14/04/2009


 
فيلم يفوز بجائزة دولية في مهرجان تيمبو السويدي
 
غزة علي معبر رفح تنتظر "تذكرة بلا عودة"

 

غزة/ أسماء شاكر:
 
"تذكرة بلا عودة"... حصلت عليها غزة أخيرا، بعدما أصبحت الحياة موتا مغلفا بالفراغ والتفاصيل، والموت "هنا" علي أعتاب المعابر والحدود المتربسة.. حياة أخري، في بعيد قد لا يأتي، - وإن كان ذلك الموت انتظارا طويلا، دون عودة، ودون أحلام وأمنيات -. ورغم ذلك، فان الشباب الغزيين ، لا زالوا يدسون في حقائب سفرهم، بالونات جميلة من وهم... في ارتحال آخر إلي موت ملون ! لكن تلك الأسلاك القليلة الشائكة علي بوابة معبر رفح، هي كل ما يفصلهم عن عوالمهم المجهولة، وهناك... تحديدا في بقعة العبور تلك، لا تعود للتذاكر أية أهمية، تماما كالوطن اليتيم القابع وراء هروبهم.
 
ثلاثة شخصيات وغزة واحدة !
 
عماد، عوض وعلاء، لم يكونوا سوي ثلاثة أسماء انتشلتهم الصدفة العابرة، في احدي المقاهي الفقيرة في مدينة غزة، يدخنون "النرجيلة"، ويقلبون ورق اللعب، باحثين عن حظ تائه، يطرق باب بطالتهم الموصدة. وهي الشخصيات الرمزية التي التقطها المخرج الغزي يحي حسونة، في فيلمه الفائز في مهرجان TEMPO السويدي، الشهر الحالي، حيث كانت الشخصيات تحاول أن تشبك خيطا لواقع واحد، يفرض أعباءه الخاصة، في حياة كل شخصية. أحدهم يعيل أسرة من ستة أفراد، في بيت منهك بالمخيم، والأخر طالب جامعي، بالكاد يجد ما يكفي يومه من بيع السجائر، أما الشخصية الأخيرة، فلا يقل نصيبها من البطالة عن الآخرين. ومن ذلك المقهى، تبدأ الشخصيات بالدوران والبحث، وتلك الجلسات الساخرة أحيانا في محاولات يائسة للراحة، ونفخ "غبرة" الدخان المنبعث من المجمر، تنسيهم تراكمات الحياة الجافة. دون أن تنسيهم "النرجيلة" المحاولة والبحث الدائب عن عمل، أية فرصة لطرق الحديد أو جمع الحجارة أو حتي القمامة، دونما شئ. ليعاودوا الكرة مرة أخري في "سهرة جديدة" بالمقهى، ويجمعوا دون اتفاق علي عبارات يحاولون إقناع أملهم الضئيل بالعمل... "لازم تزبط معنا". غير أن المحاولات القادمة لهم ، كانت علي أبواب الجمعيات الخيرية والأسرية، التي تعني بالفئات التي هوت إلي ما تحت خط الفقر، بعد انعدام أساسيات المعيشة في طوق الحصار الإسرائيلي للقطاع.
 
لا فائدة.. لا محاولات !
 
اعتذارات كثيرة موسومة بعبارات عاجزة، هي كل ما حصل الثلاثة عليه، فالجمعيات أيضا بدأت تهوي إلي "خط الفقر!"، بعدما باتت دون تمويل أو مشاريع، بسبب الحصار. وهو ما ترتب عليه اجتماع آخر أكثر جدية في المقهى، تقرر فيه ذلك الحل الأخير الذي يمكن أن يسعفهم، للهرب من الجوع والفقر والموت أيضا. فكانت الهجرة.. هي البارقة الأخيرة ، أو بالاحري "القشة التي سيتعلق بها الغريق"، وهو ما اقتنع فيه عوض و علاء بشدة... وهو ما جعل عماد أيضا.. يرفض بشدة. وهو مقتنع تماما بان الهجرة هي هدف إسرائيلي لكل ما يحدث في غزة من حصار وحرب، وتدمير متعمد لكل البني التحتية ، فلا وزارات ولا مقار حكومية بعد الحرب الأخيرة، تاركا استفهامه معلقا في الهواء: "لو أنا وأنت هاجرنا.مين راح يظل فيها؟".أما المحاولة الجديدة للشخصيتين المتبقيتين فكان هذه المرة علي مواقع الانترنت المختصة بالهجرة، وهو ما يتطلب مبالغ مالية للفيزا والتذاكر.
 
نهاية دون نهاية !
 
تزامن الأحداث علي مدار ثمانية عشر دقيقة -مدة الفيلم-، يتمحور في دائرة مفرغة، وبحث يائس في محيط معدم الأمل بأي بارقة ، كما أن ترتيب التفاصيل قد لا يأتي منطقيا في بعض الأحيان، فكيف لعوض وعلاء أن يقررا السفر دون أن يمتلكا ثمن الإجراءات والتذاكر ؟، الأمر الذي يوجه الفيلم إلي طابع رمزي للفكرة، في تفلت متعمد للواقع المغرق بالتفاصيل، وهو ما اتضح أيضا بتقليب مشاهد أحداث الحرب بشكل سريع، وواضح، للدلالة علي سير الخط الزمني لتدهور الواقع، وسقوطه في نفق المجهول الغائب. حيث ربط المخرج حسونة مشاهد الموت والدمار، بمشاهد لهلع أطفال "عوض " من اقتراب أصوات القصف.
 
أما نهاية الفيلم، فهي تأتي بما لا يواتي التسلسل المتوقع، فيصدمنا الفيلم بمشاهد ل "عوض" حازما حقائبه وهو يودع أطفاله الشاحبين حزنا، خاصة طفلته الصغيرة التي قالت له وهو يغادر: "إحنا كنا نخاف لما يصير قصف وأنت تكون طالع، وحتى لما كنت تيجي ما تقدر تعمل اشي.. كيف لما تسافر يابا". وهو ذاته الصوت الطفولي الذي كان يطارده طول الطريق من غزة المدينة، إلي رفح، جنوب القطاع ، حاملا مخاوفه وآماله وحقيبة السفر الثقيلة، متوقفا أمام كلمة كبيرة "معبر رفح"...، وهنا يعود بنا المخرج فجأة إلي باب البيت.. وعوض يقف علي بابه مبتسم يلاعب أطفاله وهو ينادونه " يابا " كعادتهم. دون أن نحدد إذا ما كان عوض هاجر إلي أوهامه، أم انه عاد ثانية ، وإذا كان قد عاد، فهل كان عائدا لان المعبر مغلق، أم انه سافر وعاد... لا احد يعرف.
 
الهجرة "مشروع صهيوني"
 
يعلق المخرج حسونة علي نهاية الوثائقي قائلا: "كانت رسالة الفيلم تكمن في تفاصيل المشاهد الأخير، الذي منح للفكرة دلالاتها المتشعبة"، مضيفا: "الصورة من غزة تكون دوما معبرة عن الواقع بشكله الحرفي، ولكنها في نفس الوقت قد تتعرض لتحويرات فكرية خارجية، خاصة في أوربا"، حيث أشار حسونة إلي أن التقنيات الإخراجية المستخدمة في الفيلم هي نتاج مدارس جديدة في إخراج الأفلام الوثائقية، بحيث يتناسب عرض الفكرة مع رؤية المشاهد الغربي للصراع الفلسطيني الإسرائيلي ، الأمر الذي رشح الفيلم للفوز بالجائزة. وعن الفكرة، يوضح المخرج حسونة: "الفيلم جاء إشارة إلي الخطر الكامن في هجرة الشباب، ليس فقط علي المستوي الاجتماعي وإنما يتجاوزه إلي قضايا أخري تتصل بالهوية الفلسطينية والتنازل عنها، إضافة إلي كونه مخطط صهيوني تتعمده إسرائيل وتحاول عبر شركات معنية بذلك من تسهيل طلبات الهجرة".
 
غير أن النهاية "المجهولة" للفيلم، ولمصير الشباب المهاجر اليائس، تدل علي ضياع الأمل بالمستقبل، ذلك المستقبل المرتبط دوما بسياسات الفكر الاقتصادي العالمي، بعيدا عن جغرافيا الأوطان. فيما يتحدث الفيلم عن الشخصية الثالثة والتي تتمثل بالشاب عماد الذي لا يملك أي عمل في غزة، ويحلم بالحصول على فرصة عمل وهو من رافضي الهجرة، التي يقول عنها هذا مشروع إسرائيلي تهدف من وراءه المؤسسة الإسرائيلية إلى تفريغ القطاع من الشباب ليذوبوا في الخارج ضمن تجمعات ومؤسسات وأعمال بعيدة عن الوطن.
 
وقال حسونة إنه تم إنتاج الفيلم من خلال شركة دايمونت للإنتاج الفني والإعلامي بإشراف المنتج عمران لباد، ووضعوا فكرته بورشة عمل نظمتها جامعة بير زيت، بدعم من مؤسسة "فوجو" السويدية، وبطاقم تدريب ضم البروفيسور بيو هيلم جويست، والمنسقة زين أبو قاسم. وتسلم حسونة الذي لم يستطع السفر إلى السويد للمشاركة في حفل كان من المقرر أن يقام له بسبب الحصار وإغلاق المعابر، الجائزة في غزة. ويعتبر الصحفي المخرج، يحيى حسونة الذي يعمل مع وكالة الأنباء الفرنسية في قسم التصوير التلفزيوني ، من أبرز الصحافيين الذين برعوا وأبدعوا في نقل حقيقة الصورة إلى العالم الخارجي، وحمل هموم شعبه في كلّ مشاركاته الدولية والمحلية.