07/11/05

 

أرشيف 2004

 يناير 2005

فبراير 2005

مارس 2005

أبريل 2005

 مايو 2005

 يونيو 2005

 يوليو 2005

اغسطس 2005

سبتمبر 2005

اكتوبر 2005

نوفمبر 2005

              


المحامي الليبي: الشارف الغرياني

 

الآثار القانونية والإنسانية لمجزرة سجن بوسليم

 

من الحقوق الإنسانية الأساسية للفرد في اى مجتمع كان.. أن يتمتع بحق المواطنة بالانتماء لوطن وارض وأسرة ومجتمع.. وان يعيش بكرامة وعزة بين أهله ووسط مجتمعه الذي ينتمي إليه..وبالتالي من حقه أن يكون له كيان مستقل.. بإرادة حرة وأهلية تامة وجوبا واداءا.. ومن ثم تحمل مسئولياته المناطة به وفقا لأدميته وإنسانيته وتبعيته للوطن ومشاركته لباقي أبناء جلدته..


وهذا الكيان لايتم إلا بعد الاعتراف به بشهادة رسمية تثبت ولادته من أب وأم نتيجة عقد زواج شرعي صحيح,, ومن بعد تسميته باسم يليق بآدميته.. ويتم ذلك من خلال مايسمى بمكاتب السجل المدني أو الأحوال الشخصية والمدنية,, حسب المتعارف عليه فى الوطن الأم..وهذا الإجراء من الأهمية بمكان لأنه بهذا يكون من حقه التمتع بكل المزايا الممنوحة له وفقا للقوانين السائدة. حق الحياة.. حق العمل .. حق التملك,, حقه في حرية الرأي والتعبير,, حقه في الاختيار بإرادته الحرة..حق الزواج والإنجاب والسكن والسفر والترحال والإقامة أينما يريد.. حقه فى التعليم وفى العلاج وفى الحماية  من كل مايسئ إليه,, هكذا يكون له الانتماء الأسرى والعائلي وتتأصل فيه الروابط الأخوية وصلة الرحم..وبالتالي تترتب عليه الواجبات وتترتب له الحقوق فالمصالح المتبادلة مع غيره من إفراد أسرته وعائلته وقبيلته وعشيرته ومجتمعه فوطنه وتأثره وتأثيره  بالعالم المحيط به كافة,,  وهكذا تكتب له الحياة الكريمة السعيدة.


وعندما تحين ساعته والاستعداد للرحيل النهائي من هذه الدنيا الفانية.. لاتنقطع صلته نهائيا بمن كان قد تعايش معهم طوال حياته..بل تستمر بعض تلك العلائق الحياتية إلى مابعد مماته.. ولو إلى حين..وتبدأ استمرارية تلك العلائق فور خروج الروح الطاهرة إلى بارئها عزوجل. واثبات هذه الحالة بشهادة وفاة رسمية كما ثبتت الحالة عند الميلاد بشهادة رسمية أيضا.. وتترتب على عملية إثبات الحالة هذه عدة اثارقانوينة وإنسانية هامة فى حياة من هم من بعد من  انتقل إلى جوار ربه..يمكننا  تلخيصها فيما يلى:


أولا: لايمكن دفن الميت الا بشهادة وفاة رسمية يتم توقيعها من طبيب مختص ومن ثم اخذ الإذن بالدفن من الجهة المعنية بذلك. ومن بعد تقوم الجهات المدنية بالسجل المدني بشطب اسمه من سجل الإحياء.. وهنا نفلت الانتباه ان بمجرد ولادة اى إنسان يتم تدوينه فى عالم الإحياء دوليا لأهمية ذلك فى حصر وتعداد سكان العالم وبالمقابل عندما يتوفى اى إنسان يتم تدوينه فى عالم الأموات أيضا لحصر وتعداد سكان العالم وفقا لنظام دولي متعارف عليه,.


ثانيا: هذه الشهادة لاتمنح الا بعد الكشف الطبي على الجثة في إجراء طبي وأدارى متعارف عليه..


ثالثا: يستلم أهل الميت هذه الشهادة مرفقا بها الإذن بالدفن.. لإتمام مراسم الجنازة.. ومباشرة تقبل العزاء اعتبارا من اليوم الأول للدفن. ومن ثم يعلم الجميع المكان الذي دفن فيه الميت.


رابعا: اذا كان للميت زوجة التي تصبح أرملة من بعده.. فعليها الدخول فى العدة الشرعية التى قررها لها المولى عزوجل فى كتابه الكريم""والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجا يتربصن بأنفسهن أربعة أشهر وعشرا.." البقرة234 ويبدأ احتساب هذه العدة عادتا اعتبارا من اليوم الأول للدفن او اعتبارا من يوم العلم اليقين بحالة الوفاة عند عدم التمكن من دفن الميت.. كأن يكون قد غرق اواحترق او فقد فى مكان غير مكان إقامته الاعتيادية ولم تعلن حالة وفاته الا بعد حين من الزمن..


خامسا: القيام بحصر ورثة الميت الشرعيين وحصر تركته ان كانت لديه تركة معلومة.. وبالتالى استخراج مايسمى بالفريضة الشرعية من المحكمة الشرعية او محكمة الأحوال الشخصية.. التى تبين عدد افراد الورثة الشرعيين وبيان نصيب كلا منهم من التركة وفقا للأنصبة التى يقررها القاضي الشرعي كما بينها الشرع الحكيم " للرجال نصيب مما ترك الوالدان وللنساء نصيب مما ترك الوالدان والأقربون مما قل منه أوكثر نصيبا مفروضا"
النساء7 " يوصيكم الله فى أولادكم للذكر مثل حظ الأنثيين فإن كن نساء فوق اثنتين فلهن ثلثا ماترك وإن كانت واحدة فلها النصف ولأبويه لكل واحد منهما السدس مما ترك إن كان له ولد فإن لم يكن له ولد وورثه أبواه فلآمه الثلث فإن كان له إخوة فلآمه السدس من بعد وصية يوصى بها أودين أباؤكم وأبناؤكم لاتدرون أيهم أقرب لكم نفعا فريضة من الله إن الله كان عليما حكيما" " ولكم نصف ماترك أزواجكم إن لم يكن لهن ولد فإن كان لهن ولد فلكم الربع مما تركن من بعد وصية يوصين بها أودين ولهن الربع مما تركتم إن لم يكن لكم ولد فإن كان لكم ولد فلهن الثمن مما تركتم من بعد وصية توصون بها أودين وإن كان رجل يورث كلالة أو امرأة وله أخ أو أخت فلكل واحد منهما السدس فإن كانوا أكثر من ذلك فهم شركاء فى الثلث من بعد وصية يوصى بها أو دين غير مضار وصية من الله والله عليم حليم" النساء10/11 .


سادسا: هناك إجراءات إدارية مدنية  تتخذ فيما بعد متعلقة بمستحقات الميت من الجهات التى كان يعمل لديها او من اية جهة اخرى كانت له علاقة مالية بها لبيان ماله وماعليه حتى يعلم الورثة بذالك.. وكذلك  يترتب على ذلك استخراج كتيب عائلة جديد باسم الأرملة اذا كانت  قائمة بشئون الورثة القصر لأهمية ذلك فى التعامل الادارى مع جهات الاختصاص..


هكذا تستمر الحياة لباقي أفراد أسرة الميت فى امن وأمان واستقرار اجتماعي  ومدني ومن ثم تنقطع صلة الإنسان بهذه الدنيا الا من عمل صالح اوصدقة جارية او ولد صالح يدعوا لها كما بين لنا ذلك  رسولنا الكريم صلى الله عليه وسلم.


هذا فى السياق الطبيعي للحياة الطبيعية الخالية من الشوائب  وفى ظل حياة   تنعم بالحرية وضمان حقوق الإنسان التي حماها المولى عزوجل فى دستور سماوي لايأتيه الباطل  ولا يظلم فى ظله احد.. ولما لا فهو تنزيل من عزيز حكيم عليم خبير..


اما واقع الحال عندنا فى ليبيا فى ظل هذا النظام الذى لم يراعى فينا الاولاذمة.. فكل هذه المعايير والقيم وهذا التوجيه الربانى الحكيم لانجد له وجودا على ارض الواقع..فمنذ اللحظة الأولى التى تم فيها الاستيلاء على السلطة وحتى يومنا هذا فهناك المئات بل الألوف من الضحايا الذين قتلوا غدرا وظلما وبهتانا..وهؤلاء الضحايا الألف ومائتين من ضحايا سجن بوسليم هم جزء من الألوف الضحايا الذين لم تمنح لهم شهادات وفاة رسمية وبالتالي تعطلت مصالح أسرهم وعائلاتهم بالكامل سواء المصالح القانونية المدنية او المصالح الشرعية التى سبق وان اشرنا اليها اعلاه.. وهناك المئات من الأسر والعائلات التى لم تتمكن من تصفية تركات من توفوا من أبنائها حتى يومنا هذا نتيجة لعدم اتخاذ الإجراءات القانونية اللازمة بالخصوص ونتيجة لعدم إفصاح الجهات الأمنية المسئولة فى النظام الحاكم عن هوية  العديد من الذين قتلوا داخل هذا المعتقل  من جهة وعدم منحها شهادات وفاة لمن تم الإبلاغ عن وفاتهم مؤخرا من جهة أخرى.. وبالتالي ستبقى هذه الأسر والعائلات دون أوضاع قانونية وشرعية  الأمر الذى سيترتب عليه استمرار معاناتها ناهيكم عن مأساتها الكبرى فى فقدان عائلها الذى قد يكون الوحيد فى  غالب الأحيان.


والعجيب فى هذا الأمر ان كل أولئك الضحايا ألان وفقا للمعيار القانونى والمدنى هم احياء من واقع ملفات السجل المدنى لانه لايوجد مايفيد اثبات وفاتهم ولم تشطب اسماؤهم من سجلات الاحياء حتى هذه اللحظة.. وبالتالى فهم  دوليا فى عداد الاحياء من سكان ليبيا الحاليين,, لان المنظمات الدولية ذات  العلاقة بالتعداد السكانى لم يتم ابلاغها بوفاة  هؤلاء الضحايا,, وهل هناك مأساة اكبر من ذلك؟؟ الم يحن بعد للمنظمات الدولية ذات العلاقة ان تطلب هى الاخرى كشفا بأسماء كل الذين قتلوا داخل هذا السجن الرهيب وغيرهم من شهدائنا الذين سقطوا على درب الحرية والعزة والكرامة ولم يتم اثبات وفاتهم رسميا حتى الان،؟؟


رحم الله شهداؤنا.. واسكنهم فسيح جناته والهم ذويهم وشعبنا المناظل الصبر والسلوان


المحامى/ الشارف الغريانى
 


 

[email protected]

 

جميع المقالات والأراء التي تنشر في هذا الموقع تعبر عن رأي أصحابها فقط، ولا تعبر بالضرورة عن رأي إدارة الموقع >>>> ليبيا المستقبل منبر حر لكل من يطمح ويسعى لغد أفضل لليبيا الحبيبة