03/12/2007
 

 
مايجرى فى ليبيا اليوم مخالف للعهد الدولي الخاص بالحقوق
المدنية والسياسية ولكافة المواثيق والأعراف الدولية
 
بقلم: المحامى/ الشارف الغريانى
 
((الجزء الثاني))
 

 
قبل الخوض فى شرح وتفصيل المواد ونصوص هذا العهد موضوع الدراسة,, علينا فى البداية النظر إلى ماجاء فى مقدمة وديباجة العهد الدولي لارتباط ذلك ارتباطا وثيقا بالإعلان العالمي لحقوق الإنسان الذي تضمن المبادئ الأساسية لحماية الحريات والحقوق الإنسانية ووضعت المعايير والأسس الواجب إتباعها من قبل الدول الأطراف الموقعة على هذا الإعلان وباقي العهود والمواثيق الدولية ذات العلاقة.
 
فكان أول تركيز فى هذه الديباجة على مصطلح الأسرة البشرية لما لها من كرامة وحقوق إنسانية وتنعم بالحرية والعدل والسلام.. ومن هنا تنادت الدول الأطراف فى هذا العهد مقرة بان تلك الحقوق الأصيلة منبثقة من كرامة وآدمية الإنسان والتي جاء التأكيد عليها في الإعلان العالمي لحقوق الإنسان حيث يطمح الجميع في أن يكون الإنسان حرا متمتعا بالحرية السياسية والمدنية متحررا من الخوف على يومه وغده آمنا فى بيته ووطنه.. لايخشى الجوع والفقر والمرض وبالتالي ضمان تمتع الإنسان بحريته الاقتصادية والاجتماعية والثقافية.. وعدم تعرض تلك الحريات للتقييد أو المصادرة وعدم تعرض حقوقه الإنسانية للانتهاكات من آيا كان..هذه المبادئ ها التي جعلت الدول الأطراف في هذا العهد أن تضع على عاتقها أدبيات الالتزام والعمل على تعزيز احترام حقوق الإنسان وحرياته.. ومن هنا نرى أن جميع المواثيق والعهود الدولية كثيرا ماتحث الدول الأطراف فيها بان تتضمن قوانينها ودساتيرها من النصوص والمبادئ مايكفل تحقيق ضمانات ومساحات اكبر من الحريات واحترام لحقوق الإنسان بل ألزمت فى بعض تلك العهود والمواثيق الدول الأعضاء ضرورة متابعة ومحاسبة كل من يتجرأ على انتهاك تلك الحقوق أو تعرض الحريات للمساس ..حتى وان تفاوتت أدبيات التزام الدول الأطراف فى كيفية تنفيذ تلك العهود والمواثيق الدولية.. بل وقيام العديد من الدول بأعمال فى غاية الخطورة على الحريات وحقوق الإنسان كما هو الحال فى ليبيا تحت حكم القذافى.. هذا الحكم الذي لم يلتزم بأية عهود او مواثيق تحمى الحريات وتصون حقوق الإنسان بل كثيرا مايستهزأ بتلك المواثيق بحجة ان الدول الكبرى هى فى حد ذاتها اكبر منتهك لحقوق الإنسان من جهة,, ومن جهة أخرى,, لطرحه لأفكار شاذة غير مقبولة عقلا ومحاولة فرضها على الجميع حتى انه وصل به الأمر الى محاولة تصدير تلك الأفكار الواردة فى مايسمى بالكتاب الأخضر الى الدول الغربية ولقد عرض هذه الفكرة على الشعب الامريكى للأخذ بالنظرية العالمية الثالثة التي يدعى بأنها الخلاص للشعوب قاطبة.. على اعتبار ان ديمقراطية الأمريكان والغرب ليست ديمقراطية وإنما ديمقراطيته التى وصفها بأنها ((الديموكراسى اى أن الشعب على الكراسي)) هى الديمقراطية الصحيحة وماعداها فهو هراء.
 
وهكذا اتفقت الدول الأطراف فى هذا العهد على المواد التالية والتي نسعى إلى شرحها وتبسيطها لكي يفهم المواطن العادي ماهية هذا العهد وأهدافه.. ولقد تعمدت عدم الخوض فى نص المادة الأولى باعتبارها ذات نطاق واسع وشامل لأبجديات القانون الدولي ومتعلقة بحق تقرير المصير للشعوب كافة سياسيا واقتصاديا واجتماعيا وثقافيا وللشعوب حرية التصرف فى ثرواتها ومواردها الطبيعية دون تدخل من الغير شريطة أن لايخل ذلك بأية التزامات دولية مترتبة على التعاون الاقتصادي الدولي واحترام مبدأ تبادل المنافع وإعمال نصوص القانون الدولي العام والخاص.. وكذلك على الدول الأطراف فى هذا العهد التي تدير أقاليم غير متمتعة بالحكم الذاتي أو الخاضعة للوصاية بان تعمل على تحقيق تقرير المصير فيها وفقا لأحكام ميثاق الأمم المتحدة.
 
ونصل ألان إلى الخوض في مواد هذا العهد:
 
المادة الثانية:
 
1. تتعهد كل دولة طرف في هذا العهد باحترام الحقوق المعترف بها فيه، وبكفالة هذه الحقوق لجميع الأفراد الموجودين في إقليمها والداخلين في ولايتها، دون أي تمييز بسبب العرق، أو اللون، أو الجنس، أو اللغة، أو الدين، أو الرأي سياسيا أو غير سياسي، أو الأصل القومي أو الاجتماعي، أو الثروة، أو النسب، أو غير ذلك من الأسباب.
 
2. تتعهد كل دولة طرف في هذا العهد، إذا كانت تدابيرها التشريعية أو غير التشريعية القائمة لا تكفل فعلا إعمال الحقوق المعترف بها في هذا العهد، بأن تتخذ، طبقا لإجراءاتها الدستورية ولأحكام هذا العهد، ما يكون ضروريا لهذا الإعمال من تدابير تشريعية أو غير تشريعية.
 
3. تتعهد كل دولة طرف في هذا العهد:
 
(أ) بأن تكفل توفير سبيل فعال للتظلم لأي شخص انتهكت حقوقه أو حرياته المعترف بها في هذا العهد، حتى لو صدر الانتهاك عن أشخاص يتصرفون بصفتهم الرسمية،
 
(ب) بأن تكفل لكل متظلم على هذا النحو أن تبت في الحقوق التي يدعى انتهاكها سلطة قضائية أو إدارية أو تشريعية مختصة، أو أية سلطة مختصة أخرى ينص عليها نظام الدولة القانوني، وبأن تنمى إمكانيات التظلم القضائي،
 
(ج) بأن تكفل قيام السلطات المختصة بإنفاذ الأحكام الصادرة لمصالح المتظلمين.
 
الفقرة.1/ وفقا لهذه الفقرة فلقد تعهدت الدول الأطراف والموقعة عليه ضرورة احترام جميع الحقوق المعترف بها فى هذا العهد.. حيث تم بيان وحصر تلك الحقوق,, بالحقوق السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية..
 
الحقوق السياسية:
 
تعتبر هذه الحقوق من أهم واخطر الحقوق الإنسانية فى حياة البشر فى عصرنا الحديث..وهى مدار حديث الناس يوميا ومادة البحث الأكثر اهتماما فى علم السياسة حيث تدور كافة الكتابات والبحوث الدراسات حول هذه الحق.. وهو اكبر المجالات عرضة للانتهاكات من قبل الطغاة والحكام المتسلطين..وهو الأكثر أسبابا فى اعتقال ومطاردة بل واعدان الكثير من السياسيين بسبب مواقفهم المختلفة من هذا الحق..وبسبب هذه الحقوق قامت المؤسسات والمنظمات الدولية المنادية بحمايتها من العبث والانتهاك والمصادرة..
 
وبالتالي ظهور مؤسسات المجتمع المدني فى كافة مجالات الحقوق السياسية..وتشكلت الأحزاب السياسية التي تنادى بتداول السلطة والحكم.. وبالتالي ظهر الصراع بين تلك الأحزاب والسلطات الحاكمة منها الصراع السلمي المتمدن الخاضع لصناديق الاقتراع ومنها الصراع الدموي المقصى للآراء المخالفة للسلطات الحاكمة.. الأمر الذي أدى إلى حملات الاعتقال السياسي وانتشار الجريمة السياسية فى الدول التي لاتحترم حقوق الإنسان وغير ملتزمة بتلك العهود والمواثيق والتي تحمى الحريات وتصون الحقوق..
 
فكانت دول تسير بنهج حكم سلس وديمقراطي خاضع لدستور متفق عليه من قبل أبناء تلك الدول. وفقا لنظام سياسي برلماني انتخابي حر ونزيه فيه التداول على السلطة والحكم بكل شفافية ويسر وسهولة حيث تتعاقب الحكومات والرؤساء والهدف المشترك واحد وواضح للجميع ألا وهو خدمة الوطن وأبناء الوطن.
 
وفى وجود حرية الكلمة والرأي والتعبير من خلال السلطة الرابعة المتمثلة فى الصحافة الحرة,,لضمان حرية النقد البناء ومراقبة ومتابعة مجريات الأحداث داخل الدولة.. لمحاسبة المخطئ ومكافئة المحسن. ومن ثم غابت فى هذه الدول مابات يعرف بالمعتقل السياسي والسجين السياسي أو سجين الرأي.. واختفت فيها الجريمة السياسية.. وتصفية المعارضين السياسيين أو مطاردتهم .. بل أصبح للمعارضة السياسية منابر حرة داخل تلك الدول ..وكثيرا مانسمع بان أحزابا للمعارضة قد وصلت الى الحكم بناء على رغبة أبناء تلك الدول لما رأوا فيها صالح وخير الوطن..
 
وفى نفس الوقت كانت هناك دول تسير بنهج حكم الفرد المستبد الطاغي الظالم..الغير خاضع لدستور او قانون اوحتى عرف محلى..حيث وصل هذا الحاكم إما على ظهر دبابة فى انقلاب عسكري سواء كان دمويا أو ابيضا كما يزمع فى بعض الانقلابات..وبالتالي فهو غير مستعد للتنازل عن الحكم إلا بموته أو اغتياله أو بانقلاب معاكس أو بثورة شعبية عارمة وعصيان مدني مستمر حتى إسقاطه بالرغم ما قد يكون من نتائج سلبية على مثل هذه الأعمال المناهضة للحاكم المستبد من مخاطر وقوع مجازر جماعية قد تودي بمئات وعشرات الآلاف من الضحايا على درب الحرية من اجل التخلص من حكم الفرد..
 
وغالبا ماتكون هذه الدول محكومة بالحديد والنار.. حيث غياب الشرعية الدستورية.. وانعدام العدالة فيها وتكميم الصحافة وانتهاك صارخ لحقوق الإنسان..وظهور التنظيمات السرية ومطاردة واعتقال مؤسسيها وأعضائها وانتشار المعتقلات السياسية والمحاكم الاستثنائية بأحكامها الجائرة.. وتصفية ومطاردة المعارضين السياسيين وخطفهم وتغييبهم واختفائهم قسرا.. وانتشار أساليب القمع والتعذيب والتهديد..وتنوع أماكن الحجز والاعتقال وجهات القبض والاعتقال والتحقيق..كل ذلك فى غياب الحياة الدستورية القانونية والشرعية..
 
ولنا فى حكم القذافى خير مثال ودليل على هكذا أسلوب حكم فردى قمعي ديكتاتوري..لاحرية كلمة فيه ولا صونا لكرامة وحقوق الإنسان.. وفى هذا الشأن، تحاشيا للإطالة أحيلكم إلى ماجاء فى هذا الخصوص فى مقال الأستاذ:منصف البوري ((المعتقلون السياسيون تحت حكم القذافى)) الذي ستجدون فيه شرحا وافيا لما أوردناه سلفا.
 
وأهم دلائل انعدام الحقوق السياسية فى ليبيا وبإيجاز:
 
1) إلغاء الدستور الشرعي للبلاد صبيحة قيام الانقلاب العسكري.
 
2) إصدار عدة قوانين فى غاية الخطورة على الحريات وحقوق الإنسان على رأسها,,ماسمى بقانون حماية الثورة وقانون تجريم الحزبية وقانون منع التظاهر والتجمعات والقانون الذ ىصادر الصحف قانون الصحافة ومابه من قيود على حرية الصحافة .. واستمر إصدار القوانين القمعية حتى وصل الأمر إلى إصدار قانون العقوبات الجماعية فيما سمى زورا بوثيقة الشرف التي تجيز معاقبة القبيلة والمحلة والمدينة أيضا بسبب مايرتكبه احد أبناؤها من أعمال تعد مضادة للتوجه السائد فى البلاد وبمعنى أخر أعمال ضد الثورة فى صورة أعمال ضد سلطة الشعب كما يروج له النظام الحاكم..
 
3) فى إحدى المناسبات الدينية عام1973 تم تعطيل القوانين والإعلان عن ماسمى بالثورة الثقافية فى إشارة إلى إلغاء كل فكر يخالف لفكر معمر القذافى.. وتمت مطاردة واعتقال العديد من شباب ليبيا آنذاك بحجة انتماءاتهم لأحزاب وتنظيمات او لحملهم أفكارا غير مرغوب فيها..كل ذلك كان تجسيدا لأبشع أنواع الانتهاكات لحقوق الإنسان..
 
4) انتشرت المحاكم الثورية اثر أحداث السابع من ابريل عام1976.. حيث تمت تصفية العناصر الوطنية من طلاب الجامعات..فى عمل قمعي لم سبق له مثيل فى تاريخ ليبيا حيث تمت مداهمه الجامعات الليبية بعناصر من اللجان الثورية مدعومة بعناصر من الحرس الجمهوري وبقوة السلاح.. ونصبت المشانق بعد ذلك فى ساحات تلك الجامعات وفى الميادين العامة لشرفاء وأحرار ليبيا من جميع الفئات غالبيتهم من طلبة الجامعات والثانويان..
 
5) تم اتخاذ قرارات سياسية صارمة تسمح للجان الثورية بمطاردة المعارضين السياسيين داخل وخارج البلاد.. الأمر الذي أدى إلى تصفية العشرات من المعارضين السياسيين المقيمين فى أوربا ووصل الأمر أيضا إلى قتل المئات من سجناء الرأي والسياسة فى جريمة العصر المتمثلة فى : مذبحة سجن بوسليم:" هذا بالاظافة إلى تصفية العناصر الوطنية من ضباط القوات المسلحة..
 
6) وفى الآونة الأخيرة صدر قانون إنشاء محكمة امن الدولة ونيابة امن الدولة التي أوكل إليها تنفيذ نصوص وأحكام القوانين القمعية السارية المفعول حتى يومنا هذا وهى فى مجملها قوانين مهدرة للحريات ومنتهكة لحقوق الإنسان.وسالبة للحقوق المدنية والسياسية التي تعهدت الدول الأطراف فى هذا العهد الى احترامها وكفالتها لجميع الأفراد الموجودين فى إقليمها والداخلين فى ولايتها..
 
7) ولتأكيد نهج النظام المستميت على الاستمرار فى ديمقراطيته السياسية البديعة ,, وحتى بعد أن تم الترويج لمن رأى فيه البعض بأنه المصلح المنتظر بعد أبيه.. فاجأهم هذا الوريث المنتظر بالخطوط الحمراء والتي كان من أهمها والده معمر القذافى الخط الأحمر الأكثر خطورة على من يقترب منه بعدان صرح قبل ذلك بأنه من لايعجبه فكر القائد فلديه شط ليبي يصل لقرابة ألفين كيلو متر من البحر فليشرب منه.. هكذا تكون الحقوق السياسية فى ليبيا متناغمة عكسيا مع ما جاء فى هذا العهد الدولي الذي نحن بصدد شرح مواده...
 
وعندما وصلت الأحوال سياسية في ليبيا الى مرحلة الاحتقان برزت على السطح أصوات معارضة للأوضاع السياسية الغير مرغوب فيها.. والتحمت بعض التنظيمات والتيارات السياسية المعارضة المتواجدة خارج البلاد الى جانب العديد من الشخصيات السياسية والقانونية والثقافية المستقلة.. فى تجمع وحد كلمتهم جميعا فى مواجهة النظام الحاكم فى ليبيا حيث تم لهذه التنظيمات والتيارات اجتماعها الأول فى صيف عام 2005 بلندن.. وللخروج من هذا الاحتقان السياسي توافق الجميع على التوصيات التالية:
 
((1- تنحى العقيد معمر القذافى عن كافة سلطاته وصلاحياته الثورية والسياسية العسكرية والأمنية ورفض أسلوب التوريث.
 
2- تشكل حكومة انتقالية فى داخل البلاد من عناصر مشهود لها بالوطنية والنزاهة لإدارة البلاد لمدة لاتزيد عن سنة واحدة,,تكون مهمتها الأساس العودة بالبلاد إلى الحياة الدستورية عن طريق الدعوة الى انتخاب جمعية وطنية تأسيسية تقوم بمراجعة الدستور تحت إشراف الأمم المتحدة وإحداث التعديلات المناسبة حياله,,وعرضه على الشعب الليبي فى استفتاء عام.
 
3- إقامة دولة دستورية ديمقراطية مؤسسة على التعددية السياسية والقافية والتداول السلمي للسلطة, تكفل الحريات الأساسية وحقوق الإنسان وترسى قواعد العدل والمساواة وتكافؤ الفرص لكافة أبناء الوطن بدون اى تميز وتصون الثروات الوطنية وتنميها,, وتقيم علاقات خارجية متوازنة مؤسسة على الاحترام المتبادل.)).
 
وبذلك يمكن ضمان الالتزام بما جاء فى مواد هذا العهد الدولي وغيره من المواثيق والعهود الدولية ذات العلاقة..
 
لنا لقاء بإذن الله في الجزء الثاني,, إن لم توافينا المنية.
 
المحامى/ الشارف الغريانى
[email protected]

 


راجع: الجزء الأول

 


أرشيف الكاتب


 


للتعليق على المقال
الإسم:
العنوان الإلكتروني:
التعليق

 

تعليقات القراء:

 

 

 

جميع المقالات والأراء التي تنشر في هذا الموقع تعبر عن رأي أصحابها فقط، ولا تعبر بالضرورة عن رأي إدارة الموقع >>>> ليبيا المستقبل منبر حر لكل من يطمح ويسعى لغد أفضل لليبيا الحبيبة

 

[email protected]oo.com