06/10/05

 

أرشيف 2004

 يناير 2005

فبراير 2005

مارس 2005

أبريل 2005

 مايو 2005

 يونيو 2005

 يوليو 2005

اغسطس 2005

سبتمبر 2005

اكتوبر 2005

 

              

 

قراءة في كتاب الشهيد محمد مصطفى رمضان..

 "الشعوبية الجديدة.. فصول في التاريخ والسياسة"  

بقلم: د. فتحي الفاضلي

 

كان الترويج للقومية العربية على اوجه في بداية انقلاب سبتمبر، بل كانت القومية العربية هي النغمة المحركة لعواطف الجماهير، فكان من الطبيعي ان يكون الصوت الغائب عن الساحة السياسية الليبية في ذلك الوقت هو الصوت المضاد لهذه الدعوة . لذلك اكتسب كتاب "الشعوبية الجديدة.. فصول في التاريخ والسياسة" اهمية خاصة في الفترة الاولى  للانقلاب.  فقد شن هذا الكتاب حرباً شعواء على الدعوات العرقية بصفة عامة وعلى  القومية العربية بصفة خاصة، فابرز التعارض بين الاسلام والنزعات الاقليمية العنصرية وتحدث عن نشأة القومية العربية وعن اهدافها . وكان هذا الكتاب هو  اول كتاب يضاد خطابه، الخطاب السياسي للدولة الليبية الجديدة.   

 

يرى الشهيد ان الشعوبية هي اصل البلاء ومنطلق الداء الذي قصم ظهر الامة العربية.  وحدد ثلاث فترات من تاريخ القومية العربية اسماها "فترات احياء القومية العربية"، بدأت الاولى مع الحكم الاموي (باستثناء فترة الخليفة عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه) وبدأت الثانية فى اواسط القرن الماضي واستمرت حتى اوائل القرن الحالي بينما بدأت الثالثة والاخيرة مع انقلاب 23 يوليو1952م في مصر بقيادة جمال عبد الناصر، وهي فترة نمو الحركة الاسلامية فى مصر، وايضاً فترة المحنة التي مرت بها الحركة. ويرى الشهيد ان الانقلاب العسكري الذي قام في مصر ما جاء الا ليقضي على الحركة الاسلامية التى كادت ان تصل الى قيادة مصر في ذلك الوقت، وان جمال عبد الناصر كان يتحرك بناء على ايحاءات عامة معتقدا انه هو الذي يصنع ويتخذ ما يريد من قرارات.

 

كما يرى الكاتب ان فكرة القومية الحديثة قد بدأت في الظهور عندما لاحظ نابليون شدة المقاومة التي لقيها جيشه فى مصر فادرك ان القوة الدافعة لهذه المقاومة هي الاسلام، ورأى لذلك ضرورة فصل "مصر" عن "الدولة العثمانية"، وكانت هذه الجهود قد صاحبتها جهود مكثفة قام بها رجال الفكر المسيحيون وخريجو مدارس ارساليات التنصير كـ"ارساليات الفرنسيسكان" والكلية الانجيلية الامريكية والجيزوت الفرنسي لتحقيق نفس الهدف فى مصر وفي غير مصر.

 

كما يرى الشهيد محمد مصطفى رمضان ان ثورة الشريف حسين او الثورة العربية الكبرى (1914م) كما اُطلق عليها في ذلك الوقت، كانت اول ثمرة رئيسية لجهود بريطانيا ولجهود المستشرقين والمفكريين السوريين في هذا المجال.

 

ثم عدد الشهيد مظاهر تشجيع القومية العربية في بلداننا الاسلامية، نذكر منها تشجيع الكتابة والتحدث بالعامية واستبدال الحروف العربية بالحروف اللاتينية والدعوة الى اللادينية او العلمانية او فصل الدين عن الدولة ونشرها ومحاولة ترسيخها. ومن مظاهرها ايضا تغيير المناهج وتقليص عدد حصص الدين الاسلامي والتعامل مع مفهوم الجهاد على انه مجرد وسيلة للدفاع عن النفس، وتسمية الفتوحات الاسلامية بالتوسع الامبراطوري مع حذف الزكاة من المناهج لانها قضية تمس اقتصاد الدولة ولا شأن للدين فيها.

 

وقارن الشهيد في كتابه بين اسباب "فصل الدين عن السياسة" فى العالم الغربي او العالم غير الاسلامي بصفة عامة، واسباب ذلك في العالم الاسلامي، فوضح ان اسباب فصل الدين عن السياسة في العالم غير الاسلامي عمل له ما يبرره، فقد جاء هذا الفصل ، كرد فعل على شعوذة الكنيسة وممارستها الغريبة ابان العصور الوسطى، كصكوك الغفران على سبيل المثال، بينما لا يوجد ما يبرر اسباب فصل الدين عن السياسة فى العالم الاسلامي، خاصة وان الاسلام يشمل الجوانب السياسية للدولة كما يشمل حقوق الانسان والعلوم الاجتماعية والانسانية والاقتصادية والعسكرية وغير ذلك من القضايا المصيرية التي تمس واقع الانسان وحياته ومصيره في الدنيا والاخرة. فالاسلام لم يستثن ايا من هذه الجوانب من واقع الحياة، فيصبح لذلك، فصل الدين الاسلامي عن السياسة او فصل السياسة عن الدين الاسلامي دعوة تناقض نفسها.

 

واكد الكاتب (رحمه الله) ان شعار القومية هو شعار فرقة لا طريق وحدة، حيث ادى احياء القومية العربية الى احياء نعرات قومية اخرى كالكردية والبربرية والفارسية والطورانية. واعتبر الشهيد ان هذا الاحياء هو مجرد بعث للجاهلية من جديد. ويرى ان القومية العربية قد حصرت قضية فلسطين في اطارها العربي فدعت الى تحرير فلسطين العربية بدلاً من فلسطين الاسلامية، وعزلت بذلك العالم الاسلامي عن قضية فلسطين وعزلت بالتالي مئات الملايين من المسلمين بعد ان غدت قضية "عربية" يهتم بها العرب فقط، بينما هم انفسهم ممزقون ومشتتون. 

 

واوضح الشهيد ان القومية العربية عبارة عن خطوة متقدمة حققها اعداء الامة لابعاد الاقطار العربية عن الدولة العثمانية اولا، وابعاد الدول العربية عن بعضها البعض ثانيا. فالقومية وسيلة لا هدف، وكلما أُبعد جزء من امتنا عن الدولة الام، سهل عزله عن باقي الاقطار وسهل تحويله الى دولة قطرية علمانية، كما حدث للبنان وسورية والعراق وجميع الاقطار العربية حاليا، واضاف الشهيد (رحمه الله) مستشهدا بانتصارات صلاح الدين الايوبي وقطز ويوسف تاشفين، ان عنصرية الدم كانت وراء جميع نكبات الامة العربية.

 

ويأخذ الكاتب على القوميين، والقوميين العرب وعلى المجاميع التي تسمي نفسها بالقوى الوطنية التقدمية- ياخذ عليها- نسيانهم لتاريخ الدول التي اضطهدت الاسلام والمسلمين، كالاثيوبيين والروس والهندوس وغيرهم من الامم والملل والنحل. فاورد الشهيد، مثالاً على ذلك، بعض فظائع الروس ضد الاسلام والمسلمين كحرق العلماء المسلمين وقطع اوصال الجمهوريات الاسلامية، وترحيل قبائل كاملة من مواطنها واحلال الروس محلها وعدم الاعتراف بالمحاكم الاسلامية ونصب المذابح للمسلمين وتدمير المدن وتأميم الاوقاف الاسلامية، ناهيك عن تحويل المساجد الى مخازن للفودكا ومراكز للتربية العقائدية لتخريج "الطلائع العقائدية الاشتراكية الثورية العالمية".

 

ويتساءل الشهيد بعد ما اورد ما اورده من فظائع الروس ضد العالم الاسلامي قائلاً: كيف، بعد ذلك، يتحالف اليسار العربي واصحاب النزعات التقدمية، مع روسيا ويتعاملون معها كصديق حميم سيحرر لهم فلسطين!! بل كيف يتعاملون مع روسيا التي ترى ان الاسلام يتجه بابنائه الى الوراء، وهو ما يعرف بالرجعية. ثم كيف تحالف عبد الناصر مع اثيوبيا وروسيا والهند التى فعلت افاعيلها فى المسلمين!!

 

ويواصل الشهيد تساؤلاته قائلا: بل كيف نطمع في ان تعمل روسيا على تحرير فلسطين بينما لا تطيق الاسلام والمسلمين؟.

 

وسرد الكاتب تناقض ووصولية ونفاق كتاب مشاهير، اورد منهم نماذج محسوبين على القومية، اخذوا يطبلون ويزمرون لثورة 23 يوليو1952، ثم اخذوا يروجون الى "الشخصية المصرية" و"القضية المصرية" و"السياسة المصرية" ثم وفى اقل من عام واحد، اخذ نفس الكُتاب والمثقفين والمشاهير يكتبون عن "مصر العربية" وعن "القضايا العربية" وعن "الامة العربية الواحدة" وعن "الامة العربية الخالدة" وعن "السياسة العربية"، فانتقلوا بذلك من "القطرية" الى "القومية" فى اقل من لمح البصر، حتى وصفهم الشهيد، بسبب مواقفهم المتقلبة، بمهرجي السيرك ولاعبيه.

 

وهكذا.. كان كتاب الشهيد محمد مصطفى رمضان، هو الكتاب المناسب في الوقت المناسب، بل ان اهميته لا يتطرق اليها شك حتى يومنا هذا.

 

لقد انهى الشهيد صياغة الكتاب في اوائل نوفمبر من عام 1968م، وصدرت الطبعة الاولى منه في 1969م، وهناك طبعة جديدة صدرت دون ان يدون تاريخ اصدارها، وربما صدرت في اوائل الثمانينات . كما نُشرت، في طبعة مستقلة عن الكتاب، فصول مختارة من الكتاب، منها فصل بعنوان "لا.. ليس عميلا امريكيا" نشر كرسالة مستقلة ثم نشرته الجماعة الاسلامية (ليبيا) بعد اغتيال الشهيد، وفصل اخر بعنوان "العبث الماركسي" نشرته مجموعة تحت اسم "احرار ليبيا" بعد جريمة  الاغتيال.

 

وقد ضم الكتاب ستة عشر فصلا، هي بالترتيب: "هؤلاء المزورون.. اما آن لهم ان يكفوا"، "القومية نتاج يهودي"، "القومية تعصف بالعالم الاسلامي"، "هذه الاسماء لا تعني شيئا"، "الدين لله.. والوطن لله"، "مأساة فلسطين.. انها عربية"، "تعريب رغم انف الشعوب"، "القومية العربية لا دين لها"، "اسلام عبد الناصر"، "القومية شعار فرقة لا طريق وحدة"، "من نصدق، "الفرق بين الادعاء والواقع"، "لا تلوموا الصورة.. بل الاصل أحق باللوم"، "السيرك القومي"، "العبث الماركسي"، "لا.. ليس عميلا أمريكيا". وقد جاءت هذه الفصول في 267 صفحة، من الحجم الصغير.

 

يقول الشهيد عن كتابه:

 

وقد كان تركيزي في هذا الكتاب منصبا على شيئين: اولهما اظهار التعارض المطلق بين الاسلام والنزعات الاقليمية العنصرية.. ومنها ما يسمى بالعروبة، وثانيها التأكيد على ان الاسلام لا علاقة له البتة بالافكار البشرية على مر التاريخ.. فهو نظام سماوي، وشتان بين السماء والارض. ونحمد الله سبحانه الذي وفقنا الى إتمام هذه الفصول، ونسأله تعالى أن يتقبلها منا قبولاً حسناً، فهي ما كًتبت الا ابتغاء وجهه الكريم.

 

ولعلنا نختم هذا العرض المتواضع، بمقطع ذكرناه في عمل سابق، جاء في مقال كتبه "ابوفلسطين" ونشره في مجلة "البلاغ" بعنوان "لقد انتصرت على قاتليك" يقول كاتب المقال:

 

كانت شهادته انتصارا لكلماته.. لقد سقطت.. يا محمد.. في ميدان الكلمة والدعوة.. فارعبت كلماتك الصادقة قاتليك.. عرفناك كاتبا حرا واعيا.. ومفكرا اسلاميا نقيا مخلصا.. حاول اعداؤك شراءك او تشويه صورتك.. وسلطوا كلابهم النابحة عليك.. ولكنك لم تتراجع عن الحق.. الذي ذقت صدقه وحلاوته.. ولم تجبن عن كشف انحراف المنحرفين.. وتبعية الساقطين.. ان كتابك "الشعوبية الجديدة" سيظل صفعة على وجه كل طاغية دجال مزور.

 

ونحن ايضاً ايها الشهيد.. نسأله سبحانه وتعالى ان يتقبل منك، وان يجعل اعمالك في ميزان حسناتك، وان يجزيك عنا، وعن الاسلام الف الف خير.

 

ومرة اخرى.. لقد اديت.. وابدعت.. ووفيت.. واصبحت "رمزا" اسلاميا، الى ان يرث الله الارض وما عليها. والله ولي التوفيق.

 

د. فتحي الفاضلي

______________

لزيارة موقع الكاتب

www.fathifadhli.info

لمراسلة الكاتب

[email protected]

 


[email protected]

 

إن جميع المقالات التي تنشر في هذا الموقع تعبر عن رأي أصحابها فقط، ولا تعبر بالضرورة عن رأي إدارة الموقع