءات الثلاث" بالخرطوم، ودفعت حكومته بعدها بقليل، ستين مليون دولار إلى الرئيس جمال عبدالناصر – بدون الإعلان عنها مراعاة لاعتبارات تتعلق بظروف مصر العصيبة وقتذاك !- ليعوض عبدالناصر بها الخطوط الجويّة المصريّة التي فقدت خلال حرب يونيو..!. وكان العقيد الركن " عبدالعزيز الشلحي " الذي كان صديقاً شخصياً للرئيس عبدالناصر " هو الذي سلم بيده شخصياً المبلغ !!. ورفض المرحوم الأب والصديق عبدالسلام بسيكري – سفير ليبيا في مصر – نشر الخبر احتراماً لرغبة الملك، ومراعاة لاعتبارات تتعلق بتلك الظروف العصيبة...).

 

وفي جانب أخر.. كان الملك إدريس السنوسي يعلم أنّ الأحداث التي مرت بها ليبيا عام 1964م، هي مؤشر يدل على مدى تأثر الشّعب الليبي بالدعايّة الناصريّة وتأثير جمال عبدالناصر عليهم. فقد خطب عبدالناصر في 22 فبراير 1964م، وأشار إلى..(.. أنّ القواعد الأجنبيّة في ليبيا هي مصدر خطر على مصر الثورة وأمنها، ومصدر استفزاز وتهديد للأمّة العربيّة والإسلاميّة..).

 

وحقيقة الأمر لم تكن القواعد الأجنبيّة في ليبيا وقتذاك مصدر خطر على أحد كما أدعى عبدالناصر وصورت وسائله الإعلامية الدعائيّة. وأنّ قبول حكومات العهد الملكي باتفاقيات وجود القواعد الأجنبيّة على الأرض الليبيّة..{.. لم يكن خياراً إرادياً أملته رغبة ذاتيّة نزقة. بل كان قبولاً دفعت إليه بالدرجة الأولى ضرورات تحقيق مشروع الاستقلال ذاته وانتشاله من مخالب الثلاثي الغربي المهيمن آنذاك ( أمريكا – بريطانيا – فرنسا )، وإلزامية تأمين هذا الاستقلال من تلك القوى التوسعيّة المتربّصة به.

وتأتي المتطلبات الباهضة لتأسيس الكيان الوطني الناشيء والمقبل على الوجود في ظل خزينة خاويّة واقتصاد لا يفي ناتجه القومي بمد أسباب العيش لمواطنيه، ناهيك عن مستلزمات البناء التأسيسي وما يستدعيه من بنيّة تحتيّة راسخة وتكاليف ماديّة  مرهقة، لتفرض ذاتها كواقع عنيد يواجه الكيان الوليد..}م62.  

 

والملك إدريس السنوسي كان يعي مقاصد عبدالناصر وأهدافه من وراء هذه الإدعاءات الزائفة الكاذبة، فجمال عبدالناصر تعود على خطب المزايدة وأساليب خلط الأوراق وكسب عاطفة الشارع العربي، فعند كلّ نكبة يمر بها شخصه ونظامه يعلق الأخطاء والخسائر على شماعة الآخرين ولم يكلف نفسه عناء مراجعة سياساته وأسلوب حكمه وكيفيّة صنع قراراته لأنّه أراد أنّ يستمر في تفرده وإقصاءه لكلّ من يفكر في محاسبته أو مزاحمته على الزّعامة. . وكان الملك يعرف أنّ عبدالناصر يعلمُ  تام العلم بأنّ وجود القواعد الأجنبيّة في ليبيا فرضته ظروف العوز والفقر والرغبة في تأمين الإستقلال في ظل ظروف محليّة وإقليميّة ودوليّة كانت تقف ضد وحدة ليبيا الوطنيّة وإستقلالها.. ويعلمُ أنّ القواعد الأجنبيّة في ليبيا لم توظف في يومِ من الأيامِ ضده ولا ضد غيره، وإنّ عمليّة إجلائها أصبحت بعد تأمين الاستقلال وظهور الثروة النفطيّة مسألة وقت ليس ألا وأنّها قيد التباحث والتفاوض وربّما ستحدث حتى قبل إنتهاء العقود المبرمة بشأنها من الدّول المعنيّة.

 

لقد كان عبدالناصر يعلمُ بكلّ هذه الحقائق إلاّ أنّه اختار طريق خلط الأوراق لأجل استمرار زّعامته حتى لو كان ذلك على حساب شعوب عربيّة أخرى.فقد سبق له أنّ اعترف رسمياً  بخطأه تجاه ليبيا الملكيّة في خطاب بورسعيد 1957م ثمّ في خطاب أخر ألقاه بعد فترة من خطاب 1964م المشار إليه أعلى الصفحة، فقال ما مضمونه..(.. أنّ القواعد الأجنبيّة في ليبيا لم يستخذمها الأعداء ضدنا في يومِ من الأيامِ!..).

 

ومن المعلوم.. أنّ ليبيا أبان العهد الملكي كانت من الدول العربيّة الملتزمة بقرارات القمم العربيّة وتوصياتها، وأنّها من الدّول العربيّة التي التزمت التزاماً كاملاً بدفع حصتها الماليّة المقررة لجامعة الدّول العربيّة (32) . فقد التزمت ليبيا بدفع حصتها لجامعة الدّول في وقت تجاهلت فيه العديد من الدّول العربيّة التزاماتها الماليّة تجاه جامعة الدّول مخالفة بذلك توصيات مؤتمرات القمم العربيّة التي حددت مخصصات كلّ دولة تجاه الجامعة وفقاً لإمكانيات كلّ دولة.

 

أيضاً.. أنّ ليبيا الملكيّة صرفت في الفترة الواقعة ما بين 1963م إلى منتصف عام 1969م ما يعادل ربع دخلها من النفط على القضية الفلسطينيّة والدّول العربيّة المسماة ب(دول الطوق ). وهذا ما أكده د/ محمّد المقريف بناءاً على قراءاته ومراجعاته للوثائق الدوليّة التي تناولت الحقبة الملكيّة في ليبيا. 

 

ومن ناحية ثانية.. لقد كان هم الملك إدريس السنوسي الأساسي منذ حصول ليبيا على إستقلالها خوض معركة التعليم حتى يستطيع الليبيون حل كافة المشاكل التي ستواجههم بالدراسة والبحث العلمي لأنّه رأى في العلم الرأس مال الحقيقي لأيّ دولة تنشد التقدم والرقي. وكان يرى في تقارب المناهج التعليميّة وصيغ أنظمة الحكم في البلدان العربيّة الطريق الأمثل لإزالة الحواجز العقليّة المصطنعة بين الأقطار العربيّة، ولخلق مصالح متشابكة بين دّول العالم العربي، وفي النهاية، تتحقق وحدة الأمّة تلقائياً عبر منظومة المصالح المتشابكة وصيغ الحكم المتقاربة دون اللجوء إلى أساليب أخرى قد تضر مفهوم الوحدة، بل، تجعل من الوحدة حلم بعيد المنال. من هذا المنطلق انطلق الملك إدريس السنوسي لاقتباس المناهج في التعليم والقضاء عن مصر رغبة منه..(..في إزالة الحواجز العقلية المصطنعة بين الأقطار العربيّة..)، كما قال الأستاذ/ يوسف عيسى البندك. 

 

جلب الملك إدريس السنوسي إلى ليبيا أفضل خبراء وأساتذة العالم – والعالم العربي تحديداً – في مجالات التعليم والقانون، ففي التعليم استطاعت حكومات العهد الملكي جلب مئات من خيرة المدرسين العرب إلى مدارسها، وإلى جامعاتها أساتذة أفاضل مشهود لهم بالكفاءة العالية من العراق ومصر وبلدان عديدة أخرى. ووصل عدد أعضاء هيئة التدريس في الجامعة الليبيّة التي أنشئت في بنغازي عام 1956م إلى حوالي ..(.. ثمانين في المائة منهم من مصر، والباقون من سائر البلاد العربيّة، وهذا في كلّ الأقسام ما عدا قسم اللغة الإنجليزيّة الذي كان مدرسيه من الإنجليز والأمريكيين..) هكذا قدر الفليسوف المصري د/ عبدالرحمن بدوي – أستاذ جامعي درَّس الفلسفة بالجامعة الليبيّة وترأس قسمها – في نسبّة الأساتذة الأجانب بالجامعة الليبيّة وقتذاك في كتابه: سيرة حياتي / 2.

 

ومن الأساتذة العرب الذي عملوا ودرَّسوا بالجامعة الليبية، وعلى سبيل المثال لا الحصر.. د/ إبراهيم نصحي ( العميد السابق لكلية الآداب لجامعة عين شمس/ مصر).. د/عبدالرحمن بدوي (مصري ).. د/ محَمّد محَمّد حسين (مصري).. د/ محمّد الحاجري (مصري).. د/ عبدالقادر القط (مصري ).. د/ محَمّد العريان (مصري) .. د/ محَمّد عبدالهادي ابوريدة (مصري ).. د/ سعد زغلول (مصري).. د/ علي عيسى (مصري).. د/ توفيق الطويل (مصري ).. د/ جميل سعيد (عراقي)....وغيرهم.

وجلبت ليبيا الدكتور/ محمود أبو السعود  رجل الإقتصاد المعروف عالمياً وعينته مستشاراً لوزارة الاقتصاد، ومستشاراً لبنك ليبيا المركزي

 

كذلك، السنهوري باشا (أستاذ القانون البارع )، وأساتذة قانون آخرين منهم من شغل مناصب هامّة لفترة من الوقت نظراً لعدم وجود ليبيّين مؤهلين لشغل تلك المناصب وقتذاك – كمنصب وكيل النيابة.

 

وربّما يكون مفيداً أنّ نشير لبعض ما قام به الدكتور بدوى لإعطاء صورة مبسطة عن مدى اهتمام مسؤلى التعليم في العهد الملكي بقضيّة التعليم، والاهتمام الذي أولونه للكفاءات العلميّة من أجل إنجاز كلّ ما يفيد ليبيا وينهض بالتعليم ويرتقي بمؤسساته. فقد أولى الأستاذ/ عبدالمولى دغمان مدير الجامعة الليبيّة في ستينيات القرن الماضي أهتماماً بالغاً بكلّ شخص لدية فكرة تعينه على القيام بوجبه على أكمل وجه، وكل شخص لديه مشروع ينهض بالجامعة الليبيّة ويرتقى بمؤسستها. رحب دغمان بالدكتور بدوي، وأعطاه ما يستحقه من تقدير واحترام، ووفر له ما كان بمقدوره أن يوفره له من إمكانيات، ومنحه صلاحيات تسمح له بأنّ ينجز مشاريعه التعليميّة بحريّة تامة. أهتم بدوي بمكتبة الجامعة وجعلها من أحسن المكتبات الجامعيّة العربيّة في فترة قصيرة من الوقت. فبدوي هو صاحب الفضل الأكبر في جعل مكتبة الجامعة الليبية تنتقل من حوالي خمسة آلاف كتاب في العلوم الإنسانية إلى حوالي ثلاثين ألفاً لما غادر ليبيا في مايو 1973م بعدما وصل إليها في عام 1967م حينما كان الأستاذ/ عبدالموالى دغمان مديراً للجامعة الليبية. هو من استئناف إصدار " مجلة كلية الآداب" بعد توقف صدورها حوالي عشر سنوات لتصدر المجلة في عهده أبحاثاً هامةً حول ليبيا كتبها عدد من أهم الباحثين المرموقين في العالم – وأوربا على وجه التحديد – من أمثال: مؤرخ الحضارات الإنجليزية الكبير/ Arnold Toymobee  (أرنولد توينبي )، والمستشرق الإيطالي/ فرنشيسكو جبرييلي.. وغيرهم . ( راجع مذكرات د/ عبدالرحمن بدوي في كتابه: سيرة حياتي / 2 ).

 

وربّما ما رواه د/ فرج نجم في مقالته عن د/ علي الساحلي – موقع ليبيا اليوم / 13 فبراير 2005م –  يضيف تأكيداً أخر على مدى اهتمام الحقبة الملكيّة بقضية التعليم، قال د/ نجم:..(.. أخبرني الأستاذ المرحوم عبد المولى دغمان (طيب الله تعالى ثراه) بأنّ فائض ميزانيّة الجامعة كان هو الفائض الوحيد الذي لا يرجع إلى الميزانيّة العامّة للدولة، بل، كان يرجع ثانية إلى الجامعة، للإستثمارات في الكتب والتدريس وجلب الكفاءات لتعليم طلابنا، أو إيفادهم إلى الخارج للإستزادة العلميّة..). 

أمّا في مجال القضاء والقانون.. {.. فبعد أنّ استقلت ليبيا وأصبحت  دولة فيدراليّة لها دستور برلماني حديث اتجهت إلى وضع التقنيات الحديثة ووضع لها "السنهوري " القانون المدني على غرار القانون المدني المصري الذي كان السنهوري قد وضعه، والذي بدأ العمل به من أكتوبر 1949م بعد نهاية فترة المحاكم المختلطة، وجيء ببعض كبار رجال القضاء المصري ليضعوا لليبيا قانون الإجراءات الجنائية وعدداً من القوانين الأخرى.

 

وفي نفس السياق.. طلبت ليبيا من الحكومة المصريّة أنّ تعيرها ثلاثة رؤساء نيابة للولايات الثلاث – برقة وطرابلس وفزّان. وكان في الدولة الليبيّة نائب عام، وفي كل ولايّة من الولايات رئيس نيابة. وكان النائب العام هو المستشار/ محمود القاض، وهو من خيرة رجال القضاء في مصر. استجابت الحكومة المصريّة لطلب المملكة الليبيّة، فأعارت الحكومة المصريّة: الأستاذ/ حسن المغربي لولايّة طرابلس، والأستاذ/ رفعت لطفي لولاية برقة، وصاحبنا – يقصد نفسه أي يحي الجمل – لولاية فزان.

... وكانت إعارة رجال القضاء للخارج مازالت أمراً حديثاً نادراً ولعل ليبيا كانت أوّل دولة عربيّة تستعير الجزء الغالب من رجال القضاء فيها من مصر...}م63.                                                              

  

الصادق شكري

 

ملاحظات وإشارات هامة 

 

31) أحمد بن بلّة: ولد بمنطقة مرنية بالقرب من مدينة وهران في عام 1919م. التحقَ بخدمة الجيش الفرنسي ورقي إلى درجة ضابط صف. انضم في عام 1948م لطلائع المقاومة الجزائريّة ضد الاستعمار الفرنسي. حكمَ عليه الفرنسيون بالسجن لمدة سبع سنوات إلاّ أنّه هربَ من السجن ولجأ إلى مصر. دعمت الشعوب العربيّة الثوار الجزائريين حينما اندلعت الثورة الجزائريّة في غرّة نوفمبر عام 1954م. وعلى رأس الشعوب العربيّة التي دعمت ثوار الجزائر – الشعب الليبي أبان حكم الملك إدريس السنوسي من خلال ما عرفُ وقتذاك بلجنة نصرة الثورة الجزائرية. تمكن الثوار من تحقيق استقلال الجزائر في 5 يوليو/ تموز 1962م، وحاولت فرنسا جاهدة وبمختلف الوسائل السياسيّة والعسكريّة وأد هذه الثورة التي استعصت على فرنسا وتحققّ بذلك قول شاعر الثورة الجزائريّة مفدي زكريا: أقسمنا بالدماء أنّ تحيا الجزائر.  

 

اعتقلت فرنسا أحمد بن بلّة ورفاقه في عمليّة قرصنة جويّة حيث أجبرت الطائرات الحربيّة الفرنسيّة الطائرة المغربيّة المدنيّة على  الهبوط في مطار الجزائر العاصمة. وكان أحمد بن بلة ورفاقه على متن الطائرة المغربيّة المتوجه من المغرب إلى تونس. ولقد سبق لفرنسا أنّ اعتقلت بن بلّة وبعض رفاقه إلاّ أنّها هذه المرة قررت اعتقالهم في مكان يستحيل أنّ يفروا منه كما فر بعضهم من قبل. اقتيد أحمد بن بلة ورفاقه إلى سجن فرنسي يقع على الأراضي الفرنسيّة وبقوا في السجن إلى موعد الاستقلال في 05 يوليو/ تموز 1962م فعاد أحمد بن بلّة ورفاقه إلى الجزائر. دفع الجزائريون أكثر من مليون شهيد من أبنائهم وتوقفت الحرب بعد اجتماعات عقدها ممثلون عن جبهة التحرير الوطنية مع الحكومة الفرنسيّة في مارس 1962م في افيان بفرنسا أسفرت عن عقدَ هدنة بين الطرفين وانتهت بخروج الفرنسيين من الجزائر قبل نهاية العام. أخرج الفرنسيون بن بلة ورفاقه من السجن وعادوا إلى الجزائر في يوليو 1962م. 

 

اندلعت خلافات واسعة بين صفوف الثوار وكادت هذه الخلافات أن تتحول إلى حرب أهلية ضروس ولولا تدخل قائد الأركان هواري بومدين الذي استطاع أنّ يحل الخلافات باقتراحِ يقتضي بتعيين السيد/ أحمد بن بلّة رئيساً للدولة الجزائريّة الوليدة والديوان السياسي. وبذلك أصبح أحمد بن بلّة أو سي حميد كما كان يسميه رفاقه أول رئيس للدولة الجزائريّة حينما انتخب في 15 سبتمبر 1963م رئيساً للجمهوريّة الجزائريّة الديمقراطيّة الشعبيّة . 

 

كان بن بلّة مهوساً بشيء اسمه جمال عبدالناصر لدرجة أنّ فتحي الديب (مندوب المخابرات المصريّة في الجزائر ) أصبح هو الحاكم الفعلي في عهد الرئيس بن بلّة الأمر الذي أثر حفيظة هواري بومدين (وزير الدفاع الجزائري) والعديد من مفجرّي الثورة الجزائريّة. دخل أحمد بن بلّة في صراع مع جمعيّة العلماء المسلمين الجزائريين, ودخل في صراع أخر مع رفاق دربه بالأمس، حيث شعر العديد من مفجرّي الثورة الجزائريّة أنّ البساط قد سحب من تحتهم وأنّهم باتوا بدون أدوار في مرحلة الاستقلال و بدأت الفتنة تطل برأسها بين الأخوة الأعداء. وقد تمّ في عهد أحمد بن بلة أعدم العقيد شعباني , كما اغتيل في أسبانيا محَمّد خيضر أحد قادة الثورة الجزائرية, أمّا حسين أيت أحمد الذي كان مغضوباً عليه فقد فرّ إلى باريس وأسسّ جبهة القوى الاشتراكية , وتمّ اعتقال محمد بوضياف (نائب بن بلة ) بعدما أعلنت الحكومة إحباط حركة تمرد عسكري في قسطنطينة وحكم على بوضياف بالإعدام ولكن وساطات كثيرة تدخلت لصالحه فأخرج من السجن  وغادر الجزائر متوجها إلى فرنسا ومنها إلى مدينة القنيطرة في المغرب حيث قضّى فيها قرابة ثلاثين سنة. 

 

هواري بومدين (وزير الدفاع ) هو الذي نصبّ بن بلة على رأس الدولة الجزائريّة الفتية وهو الذي مهدّ له الطريق باتجاه قمة هرم السلطة. وهو من أطاح بأحمد بن بلّة بعد أنّ اتهمه بالخروج عن خط الثورة الجزائريّة واستأثر بالسلطة وكان يتهمه بالديكتاتوريّة والشوفينيّة وكان يأخذ عليه احتكاره لتسعة مناصب حساسة في وقت واحد. ففي 19 يونيو 1965م تمّ إسقاط  بن بلّة في ثورة تصحيحيّة قادها هواري بومدين ليتولى بومدين رئاسة مجلس قيادة الثورة ويضع بن بلّة في السجن. وضع أحمد بن بلّة في فيلا خاصّة في منطقة شبه معزولة ولم يسمح لأحد بزيارته, ولم تجد تدخلات جمال عبد الناصر الشخصيّة في إطلاق سراحه, وذهبت سدى كل المحاولات التي قام بها رؤساء الدول الذين كانت تربطهم بابن بلّة علاقات صداقة. استمر اعتقال بن بلّة 15 سنة، وتزوجّ وهو في السجن من صحافيّة جزائريّة تعرفت عليه عندما كان رئيساً للدولة الجزائريّة. وعندما وصل الشاذلي بن جديد إلى السلطة سنة 1980م أصدر عفوً عن أحمد بن بلّة حيث غادر الجزائر متوجها إلى باريس ومنها إلى سويسرا في منفى اختياري, وعندما كان في باريس أسسّ حزبا أطلق عليه اسم (الحركة من أجل الديموقراطية ), وكانت هذه الحركة تصدر مجلتين هما ( البديل) ثمّ ( منبر أكتوبر) تيمنا بانتفاضة أكتوبر الجزائرية سنة 1988م.

 

دعم القذافي أحمد بن بلّة مادياً وسياسياً منذ استقرار الأخير في المنفى، وارتبط بن بلّه بنظام القذافي أكثر فأكثر مع مرور الأيام لدرجة أنّ القذافي عينه في القيادة العالميّة الإسلاميّة ومنحه في عام 1995م هو والرئيس داكوستا غوميز جائرة القذافي الدوليّة لحقوق الإنسان بالمناصفة. وحاول القذافي توظيفه في محاولاته لتدجين المعارضة الليبيّة في الخارج، فاجتمع بن بلّة بالأستاذ/ منصور رشيد الكيخيا (رئيس التحالف الوطني الليبي) واتصل بالدكتور/ محَمّد يوسف المقريف (الأمين العام للجبهة الوطنيّة لإنقاذ ليبيا ) وربّما غيرهما من المعارضين إلاّ أنّ المعارضين رفضوا أنّ يستجيبوا لوساطة أحمد بن بلّة وغيره من الوسطاء الذين يغضون الطرف عن جرائم وانتهاكات القذافي في حق الشّعب الليبي ولا يهتمون إلاّ بمصالحهم الخاصّة.   

 

عاد أحمد بن بلّة إلى الجزائر في 5 تشرين/ أكتوبر 1988م على متن باخرة أقلعت من أسبانيا وكان برفقته مئات الشخصيات الجزائريّة والعربيّة والأجنبيّة ودخل في انتخابات ديسمبر 1991م التشريعيّة، ولم يحقق حزبه أيّ نجاح يذكر في تلك الانتخابات، ولم يحقق لا هو ولا حزبه بعد انتخابات 26 كانون الأول/ ديسمبر 1991 الملغاة وإلى اليّوم ( عام 2005م ) أيّ  حضور سياسي أو نجاح يذكر.

 

الجزء الأهم من هذه الوقفة منقول بالحرف أو بتصرف عن كتاب: الجزائر نظرة تاريخيّة للأستاذ/ الثائر الناصري. راجع الفصل الخاص عن بلّة في الكتاب المذكور، والمسمى: الجزائر في عهد أحمد بن بلة المنشور على شبكة الإنترنت.   

32) جامعة الدّول العربيّة: أعلنت ليبيا إنظمامها إلى جامعة الدّول العربيّة في 14 ديسمبر 1953م . لم تتأخر حكومات المملكة الليبيّة يوماً عن دفع حصتها المالية المقررة لجامعة الدول العربية من قبل مؤتمرات القمة في حين تجاهلت دّول عربيّة عديدة دفع حصصها الماليّة المقررة للجامعة وفقاً لتوصيات القمم العربيّة. وانتهجت ليبيا منذ استيلاء القذافي على السلطة في سبتمبر 1969م سياسات تسير وفق مزجيّة القذافي، وطبيعة فهمه الشاذ، ونظرته القاصرة المخالفة لطموحات الشّعب الليبي وتطلعات شعوب الأمّة العربيّة والإسلاميّة. لم يسدد القذافي حصة ليبيا المقررة لجامعة الدول العربية، وعلى مدار سنوات طويلة، بل هدد بالانسحاب من الجامعة، وأعلن مؤخراً – 10 ديسمبر 2004م – عن تخليه عن رئاسة الدورة الحالية لاتحاد دول المغرب العربي. وجاء بخصوص ما  ورد أعلاها في موقع " ليبيا اليوم / مرصد الأخبار " بتاريخ 12 ديسمبر 2004م، ما نصه:.. (.. أعربت الجامعة العربيّة عن أسفها للقرار المفاجئ الذي أعلنته ليبيا يوم 10 ديسمبر 2004م بشأن تخليها عن رئاسة الدورة الحالية لاتحاد دول المغرب العربي. ثم تراجع القذافي في 18 ديسمبر عن تخليه عن رئاسة دورة 2004م للاتحاد المغاربي بعد أنّ لعبت المملكة المغربيّة مساعي حثيثة في هذا الاتجاه. 

 

وما تزال ليبيا ترفض دفع مبلغ ثمانية ملايين دولار أمريكي، قيمة حصتها المقررة في الميزانيّة السنويّة العامّة للجامعة العربيّة عن العامين (2003م و 2004م )، حيث تشترط لدفع هذا المبلغ منحها حصة في الوظائف الرئيسيّة العليا بالأمانة لعامّة للجامعة العربيّة.

 

وتعد ليبيا – وطبقاً للتقارير الماليّة للجامعة حتى فبراير 2005م – واحدة من أكبر الدول العربيّة المدينة للجامعة العربيّة حيث لم تسدد متأخرات ماليّة بلغ حجمها نحو أربعين مليون دولار أمريكي، على الرغم من المناشدات المستمرة التي وجهها الأمين العام للجامعة العربيّة " عمرو موسى" إلي العقيد القذافي ووزير خارجيته "عبد الرحمن شلقم" لمساعدة الجامعة العربيّة على تجاوز أزمتها الماليّة الطاحنة بسبب عجز مزمن فاق مؤخراً رقم المائة مليون دولار أمريكي...).  

 

مصادر ومراجع   

 

م61) د. حبيب وداعة الحسناويدور الشعب العربي الليبي بمنطقة طرابلس في مساندة الثورة الجزائريّة  ( 1954 – 1962م) / من خلال وثائق أحد أعضاء لجنة دعم الثورة الجزائريّة بطرابلس – نشر هذا البحث على الموقع الإلكتروني لمركز جهاد الليبيّين للدراسات التاريخيّة.

 

م62) الأستاذ/ بن عسكر – مقالة: حدث الجلاء – مجلة الإنقاذ العدد الخاصّ للسنة السادسة عشر الصادر في سبتمبر1998م.             

 

م63) د/ يحي الجمل – كتاب: قصّة حيَاة عَاديّة – دار الهلال يوليو 2000م.

 

 

[email protected]

 

إن جميع المقالات التي تنشر في هذا الموقع تعبر عن رأي أصحابها فقط، ولا تعبر بالضرورة عن رأي إدارة الموقع