26/08/05


 

 النظام الالهة

 بقلم: د. فتحي الفاضلي

 

منذ ثلاثة عقود ويزيد، والنظام يسعى، دون كلل او ملل، الى خلق فراغ سياسي شامل، ليبقى وحده، الخيار اليتيم لليبيا . لذلك نرى نظامنا الحالي حريص كل الحرص على سحق ومحق كل محاولة تهدف الى تأسيس او انشاء اي بناء سياسي مهما صغر هذا البناء. ولا يلام  النظام لان جميع الانظمة، الديمقراطي منها والديكتاتوري، تمارس، وبدون استثناء، هواية السحق والسحل والمحق ضد خصومها السياسيين، كل على قدر لحافه، وكل حسب جهده وامكانياته وطبيعة نظامه. لكن الغريب في الامر، ان النظام الليبي بالغ في هذا الامر مبالغة فاقت الخيال، بل فرضت تساؤلات حساسة جداً حول طبيعة النظام ونواياه الحقيقية، فقد دمر النظام، في سبيل هذا الهدف، الدولة نفسها. فاصبح نظاما بلا دولة. 

 

ونرى، مصداقا لما سبق، ان النظام حريص على معاملة الشعب الليبي، كشعب جاهل، تائه.. مستعبد.. لا تاريخ.. ولا ثقافة.. ولا رموز.. ولا ابطال له. شعب في نظر النظام، خال من الابداع.. والمبدعين. وشعب لا تقاليد ولا تراث ولا اعراف له. وشعب لا دور ولا عطاء ولا مساهمات اقليمية او دولية له. فجل ممارساته كتلة من الاخطاء، لانه، حسب الفقه الثوري. شعب لا يفقه دينه وواقعه وتاريخه، الى ان جاء النظام الحالي واخرجه من الظلمات الى النور.

 

 بل ان الشعب الليبي في نظر النظام، لا يستحق قياداته الحالية، والتي تستحقها شعوب اخرى اكثر تطوراً ورقياً وتقدماً من الليبيين"الجهال"، الذين لم يفهموا حتى الان،المقاصد الطيبة الحسنة التي تخفيها قيادتهم "الحكيمة"، وهي تصنع من ليبيا، بالمشانق والمقاصل والحديد، مدرسة عالمية لنشرالامن والامان والسلام.

 

 وحتى تلك الابداعات التي لا يمكن اخفاءها بغربال النظام، والتي يفخر بها الليبيون، كما يفخر غيرهم من شعوب الارض، حتى تلك الابداعات، اما ان يصفها النظام بانها سطحية،  مقلدة، مسروقة، انجزها اجانب من جنسيات غير ليبية، او انه يطمسها، او ينسبها اليه اذا عجز عن كل ذلك. 

 

فمن المستحيل، تبعاً للفقه الثوري، ان يبدع الشعب الليبي خارج نطاق "النظام الالهة"، الذي يبدوا وكأنه استلم ليبيا فوجدها خاوية على عروشها.. فلا بشر فيها ولا حجر.. ولاماء ولا صحراء ولا شجر.. ولا مدن ولا ارياف ولا قرى، بل لم يجد "النقاط" و"الحروف"، فصنع الحروف ووضع النقاط ، وسيرالتاريخ، وصنع الماضي والحاضر والمستقبل، يفعل النظام في ليبيا كل ذلك، بينما الليبيون ومنذ زمن "التحنو" و"الليبو" و"المشواش" والى يومنا هذا، جالسين يتمتعون بمص اصابعهم، وهم يتفرجون على "النظام الالهة" وهو يصنع الكون والحياة والتاريخ . هكذا يريد ان يصور النظام ليبيا والليبيين.

 

ولم يطمس النظام التاريخ الليبي فحسب، بل حصر تاريخ ليبيا بكامله في العهدين "الملكي" و"العسكري"، ليقتات من حين الى اخر، وكلما لزم الامر، على اخطاء العهد الملكي،   وليخلق مبرراً للانقلاب، وليطمس في نفس الوقت تاريخ ليبيا باكمله. ولينسى الناس، تاريخ ليبيا الغني بالعطاء.. والجهاد.. والتضحية.. والمشاركة.. والابداع، وينسوا الخوض في مستقبل ليبيا. فينظرون دائماً، الى الوراء، وضمن حيز ضيق جداً، مما يلههم عن الحاضر والمستقبل . ولا يخفى على احد ان النظام يفعل ذلك لادراكه ان التاريخ من اهم مصادر القوة للامم والملل والنحل. يدرك النظام ذلك، لكننا لا ندرك لماذا يفعل ذلك!! اي لماذا لا يريد النظام ان يستمد الشعب الليبي من تاريخه، عوامل القوة وعناصر التفوق والتطور والابداع، ليصنع مستقبل افضل، كما تفعل شعوب الارض على مدار التاريخ. . فطمس تاريخ الامم، امر لا يمارسه، ضد الشعوب، الا الاستعمار والاعداء والغزاة. خاصة وان الشعب الليبي قد تميز، كغيره من الشعوب التي خلقها الله، بالمساهمة والمشاركة والعطاء، منذ ايام الدولة العبيدية التي تصدى فيها علماء ليبيا للدفاع عن السنة النبوية الشريفة، عبر الحورات والمناضرات والدعوة وحلقات العلم والكلمة الطيبة واللين، ثم عبر التمرد على الدولة العبيدية الى ان تم اسقاطها . فكان لعلماء ليبيا دوراً بارزاً في اسقاط الدولة الفاطمية (العبيدية) وحفظ كيان السنة ـ والحمد لله ـ الى يومنا هذا. بل الى يوم القيامة ان شاء الله. وقدمت ليبيا لهذا الامرمئات العلماء والاف المجاهدين والثوار قبل مئات السنين من انقلاب سبتمبر، في معركة شبيهة بمعركة السنة التي خاضها الليبيون ضد النظام الحالي.

 

وقام الليبيون بعشرات المحاولات لاصلاح الدولة العثمانية، بل والخروج عليها بالقوة، كلما بالغت في الانحراف عن مسار الدولة الطبيعية. وشهدت ليبيا مولد الحركة السنوسية، ولمس الليبيون دورها الرائد في التاريخ كاحدى الحركات الاسلامية الكبرى، وخاصة في مجال الدعوة في ليبيا وخارج ليبيا، فنشرت الاسلام، في ربوع افريقيا وغير افريقيا، ورفعت رايات الجهاد ضد فرنسا وبريطانيا وايطاليا، وكان عطاؤها عطاءً رائعا مميزا في ميدان العلم والدولة والانسان، فكانت رسالتها الجهادية مصحوبة برسالة الاصلاح المدني والنهضة السياسية والثقافية والاجتماعية، وكانت نشاطاتها تتم على ايدي ليبية بصرف النظر عن موطن المؤسسين او مكان مولدهم، بل ان من اعظم قادة السنوسية، ولدوا وترعرعوا وعملوا وجاهدوا واستشهدوا في ليبيا، من اجل عقيدة ليبيا ومن اجل ليبيا، وذلك قبل عشرات السنيين من انقلاب سبتمبر 1969م.

 

وجاهد الليبيون ضد الغزاة الايطاليون جهاداً جعل الجندي الايطالي يناشد صليبه النجاة، وذلك قبل انقلاب سبتمبر باكثر من خمسين عاما. كما اظهر الليبيون - اثناء النضال السياسي من اجل تأسيس الدولة الليبية الحديثة - مهارة سياسية فائقة يمكن ان نلمسها في تأسيس الجمهورية الطرابلسية (1918م) اي قبل 51 عاماً من انقلاب سبتمر .  ناهيك عن تنظيم المظاهرات والاعتصامات وعقد المؤتمرات وتأسيس الجماعات والاحزاب والحركات واصدار الصحف والبيانات والمنشورات، بالاضافة الى التحرك الجاد المكثف في المحافل الدولية، تلك المهارة السياسية التي ادت الى خلق ارضية سياسية صلبة تأسست عليها الدولة الليبية الحديثة.   

 

كما شارك الليبيون، قبل قيام انقلاب سبتمبر بواحد وعشرين عاماً تقريبا، اي عندما كان اغلب قادة هذا النظام يمرون بمراحل الطفولة الاولى.. شارك الليبيون.. في الجهاد ضد اليهود في حرب 1948م، واستشهد الكثير منهم، وعاد الكثير منهم، واذكر اننا كنا نشير الى من عاد منهم، بفخر واعتزاز.

 

وشهد العهد الملكي نشاطات معارضة سياسية وثقافية متنوعة، منها مظاهرات الطلبة في (1963-1964م) في طرابلس وبنغازي والزاوية والجميل، وما تبع ذلك من سقوط الشهداء من الطلبة برصاص الشرطة في ذلك الوقت. كما حاولت القوات المسلحة الليبية القيام بانقلاب عسكري ضد النظام الملكي عام 1964م اي قبل خمس سنوات تقريباً من انقلاب سبتمبر، ناهيك عن الانتفاضة الجماهيرية الضخمة التي انطلقت عام 1967م في جميع مدن وقرى ليبيا، لتعبر عن التحام الشعب الليبي مع مصر وسوريا وتأييدهم في الحرب التي عرفت بحرب الايام الستة ضد اليهود. بل وتوجت تلك الانتفاضة بتمرد وحدات من الجيش الليبي، تمردت على اوامر النظام الملكي واخترقت الحدود الليبية اثناء حرب1967م التي قامت بين مصر واليهود لتشارك تلك الوحدات في الحرب بجانب الجيش المصري دون ان تبالي بالاوامر العسكرية، ثم عادت هذه الوحدات الى ليبيا بعد انقلاب سبتمبر(1969م) على اعتبار ان النظام الجديد نظاماً.. ثائر.. قومي.. غاضب.. ما جاء الا ليدمر الصهيونية والامبريالية والاستعمار.. فاحسوا بالامان وعادوا الى ليبيا.. ارض الوطن.. فقبض النظام الثوري في فترات لاحقة عليهم وزج بهم في السجون وتواردت الانباء عن اعدام  بعضهم بحجج لا تخفى على القاريء.

 

ولم يتوقف عطاء هذا الشعب على ما سبق، فقد ابدى الليبيون معارضة عنيفة ضد النظام الحالي شملت جميع انماط المقاومة، بداية بالقول اللين والكلمة الطيبة (رسائل الشهيد محمد مصطفى رمضان) الى العمليات الاستشهادية (حركة الشهداء) مروراً بكافة اشكال النضال السياسي والاعلامي وما شمل ذلك من مظاهرات وانتفاضات طلابية امتدت من 1973م الى 1976م، الى تأسيس الحركات والاحزاب والجماعات المعاصرة، الى الانقلابات العسكرية، الى غير ذلك من نشاطات متنوعة، مبسوطة في عدة مصادر لمن اراد المزيد.

 

ليس ذلك فحسب، بل ان الليبيين مستعدون معنوياً لما يحدث هذه الايام، فمهما تنازل النظام او انقلب او تغير تجاه الامم الاخرى، دون ان يتغير تجاه الليبيين الى الافضل، فلن يرضى الليبيون بذلك، بل لن يرضوا باقل من دولة عصرية يحكمها دستور مستمد من عقيدة هذا الشعب. ولا تنازل على مبدأ سيادة الانسان وحريته، ولا تنازل على ان الانسان وكرامته وحريته، هي حقوق الاهية وليست هبة من احد، وان هذه الكرامة والحرية، مقدمة على امن الثورة، ومقدمة على سيادة الدولة، فلا ثورة قبل الانسان، ولا دولة فوق الانسان، وفوق المقدسات والحرية، فليبيا لليبيين جميعاً، سماءها وارضها ونفطها وترابها وحجرها وشجرها. وستكون باذن الله جنة على الارض، يُحترم فيها الاسلام، ويُوقر فيها الانبياء، ورسائل الانبياء. وستكون باذن الله تعالى دولة اساسها حرية وكرامة وامن الانسان.. فذلك شيء من ثوابت الليبيين.. وشيء بالتالي من ثوابت المعارضة.. سوي وضع النظام يده في ايدي "الصرب" كما فعل من قبل، او وضع يده في يد "امريكا" او"بريطانيا" او"اليهود"، كما يحاول ان يفعل هذه الايام، فلا يهم الليبيون، كل هذا، بقدر ما يهمهم، علاقة النظام بالليبيين لا بغيرهم. والله ولي التوفيق.

 

___________________

للاتصال بالكاتب    

[email protected]

 لزيارة موقع الكاتب

   www.fathifadhli.info

  


[email protected]

 

إن جميع المقالات التي تنشر في هذا الموقع تعبر عن رأي أصحابها فقط، ولا تعبر بالضرورة عن رأي إدارة الموقع