الرئيسية | من نحن | اتصل بنا

منبر الكتّاب

23/06/05


 

 

   ليبيا.. البديل السياسي الجديد*

 

 تنوعت البدائل والتصورات التي طرحتها التنظيمات والقوى السياسية الليبية، فيما يخص"الاتجاه العام" الذي سيتبنى ويرسخ ويحمي البديل السياسي القادم في ليبيا. فاتفقت القوى الاسلامية بمختلف مدارسها على احلال البديل الاسلامي كبديل حضاري لليبيا وللبشرية جمعاء، واتفقت القوى الملكية ومعها الكثير من القوى الاخرى على ان تكون ايجابيات العهد الملكي، وخاصة دستور العهد الملكي، هي المحور الرئيسي الذي يجب ان يدور حوله البديل السياسي القادم في ليبيا. ثم اجمعت القوى الوطنية والتقدمية، مع بعض الاختلافات الرئيسية والفرعية، حول ضرورة احلال البديل الوطني الديمقرطي.

 

واشتركت التنظيمات والقوى السياسية الليبية، بعد ذلك، في قضايا رئيسية حساسة جداً، يمكن من خلالها رسم ملامح "الحد الادنى" للبديل الذي قد يحقق الاستقرار السياسي في ليبيا ويرسم بالتالي ملامح "دولة ما بعد الثورة".

 

فمثل هدف "اسقاط النظام"، شبه اتفاق رئيسي بين اغلب التنظيمات والقوى السياسية المضادة للنظام، بل مثل هذا الهدف، الطموح الاسمى لليبيا والليبيين . كما تبنت قوى اخرى "الاصلاح"، ولم  تقبل به كما فهمه البعض على انه مجرد الذوبان في النظام القائم مع القبول ببعض الاصلاحات الهامشية. لكن تلك القوى السياسية الليبية قبلت بـ "الاصلاح" مقابل ان.. او.. طمعاً في.. ان يغير النظام من مسيرته الارهابية، عن طريق انقلاب ذاتي يقوم به النظام على نفسه بنفسه، او عبر اسقاط جزئي لبعض مؤسسات النظام الامنية، كاللجان الثورية ودعاة العنف داخل النظام، وتنحية بعض قياداته ورجاله واعوانه والغاء القوانين المجحفة، وفتح هامش من الحريات تستطيع هذه القوى التي تنادي بالاصلاح المشاركة والمساهمة - من خلال هذا الهامش - في اعادة بناء ليبيا في الجوانب التعليمية والصحية والاجتماعية، مع هامش اخر من الحريات السياسية، بالاضافة الى اعادة العمل بالدستور.  وقد رأت، القوى التي تتبنى الاصلاح، ان النظام نفسه يحتاج الى مثل هذا الانقلاب الداخلي، نظراً للمتغيرات على الساحة الدولية، تلك المتغيرات التي وصلت حرارتها.. وكما راينا.. الى قلب طرابلس. 

 

كان دعاة الاصلاح جادين ومخلصين وصادقين في نواياهم وطموحاتهم ومطالبهم. وكان النظام ايضاً يريد الاصلاح، لكنه لم يكن نفس "الاصلاح" الذي طالبت به القوى السياسية الليبية، هذا من جهة، ومن جهة اخرى، لم يكن النظام صادقاً في نواياه تجاه الاصلاح، فقد كان يريده اصلاحاً "حكومياُ" لا يخرج من قبضته، يستخدمه كورقة اعلامية يخاطب بها الخارج اكثر مما يخاطب بها الداخل.  لقد كان يريده "واجهة" فقط . فالاصلاح (السلمي) خارج قبضة الدولة، هو في الواقع "مقاومة"

 

و"معارضة" و "نضال" و "رفض"، لا يمكن ان تقبل به الدولة اصلاُ . ودعاة الاصلاح يدركون ذلك جيداً، فهم على قدر من الحنكة والذكاء والخبرة، التي تؤهلهم لادراك ما هو اعقد وادق من ذلك.

 

ولو استجاب النظام، بصدق، الى مطالب دعاة الاصلاح، لنجح في تحقيق الاستقرار السياسي (النسبي) في ليبيا، الذي سترضي به كتلة لا باس بها من القوى السياسية الليبية بصفة خاصة،ومن الشعب الليبي بصفة عامة، كما سيرضى به الغرب ايضاً، مما يحقق، بعض مطالب وطموحات النظام. لكن النظام اختار غير ذلك، بل ان ممارسات النظام مؤخراً، من قبض وبطش وتنكيل، تدل، وللاسف، على تراجع النظام حتى عن بقايا الاصلاح " الواجهة".

 

وكما ان لدعاة الاصلاح، وجهة نظرهم التي يجب ان يحترمها ويقدرها الجميع ( ولا يعني قبولها او رفضها) فان لدعاة "الاسقاط" و"التنحي" و"الرحيل"، وجهة نظرهم، التي يجب ايضاً ان تُحترم وتُقدر من الجميع، دون المساس بالطبع، بثوابت الامة ودون تدخل قوى غير ليبية تشارك في هذا الامر بوسائل غير سلمية. فالذي لا يستطيع ان يحرر نفسه بنفسه، لا يستحق اصلاً ان يكون حراً. ناهيك عن ان هذا الامر، اي تدخل قوى غير ليبية، يمثل في الواقع، انتقال من استعباد الى استعباد اخر.

 

وعلى القوى السياسية الليبية المعارضة، بمختلف توجهاتها ووسائلها وتطلعاتها، ان لا تسمح للنظام باستغلال هذا الاختلاف في وجهات النظر والوسائل بينها، فالنظام سعى وسيسعى جاهداً الى تحويل هذا " التباين" الى "جدل" و"فتنة" و"عداوة" و"صراع"، ونحن جميعنا، ابناء ليبيا، يريد كل منا ان ينقذها بما يراه مناسباً لفكره ووسائله وامكانياته.. دون.. مرة اخرى.ز المساس بقيم وعقائد وثوابت الامة.     

 

وعودة الى موضوع البديل..  ندرك مما سبق.. وبوضوح..

 

انه لا يوجد من القوى السياسية او من التنظيمات الليبية افراداً او جماعات، من نادى ببقاء النظام الحالي "كما هو"، دون تغيير او اصلاح او اسقاط،، مع اعتبار هدف الاسقاط، وبدون شك، امنية وامل وطموح تتمناه ليبيا ويتمناه الليبيون. وهذا، في حد ذاته، اتفاق رئيسي عام على عدم قبول النظام.

 

اما الاتفاقات الرئيسية الاخرى بين القوى السياسية الليبية، منظمات وافراد وجماهير، فيتمثل في ان البديل الذي قد يحقق الاستقرار السياسي في ليبيا، يجب ان يتركز حول اقامة دولة تستند على  "دستور" عصري دائم يفصل بين السلطات الثلاثة "التشريعية" و"التنفيذية" و"القضائية"، على ان تكون هذه الدولة، دولة مؤسسات، تعمل على تأسيس وبناء واقامة وطن مستقل يتمتع بالسيادة الوطنية والوحدة الوطنية ويحافظ عليهما. ويكفل هذا البديل، بجانب ذلك، العدل والمساواة والامن والامان

 والرخاء ويرفض ويحارب التعصب "القبلي" و"الجهوي" و"العرقي".

 

ويجب ان يستوعب بديل "ما بعد الثورة"،  كما رأينا عبر دراسة مفاهيم ومبادىء ومنطلقات القوى السياسية الليبية جميعها وبدون استثناء، وكما جاء في ادبياتها ومطبوعاتها ومنشوراتها وبياناتها التاسيسة وغير التأسيسة، يجب ان يستوعب، هذا البديل، مبدأ "التعددية السياسية" وحق وحرية "العمل السياسي" كحرية تأسيس وتكوين الجماعات والاحزاب والتنظيمات السياسية والثقافية والاجتماعية، بالاضافة الى بناء وحماية "مؤسسات سياسية" تضمن تبادل السلطة تبادلاً سلمياً عن طريق الانتخابات الحرة، مع ضمان حريات الانسان الاساسية من جميع جوانبها بما في ذلك ضمان وحماية الحقوق والحريات العامة كحرية الصحافة وحرية النشر وحرية الرأي والتعبير بالكلمة المسموعة والمكتوبة.

 

كما يجب ان يهتم البديل القادم اهتماماً خاصاً بالجماهير، فقد رأينا، ان اغلب التنظيمات والجماعات والافراد، قد اتفقت على اقحام الجماهير في برنامج الدولة السياسي بشكل او اخر، مع  بعض التفاوت بين هذه التنظيمات، كل حسب منهجه ووجهته ومدرسته، فدعت بعض القوى السياسية الى "التربية العامة" ودعا غيرهم الى بث "الوعي السياسي" ودعا اخرون الى "الوعي السياسي الثوري" ودعا البعض الاخر الى دعم "التيارات الوطنية الديمقراطية" ودعا اخرون الى "الوعي الجهادي" وبعضهم الى دعم "الاتحادات والنقابات والتجمعات" والى "تربية الجنود والطلبة تربية وطنية" والى دعم "الحوار الديمقراطي"، والى غير ذلك من صيغ واشكال والفاظ  ومصطلحات تتحدث اغلبها عن "التعامل مع الجماهير" واقحامها في الدولة الجديدة.

 

وبيت القصيد هنا، ان البديل القادم يجب ان يُصيغ دوراً للجماهير، سوى لها او عليها، فيجب ان يكون للجماهير موقع قدم في تأسيس او بناء او ادارة دولة ما بعد "الثورة"، على ان يكون هذا الدور نابع من "ارادة الجماهير" لا ان تدفع اليه فوق ارادتها.

 

اما خارج دائرة ليبيا..

 

فيجب ان يتميز "بديل ما بعد الثورة" ببناء علاقات متينة مع العالم العربي والاسلامي والعالمي، وقد عبرت التنظيمات والقوى السياسية  الليبية، عن ذلك، كل حسب طريقته واساليبه ومفردات خطابه.  فلابد، اذاً، ان يبني البديل القادم علاقات دولية على اساس المسالمة والمودة والمساواة والتحرر من التبعية العسكرية والسياسية والاقتصادية، مع تبادل المصالح المشروعة واحترام المواثيق الدولية ودعم السلام العالمي واحترام حق الشعوب في تقرير مصائرها، وانهاء الوجود الاجنبي بمختلف

صيغه واشكاله الثقافية والاقتصادية والعسكرية، ودعم هذا "الانهاء"، ليس في ليبيا فقط،، بل وفي العالم باجمعه، فالاحتلال والعنف والتدخل العسكري امور ممقوتة،مكروهة، منبوذة، لانها نقيض للامن والاستقرار والامان.  

 

كما احتلت قضية "فلسطين" اهتماماً خاصاً من جميع القوى السياسية الليبية بدون استثناء تقريباً، واعتبرتها قضية رئيسية حساسة، وقد تناولتها مختلف القوى السياسية حسب منطلقات ووجهة نظر كل منها، فبديل ما بعد الثورة لابد ان يخصص، اذا، حيزاً سياسياً واجتماعياً وثقافياً واقتصادياً مناسباً لهذه القضية الحساسة.                

  

كما يجب ان يكون البديل السياسي القادم بديل..

 

 يوقر كتاب الله والانبياء صلوات الله عليهم اجمعين، والصحابة الكرام رضوان الله عليهم اجمعين، وائمة المذاهب والعلماء والشيوخ، ويحترم عقيدة الناس ولا يخوض فيها ولا يستهزيء بها او بمقدسات المسلمين، فان عبدة الابقار يغضبون على من يهين ابقارهم، فما بالك بمن يستهزيء بالقرآن الكريم او بالبسملة او بدين الرحمة او بالانبياء الكرام او بالاحاديث الشريفة او بالصحابة الكرام او العلماء الاجلاء او بشعيرة من شعائر الاسلام او بالحجاب او الصيام او باي ركن من اركان الاسلام واصول الدين وفروعه، وهي جميعها قيم ومقدسات وشعائر لها في قلوب المؤمنين قدسية ومكانة ومحبة وتقدير.

 

 وبديل يوفر، للمواطن، الامن والامان. فتكون مؤسسات الامن في خدمة المواطن لا في خدمة النظام. وبديل يحترم القوات المسلحة ويحترم دورها ويصلح من وضعها ويجعلها اداة  لحماية الجماهير لا اداة لقمعها.   

 

وبديل يحفظ للانسان في ليبيا قيمته ومكانته وكرامته، تلك القيمة التي استمدها من قيوم السموات والارض بقوله تعالى "ولقد كرمنا بني آدم وحملناهم في البر والبحر ورزقناهم من الطيبات وفضلناهم على كثير ممن خلقنا تفضيلاً.. الاسراء/70 " . فقيمة الانسان وكرامته ليست منة من احد، بل  هبة من الله سبحانه وتعالى . وهي حق من حقوق كل مواطن، فيجب ان يحرص البديل القادم على ان تكون قيمة الانسان في بلادنا مقدمة على سيادة الدولة، فما وجدت سيادة الدولة الا لحماية الانسان وحفظ كرامته وضمان حرياته، فلا وطن بلا انسان، بل ان قيمة المؤمن عند الله سبحانه وتعالى اعظم من الكعبة نفسها، كما ورد عن المصطفى صلى الله عليه وسلم.

 

وبديل سياسي يقدر مبدعي البلاد ومثقفيها وكتابها وادبائها واساتذتها ومدرسيها وطلبتها ويقدر الاطباء والمهندسين والمتعلمين والنخب بصفة عامة، بل يفتح الطريق لابداع المبدعين وانتاج المنتجين في اي مجال من مجالات البناء المادي او المعنوي. ولا يمسخ او يطمس الانسان في ليبيا، بل يدعو الناس باسمائهم لا بارقامهم او مناصبهم او وظائفهم.    

 

وبديل سياسي يمارس العنف (ان كان لابد من ذلك) ضد اعداء الامة، لا ضد الشعب، فيوجه رصاصه وحرابه وحبال مشانقه الى اعداء الامة واعداء الليبيين، لا الى صدور المسلمين ورقابهم تحت مختلف المصطلحات والتهم والمفردات، فجميعنا ابناء ليبيا وجميعنا نحب ليبيا، ولا احد من النظام او اعوانه يزايد على احد بذلك.

 

وبديل يكون فيه امن وحرية وكرامة المسلم مقدمة على غيره من منتسبي الملل والامم والنحل الاخرى، فلا يقبع المسلمون في المعتقلات والسجون بينما يسير الملحدون والكفار في بلادنا مرفوعي الجبين اعزاءا احرارا يتمتعون ببلادنا وبشمسها وهوائها وشواطئها. ويكون بالتالي بديل، يحشر في سجونه اعداء البلاد والجواسيس لا ابناء البلاد ومواطنيه.

 

وبديل سياسي يسخر ثروة البلاد لخدمة البلاد، لا خدمة بلدان الغير. ويتبنى سياسة اقتصادية وطنية مستقلة متحررة من الهيمنة الاجنبية.  ويصنع توازنا بين مصادر الدخل مع التركيزعلى الزراعة والصناعة والتقنية، كبديل للثروة النفطية. ويحقق، فوق كل ذلك، التكافل الاجتماعي ويحافظ على العلاقات الاجتماعية العادلة. وبديل.. ايضاً.. يكون النظام فيه، في خدمة الاقتصاد، لا ان يكون الاقتصاد في خدمة النظام.

 

وبديل سياسي يجاري التعليم فيه العصر شكلاً ومضموناً، من القلم والدفتر الى اعلى انماط واشكال التقنية العلمية الحديثة المعاصرة. 

 

وبديل سياسي يكون فيه الدستور جسراً يربط بين النظام وقيم الامة، فيجب ان توافق روح الدستور، عقيدة وارادة وطموح وتراث وتاريخ وقيم واعراف وتقاليد الامة. لا ان يكون الدستور هوة تفرق

 

وتباعد بين النظام والشعب. فارادة الشعوب وارادة الانظمة متناقضتان في بلادنا، يسير كل منها في وجهة تخالف الاخرى، لانها دساتير وقوانين تخالف عقيدة المسلمين وقيمهم وتراثهم وارادتهم وطموحاتهم، فلابد ان يوافق دستور البديل القادم عقيدة ومبادىء وطموحات وقيم واهداف المسلمين في ليبيا. والا فانه لا يمكن تحقيق الاستقرار والحرية والامن والامان والسلام. ولا نريد لاجيالنا القادمة ان تمر بما نمر به، من جراء تهميشنا وتهميش قيمنا ومعتقداتنا وديننا. والله ولي التوفيق.

 

_________________________________________________________

* نُشر محتوى هذا المقال تحت عنوان "ملامح البديل ودولة ما بعد الثورة"، واعيد نشره مع اضافات تطلبتها المرحلة. والله المستعان على امره.

 

د. فتحي الفاضلي

_____________

للاتصال بالكاتب

[email protected]

لزيارة موقع الكاتب

www.fathifadhli.info

  

 

[email protected]

 

إن جميع المقالات التي تنشر في هذا الموقع تعبر عن رأي أصحابها فقط، ولا تعبر بالضرورة عن رأي إدارة الموقع