14/12/2007
 

 
مايجرى فى ليبيا اليوم مخالف للعهد الدولي الخاص بالحقوق
المدنية والسياسية ولكافة المواثيق والأعراف الدولية
 
بقلم: المحامى/ الشارف الغريانى
 
((الجزء الرابع))
 

 
نتناول فى هذا الجزء ماتبقى من الفقرة الاولى من المادة الثانية,, استكمالا للتعريف بالحقوق السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية..
 
الحقوق الثقافية:
 
لكل مجتمع ثقافته الخاصة.. وفى كل مجتمع قد يتواجد تنوع فى الثقافات وفقا لتنوع طوائفه وقد تختلف وتتعدد فيه اللغات والأجناس.. كل ذلك يشكل تناغما ثقافيا فى غاية الانسجام ويعطينا لوحة متعددة الألوان والأبعاد فى غاية الجمال والروعة.. ومن هنا أكدت مواد هذا العهد الدولي على ضرورة المحافظة على وحدة الشعب الواحد دون تمييز بسبب العرق أو اللون أو الجنس أو اللغة أو الدين أو الرأي سياسيا أو غير سياسي أو الأصل القومي أو الاجتماعي أو الثروة أو النسب.
 
وهنا تداخلت عدة عوامل وجب مراعاتها من قبل الدول الأطراف.. ومن بينها بطبيعة الحال ليبيا فى عهد هذا الحكم العسكري..فهل ياترى كل تلك المعايير معمول بها..؟؟
 
وهذه المعايير المقصود منها أن يتمتع أبناء الشعب بكل الحقوق المدنية والسياسية دون تمييز بين طوائفه المختلفة المشارب والمتعددة الثقافات والآراء والأفكار..ضمانا للحريات العامة وصونا للحقوق السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية.. فالجميع سواسية لافروق بينهم إلا بالعمل الوطني المخلص الصالح والنافع..وبالتالي لايجوز التمييز لاى سبب من الأسباب الوردة في الفقرة السابقة..
 
فالمجتمع الواحد المتعدد العرقيات , ويتبع ذلك أيضا اختلاف اللون واللغة والدين.. الجميع فيه مواطنون من درجة واحدة ومن ثم يجب أن تتضمن الدساتير والقوانين من المواد والنصوص التي تعطى الحقوق للجميع وتفرض الواجبات على الجميع.. فهذا التنوع كما سبق وان نوهنا يشكل لوحة متناغمة ومتجانسة.. والتمييز على هذا الأساس محرم دوليا وفقا لمواد هذا العهد الدولي.
 
وهناك تمييز من نوع أخر قد يمارس على أبناء الشعب الواحد ويعتبر من اخطر أنواع التمييز الذي كثيرا مايؤدى إلى إزهاق الأرواح البريئة وانتشار المعتقلات والمطاردات والتصفيات الجسدية.. يتمثل فى التمييز بسبب الآراء السياسية المختلفة والتي قد تكون متعارضة مع بعضها البعض.. وهذا هو الأكثر شيوعا عند رصد انتهاكات حقوق الإنسان عالميا.. حيث يتم إعدام الحريات .. فكثير من الأنظمة الحاكمة والشمولية منها على الأخص لاتعترف بالرأي السياسي المخالف.. وتقمع الحريات وتكمم الأفواه وتصادر حرية الكلمة والتعبير.. لأنه وفقا لمنهج هذه الأنظمة فإما أن تكون معي أو ضدي لا وسط بين الاثنين..
 
ثم ياتى بعد ذلك التمييز بسبب الأصل القومي والوضع الاجتماعي والمستوى المادي من حيث امتلاك الثروة وبالتالي النسب .. فكل هذه المعايير للأسف الشديد غير مطبقة فى واقع حال الشعب الليبي تحت حكم القذافى.. فهناك جزء من أبناء الوطن مهمش محروم من ابسط الحقوق الإنسانية حتى انه غير حر فى تسمية أطفاله بالسماء الآباء والأجداد وغير مسموح له بتلقي تعليمه وثقافته بلغته الأصلية وتم عزله فى رقعة جغرافية مميزة عن غيره.. فهذا الجزء من الشعب الليبي يتمثل في إخوتنا الامازيغ والمعروفين لدى عامة الشعب"" بالجالية"" وهناك تمييز من نوع أخر بين أبناء الوطن فأولئك الذين غادر أجدادهم ارض الوطن إبان حقبة الاستعمار البغيض وعند عودة الأحفاد إلى ارض الوطن تمت كنيتهم "العائدون" تمييزا لهم عن المواطنين المقيمين إقامة اعتيادية وتمت تسمية مكان إقامتهم بحي المهاجرين.. ثم ظهر مؤخرا تمييز أساسه الوضع الاجتماعي والمالي والنسب.. فكل من ينتمي إلى قبيلة الحاكم العسكري وكل من يصاهر هذه القبيلة سواء منها أواليها.. فهو ذو حظوة اجتماعية ومكانة مرموقة حتى أنهم أصبحوا من أصحاب الثروات الطائلة وبالتالي تميزوا عن باقي أبناء الوطن. وظهرت على السطح نغمة القبيلة بصورة أصبح فيها التنافس على أشده فيمن تكون القبيلة الأكثر موالاة للنظام الحاكم..وهذا التمييز بين أبناء الشعب الليبي كان بطبيعة الحال بتزكية وتشجيع من النظام الحاكم,, فى دلالة واضحة على انتهاك نصوص هذا العهد الدولي التحى تؤكد على ضرورة المحافظة على وحدة الشعب الواحد داخل وطنه..
 
وبعد ان تابعنا معا الفقرة الأولى من المادة الثانية,, نأتي على الفقرات التالية.
 
الفقرة (2)
 
لهذه الفقرة أهمية بالغة الخطورة لما لها من ضمانة لمتابعة حركة الحريات العامة وحقوق الإنسان فى الدول الأطراف فى هذا العهد الدولي.. حيث تم التأكيد على ضرورة أن تتخذ هذه الأطراف من التدابير ما يكفل إدخال مواد هذا العهد أو على الأقل روح هذه النصوص فى التشريعات الوطنية وعلى رأسها الدساتير التي تعتبر صمام الأمان ومن ثم باقي التشريعات الأخرى ذات العلاقة..فإذا كانت تدابيرها التشريعية أو غير التشريعية القائمة وقت نفاذ هذا العهد لاتكفل تلك الحقوق المعترف بها فعليا فعلى الدول الأطراف ان تلتزم بحماية هذه الحقوق.والنظام الحاكم فى ليبيا كان بعيد كل البعد عن تلك التدابير والإجراءات الدستورية والتشريعية.. حيث تم إلغاء الدستور وتعطيل القوانين.. وكانت الممارسات على ارض الواقع مخالفة بالكلية لتلك النصوص الإنسانية ولغيرها من المواثيق الدولية الأخرى..وبعد عقود من تلك الانتهاكات وبضغوط دولية قامت السلطات الليبية بمحاولة لإصدار بعض التشريعات التي رأت فيها من منظورها الخاص بأنها لحماية الحريات وحقوق الإنسان واعتبرتها مرجعية لباقي التشريعات النافذة.. كالوثيقة الخضراء الكبرى لحقوق الإنسان,, وقانون تعزيز الحريات..فى حين هذه التشريعات المستحدثة هي في حد ذاتها تحمل بين طياتها ما ينم عن إمكانية انتهاك حقوق الإنسان في اى وقت ومتى شاءت السلطات الأمينة الحاكمة فى ليبيا,,فعلى سبيل المثال لا الحصر.. المادة الثانية من ماسميت بالوثيقة الخضراء لحقوق الإنسان نصت على ان العقوبة تطال فقط من ارتكب الجريمة ولا تنسحب على أهله وذويه واستشهدت بالآية القرآنية" ولاتزر وازرة وزر أخرى" فى حين إن واقع الحال يؤكد غير ذلك,, بدليل معاقبة أسرة الجاني وعائلته وقبيلته بل ومدينته أيضا.. والمقصود هنا بالجاني ليس ذلك المجرم الذي ارتكب جناية إجرامية.. ولكنه ذلك السياسي والمعارض لنظام القذافى.. حيث تضمنت بعض مواد تلك التشريعات إشارة إلى أن " كل من تشكل حياته خطرا على المجتمع" وهذه العبارة مطاطة وتسمح باتهام اى إنسان لمجرد اعتراضه على سلطة الشعب الزائفة او النظرية العالمية الثالثة والكتاب الأخضر ومن باب أولى المساس بقائد النظام العسكري..وهذا عبارة عن السباب قوية تبيح القبض والاعتقال والمحاكمة والسجن الطويل الأمد إن لم يكن الإعدام حيث إن هذه العقوبة الأخيرة نص عليها صراحة فيمن يرتكب اى فعل مضاد لسلطة الشعب والنظام الجماهيري البديع على رأى صاحب النظرية.. العقيد معمر القذافى. ولقد شهدت الساحة الليبية عمليات اعتقال وإعدامات خارج نطاق القانون بالرغم من سريان ونفاذ هذه الوثيقة الخضراء.. بل أن القوانين القمعية السارية المفعول لم يتم إلغاؤها بالرغم من أنها جميعا تتنافى مع نصوص الوثيقة الخضراء وقانون تعزيز الحرية..
 
هذا وهناك اختراق اكبر من ذلك لنص هذه الفقرة التي توجب ضرورة احترام كافة الحقوق المدنية والسياسية.. بان تتضمن التشريعات المحلية ما يكفل هذا الاحترام.. حيث عكفت السلطات الليبية خلال العشر سنوات الماضية على تعديل قانون العقوبات الليبي"الجنائي" بدلا من التخفيف من لهجة العقوبات الرادعة والقاسية ,, ارتفعت نسبة النصوص التي تقضى بعقوبة الإعدام بشكل ملحوظ مقارنة بنصوص القانون قبل التعديل وذلك لسبب بسيط حيث إن قائد الانقلاب أراد أن يوهم الجميع بأنه بصدد إلغاء كافة القوانين المكبلة للحريات والمنتهكة للحقوق التي كانت قد صدرت في الأشهر الأولى للانقلاب والتي كانت تسعى لحماية الانقلابيين من اى عمل مضاد لهم.. وكان لهم ذلك آنذاك وحتى يومنا هذا..وذلك بان تضمن مواد قانون العقوبات المعدلة اغلب تلك العقوبات التي كانت موجودة صالا في تلك القوانين القمعية والتي تنص في مجملها على عقوبة الإعدام السجن المؤبد لكل من يفكر مجرد التفكير في الانقلاب على النظام الحاكم أو أن يشكل حزب وتنظيم لايحمل فكر قائد الانقلاب.. وبالتالي تم تكريس انتهاك حقوق الإنسان فى هذا القانون المعدل والذي للأسف الشديد تم تمريره على الشعب الليبي فى غفلة من إدراك خطورة هذه التعديلات. للمزيد يمكنكم مراجعة مقالنا تحت عنوان "حتى لا نلدغ مرة ثانية".
 
وبهذا العمل تكون ليبيا لازالت مصرة على انتهاك حقوق الإنسان بالرغم من توقيعها على هذا العهد الدولي وغيره من المواثيق الدولية ذات العلاقة..
 
الفقرة (3)
 
هذه الفقرة تتحدث عن الحق لكل مواطن فى اللجؤ إلى القضاء المحلى والتظلم من كل اعتداء يتم على حقوقه المعترف بها فى هذا العهد الدولي من قبل اى جهة فى دولته حتى وان كان هذا الانتهاك صادر عن أشخاص يتمتعون بالصفة الرسمية فى الدولة..كالأجهزة الأمنية والتنفيذية وذلك عن طريق سلطة قضائية مستقلة او لجنة إدارية او تشريعية منصوص عليها فى القانون المحلى للدولة الطرف فى هذا العهد.. وبالتالي على الدول الأطراف فى هذا العهد ان تلتزم سبل تطوير وتنمية النظام القضائي فيها بما يتمشى مع القيم والمبادئ الإنسانية المنصوص عليها فى العهود والمواثيق الدولية..الأمر الذي يتطلب أيضا ضمان تنفيذ الأحكام والقرارات الصادرة عن السلطات القضائية أو اللجان المشكلة لهذه الغاية والصادرة لمصلحة المتظلمين من تلك الانتهاكات الواقعة على حقوقهم المدنية والسياسية..
 
وهذا يعنى التزام الدول بعدم العمل على انتشار المحاكم الخاصة والاستثنائية التي تكرس المزيد من الانتهاكات للحقوق.. كما هو معمول به اليوم فى ليبيا تحت حكم القذافى حيث انتشرت المحاكم الخاصة والاستثنائية بدرجة مخيفة للغاية حتى انه وصل الأمر إلى جلوس أفراد لاعلاقة لهم بالقانون على منصة محاكم ثورية وفورية أصدرت أحكاما بالإعدام وفى نفس الوقت قامت بتنفيذ تلك الأحكام الجائرة.. وكان ذلك بتحريض وتشجيع من القذافى شخصيا وبمباركته لهذه الأعمال الخارجة عن العرف والقيم الإنسانية ناهيكم عن أخلاقنا وقيمنا الإسلامية حتى انه تبجح وتشدق بأنه لايهمه قتل الخونة وأعداء الثورة وسلطة الشعب حسب تعبيره حتى ولو كان ذلك فى شهر رمضان المبارك.. دون مراعاة لشعور المواطن المسلم الصائم.. وما تشكيل محكمة ونيابة امن الدولة فى الآونة الأخيرة إلا خير دليل على عدم احترام النظام الحاكم لنصوص هذا العهد الدولي ولكافة المواثيق الدولية ذات العلاقة بحقوق الإنسان.
 
بهذا وصلنا إلى نهاية نص المادة الثانية..
 
وفى الجزء التالي لنا لقاء بإذن الله تعالى,, مالم توافينا المنية
 
المحامى/ الشارف الغريانى
[email protected]

 


راجع: الجزء الأول

راجع: الجزء الثاني

راجع: الجزء الثالث

 

 

 


أرشيف الكاتب


 


للتعليق على المقال
الإسم:
العنوان الإلكتروني:
التعليق

 

تعليقات القراء:

 

 

 

جميع المقالات والأراء التي تنشر في هذا الموقع تعبر عن رأي أصحابها فقط، ولا تعبر بالضرورة عن رأي إدارة الموقع >>>> ليبيا المستقبل منبر حر لكل من يطمح ويسعى لغد أفضل لليبيا الحبيبة

 

[email protected]