الرئيسية | من نحن | اتصل بنا

منبر الكتّاب

16/07/05


 

 

من هنا نستمر! (1)

"ليبيا اليوم، ليست ليبيا الأمس"

 

 عبارة "اللحظة التاريخية" رغم ابتذالها إلا أن قطاعا واسعا من الساسة يصرون على قرنها عند وصفهم لأحداث معاصرة يستمرئنها، مع علمهم بتناقص أثر الحدث بمرور الزمن. ولهذا فكثير من التقييمات السياسية تفقد تأريخيتها بعد فترة من حدوثها. وما يبقيه التاريخ في ذاكرته من الأحداث، هو ما يتجاوز أثره محيط الحدث وما يمتد أثره لفترات زمنية تالية. وبكم تكون سعة ومدى الأثر تكون تاريخية الحدث.

 

وراهناً، يصعب الحكم بتأريخية حدث ما، إلا أن حدث انعقاد "المؤتمر الوطني للمعارضة الليبية" (لندن، يونيو 2005)، هو حدث تاريخي بالفعل لتوفره على دوائر الصدى.

 

فليبيا اليوم ليست ليبيا الأمس، بأثر "المؤتمر الوطني للمعارضة" الذي تجاوز صداه محيط دائرة أطرافه ليؤثر في متغيرات معادلة قضية النضال الوطني، التي عنوانها "المأساة الليبية"، والمعرفة بـ: دالة إنهاء المأساة الليبية = ∫ (الشعب الليبي) × (المعارضة الوطنية) × ( 1/ النظام الليبي) ~ (المتغير الدولي) × (الإعلام).

 

تعريف وعلاقة المتغيرات كالتالي:

 

- الشعب الليبي: قاعدة المعادلة، ويدون المتغير درجة تفاعل الشعب الليبي مع النظام. وكمعطية واقعية، فمحصلة التفاعل ايجابية لرفض الشعب للنظام الديكتاتوري، وتحفزه لحدوث التغيير.

 

- النظام الديكتاتوري: مقام المعادلة (وسبب المأساة)، ويدون هذا المتغير قوة وشرعية النظام، وكشاهد فهو متناقص بحكم ترهل النظام وانكماش شرعيته في الجانب الأمني، ولوقوعه في خانة المقام فأثر تناقصه ينقلب ايجابيا على نهائي المحصلة.

 

- المعارضة الوطنية: محفز المعادلة، ويكون دور المتغير في المحصلة ايجابي بحكم وقوعه في خانة البسط، ويعتمد أثره اطرادا على مدى فعالية المعارضة كمتغير مهم في تحقيق هدف إنهاء المأساة.

 

- المتغير الدولي: العامل المساعد في المعادلة. وهنا يعرض النظام اغراءا انبطاحيا لجذب المتغير في صفه، حين أن جرائم النظام وعجزه تعمل في اتجاه مضاد بتوجيه أثر هذا المتغير لصف الشعب الليبي ومعارضته الوطنية.

 

- المتغير الإعلامي والتعبوي: العامل الموصل في المعادلة، وهو عامل حاسم لطبيعته التوصيلية بين عناصر المعادلة، من جهة التواصل بين المعارضة والشعب وجهة كسب الرأي العام العالمي، وارباك النظام وفضحه. وهو احد ساحات الصراع المهمة، ويتصف بأنه مركب ومتعدد الاتجاهات والمستويات ومتنوع الأدوات.

 

ليبيا اليوم ليست ليبيا الأمس، فما أحداثه المؤتمر ونتائجه من أصداء واستجابات شعبية ملفتة بينت بجلاء ترقبية الشعب الليبي للعمل المعارض وتحفزيته لتغيير النظام الديكتاتوري، واستعداده لاستبداله بنظام ديمقراطي. وتلكم نتيجة متوقعة، ومنطقية، لاستمرار المعاناة الشعبية الممتدة جراء جور سياسات النظام الاستبدادية، وإرهاق برامجه الإفقارية، وعسف ممارساته الإجرامية المنتهكة للحريات العامة ولحقوق الإنسان، وظلم احتكاراته المفسدة، وبلاء عجزه المستشري. بل أن التبرم والتململ الشعبيين ضد النظام يتطوران إلى مستويات حانقة على خلفية فشل خديعته الماكرة الذريع بإخلافه وعد وعوائد صفقة التنازل عن سيادة الوطن (فك الحصار وسداد التعويضات وتسليم مقدرات الوطن وفتحه للغزو الخارجي) مقابل شراء التنمية والرفاه والاستقرار، والذي لم يرى منها الشعب سوى ارتهان الوطن وانتفاخ جيوب اللصوص، وتضخم عوزه وحرمانه.

 

وفي غمرة انتشاء الديكتاتور وأذنابه بسكر رحيق الخديعة، وتمتعهم بتبذير عصارة الوطن على لذات مجونهم، وتوزيع فوائضها على إشباع هوس الفرادة والشهرة، ونكاية بالشعب الليبي وتماديا في معاقبته، راح الديكتاتور يهب الفاسدين من حكام افريقيا منهوب قوت الشعب المتضور، ليقايضوه بميداليات لامعة مغشوشة ودبلومات مزخرفة مزورة، أو ليمنحوه فرص إمامة الصلاة جموع من الأفارقة الغلابة. فجاء المؤتمر الوطني للمعارضة الليبية، ليفيقه من أضغاث أوهامه وليصعق ثملات انتشائه، بأن هناك شعب مترقب ومعارضة متحفزة يتربصان للخلاص.

 

ليبيا اليوم ليست ليبيا الأمس. ومس الخبط النظام، فكان رد فعله غبيا وهستيريا- كعادته المجبولة- متمثلا في تفاعلات بدائية هوجاء فضحت بجلاء خوائه وترهله، وتزعزعه وجبنه. فيتجلد الصنم مرتعدا متقنعا بطبع الدجل وخليقة الكذب، ويجهد كهنة محرابه الشيطاني في حقنه بجرعات إضافية من وسوسة التزيين فيسقونه ويسوقونه لملتقيات، سموها "شعبية"، يتصدرها حفنة من الأدعياء المعروفين بانتهازيتهم ونفاقهم، ويحضرها ثلة من الخانعين المرتجفين، ويجر إليها بضعة من المرغمين المساكين. ملتقيات مفبركة باهتة يتقافز فيها المهرجون هاذين وملوّكين عبارات ركيكة فارغة يستذكرون بها أساليب بائدة مارسوها وصنمهم في ظروف محلية ودولية، ولّت. صنمهم وهم يعلمون جيدا أنها لا ترهب الزخم المعارض ولن توقف زحفه الحثيث إلى حيث سيختبئ فارّاً قريبا كالجرذ.

 

الصنم وكهنته يعرفون جيدا- دون أن يجرأ احدهم على مصارحة الأخر- إنهم الآن عاجزين خائرين مثقلين بعواقب سيئاتهم،  إنهم الآن واجفين مرتعبين من ثورة الشعب الصامد الصامتة القادمة، وصور ومآل نظائرهم (من بول بوت، وماركوس إلى ميلوسفيتش وصدام) تؤرق لياليهم الكالحة بكوابيس القصاص، ولا مفر عندئذ من إرادة الشعب، ولا ملجأ من عدالة الجماهير، فلن يجديهم حينها من ارتهنوا مقدرات الوطن عنده.

 

ويحير عطارو السلطان في الصنم المتصلب العقل والظهر والمشروخ الصوت والوجه، غير أن يتجرعوا معه كأس بلسم شعب يمقتهم ويلفظهم. ويبهت الصنم الذي طغى وبغى أمام طوفان المعارضة المصر على كنس عفن نظامه الموبوء.

 

ليبيا اليوم ليست ليبيا الأمس، فالمتابعون الدوليين للقضية النضالية الليبية- وخصوصا الأطراف الحكومية الغربية والإقليمية- اكتشفوا زيف وعرى ادعاءات النظام في عدم وجود معارضة ديمقراطية جدية لنظامه، وغياب البديل الديمقراطي لحكمه الشاذ، فتيقنوا، بانعقاد المؤتمر الوطني للمعارضة الليبية ونجاحه، بوجود معارضة وطنية ديمقراطية فاعلة وعازمة على لمّ الصف الوطني المعارض وقادرة على الحشد الشعبي، ومتهيئة للتواصل الدولي، وجادة في أحداث التغيير السلمي في ليبيا. فلطالما تحجج المهتمون بشأن الديمقراطية في ليبيا من تشتت وضعف المعارضة الليبية، وبعدم وجود بديل قوي لدفع التغيير في ليبيا، إلا أن المؤتمر أكد لهم بجلاء قدرة المعارضة الليبية.

 

الأطراف الدولية، الحكومية والفوق حكومية والمستقلة، مدعوة لملامسة حقيقة المأساة الليبية وسببها وطريق حلها، ولمعرفة ما يفرزه دعمها النظام الديكتاتوري من ضغوط واختناقات تتفاعل بما يضر بالاستقرار الإقليمي ويهدد المصالح الاقتصادية الدولية. أما المعارضة الليبية، اليوم، فمطالبة بأن تتواصل مع الأطراف الدولية ذات الشأن لإطلاعها على حقيقة المأساة الليبية الإنسانية ووسيلة حلها، بما يحقق مصالح الجميع، والتي على رأسها مصالح الشعب الليبي. فالمطلوب عدم ترك المجال الدولي مفتوحا للنظام الفاشي، ليسرح وينشر فيه خداعه ورذيلته ببيع مقدرات الوطن بثمن بقائه.

 

ليبيا اليوم ليست ليبيا الأمس، لان المعارضة الليبية الماجدة المصرة على رفع راية النضال خافقة والتهاب شعلة النضال مضطرمة، تشهد اليوم مرحلة انطلاق جديدة بعد سنوات من التخندق والدوران. عقد حصار لكوربي والاستسلام أرهق المعارضة الوطنية المهجرية وامتداداتها الداخلية، بإطلاقها يد النظام في ضرب وتجفيف النشاط المعارض تحت حجة تلاقيه مع فارضي الحصار، ليبيع النظام الوطن ويعزل المعارضة لاحقا بانبطاحه المخزي لأعداء أمسه. لتجد المعارضة نفسها في حالة من التيه والارتباك، زادتها تلويحات النظام بالإصلاح، والتي تبين أنها حبائل مصيدة طعمها وطريدتها الشعب الليبي. وكان رأي جناح مهم في المعارضة أن الإصلاح السياسي والاقتصادي والاجتماعي غير ممكن واقعيا ولا مقبول وطنيا ولا مبرر أخلاقيا في ظل استمرار النظام المتكلس، وبالتالي فالإصلاح المرتجى لا جسر لوصوله إلا عبر انتهاء النظام وتنحيه رأسه الشرير، مصدر كل الشرور.

 

الدفع الشعبي الداخلي المتصاعد والرافض للمعاناة المتزايدة والمستمرة، حفز المعارضة الوطنية للبحث عن منفذ للخروج من متاهة التفرج وكمين رد الفعل وحالة الانحصار بين مطرقة التصالح الحواري القابل بالنظام وسندان جناح بائعي أكياس الإصلاح من النظام.

 

وهكذا كان الدفع الشعبي محرضا ليجتمع تيار "الإصلاح عبر التنحية" في جهد نضالي طويل ومضني ليتجسد في "المؤتمر الوطني للمعارضة الليبية" وثمرته برنامج التوافق الوطني (وثيقة" إعلان التوافق الوطني" والتوصيات المكملة لها) المتأسس على الارتباط الموضوعي والاشتراط العضوي لتنحي العقيد معمر القذافي عن كافة- كافة- سلطاته وصلاحياته ورفض أسلوب التوريث، كمعبر أساسي لقيام دولة دستورية ديمقراطية: مؤسسة على التعددية السياسية والثقافية والتداول السلمي للسلطة، تكفل الحريات الأساسية وحقوق الإنسان، وترسي قواعد العدل والمساواة وتكافؤ الفرص لكافة أبناء الوطن بدون أي تمييز، وتصون الثروات الوطنية وتنميها، وتقيم علاقات خارجية متوازنة مؤسسة على الاحترام المتبادل.

 

ليبيا اليوم ليست ليبيا الأمس، والالتفاف المهجري العارم المشاهد والملموس مع برنامج التوافق الوطني يشير إلى تطابقه مع خيارات وأماني الشعب الليبي المرتهن. إلا أن ذلك حمل تيارات المعارضة المهجرية مسئوليات نضالية وأدبية بوضعها أمام ملزمة الاختيار بين الانحياز لتطلعات الشعب في التغيير، أو الاستمرار في تكتيك أنسنة أسنان النظام الشرسة والهرمة. وإن كان الذئب لا يغير طباعه بهرمه، فالخيار رغم وضوحه، قد يكون صعبا عند البعض، ولكنه في المتناول. ومن لا يسير في الموكب يمكنه مرافقته.

 

نجاح المؤتمر الجماهيري يلقي بمسئولية كبيرة وخطيرة على "هيئة المتابعة" التي انتخبها المؤتمر واعتمدها كأداة لتنفيذ محتويات برنامج التوافق الوطني، بإداراته (التخطيط والتنظيم والتنفيذ والتنسيق والمتابعة) وتنزيله والسير به في طريق النضال على ارض الواقع. والواقع كما يعلم الجميع واعر وشائك، ويتطلب إرادة وإخلاصا وحماسا، ودائما كفاية ودراية. والبداية بصياغة استراتيجية عامة للعمل طويلة الأجل، مجدولة زمنيا ومصنفة نوعيا ومقسمة عمليا.

 

و معا، لإزهاق الصنم وكهنته إلى الأبد، "وَقُلْ جَاءَ الحَقُّ وَزَهَقَ البَاطِلُ إِنَّ البَاطِلَ كَانَ زَهُوقاً"، و"قُلْ جَاءَ الحَقُّ وَمَا يُبْدِئُ البَاطِلُ وَمَا يُعِيدُ"

 

وليبيا اليوم ليست ليبيا الأمس، لأنها لحظة تاريخية، ومن هنا نستمر

           -----------------------------------

ادرار نفوسه

المنفى، 16 يوليو 2005

[email protected]

 

 

[email protected]

 

إن جميع المقالات التي تنشر في هذا الموقع تعبر عن رأي أصحابها فقط، ولا تعبر بالضرورة عن رأي إدارة الموقع