02/05/2007

      


 
 
ضربة إمعلم
 
بقلم: محمد بن حميدة
 
(إعادة نشر)

 
" بحيلة بارعة استطاعت المخابرات المصرية ان توقع بدكتاتور ليبيا معمر القذافي ".
" المصريون يفضحون القذافي كآمر لجريمة قتل امام العالم ".
" القذافي يتذوق طعم المصيدة ".
 

 

هكذا أو قريبا من هذه الجمل وصفت الصحافة العالمية ما حدث يوم 17 نوفمبر من عام 1984 في القاهرة. الكثير من القراء يتذكر تلك الفضيحة، مئات الملايين من البشر شاهدها على شاشات التلفزيون. ولكن حتما هناك من لم يشاهدها، او يسمع عنها من الليبيين نظرا لصغر سنه عند وقوعها، وحتما من بين هولاء- ولو أنهم قلة- من يتولى الآن مهام تسويق النظام ، فلهم جميعا هذه القصة.
 
تحصلت المخابرات المصرية في أحد الأيام على معلومات من عناصرها داخل ليبيا، تفيد بأن المخابرات الليبية تخطط لإغتيال السيد عبدالحميد البكوش (1) أحد رؤساء الوزراء السابقين في عهد الملك ادريس السنوسي، وذلك تنفيذا للنداء الذي كان قد وجهه معمرالقذافي بإحدى جلسات مؤتمر الشعب العام في منتصف اكتوبر من عام 1984 بتصفية " الكلب الضال عبدالحميد البكوش وأمثاله" على حد المفردات المعتادة لقائد "المدينة الفاضلة" و"الفردوس الأرضي".
 
ولتنفيذ هذه المهمة، وبتكليف من معمرالقذافي مباشرة، تفاوض مندوبه بالعاصمة المالطية (فاليتا) علي محمد ناجم مع كل من البريطانيين أنتوني وليام جيل (48 سنة تاجر قطع غيار سيارات وغارق الى أدنيه في الديون) وشريكه جودفري تشاينر(47 سنة)، والمالطيين روميو نيكولاوس تشكامباري – صاحب خمارة-(42 سنة)، وادجار كاسيا- نصاب مشهور في فاليتا (40 سنة)، ووصل الى اتفاق معهم على تصفية السيد عبدالحميد البكوش والذي كان مقيما بالقاهرة هربا من القمع، مقابل خمسة مليون دولار. كذلك تم الإتفاق على الإستعانة بمحترفين مصريين في حالة الضرورة.
 

 

لم تكن علاقة الليبيين بالبريطانيين جديدة. فلقد تمكن تشاينر بطائرته الخاصة، في شهر يناير من نفس العام من تهريب محمد الشبلي -أحد أعوان معمر القذافي- من بريطانيا، هاربا من إحدى المحاكم والذي كان يجب ان يمتثل أمامها بتهمة حيازة المخدرات وتهم أخرى. أما البريطاني الآخر جيل فلقد إجتمع مع الإرهابي العالمي كارلوس بطرابلس عدة مرات للتنسيق معه لتصفية عدد من المعارضين الليبيين بالخارج.
 
بدأت العملية عندما وصل "فريق الإغتيالات أو كما أسماها الأعلام الجماهيري، إحدى المفارز الثورية" الى القاهرة، حيث كانت المخابرات المصرية في إنتظارهم. وبسرعة نجحت في إحتوائهم وذلك بتسريب عناصرها داخل الفرقة، والثي تمكنت بدورها بإقناع قائد الفرقة البريطاني جيل بقدرتها الفائقة بتنفيذ اي مهمة إجرامية. وحدد موعد تنفيذ الجريمة. وكانت الإتصالات الهاتفية ساخنة بين الفريق الضالع في تنفيذ الجريمة: البريطاني جيل وناجم والقذافي وأعضاء غرفة العمليات التابع لمكتب الإتصال باللجان الثورية بطرابلس(2)، وكانت المخابرات المصرية وشركائها على علم بكل كبيرة وصغيرة.
 

 

وفي يوم 16 نوفمبر وهو اليوم الذي حدد لتنفيذ الجريمة، نقلت عناصر المخابرات المصرية السيد عبدالحميد البكوش الى مقابر الغفير بشرق القاهرة، وقام "استوديو مصر" المختص في مكياج ممثلي وممثلات السينما المصرية بتنفيذ عمله، حبث لوثت ملابس السيد عبدالحميد البكوش ووجهه بالدماء بإستخدام أكياس الدم، وتم توسيع حدقات عيني "الضحية" باستعمال قطرات البيلادونا (أتروبين). ثم التقطت صورة له والتي يبدو فيها وكأن السيد عبدالحميد البكوش جثة هامدة.
 
نقل "المتعاونون" الصورة الى فرقة الإغتيالات، إلا أنهم أصروا على معاينة الجثة. وفي مفابر الغفير تأكدوا من أن الصورة تطابق الأصل، فدفع قائد المجموعة البريطاني جيل لكل متعاون مبلغ 30 ألف دولار،على أن يدفع باقي المبلغ المتفق عليه في ما بعد. وفي اللحظات الحاسمة قبيل ردم "الجثة" كانت الصفاد تحيط بمعاصمهم، حينها عرفوا بأنهم وقعوا في المصيدة التي لا مفر منها.
 
بعدها مباشرة أستقل أحد ضباط المخابرات المصرية الطائرة متجها الى العاصمة المالطية فاليتا، وفي جيب سترته دليل التصفية. وهناك سلم الصورة الى مندوب القذافي علي ناجم بعد أن حوَل الأخير بتعليمات من البريطاني المعتقل جيل المبلغ المتبقي وهو اربعة ملايين ونصف مليون دولار الى حسابه. بعد إنتهاء مراسم التسلم والتسليم استقل ناجم طائرة خاصة متجها الى جزيرة كريت حيث كان القذافي في زيارة رسمية لليونان.

 

 

 
وعند وصوله هناك كان معمر القذافي يهم بتناول طعام الغذاء مع الرئيس الفرنسي الراحل ميتران ورئيس الوزراء اليوناني الراحل باباأندريو. وكان ينتظر الصورة الموعودة بفارغ الصبر. وقد لاحظ من كان معه على المائدة المستديرة إنفراج أساريره فجأة عندما دخل عليهم مندوبه علي ناجم، حيث ناوله ظرف كان يحمله معه. ووازدادت اساريره انفراجا وهو يلقي نظرة على محتوياته.
 
لم يحتفظ القذافي بالصورة، وانما قام بإرجاعها الى مندوبه ناجم بعد أن همس له ببعض الكلمات. وأختفى المندوب فجأة كما وصل، لتجد الصورة طريقها بواسطة طائرة خاصة الى مكتب الإتصال باللجان الثورية تم الى مبنى الإذاعة والتلفزيون بطرابلس، "لتبشر" العالم بإحدى إنجازات الفاتح العظيمة.
 
لقد سمعت في ذلك اليوم الخبرالذي بثه "صوت الوطن العربي" من طرابلس، وكان المذيع يصر على إظهار استمتاعه المطلق بقراءة الخبر، وأذكر أنه جاء على هذا النمط:

"قامت اليوم مفارز اللجان الثورية بتصفية ال.......وأن ذراع اللجان الثورية طويلة وستصل لكل من .... أينما كان.... ووو إلخ". أما محطة تلفزيون النظام فقد روى من شاهدها حرص المخرج بعرض وجه "الضحية" على كامل مساحة الشاشة والذي كانت مخضبة بالدماء.
 
كان كل شيء يبدو عاديا. فقبل هذه العملية سقط العشرات من الليبيين قتلى نتيجة التحريض المستمر لمعمر القذافي بتصفية كل من يرفض الرجوع الى فردوسه الأرضي، كانت ضحايا الإغتيالات تتساقط في روما وميلانو ولندن وبون وبرلين وأثينا وفاليتا ومكة، وكان عبدالسلام جلود يصرح بعد كل جريمة، بأن هذه من أعمال اللجان الثورية وبأن العقيد القذافي ليس له أي سلطة او سلطان عليها.
 
ولهذا تلقى العالم نباء "مقتل" السيد عبدالحميد البكوش على أنه إحدى هذه الحالات، وبات الى حين إشعار آخر في عالم الأموات. إلا أن المفاجأة الصاعقة أتت مباشرة في اليوم التالي (17 نوفمبر) من السيد أحمد رشدي وزير داخلية مصر آنذاك، عندما خاطب ممثلي الصحافة العالمية المحتشدة في مؤتمر صحفي طارىء بقوله:
 
" سيداتي سادتي.. أنني أرحب بالسيد عبدالحميدالبكوش" والذي دخل الصالة مبتسما وسط ذهول الحاضرين. وقد علق مراسل مجلة دير اشبيجل الألمانية على تلك اللحظات بأنه قد فقد وعيه لثوان، بعدها شعر بالغثيان عندما علم عن دور معمر القذافي شخصيا في التخطيط لهذه الجريمة.
 
عند سماع القذافي هذا الخبر مباشرة غادر وبصورة مفاجئة جزيرة كريت متوجها الى مالطا والتي لم تكن ضمن برنامج زيارته الرسمية، تاركا ورائه راهباته الثوريات هناك والذي يحرص دائما على مصاحبتهن له. وقد وصف من شاهد حالته بأنه كان هائجا. وفي فاليتا تولى شخصيا إجراء التحقيقات لمعرفة الثغرات التي تمكنت من خلالها المخابرات المصرية من اختراق اجهزته.
 
لقد كانت فضيحة من العيار الثقيل لشخص يرى نفسه "مؤلف إنجيل العصر، والأممي والمفكر والفيلسوف"، حيث استطاعت المخابرات المصرية أن تثبت بالدليل القاطع، وأمام العالم أجمع بأن معمر القذافي متورط شخصيا في عمليات اغتيال المواطنين الليبيين بالخارج. فصورة "القتيل" سلمت الى علي ناجم شخصيا، والذي سلمها بدوره الى معمر القذافي باليد، ولم يكن يعلم الإثنان انهما كانا تحت المراقبة الدقيقة لحركاتهما وإتصالاتهما.
 
وقد علق الرئيس الفرنسي الراحل ميتران على الفضيحة بقوله " إن مجرد التصورالجلوس على مائدة المافيا، لهوشيئا مقزز".
 
إن هذه الجريمة لم تكن الوحيدة التي تورط معمر القذافي شخصيا في ارتكابها، بل اعترافات الجناة الذين تم تجنيدهم من قبل اللجان الثورية والقابعين بسجون اوروبا، وافادات العملاء الذين تم تحييدهم تؤكد جميعها ، بأنه لم تحدث عملية تصفية واحدة خارج أوداخل البلاد بدون أمر وتحريض من معمر القذافي وإذنه ومباركته.
 
محمد بن احميدة

جميع المقالات والأراء التي تنشر في هذا الموقع تعبر عن رأي أصحابها فقط، ولا تعبر بالضرورة عن رأي إدارة الموقع >>>> ليبيا المستقبل منبر حر لكل من يطمح ويسعى لغد أفضل لليبيا الحبيبة

[email protected]