03/03/2006


 

 

المحامى: الشارف الغريانى
 

معايير حرية الرأي والتعبير


كلمة,, حوار,, نقاش,,مجادلة,,مناظرة,,رأى ورأى أخر..محاكاة,,منذ إن خلق الله البشر واستعمرهم في الأرض والى أن يرثها المولى عزوجل..فهذه سنة البشر.. الإنسان في قديم الزمان مرت به ظروف وأحوال من خلالها حاول التعبير عن ذاته بشتى الصور..في الحضارات الإنسانية المنقرضة,, ظهرت على السطح أشكالا متنوعة  من المناقشات حتى سمى بعضها بالمناقشة ألبيزنطيه أو السفسطائية أو الأفلاطونية.. إلى غيرها من المسميات المنسوبة لشعوب تلك الحقب التاريخية..وظهرت مناظرات  كلامية في شتى أنواع المنطق في الوجود والعدم في الخلق في الدنيا والآخرة..في العقاب والجزاء,,وفى كافة مجالات العلوم الإنسانية والفلكية الكونية.. وخضعت  كلها آنذاك لتقاليد وأعراف تحكمت فيها الطائفية وتحكم فيها رجال الدين  في الكنائس  في العصور القديمة والوسطى.. وتعرض الكثير من أصحاب الفكر اوالرأى الغير مرغوب فيه آنذاك للقتل بأبشع الطرق.. حرقا وشنقا ورميا من أعلى الأماكن آنذاك..


ونتيجة لتراكمات زمنية فكرية استمرت تلك الأفكار تحت السيطرة والتأويل..فى نفس تلك الأزمنة كانت للآراء والأفكار مكانة مقدسة ورفيعة عند شعوب آمنت فعلا بحرية الكلمة والرأي بالرغم من جاهلية تلك العصور وما المعلقات الشعرية الشهيرة إلا دليلا على احترام الفكر والكلمة والتعبير الصادق الشفاف وإلا لما بقيت تلك المعلقات حتى يومنا هذا مدار حديث ودراسات أدبية متعمقة.. وفى المقابل اكتوت شعوب أخرى بحروب أهلية وكونية طاحنة نتيجة الاختلاف فى وجهات الرأي.


وكان لنا السبق فى احترام حرية الرأي والكلمة وحرية التعبير,, ديننا الحنيف بموجب كتاب الله الكريم وبتوجيهات رسول البشرية محمد صلى الله عليه وسلم.. تعلمنا من خلاله كيفية احترام الكلمة والعهد والوعد والأمانة والصدق.. كل هذه المعاني  الكريمة تنبع من حرية الرأي والتعبير,, بالتالي تعلمنا كيفية احترام الرأي الأخر ولو كان مخالفا لنا,, ولا أريد هنا الخوض فى الأمثلة وهى لاتعد ولا تحصى.. بالعودة إلى كتاب الله عزوجل سنجد الكثير من أمثلة الحوار والمجادلة والمناقشة دون إقصاء أو تجنى على احد.. فالمولى عزوجل وهو الخالق البارئ المصور جل جلاله,, حاور وناقش الملائكة  فى خلق الإنسان وجعله خليفة فى الأرض وكيف كان جواب الملائكة المتأدب الخلوق.. الذي نجد فيه روح الأمن والأمان والخوف من عواقب الأمور..بشكل استفسار فى كيفية جعل الإنسان خليفة وهو الذى سيسفك الدماء ويعيث فى الأرض فسادا..وكان الجواب عملي بان تمت المقارنة بين الملائكة وادم عليه السلام حيث تفوق ادم فى الاختبار وكان تأكيد المولى عزوجل بأنه هو العليم الخبير..وكان فى نفس المكان حوار أخر بين المولى عزوجل وإبليس الذي حاور وتعنت فى حواره حتى وصل به الأمر الى تحدى المولى عزوجل.. بالرغم من هذا التطاول  والغلظة فى الحديث إلا أن المولى عزوجل أمهل إبليس  ومن يتبعه من الغاويين الى يوم الدين ولم يتم القضاء عليه فى حينه..و هناك فى القرآن الكثير من الأدلة القاطعة التى تبيح المجادلة والحوار والنقاش.. فجميع الأنبياء والرسل كانت لهم مناقشات ومناظرات مع أقوامهم اختلفت فى حدتها سلبا وإيجابا.. وفى الختام كلا يعمل بما يراه مناسبا:" لكم دينكم ولى دين" الاية 6  الكافرون:" لااكراه فى الدين:البقرة-256" ولنا فى نبينا الكريم صلى الله عليه وسلم خير مثال..ثلاثة وعشرون سنة يناضل بالكلمة والحوار الهادئ الهادف وكان يدعو لقومه بالصلاح والهداية حتى فى أحلك الأوقات وأصعب المحن  التي أوذى فيها وطرد من بلدته وعاد إليها بعد أن نصره الله ولم يتجبر على قومه فكان المثال الانسانى الخالد خلود هذا الدين الحنيف وخلود ذكراه الطيبة صلى الله عليه وسلم.. فماكان جوابه لقومه عندما جادلوه عن مصيرهم وهو المنتصر.". ان لاتثريب عليكم اذهبوا فانتم الطلقاء", لأنه علمه شديد القوى بان يجادل الناس بالتي هي أحسن,,وهذه هو منوالنا من بعده صلى الله عليه وسلم.


ولكن بشرية هذا العصر لم تعي هذا الدرس جيدا.. بل اختلفت المعايير التى تقاس بها حرية الرأي والتعبير كلا وحسب سلطانه وقوته  وجبروته,, ولكل جعل لحرية الكلمة والتعبير مقاس معين ومحدد لايكون لغيره,,وبعد الحروب الكونية التي راحت ضحيتها الملايين من الأرواح البشرية فى غرب الأرض وشرقها.. تنادت الدول المنتصرة فى تلك الحروب لتضع قواعد ومعايير تحمى الحريات وحقوق الإنسان.. وهنا أشير الى هذه المبادرة البشرية التى انطلقت بعيد تلك الحروب  فكانت المواثيق والعهود الدولية والاتفاقيات الجماعية والثنائية والتى فى مجملها تنادى بحماية الإنسان فى حريته  وكرامته وحقوقه المتنوعة.. وفى لمسة واقعية لنظرة مستقبلية تم التطرق لحماية-- الحق فى حرية الفكر والوجدان والدين ويشمل ذلك حرية الإنسان فى أن يدين بدين ما وحريته فى اعتناق  اى دين او معتقد يختاره وحريته فى إظهار دينه  ومعتقده بالتعبد وإقامة الشعائر والممارسة والتعليم بمفرده أو مع جماعة وأمام الملأ أو على حده..ولايجوز تعريض احد لإكراه من شأنه أن يخل  بحريته فى أن يدين بدين ما أو بحريته فى اعتناق اى دين أو معتقد يختاره.. كما لايجوز إخضاع حرية الإنسان  فى إظهار دينه أو معتقده إلا للقيود التى يفرضها القانون والتى تكون ضرورية لحماية السلامة العامة أو النظام العام أو الصحة العامة أو الآداب العامة أو حقوق الآخرين وحرياتهم الأساسية.. وفى هذا السياق تتعهد الدول الأطراف فى هذا العهد باحترام حرية الآباء أو الأوصياء عند وجودهم فى تأمين تربية أولادهم دينيا وخلقيا وفقا لقناعاتهم الخاصة. وليس هذا فحسب بل تطرق هذه العهد والميثاق إلا انه لكل إنسان الحق فى اعتناق أراء دون مضايقة..وحقه فى حرية التعبير ويشمل هذا الحق حريته فى التماس مختلف ضروب المعلومات والأفكار وتلقيها ونقلها الى الآخرين دونما اعتبار للحدود سواء على شكل مكتوب أو مطبوع أو فى قالب فني أو أية وسيلة أخرى يختارها,, وتستتبع ممارسة الحقوق المنصوص عليها فى الفقرة2 من هذه المادة واجبات ومسئوليات خاصة,, وعلى ذلك يجوز إخضاعها لبعض القيود ولكن شريطة ان تكون محددة بنص القانون وان تكون ضرورية لاحترام حقوق الآخرين أو سمعتهم وكذلك لحماية الأمن القومي أو النظام العام أو الصحة العامة أو الآداب العامة,,وجاء فى هذا العهد الدولي أيضا بان يتم الحظر بالقانون أية دعوة إلى الكراهية القومية أو العنصرية أو الدينية تشكل تحريضا على التمييز أو العداوة أو العنف.—يراجع فى ذلك المواد18-19-20فقرة 2 ,من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية المؤرخ فى 16/12/1966 .


ووفقا للمعايير والأعراف الدولية المعمول بها فى منظمة الأمم المتحدة وملحقاتها فانه يتم التصديق على مثل هذه العهود والمواثيق من قبل الدول الأعضاء ومن ثم على تلك الدول أن تضمن قوانينها المحلية ما يضمن تطبيق مواد تلك العهود والمواثيق الدولية وبالتالي العمل على تطبيقها حماية للحريات العامة وحقوق الإنسان,,وان كافة الدول الأعضاء بمافيها الدول الأوربية وهى المعنية هنا فى بحثنا هذا,,قد وقعت على تلك المواثيق والعهود وان مجمل قوانينها قد اشتملت على تلك المواد الإنسانية.. وهنا ندخل فى صميم  موضوعنا المتعلق بالمعايير التي يتم تطبيقها بين الحين والأخر ومدى ملائمتها لروح تلك العهود والمواثيق الدولية,,ونأتي ببعض الأمثلة التى تبين ازدواجية هذه المعايير لدى الدول الغربية فى التعامل مع هكذا عهود ومواثيق دولية متعلقة بحرية الرأى والتعبير..


بعد الحرب العالمية الثانية قامت عدة دول اوربية بالنص فى قوانينها الداخلية على منع التشكيك فيما يسمى بالمحرقة اليهودية او التشكيك حتى فى عدد ضحاياها على يد النازيين,,وتطبيقا لذلك وعلى سبيل المثال لا الحصر محاكمة المؤرخ البريطانى" ديفيد ايرفينغ" لتشكيكه فى المحرقة وفى عدد ضحاياها المعروفة" بالهولوكوست" هذه المحاكمة التى تمت فى النمسا باعتبارها من اول الدول التى نصت على تجريم مثل هذه الأعمال.. حيث تم الحكم عليه بالسجن ثلاث سنوات. وبالتالى يتبين من هذا الحكم بان حرية الرأى والتعبير فى ارويا غير مطلقة بل هى مقيدة بما يتمشى مع مصالحها..وفى هذا الشأن أصدرت الأمم المتحدة قرارا دوليا يمنع التطرق لهذه المحرقة" الهولوكوست" .


هناك ايضا قوانين تمنع التعرض  لرموز الفاتيكان من قساوسة او باباوات.. وبالتالى لايتجرأ احد على مجرد الإشارة بما يسئ اليهم..فى نفس الوقت وفرت الحماية  لصاحب كتاب" آيات شيطانية"" للمدعو" سلمان رشدى" الذي استقبل فى احدى الدول الغربية استقبال الوزراء المكرمين المحترمين لا لشئ إلا لأنه تعرض لكتاب الله عزوجل وتعرض للدين الاسلامى الحنيف..


بالإضافة الى ان بعض الدول الغربية ووفقا لنصوص دساتيرها تمنع التعرض للملوك او العائلات المالكة فيها,  ولكن عندما يتعلق الأمر بالإسلام وبرموزنا المقدسة فان لحرية الرأى والتعبير قدسية لايمكن تقييدها او الحد منها,, وخير مثال تلك الرسوم المسيئة لرسولنا محمد صلى الله عليه وسلم..فلا الدنمرك اعتذرت ولا الاتحاد الاوربى وقف على الحياد على الأقل بل نادى العديد من أعضائه الى الوقوف الى جانب الدنمرك والعمل على الحد من خسائرها المادية حتى حاول بعضهم التحايل على العالم بان يتم تصدير البضائع الدنمركية على أساس انها منتجات الاتحاد الاوربى..حتى تتمكن من تجاوز هذه المحنة الاقتصادية التى تمر بها بسبب مقاطعة منتجاتها.. ومنهم من حاول اتهام الشعوب الإسلامية الغاضبة بانها غير ديمقراطية وبأنها ضد حرية الرأى والتعبير.. ولايسعنا هنا الا العودة الى العهد الدولي الذى اعد من قبل تلك الدول الغربية التى هى ألان غير ملتزمة بنصوصه,, ويكفينا فقط فى هذا المقام نص المادة20 فقرة 2 التى ألزمت كافة الدول التى وقعت على هذا العهد بان تصدر قوانين تحظر أية دعوة الى الكراهية القومية أو العنصرية أو الدينية والتى تشكل تحرضا على التمييز أو العداوة أو العنف,,وهذا ماحدث فعلا بعد نشر تلك الصور التى أثارت فعلا روح الكراهية والعنصرية والعداوة والعنف,,وذلك بدعوى حرية الرأى والتعبير,, اية حرية تلك التى تمس عقيدة إنسانية خيرة يعتنقها اكثر من مليار مسلم؟؟الايمكن تطبيق هذا النص على تلك الدول التى ساهمت فى اشتعال نار الكراهية والعداوة وألهبت مشاعر الملايين التى خرجت غاضبة فى أعمال عنف غير مسبوقة؟؟وهل هناك من يتبجح بحرية الرأي والتعبير بهكذا تصرف مسئ ومشين لم يحترم حقوق الآخرين او سمعتهم وتطاول على النظام العام والآداب العامة.. كما هو مبين فى المادة19 من العهد المذكور أعلاه,,  وبالتالي كانت دعوتنا الى المجتمع الدولي بضرورة إصدار تشريع دولي يمنع التعرض للأديان عامة على غرار القرار الدولي المتعلق بالهولوكوست وان يتم التعجيل بإنشاء  مجلس جديد لحقوق الإنسان للتصدي لمحاولات التشويه الديني كما هو مبين فى مقالنا بالخصوص الذى نشر على الصفحات الليبية فيما سبق,, وذلك حتى نجنب البشرية الوقوع فى ويلات الفتن الدينية التى سوف تأتى على الأخضر واليابس فى ثورة شاملة تعم المعمورة لإحقاق الحق والدفاع عن معتقداتنا الثابتة التى حبانا بها المولى عزوجل على يد رسول الهدى للعالمين صلى الله عليه وسلم.


وبمناسبة الحديث عن المعايير المزدوجة لدى الدول الغربية فى تعاملها مع من يعيش فيها  من الجاليات والأقليات المتنوعة بتنوع جنسياتها المختلفة والمتواجدة على أراضيها كلا وحسب ظروفه الذاتية: لاجئين سياسيين عمال وتجار ودارسين او مهاجرين  سعيا وراء لقمة العيش.. وهذه الجاليات او الأقليات لها خصوصياتها ومعتقداتها ودياناتها وبالتالي تقاليدها وأعرافها.. ولهذه العوامل المتنوعة   ,, افرد العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية المادة18 للتحدث عن هذه الحقوق الواجب احترامها من طرف الدول الموقعة على هذا العهد والتى سبق الإشارة إليها أعلاه فى الفقرات السابقة.. ويهمنا هنا التنويه الى ان بعض الدول الغربية بدأت تمارس ضغوطا على الجاليات المسلمة بالذات  وتحديدا بعد أحداث سبتمبر,, فى فرض بعض القيود على الزى المحتشم للمسلمات ومحاولة العمل على إجبارهن على نزع حجابهن الذى يعتبر من أساسيات الدين الاسلامى الحنيف المنصوص عليها صراحة فى القرآن الكريم..بل تعدت تلك الضغوط  حتى على حرية التجمع فى المساجد لأداء الصلاة الجماعية أو لإلقاء الدروس الدينية العقائدية بحجة المراقبة والتحوط من الأعمال الإرهابية التى قد تكون تلك المساجد  مصدرا لهذه الأعمال.. ومن جانب اخر تتدخل بعض القوانين فى بعض البلدان الغربية فى حرية تربية الآباء لأبنائهم وفقا لتقاليدهم وأعرافهم وديانتهم.. بشكل يجعل الأولاد أكثر سهولة للتمرد على الآباء وبالتالي يسهل صهرهم فى تلك المجتمعات الغربية بعيدا عن مراقبة الاباء لهم من الناحية الأخلاقية والدينية..حيث يجبر الأولاد عند بلوغهم للسن الثامنة عشر على ترك بيت الأسرة والاستقلال فى سكن خاص او عام  بعيدا عن أسرته,, وفى هذه دعوة صريحة لانحلال هذا الجيل من الأبناء وابتعاده عن أخلاقه ودينه وعاداته وتقاليده لابل وصل الأمر الى تحريض النساء والفتيات على التقدم بشكواهم ضد الأزواج والآباء حتى تتمكن السلطات المعنية من توفير السكن المستقل الخاص بالنساء والفتيات.. وفى هذا اكبر مفسدة يواجهها المسلمون حاليا فى الدول الغربية..


ومن هنا أتوجه ايضا الى كافة المراكز  والجمعيات والتنظيمات الإسلامية والإنسانية الى ضرورة الانتباه الى هذه الظواهر الخطيرة والعمل على مناقشتها على أعلى المستويات تجنبا لضياع أجيال قد نندم عليها فى وقت لاينفع فيه الندم.


والله من وراء القصد.. أعاننا الله  على العمل لمافيه خير الأمة,, وجعل اعمالننا خالصة لوجهه الكريم .


المحامى


الشارف الغريانى
 


 أرسيف الكاتب


 

جميع المقالات والأراء التي تنشر في هذا الموقع تعبر عن رأي أصحابها فقط، ولا تعبر بالضرورة عن رأي إدارة الموقع >>>> ليبيا المستقبل منبر حر لكل من يطمح ويسعى لغد أفضل لليبيا الحبيبة

 

[email protected]