20/04/2009


 
محمد رشيد، الغناء بلا عناء
 
بقلم: زياد العيساوي  (ميدل ايست اونلاين)

 

 
ضحكت شمس نهارنا
ثمة صوت ليبي قدير، يمتاز بمخزون النبرات في حنجرته، لكأنّ صوته مُعدٌّ للغناء أصلاً، ومدرب بشكل فطري عليه.
 
استكمالاً لما ورد في مقالاتي الأخيرة، بشأن جمال الصوت والمعايير الموضوعة والمتبعة لاستبيان الصوت الحسن المتكامل من نقيضه الرديء.
 
وأضيف في هذه المقالة ـ التي أمام أعينكم الآن ـ هذه الخاصية المهمة في معرفة الصوت الجميل، فمن طبيعة الصوت البشري أنه يختنق ويحتدُّ عند الطبقات العُليا، ويتحوَّل إلى صراخ، هو أقرب إلى الزعيق منه إلى أيِّ شيء ثانٍ.
 
إلا أنّ هناك صوتاً لمطرب عربي كبير، يُخالفُ هذه الطبيعة البشرية للأصوات؛ فصوت المطرب وديع الصافي في هذه الطبقات، يزداد مساحةً، ويكتسب مزيداً من الأريحية في الأداء، ما يعني أنه لا تواجه أية صعوبة في أداء ضروب الغناء جميعها، سواءً أكانت محلية - مثل العتابا والميجنا وغيرها من الألوان الشعبية المعروفة في بلاد الشام التي تذكرت منها الآن المواويل الجبلية - أو طبوع الغناء العربي المتقن القديم والحديث كالموشحات والقصائد - الدينية والوطنية والعاطفية - بالإضافة إلى الطقاطيق والأدوار الغنائية.
 
فمن المعروف بين الأوساط الفنية، أنّ أيَّ مُلحِّن، يقدر على التعامل مع صوت الفنان وديع الصافي من دون أنْ يمنعه أيُّ مانع، من أنْ يُنغـّم موسيقاه كيفما يشاء، لأنه يكون في حضرة صوت، من القدرة على أنْ يتلون مع أيِّ لحن والاندماج فيه، على نحو مدهش، حتى أنه قابلٌ لأنْ يُطوَّع حسب غناء أية جهة، شريطة أنْ يكون اللحن المُعطى له، مموسقاً على المقامات العربية المعروفة، غير المنكفئة على نفسها، أو المحسوبة على إقليم ما.
 
فكم من مُلحِّن من الأقطار العربية الأخرى، لحّن له، وعندما تستمع إلى هذا المطرب في مثل هكذا أعمال، تشعر بأنّ هذا المطرب، صاحب الصوت الجبّار، ممّن ولِدوا في هذه البلاد وتكلموا بلهجتها وغنّوا من تراثها واعتادوه باكراً، ومن جملة هؤلاء الملحنين الذين تعامل معهم الفنان الكبير وديع الصافي الملحنان الليبيان إبراهيم فهمي وعلي ماهر.
 
وما دُمنا في ليبيا فثمة صوت ليبي قدير، يمتاز بأنه يغني بهدوء وبلا تشنج، ذلك أنه قادر على الغناء من دون أدنى مجهود مضنٍ، ذلك لمخزون النبرات الموجود في حنجرته، لكأنّ صوته مُعدٌّ للغناء أصلاً، ومدرب بشكل فطري عليه.
 
والهدوء يعني في اللغة، الخفوت في الشيء، فإذا قلنا "إن الضوء هادئ" فهذا يشير إلى أنه خافت، غير أنّ المعنى لا يستقيم في هذه الحالة الفنية، فالهدوء في صوت المطرب محمد رشيد لا يعني البتة، أنه يعاني من خفوت وضمور، بل هو مزية لا نقيصة، لكن سهولة الأداء لديه، لا تجعلنا نشعر سمعاً بأنه يجهد نفسه، فاعتقدنا غير الحقيقة، فصوته قوي وعالٍ، غير أنه تزيَّا بهذا الثوب الرومانسي في أعماله، وخاصة في أغنياته الصباحية، التي أكاد أجزم بأنه الرقم الصعب والقياسي، في أداء هذه النمط الغنائي، الذي أعلن - متحملاً مسؤولية ما أكتب أمام مرأى القراء عبر هذه السطور - بأنه أفضل وأنضج ما غنـّى فنانونا، من نماذج الأغنية الحديثة، حيث إنني أذكر لصاحب هذا الصوت الشجي، ما شدا به في صباحاتنا من أناشيد ساحرة، مثل ضحكت شمس نهارنا ويا وردة البستان وبان الصبح نواره زين ويوم أبيض نوّر.
 
فالكثرة الكاثرة منا، تعتقد بأنّ هذا النمط الغنائي ـ الأناشيد الصباحية ـ بمضامينه وألحانه وموسيقاه، لا يعتدُّ به، كمعيار لاستيضاح الصوت الجميل من الرديء، في حين، أنّ هذا الغناء الفريد، ذا الطابع الخاص في كل ما يتصل به - لجهة الكلمة، التي تحمل طابع التأليف الغنائي أكثر من كتابة الشعر، كما في الأغنية الطربية والإيقاعية، واللحن، الذي ينطبع بالتجديد دائماً، والتوزيع الموسيقي، الذي تحتشد فيه عديد الآلات الموسيقية المختلفة الاستخدام، كي يكتسب شيئاً من الفانتازية، والأداء، الذي لا يتقنه سوى فنان يجيد التعبير الصوتي والوصف الدرامي.
 
ولا يفوتنا كذلك توقيت إذاعته - لا يجعل أحداً ينجرُّ وراء أدائه، إلا إذا كان صاحب حضور وثقة بالنفس ومعتداً بملكات صوته، لِمَ؟ فلو أتينا على موعد بثه في وسائل الإعلام المسموع، نجده لا يتعدى سويعات، بل قـُل دقائق معدودة، هي التي تسبق خروجنا بعد صحونا في الصباح الباكر، أي حينما يكون كل واحد منا، ليس في سعة من الوقت، كي ينصت إليه، بل في حالة استعداد وتأهب للخروج طلباً للرزق - وهذا الأمر غالباً ما يكون في كلمات هذه الأناشيد، أي الحث على الخروج لطلب الرزق ـ أي في حلٍّ من الغناء أصلاً.
 
فهناك ما يشغلنا ويصرفنا عنه في تلك الدقائق، ومع ذلك، فإنّ لملكة التعبير والتصوير الفني للحالة الإنسانية، التي يتغنى بها فنان مثل محمد رشيد - بعيداً عن أسلوب التطريب والغناء الراقص، الذي اعتاده المتلقي في صنوف الغناء الأخرى، كما في رائعته الصباحية "ضحكت شمس نهارنا" التي يشدو فيها مترنماً بهذه المعاني:
 
ضحكت شمس نهارنا.. زرقت فوق ديارنا
صحتنا من نومنا.. صبّحنا على جارنا
ومن خيرات ترابنا..اتباركنا يا أحبابنا
وتبسم نوارنا
 
...
 
طلعنا من بيتنا.. للبير وساقيتنا
نخدم في سانيتنا.. ومنها رزق اصغارنا
وتبسم نوارنا
 
...
 
في ترابك يا بلادنا.. زرعنا كنز أولادنا
ومن زينوتك زادنا.. وخيرك مالي دارنا
وتبسم نوارنا
 
...
 
في ربيعنا في صيفنا..ف شتانا وخريفنا
بنغني علي ريفنا.. ومنه بنجني اثمارنا
وتبسم نوارنا..
 
صلة وثيقة بالأبعاد الجمالية غير المرئية للصوت البشري، في زحمة الأصوات الرديئة، أو على الأقل، غير المكتملة نضوجاً، التي يتيح لنا هذا النوع من الغناء، ترصدها واستيضاحها، كما في صوت هذا الفنان، الذي برع كذلك، في أداء الغناء الشعبي، أو بالأحرى، المطرز على الجملة اللحنية الشعبية المطورة موسيقياً، نوعاً ما، كما في أغنيتي "في أشعاري لقيتك" و"لا بعدك زهينا" لكون الطبقة الصوتية السفلى والعليا وما بينهما "الوسطى" سليمة في صوته، فنراه أو بالأحرى، نسمعه محتفظاً على هدوئه ووقاره واتزانه طيلة زمن الأغنية، حتى لتتصوّر أنه لا ينتقل من طبقة إلى أخرى، بل إنه مستقرٌّ عند إحداها دائماً، أو بمعنى ثانٍ، يشعرك وهوّ يغني بأنّ صوته معقود بحبل متين، لا يعرضه كما أصوات آخرين، للهبوط الاضطراري بدلاً من الصعود إلى أعلى طبقة في صوته أحياناً، أو بمعنى ثالث أدق، أنّ صوته جعل لنفسه مدارج يصعدها بلا عناء، كلما طاب له ذلك، أثناء الانتقال من طبقة إلى غيرها تعلوها أو تسفلها، أثناء الغناء.
 
واستمعنا إليه أيضاً في أداء الأغنية العربية الليبية الحديثة، ولم يختلف مستواه وهو يؤديها، عما اعتدناه منه في اللونين السابقين، كما في أغنية "ابتسمت وبان كلام في عينيها" التي كتبها الشاعر "ابن الطاهر" ونغّمها له المُلحِّن "محمد الدهماني" الذي أظهر دندنات آلة العود بطريقة عجيبة، لم ألفها في الأغنية الليبية قبلاً، عانياً بذلك، التأكيد على أنَ هذه الأغنية، هي نتاج ملحن بارع، وقد أفلح في ذلك، عندما أدّاها محمد رشيد مترنماً:
 
ابتسمت وبان كلام في عينيها
ضربت معاني ايش تقصد بيها ؟
 
...
 
ابتسمت وعيني رتها
تمشي تتمايل مع رفيقتها
طالت واللي افـ جنبها ما رتها
ضربت الضرب اف وين ما تبيها
 
...
 
واليد منها بعيدة
والقلب نقضتله جروح جديدة
يا هل ترى يشباح أيام سعيدة
تبري جروحه بعد ما اتداويها..
 
فبصوته الدافئ ذي المساحة العريضة، التي تملأ حيز الأسماع من حولنا كله، علاوة على إحساسه بالمعنى العميق للكلمة واللحن، واحترامه لذوق المتلقي بانتقائه الجيد للأعمال، تمكـّن من أنْ يحوز على إعجاب المستمعين، بكل هدوء.
 
نقلا عن  "ميدل ايست اونلاين" - 2009-04-10
http://www.middle-east-online.com/libya/?id=76051
 
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
إستمع الى باقة من أجمل أغاني الفنان محمد رشيد