06/01/2009

 
غزّة بين المملكة والجماهيريّة !
 
بقلم: الصـادق شـكري

أرشيف الكاتب


 
بدأت إسرائيل في هجومها الجوي على قطاع غزّة يوم السبت 29 ذو الحجة 1429 هجري الموافق 27 ديسمبر/ كانون الأوّل 2008م والذي استمر لمدة أسبوع، ودخلت ليل يوم السبت 7 محرم 1430 هجري الموافق 3 يناير/ كانون الثاني 2009م هجومها البري على القطاع والذي قد يستغرق أياماً طويلة. خلف القصف الجوي الوحشي والهجوم البري المتعطش إلى الدم على القطاع غزّة مئات القتلى والجرحى من الفلسطـينيين، ومن جرائه يعاني قطاع غزّة من نقص في المياه والغذاء والدواء إلى جانب انقطاع مستمر في الكهرباء. ومستشفيات القطاع – وكمَا جاء في تقرير لوكالة رويترز يوم السبت الموافق 3 يناير – ..".. ليس بها ما يكفي من الآسرة أو الأدوية للتعامل مع أعداد الجرحى. ولا يمكن للفلسطـينيين أنّ يغادروا ما لم تسمح لهم إسرائيل بذلك، وما لم يخاطروا برحلة محفوفة بالمخاطر من خلال نفق إلى مصر..".
 
وأمام نقص الماء والغذاء والدواء.. ومشاهد القصف والقتل وأشلاء الأطفال التي تتناثر في كلّ مكان، لم يجد القذّافي سوى إتهام حكام العرب بمحاصرة الشّعب الفلسطيني وإبادته، وكأنّه لا يحكم بلداً عربيّاً منذ أربعين عام !. ولم يجد ما يقوله في اجتماعه الطارئ مع وزراء خارجيّة دول إتحاد المغرب العربي، والذي عقده بطرابلس يوم الثلاثاء الموافق 30 ديسمبر/ كانون الأوّل 2008م، إلاّ أنّه ذاهب غداً إلى إفريقيا حيث قال:".. أنا ذاهب لإفريقيا.. إلى غينيا لأحل المشاكل كي لا تحصل حرب في غينيا، وأحل المشاكل بين الفرقاء هناك. أنا ذاهب لإفريقيا.. مصلحة بلادي في إفريقيا، مستقبلها في إفريقيا، أمّا العرب فقد انتهينا منهم..".
 
وبالفعل، غادر القذّافي في اليوم التالي إلى سيراليون وكأن الطريق إلى غزة يبدأ من هناك !، متجاهلاً ما يحدث في غزّة وغير أبه بنداءات الفلسطـينيين المطالبة بوقوف إخوانهم العرب إلى جانبهم ومساعدتهم لوضع حدٍ للاستفزازات الإسرائيليّة وإيقاف عدوانها الغاشم الجائر عليهم. وفي حين تزداد فيه حرب إسرائيل على غزّة إشتعالاً، وتأتي على الأخضر واليابس، تنقل وكالة الأنباء الفرنسيّة (ا ف ب)، بأنّ القذّافي مدّد فترة إقامته في سيراليون إلى فترة غير محددة، فقالت الوكالة: ".. وانتقل القذّافي إلى قرية روغبير التي تبعد نحو مائة كلم عن فريتاون لتمضية فترة غير محددة فيها بحسب المصادر نفسها..".
 
غادر القذّافي إلى سيراليون وأعلن أنه، لا يثق بالعرب وأنهى علاقته بهم منذ مدّة من الوقت أو كمَا قال بالحرف الواحد (العرب خلاص إنتهينا منهم). كمَا طلب القذّافي من العرب في حديثه إلى وزراء خارجيّة دول اتحاد المغرب العربي، بـسحب المبادرة العربيّة للسلام التي قدمتها السّعوديّة والقائمة على عرض إقامة علاقات طبيعيّة مع إسرائيل مقابل إنسحابها إلى حدود عام 1967م، والتي أقرتها القمـّة العربيّة في بيروت عام 2002م. وقد علّق سعود الفيصل وزير الخارجيّة السّعودي على هذا الطلب بقوله: "..سنكون متهورين إذا قمنا بهذه الخطوة، وموضحاً أنّ المنطقة شهدت شعارات كثيرة في الماضي..".
 
وبينما سارعت دول الإتحاد الأوربي للإجتماع لأنّها لا تستطيع غض الطرف على مأساة إنسانيّة تنقل مشاهدها وسائل الإعلام إلى جميع دول العالم.. ولأنّها تخاف من أنّ تأتي تداعيات هذه الحرب على حساب مصالحها في المنطقة، ولذا، دعت الدول الأوربيّة – إسرائيل إلى وقف إطلاق النَّار.. وحثت الأطراف على العودة إلى التهدئة.. وأعربت عن قلقها العميق من العنف وحمام الدم داخل وحول قطاع غزّة، وقررت إرسال وفد برئاسة كاريل شارزينبيرغ وزير الخارجيّة التشيكي، إلى إسرائيّل والأراضي الفلسـطينيّة بهدف احتواء الوضع الملتهب المتفجر والتوصل لتهدئة ووقف لإطلاق النَّار.
 
وفي هذه الأثناء يذهب القذّافي إلى إفريقيا، ولا يكتفي بهذا فحسب بل جنّد أبنائه ووسائل إعلامه لضرب وحدة الصف العربي وإعاقة عقد القمّة العربيّة أو إفشالها إذا ما انعقدت، وقد عبّر عن هذا التوجّه حينما قال لوزراء خارجيّة دول إتحاد المغرب العربي: ".. هاهي قمـّة خليجيّة انعقدت (بدأت القمّة الخليجيّة التاسعة والعشرين في مسقط يوم 29 ديسمبر/ كانون الأوّل، واختتمت أعمالها يوم الثلاثاء الموافق 30 ديسمبر/ كانون الأوّل 2008م).. والقمـّة العربيّة ستكون مثل القمـّة الخليجيّة، هاهم قادة عرب إجتمعوا كلهم فماذا عملوا ؟!. طالبوا، وناشدوا، ونددوا، واستنكروا، وأدانوا !!..".
 
حقاُ.. قد أسقطت الحرب على غزّة القناع عن وجوه الكثيرين، وصدق الشيخ يُوسف القرضاوي حينما قال في قصيدة (يا أمتي وجب الكفاح)..
 
يا قوم.. إن الأمر جدُ قد مضى زمن المزاح
سموا الحقائق باسمها فالقوم أمرهمو صراح
سقط القناع عن الوجوه، وفعلهم بالسرّ.. باح
 
وحقاً.. شتان بين مواقف ليبيا في عهد الراحل الملك إدريس ومواقفها في عهد القذّافي منذ استيلائه على السّلطة في سبتمبر/ أيلول 1969م. فالقذّافي، لم يقدم للفلسـطينيين إلاّ ما يشتت صفهم ويؤجج ويُلهب الصراع بينهم، بل كل تآمر وكلّ شيء من شأنه عرقلة أيّ عمل جاد اتجاه القضيّة الفلسـطينيّة ووحدة الصف العربي. أمّا الملك إدريس السّنوسي، فقد قدّم للفلسـطينيين كل ما يشدّ من أزرهم.. ويدعم كفاحهم.. ويعين أبنائهم على العيش بكرامة وعزة وإباء. فقد كان الفلسطينيون الذين يعيشون بليبيا في عهده في راحة ورعاية كاملة حيث كانوا يحظون بكلّ عطف ورعاية ومساعدة.. وكانت لهم الأفضليّة للحصول على العمل، بل لقد تقلّـد الأكفاء منهم مناصب عليا في الدّولة بدأ من الديوان الملكي، إلى الهيئة المشرفة على النفط ثروة البلاد الرئيسيّة وبقيّة الوزارات المتعدّدة.. وكان أبناؤهم يعاملون مثل أبناء الليبيين، فالتعليم مُـنح لهم مجـّاناً حتى المرحلة الثانويّة، أمّا في المرحلة الجامعيّة فقد كان الطالب الفلسطيني يمنح مكافأة شهرية قدرها 25 جنيهاً شأنه في ذلك شأن الطالب اللّيبي.
 
وفي جانب آخر.. بادر الملك إدريس السّنوسي..{.. بمساندة الجهد الدبلوماسي الفلسطيني في المحافل الدوليّة، وكان سبّاقاً في دعم منظمة (فتح) لإيمانه بجدوى العمل الفدائي الفلسطيني، وسمح لها بفتح مكاتب في ليبيا، وأعطاها تصاريح للقيام بحملات لجمع التبرّعات من الليبيّين وغيرهم من المقيمين داخل ليبيا. وسمح لمنظمة التحرير الفلسطينية بفتح مكاتب لها في المدن الليبيّة الرئيسيّة وخصّص لها جناحاً خاصّاً في معرض طرابلس الدولي (1). وقد أورد أبو جهاد في مذكراته التي نشرها على حلقات في مجلة (المجلة) السّعوديّة بخصوص دعم ليبيا للقضيّة الفلسطينيّة حيثُ قالَ في العدد رقم (438) الصادر بتاريخ 5 يونيه 1988م ما نصـّه: ".. ففي ليبيا على سبيل المثال وجدنا أرضيّة جاهزة لعملنا على هذا الصعيد من خلال تحوّل (لجنة نصرة الثورة الجزائريّة) بكلّ عناصرها وإمكانياتها إلى (لجنة نصرة فلسطين). وهذه اللجنة من خلال القائمين عليها، وهم كانوا مجموعة من الطيبين الأنقياء الصادقين في عروبتهم وفي إخلاصهم للعمل القومي الذي إنصب أولاً بإتجاه الجزائر إلى أنّ نالت إستقلالها وتحرّرت، ثمّ تحوّل بإتجاه فلسطين، قدّمت لنا الكثير الكثير، خصوصاً إننا في البدايّة كنّا (حركة فتح) بحاجة إلى أيّ دعم أو مساندة، وللتاريخ والأمانة أؤكد أنّ أوّل دفعة من الدعم المالي تلقيناها كانت من ليبيا، ومن أبناء الشّعب اللّيبي...}م1.
 
ويؤكد المؤرخون وكذلك الوثائق وجداول الميزانية الليبيّة، بأنّ المملكة الليبيّة صرفت في الفترة الواقعة ما بين 1963م إلى منتصف عام 1969م ما يعادل ربع دخلها من النفط على القضية الفلسطينيّة، والدّول العربيّة المسماة بـ(دول الطوق).
 
وفي غضون اندلاع حرب يونيو/ حزيران 1967م، سارعت حكومة السيّد حُسين مازق إلى إيقاف إنتاج وتصدير النفط اللّيبي بالكامل.
 
ومن جهة أخرى.. ألتزمت المملكة الليبيّة بالإيفاء بتعهّداتها تجاه القضيّة الفلسطينيّة المقررة في اجتماعات القمّة العربيّة بالخرطوم (أغسطس/ أب/ سبتمبر/ أيلول 1967م)، ولم تلتزم دول أخرى بدفع ما تقرّر لها دفعه، بينما دفعت ليبيا حصتها إضافة إلى إلتزامها تجاه تضميد الجراح وإزالة آثار عدوان عام 1967م. وسدّدت إلتزامها المالي السنوي إلى ما يسمّى بـ(دول الطوق) بموجب مقرّرات قمـّة الخرطوم. وجاء بالخصوصِ في مقالةِ: ( لا مفرّ.. ولا هروب) للأستاذ/ رشاد الهوني نشرها في صحيفة (الحقيقة) عام 1968م، ما يلي: "..المواطن اللّـيبي الذي يتنازل عن قوته وطعامه.. ويتغاضى عن إحتياجاته ومتطلباته.. ويؤخر إنجازاته ومصالحه، إنّما يفعل ذلك لشعوره الجاد بأنّ القضايا الوطنيّة، أكبر من الظروف الحياتيّة الطارئة أو المنتظرة، ولذلك فقد فرح الشّعب اللّـيبي بتحمّل نصيبه من الإلتزام وتبنّت حكومته رغبته الأصليّة وفي حمل العبء ونتائج المعركة.. وبدأنا جميعاً نرقب في توتّر، مدى تأثير الدور اللّـيبي في جسد القضيّة الفلسطينيّة، وفي إزالة آثار العدوان.. وفي تضميد الجراح ومواصلة الكفاح حتى النصر...".
 
ألغى القذّافي المكافأة الشهريّة التي كان يتلقاها الطالب الفلسطيني الجامعي من وزارة المعارف، وشدد الخناق على تحركات الطلبة الفلسـطينيين وكافة أفراد الجالية الفلسطينيّة المقيمة بليبيا. وفي الوقت الذي جعلت المملكة الليبيّة مجال العمل مفتوحاً أمام الفلسطـينيين، يغلق القذّافي بعد استيلائه على الحكم في ليبيا كافة أبواب العمل أمام الفلسطـينيين وصادر أملاكهم وممتلكاتهم ثمّ قام بطردهم في صحراء قاحلة على الحدود المصريّة الليبيّة. ولعلّ في قصّة التاجر الفلسـطيني عطا علي التدليل على جزء ممّا نقول، فقد قامت عناصر من حركة اللجان الثوريّة بالاعتداء على تاجر فلسـطيني وتكسير محلاته والاستيلاء عليها بتهمة المتاجرة في الحلويات التي يعتبرها القذّافي نوع من الترف لا لزوم له. قادت اللجان الثوريّة..{.. تظاهرة قبل أربعة سنوات إلى محلات عطا علي للحلويات، وانهالت اللجان بالهراوات الطويلة (النبوت) على واجهة زجاج محلات عطا علي للحلويات في طرابلس وكأن صاحب محلات عطا علي دخل الجماهيريّة خلسة، ولم يحصل على ترخيص رسمي من اللجان الشعبيّة لفتح محلاته..}م2.
 
وبكلّ تأكيد.. لم ير الفلسـطينيون من معمّر القذّافي إلاّ التآمر والخيانة والعدوان. قدّم معمّر القذّافي السّلاح والدعم المالي لكلّ الفصائل الفلسطينيّة، ولم يكن ذلك الدعم بقصد تقويّة حركة المقاومة الفلسطينيّة وتوحيد صفوفها، ولكنه كان بقصد تغذية التمرد وإحياء الفتن وتقاتل الفصائل الفلسطينيّة ضدَّ بعضها. وطرد القذّافي الفلسطينيين المقيمين في ليبيا، وبملابس النوم لتحملهم حافلات الأمن القذافيّة وتلقيهم في صحراء قاحلة على الحدود المصريّة الليبيّة. قام القذّافي بهذا العمل الإجرامي المشين معتبراً إيّاه شكلاً من أشكال المعارضة على إعلان ياسر عرفات تأسيس السّلطة الوطنيّة الفلسطينيّة. وتورط القذّافي في إغتيال عدد من الشخصيّات الوطنيّة الفلسـطينيّة، ومن أبرزها عمليّة إغتيال المفكر والمناضل فتحي إبراهيم عبدالعزيز الشقاقي، مؤسس وأمين عام حركة الجهاد الإسلامي في فلسطين. اغتلته أجهزة الموساد الإسرائيليّة في مالطا يوم الخميس الموافق 26 أكتوبر تشرين الأوّل 1995م وهو في طريق عودته من ليبيا إلى دمشق بعد جهود بذلها من أجل إقناع القذّافي بالعدول عن قراره الصادر بحق الفلسطـينيين، والذي قضى بإلقائهم في الصحراء. وقبل عمليّة إغتيال الشقاقي بسنوات قامت عناصر القذّافي من حركة اللجان الثوريّة بإعدام أربعة نشطاء فلسـطينيين يعملون في حقل التدريس بليبيا، بتهمة الحزبيّة (الانتماء إلى حزب التحرير الإسلامي). ففي يوم الخميس 23 جمادى الآخر 1403 هجري الموافق 7 أبريل 1983م، قامت عناصر اللجان الثوريّة بشنق أربعة مدرسين فلسطينيين، وهم: بديع حسن بدر، نمر خالد خميس، علي أحمد عوض الله، ناصر محَمّد سريس، أمام تلاميذهم ورفاقهم من المدرسين في ساحات المدارس التي كانوا يعملون بها بمدينة إجدابيا.
 
شارك القذّافي في تصفيّة السّلاح الفلسـطيني عام 1982م، وكانت أصابعه ظاهرة في حرب المخيمات بين عامي 1984م و1986م (2). وقبل ذلك، شارك عبر أجهزة مخابراته وعملائه في تأجيج الصراع بين الفلسـطينيين وأفسد الثقة بينهم، حينما اجتاح السفاح شارون في عام (1982م) الأراضي اللبنانيّة بقوَّات بلغ تعدادها أكثر من 70 ألف جندي إسرائيلي في مواجهة 6 آلاف مقاتل فلسطيني ولبناني تحت قيادة ياسر عرفات رئيس منظمة التحرير الفلسـطينيّة آنذاك. وهو الاجتياح الذي أراد شارون منه، تدمير منظمة التحرير الفلسطينيّة والإيقاع برئيسها ياسر عرفات في الأسر، ولكن شارون وجد نفسه أمام صمود جسور لم يضعه في الحسبان إذ دام 88 يوماً، فاضطر مرغماً على قبول خروج ياسر عرفات مع قوَّاته سالماً إلى تونس بسفينة وفرتها له اليونان، فغطى على فشله وفضيحته بإرتكاب مذبحة (مخيم صبرا وشاتيلا) والتي راح ضحيتها أكثر من 3000 فلسـطينياً من سكّان المخيم. أمـّا القذّافي فقد دعا عرفات والمقاومين إلى الإنتحار في العاصمة اللبنانيّة.
 
وأواخر ترّهاته المضحكة، دعوته في كتيب أطلق عليه (الكتاب الأبيض) إلى قيام وحدة بين الفلسـطينيين والإسرائيليين في دولة (إسراطين) بمعنى إلغاء كلمة (فلسطين) من الوجود. وقد أكد على هذه الدعوة عدة مرَّات، حيث وصف القذّافي في حضور الملوك والرؤساء العرب في قمـّة الجزائر،.."..الإسرائيليين والفلسطينيين بالأغبياء بسبب سعيهم إلى إقامة دولتين منفصلتين، ودعاهما إلى الإتحاد في دولة واحدة تحت اسم (إسراطين)..".
 
تطاول القذّافي على قيادات الحركة الوطنيّة الفلسـطينيّة، ونال ياسر عرفات النصيب الأوفر من هذا التطاول، فأصدرت منظمة التحرير الفلسـطينيّة كتيب عددت فيه جرائم القذّافي ومواقفه من حركة التحرّر الفلسـطينيّة ثمّ دعا ياسر عرفات، الأمين العام للجبهة الوطنيّة لإنقاذ ليبيا لحضور جلسات (المجلس الوطني الفلسـطيني) في عمان. حضر أمين عام الجبهة الجلسة الافتتاحيّة للمجلس الوطنيّ الفلسـطيني المنعقدة بعمان في الأردن في شهر نوفمبر/ تشرين الثاني 1984م إلى جانب ملوك ورؤساء العرب وعدد من ممثلين دول العالم المختلفة ومؤسسات المجتمع المدني الدّوليّة. أراد عرفات من هذه الدعوة إيصال رسالة واضحة للقذّافي مفادها بأنّه لا يمثل موقف الليبيّين وطموحاتهم، ومعارضيه أولى بتمثيل ليبيا عنه.
 
وبعد إنطلاق حرب إسرائيل على قطاع عزة، لم يكن متوقعاً من القذّافي دعم الفلسـطينيين والوقوف إلى جانبهم، فتاريخه حافل بكلّ ما يصب في صالح أعداء الفلسـطينيين لا صالحهم. هرب القذّافي إلى أفريقيا ليستلم من وزير الإقليم الشمالي في سيراليون العضويّة الفخريّة في البرلمان السيراليوني، وهو الذي لا يرضى بوجود برلمان في جماهيريته لأنّه يرفض إشراك غيره في صنع القرار، وهذا ما نص عليه كتابه الأخضر في فصله الأوّل. ثمّ قام بجولة طائرة إلى كوناكري عاصمة غينيّا إذا التقى بقائد إنقلابها العسّكري (3)، الذي أثنى عليه وعلى إنقلابه الذي انقض البلاد من الفوضى، وصّرح أمامه بضرورة تطبيق الدستور الغيني، ما عدا المادّة المتعلّقة بتولّي رئيس جمعيتها الوطنيّة الرئاسة المؤقتة، في حالة وفاة رئيسه، ثمّ الإشراف على انتخابات رئاسيّة، (أيّ أنّ القذّافي يلقّـن المسئولين في غينيا درساً في الديمقراطيّة والحكم الدستوري، والذي افتخر برميه في سلّـة المهملات منذ قيامه بانقلابه الأسود والذي دام أربعين سنة، ثمّ زار منروفيا عاصمة ليبيريا وقابل رئيسة جمهوريتها السيّدة سيرليف بالمطار أيضاً ، مدعياً بأنّ اجتماعه مع الرؤساء بالمطارات ولساعات معدودة يمكنها حلّ مشاكل أفريقيا الأعقد في العالم.. وأخيراً حطّ موكبه الطائر في باماكو عاصمة مالي، فأقام فيها وتفقّد مشاريعه (تشييد فنادق خمس نجوم ومشروع شقّ ترعة من نهر النيجر لسقي أراضي صحراويّة)..إلخ)، وكأنّه يتشفّى من شّعب ليبيا المقهور الذي تركه يرسف في أغلال الإستبداد البوليسي والفقر والتأخر، وكأنّه يتوهم بأنّ حلّ بعض مشاكل أفريقيا بتبديد الأموال في مشاريع مظهريّة مرتبطة باسمه، وحلّ الخلافات الشخصيّة بين رؤساء أفريقيا أهمّ من إيقاف حرب مدمرة في بلد القدس الشريف. ذهب القذّافي إلى إفريقيا وكأن الطريق إلى غزّة يبدأ من سيراليون.
 
وبين مواقف ليبيا الأمس في عهد الملك إدريس السّنوسي ومواقف القذّافي اليوم، ننشر تقرير صحفي كُتِبَ في صحيفة (اليوم) اللبنانيّة في صيف عام 1966م.(4)
 
السيّدة الفلسـطينيّة نـَدى حمـَامي تقول شهادتها في المملكة الليبيّة:
 
نشرت الصحيفة اللبنانيّة (اليوم) التي يترأس أسرة تحريرها الأستاذ/ وفيق الطيبي، تقريراً لمندوبها في طرابلـس بعد اجتماعه بالسيّدة حمـَامي، والتي أدلت بشهادتها بخصوص موقف المملكة الليبيّة من القضيّة الفلسـطينيّة، وما تقدمه للاّجئين الفلسطـينيين الذين يقيمون في ليبيا. نشرت الصحيفة التقرير المذكور تحت عنوان: "ليبيا.. تسَـاهم في دعـم حركـَة تحرير فلسـطين" في صفحة (45) في عددها رقم (7029) الصادر يوم الأحد 13 ربيع الثّاني 1386 هجري الموافق 13 يوليو/ تَمّـُوز 1966م، وهو العدد الذي خصصته الصحيفة بالكاملِ عن ليبيا، في عنوان كُتِبَ باللون الأحمر: (ليبيا اليوم)، وقد وُضِعَ العنوان على الغلاف الرئيسي للصحيفة.
 
رحم الله الملك إدريس السّنوسي والأستاذ/ وفيق الطيبي.. ولنقف جميعاً، بعد الترحم عليهما، على التقرير القصير الذي نشرته صحيفة (اليوم) على لسان السيّدة نـَدى حمـَامي.... وجاء نص التقرير كمَا يلي: -
 
ليبيا.. تسَـاهم في دعـم حركـَة تحرير فلسـطين
بقـلم السيّدة: نـَدى حمـَامي
 
".. يعيش في المملكة الليبيّة عدد كبير من أخواننا عرب فلسـطين حيث يحظون من الشّعب اللّـيبي والحكومة الليبيّة بكلّ عطف ورعاية ومساعدة، وبعضهم يشغل مناصب هامـّة في الشـركات والمؤسسات الإقتصاديّة. وتعير الحكومة الليبيّة قضيّة فلسطـين إهتماماً خاصّاً بإعتبارها قضيّة العرب الأولى. وقد قررت الحكومة الليبيّة أخيراً أنّ تزيد تبرعها لوكالة غـوث اللاّجئين الفلسطـينيين لهـذا العام 20000 إلى 100000 دولار. وقد أعلـن الدّكتور وهبي أحمد البـوري (5) مندوب المملكة الليبيّة الدائم في الأمم المتحدة في رسالة وجهها إلى السكرتير العام للمنظمة.
 
وفي طرابلـس اجتمع مندوبنـا بالسيّدة نـَدى حمـَامي، وهي من طولكرم في فلسطـين ونزحت إلى ليبيا في عام 1955م وعملت كـمشرفة ومعلمة في مدرسة الممرضات بطرابلـس. قالت السيّدة نـَدى حمـَامي: (.. إنـّني كـمواطنة فلسـطينيّة يُـشرفني أنّ أتحدث (لليوم) الـغراء نيابة عن أخواني وأخواتي من الشّعب الفلسطـيني الـمُشرد والذين يقيمون في المملكة الليبيّة، فنحن هنا نلقى من الشّعب والحكومة كلّ عطف ومساعدة، ونتلقى مـساعدات قيمة وقد منح المسؤولون جميع الفلسطـينيين إمتيازات عدة منها قبول أطفالهم مجـّاناً في شتى المراحل التدريسيّة وخاصـّة في الجـامعات. ويتلقى الطالب الفلسطيني مكافأة شهريّة من وزارة المعارف قدرها 25 جنيهاً شأنهم في ذلك شأن كلّ الطالب اللّيبي. ومجال العمل أمام الفلسطـينيين في ليبيا مفتوح. والفلسطـيني في ليبيا يعطي حق الأفضليّة للحصول على العمل، وذلك تلبية لرغبـة العاهل اللـّيبي العظيم ورعايّة وليّ العهد المحبـوب...
 
وتتمتع منظمة التحرير فلسطين في ليبيا بمركز مرموق كمَـا يتمتع رئيسها السيّد رامـز فاخـرة بإمتيـازات دبلوماسيّة ويعامل كـسفير معتمد وللمنظمة مكتب كبير في أهمّ شوارع طرابلـس وترعاه الحكومة الليبيّة بالمسـاعدة والتشجيع.
 
وحبذا، لو حذت بعض الدول العربيّة حذو المملكة الليبيّة فيما تقدمـه للمنظمة وللرعايـا الفلسطـينيين من مسـاعدات وتسهيلات وتأمين أعمال. ولـمنظمة التحرير فلسطينيّة في ليبيا نشاط ملموس..).
 
وقد خصت السيّدة نـَدى حمـَامي الصحافة الليبيّة بالـشكر الجزيل لموقفها المـُشرف من قضيّة فلسطين واللاّجئين العرب، وكذلك إذاعة المملكة الليبيّة لتخصيصها ركناً معيناً هو (ركـن فلسـطين)..".
 
(انتهى التقرير)
 
وفي الختام.. قلوبنا تتمزق وعيوننا تذرف ونحن نشاهد أشلاء الضحايا من الأطفال والشيوخ والنساء.. والرجولة تعذبنا ونحن نقف عاجزين أمام أجساد إخواننا الممزقة، ونساؤنا وأطفال يعيشون في العراء..
 
وأمام هذه المشاهد، لم يعد لعيشتنا معنى ولا لحياتنا قيمة ومغزى.. لا نفع من طعامنا بعد أنّ أثقلت الأوجاع بطوننا.. ولا حاجة للشراب بعد أنّ يبست العروق ولم يعد من شأنها تحريك عضلة فينا ولا عقل.. ولا قيمة لحياتنا بعد أنّ أصبحت أجسادنا بلا أرواح.. نحن مقبورون أهل غزّة، وإن كانت أجسادنا لم توارى بعد في التراب..
 
عفواً، يا أهل غزّة فنحن أيضاً محتلون مثلكم ولكن بمستعمر محلّي لا أجنبي، مستعمر متربع على عرش السّلطة منذ أربعين عام، وعجزنا – وإلى الآن – على هزيمته والإطاحة به. فلا فرق بين مستبد ومستعمر، فالاستعمار والاستبداد وجهان لعملة واحدة...
 
يا أهل غزّة.. الاستبداد شتت أوصالنا وأوصد في وجوهنا الأبواب والمنافذ، فكما حاصركم المستعمر ودمر مساكنكم وشرد أبنائكم وقتل أطفالكم، فعل بنا القذّافي كما فُعِلَ بكم ففي يوم واحد فقط حصد مرتزقته أرواح 1200 سجين رأي في سجن بوسليم وذلك يوم الإثنين الثامن من رمضان 1416 هجري الموافق 29 يناير/كانون الثاني 1996م.
 
يا أهل غزّة.. نحن قليلو الحيلة، وربّما صمودكم ومقاومتكم تحرَّك شيئاً ما بداخلنا، فنثور على جبننا وخوفنا فنقف في وجه الطاغيّة المستبد حتى نعيد لبلادنا إستقلالها الذي سُلِبَ منها منذ أربعين عام...
 
سامحونا يا أهل غزّة.. ولا تنتظروا منا الوقوف إلى جانبكم ونصرتكم فالعاجز عن تحرير نفسه لا ينتظر منه أنّ يحرر الآخرين..
 
سامحونا... فلم نعد نملك لكم ولنا سوى الدعاء وما يسمح به المستبدون من عون ضئيل، ولعل، الله سبحانه وتعالى يستجيب لدعائنا ودعائكم في هذه الأيام المباركة فيتحقق النصر ويظهر نور الصباح..
يا أمتي، صبراً، فليلك كاد يسفر عن صباح
(6)
 
لابُدَّ للكابوسِ أنّ ينزاحَ عنا أو يُزاح
والليلُ إنّ تشتد ظلمته نقول: الفجر لاح
 
الصـادق شـكري
6 يناير/ كانون الثاني 2009م

ملاحظات وإشارات هامّة:
 
1) معرض طرابلس الدولي: تأسس المعرض بموجب المرسوم الملكي الكريم الصادر بتاريخ 22 فبراير/ شباط 1959م، ونص القانون على أنّ يدير المعرض مجلس إدارة ومدير عام يعينهما مجلس الوزراء. يقع المعرض في قلب مدينة طرابلس على مساحة تبلغ نحو 100 ألف متر مربع، ويحتوي على جميع المرافق العامـّة الضروريّة، وبه مستوصف ومركز بوليس ومطاعم ومقاهي وسينما ومدينة ملاهي ومركز للمطافئ، وقد زيدت أشياء أخرى خلال دوراته السنويّة (بين شهري فبراير/ شباط ومارس/ آذار من كلّ عام )، كمَا أُنِقصت مدّة إنعقاده من أربعة أسابيع إلى ثلاثة فقط.
 
عُقِدت 8 دورات للمعرض منذ تأسيسه حتى تاريخ الإنقلاب الأسود في عام 1969م. كان معرض طرابلس الدّولي من أوائل المعارض في الشرق الأوسط، وقبل أنّ تعرف معظم الدول العربيّة هذا النشاط الهام. ويذكر، أن المعرض كان يحظي بإهتمام بالغ من كافة الدول والشركات العالميّة، ونجاحاته أدهشت المراقبين ورؤساء المعارض الدوليّة في أوربا والأمريكتين، وقد سأل أحدهم مسؤولاً ليبياً عن الكيفيّة التي استطاع معرض طرابلس أنّ يحقق بها هذا النجاح، فأجابه: "إنّه العمل.. وهو وحده الكفيل بتحقيق المعجزات..".
 
وعن أهداف المعرض، قال الأستاذ مختار المنتصر المدير العام (عام 1967م)، أن الغرض من إقامة المعرض كل عام بين 28 فبراير/ شباط و 20 مارس/ آذار، تحقيق ما يلي:
 
أ – الانفتاح على العالم، وتحقيق أهداف إقتصاديّة لليبيا من خلال جعل المعرض ملتقى عالمي لرجال التجارة والاقتصاد والأعمال.
 
ب - تحقيق توازن إقتصادي بين القارة الإفريقيّة وبلاد العالم بحكم موقع ليبيا الإستراتيجي الواقع في قلب إفريقيا.
 
ج – التعريف بالمملكة الليبيّة واثارها ومعالم نهضتها.
 
ويذكر، أنّ عدد الذين زاروا معـَرض طرابلس الـدَّولي في دورته السَّـادس التي انعقدت بين 28 فبراير/ شباط 1967م و 20 مارس/ آذار 1967م، بلغ من الليبيّين والغرباء قرابة النصف مليون زائر وزائرة وتراوح عددهم بين 15 و 20 ألف زائر في اليوم الواحد. يضاف إلى هذا العدد 10000 بطاقة مجانيّة وزعت على المدعوين والضيوف من الوفود والشخصيّات ورجال الصحافة والسلك الدبلوماسي العربي والأجنبي. كمَا يذكر أنّ بريطانيا والولايات المتحدة الأمريكيّة كانت قد تقدمت بطلب بعد النجاحات المدهشة التي حققها المعرض، بهدف زيادة مساحة جناحيهما بمقدار 2000 متر مربع. كان المشرفون على معـَرض طرابلس الـدَّولي في عام 1967م أي في الفترة التي انعقدت فيها دورته السَّـادس، كل من: الأستاذ/ أحمد راغب الحصائري (رئيس مجلس الإدارة)، والأستاذ/ مختار المنتصر (المدير العام)، والأستاذ عمر حبيب (رئيس قسم الصحافة).
 
وأخيراً.. تراجع دور ونشاط معـَرض طرابلس الـدَّولي منذ استيلاء معمّر القذّافي على السّلطة في عام 1969م، وتوَّقفت دورات المعرض عن الانعقاد منذ بدايات النصف الثاني من سبعينيات القرن المنصرم، واستأنفت سّلطة الإنقلاب نشاط المعرض منذ بداية عام 2001م بعد توّقف دام أكثر من عقدين من الزمان، ولكن السّلطة لم تتمكن إلى الآن (2009م) من تحقيق أيّ نحاج يذكر للمعرض خصوصاً وأن دول عربيّة أخرى استطاعت في فترة تغييب معـَرض طرابلس الـدَّولي أن تجد لنفسها مكاناً بين المعارض الدّوليّة وتحل محل ليبيا التي ما كان لها أن تأخذ مكانتها لولا إنقلاب سبتمبر من عام 1969م.
 
أنظر إلى ما جاء في صفحة 42 و43 تحت عنوان: " معـَرض طرابلس الـدَّولي السَّـادس" في مجلة (اليوم) اللبنانيّة، العدد رقم (7029) الصادر يوم الأحد 13 ربيع الثّاني 1386 هجري الموافق 13 يوليو/ تَمّـُوز 1966م. وأنظر إلى كتاب: (هذه ليبيا) الصادر عن (وزارة الإعلام والثقافة) – طرابلس/ ليبيا عام 1966م.
2) حرب 1982م، وحرب المخيمات: التواريخ والمعلومات العامـّة الواردة في هذه الفقرة مصدرها موقع: (ويكيبيديا، الموسوعة الحرَّة) على شبكة الإنترنت الدوليّة.
 
3) الإنقلاب في غينيا: كان المجلس العسّكريّ برئاسة النقيب (موسى داديس كمارا) استولى على السّلطةِ في غينيا اثر إنقلاب عسّكريّ أعقب وفاة الرئيس لانسانا كونتي عن 74 عاماً بعدما حكم البلاد لمدة 24 عاماً. وقوبل هذا الإنقلاب بموجة احتجاج دوليّة لكنه نال دعماً من الرئيس السنغالي عبدالله واد.
 
أنظر ما جاء في التقرير الإخباري في موقع (المنارة) بتاريخ 3 يناير/ كانون الثاني 2009م تحت عنوان:" القذّافي في سيراليون 'لفترة غير محددة".
 
4) صحيفة (اليوم): هي صحيفة لبنانيّة يوميّة سياسيّة مستقلة، وأسهها المرحوم الأستاذ عفيف الطيبي نقيب الصحافة اللبنانيّة الأسبق، وشقيق المرحوم الأستاذ وفيق الطيبي الذي ترأس أسرة تحرير صحيفة (اليوم) في ستينيات القرن المنصرم. وآلات ملكيّة الصحيفة فيما بعد إلى الأستاذ/ وليد الطيبي (تُوفي في مايو/ أيار من عام 2005م) نجل الأستاذ وفيق، والذي كان في نفس الوقت عضواً لمجلس نقابة الصحافة اللبنانيّة، والمدير المسؤول لمجلة نقابة الصحافة. كمَا يذكر أنّ كريمة الأستاذ وفيق الطيبي، هي زينة الطيبي الكاتبة اللبنانيّة المعروفة.
 
وفي جانب آخر، يُذكر أنّ الأستاذ/ وفيق الطيبي رئيس تحرير صحيفة (اليوم) كان قد زار ليبيا في شهر يونيو/ حزيران 1966م وقد أقام له الأستاذ/ أحمد حمودة سيالة وكيل وزارة الإعلام والثقافة حفلة غذاء في فندق (الودان) بطرابلس حضره كبّار موظفي الوزارة والزملاء أصحاب الصحف الليبيّة.
 
أنظر إلى العدد الخاص من مجلة (اليوم) اللبنانيّة، العدد رقم (7029) الصادر يوم الأحد 13 ربيع الثّاني 1386 هجري الموافق 13 يوليو/ تَمّـُوز 1966م.
 
5) الدّكتور وهبي البوري: هو: وهبي أحمد عقيلة البوري المولود في 23 يناير/ كانون الثاني 1916م. هاجر والده مع أسرته إلى مصر عقب إحتلال إيطاليا لليبيا. عاد البوري إلى مدينته بنغازي فدرس في مدراسها حتى تحصل على الشهادة الإعداديّة. وعاد مجدّداً إلى الإسكندريّة وواصل دراسته هناك، ثمّ إلى إيطاليا حيث تحصل على الشهادة الجامعيّة من جامعة نابولي. ودرس في ستينيات القرن المنصرم بالولايات المتحدة الأمريكيّة حيث تحصل على شهاداته العليا. كان البوري ذا صلة وثيقة بالقضيّة الفلسـطينيّة فهو مؤسس وكالة الأنباء الفلسـطينيّة كذلك عمل مديراً لمكتب مفتي فلسـطين أمين الحسيني، ثمّ في (مكتب فلسطين) في جامعة الدول العربيّة، وبعد عودته إلى ليبيا كان عضواً في اللجنة التي أرسلت المتطوعين في حرب فلسـطين عام 1948م.
 
عمل البوري في (إذاعة روما) الناطقة بالعربيّة، ثمّ (إذاعة فلسطين)، ومراسلاً صحفياً للجامعة العربيّة في عهد رئاسة عبدالله عزام، ولكن بدايته في العمل كانت مع الصحافة الليبيّة، ومع صحيفة (ليبيا المصورة) تحديداً.
 
عُيِنَ البوري في عام 1953م مستشاراً في السفارة الليبيّة بـالقاهرة ثمّ مندوباً لليبيا في جامعة الدول العربيّة. وعُيِن وزيراً للخارجيّة ثمّ وزيراً للدولة في عهد حكومة السيّد/ عبدالمجيد الهادي كعبّار (الحكومة الرابعة) والتي استمرت من 26 مايو/ أيار 1957م إلى 16 أكتوبر/ تشرين أوّل 1960م. وعُيِن وزيراً للدولة في عهد حكومة محَمّد عثمان الصيد (الوزارة الخامسة، والتي استمرت من 16 أكتوبر/ تشرين أوّل 1960م إلى 19 مارس/ آذار 1963م. فقد عُيِنَ في التعديل الأوّل لحكومة الصيد وزيراً للعدل 3 مايو/ أيار 1961م، واستمر في نفس المنصب في التعديل الثاني الذي جرى في 6 يونيو/ حزيران 1962م. ثمّ وزيراً للشؤون البترول في التعديل الثالث في نفس الحكومة وذلك في (11 أكتوبر/ تشرين أوّل 1962م). وعُين وزيراً للخارجيّة في 18 مارس/ آذار 1965م حتى 2 أكتوبر/ تشرين أوّل 1965م، وذلك في عهد حكومة حُسين يوسُف مازق (الوزارة الثامنة) والتي استمرت من 18 مارس/ آذار 1965م إلى 1 يوليو/ تموز 1967م.
 
كذلك عمل سفيراً، ثمّ مندوباً دائماً لليبيا في هيئة الأمم المتحدة حتى ساعة وقوع إنقلاب سبتمبر/ أيلول من عام 1969م. أبعده الإنقلابيون عن مجالات العمل الدبلوماسي والسياسي فاستقر في مدينة بنغازي من عام 1970م إلى عام 1979م حيث عُيِنَ في هذا العام مستشاراً في منظمة الدول العربيّة المصدرة للبترول في دولة الكويت حتى عام 1986م، وليعود في هذا العام إلى مدينته بنغازي، فيستقر بها إلى الآن (يناير/ كانون الثاني 2009م).
 
الدّكتور وهبي البوري أوّل من كتب القصّة القصيرة بليبيا، حيث نشرت له مجلة (ليبيا المصورة) في عام 1936م أولى قصصه المعنونة بإسم (ليلة الزفاف)، وهي القصـّة التي يعتبرها المؤرخون والنقاد في ليبيا – أوّل قصـّة ليبيّة متكاملة فنياً في الأدب اللّـيبي المعاصر.
 
ترجم البـوري مقالات وكتب عن الإيطاليّة إلى العربيّة، وقدّم عدة تقارير صحفيّة للصحافة الليبيّة كمَا أعد صفحة تسالي (الكلمات المتقاطعة) في ثلاثينات القرن الماضي، وكان هو أوّل من أدخلها إلى الصحافة الليبيّة، وربّما إلى الصحافة العربيّة بشكلَ عام. عمل كإعلامي عربي في روما من خلال إذاعة إيطاليا، وإذاعة فلسطين التي تُعرف بـ(إذاعة العرب) والتي كانت تبث من روما ومن أحراش غابات يوغسلافيا. كان البوري مسئولاً علي نشرة الأخبار في الإذاعة حيث كان يقوم بقراءة ما تكتبه وكالات الأنباء كلها فيأخذ منها الأخبار ثمّ يترجمها ويعدها ويذيعها على المستمعين. وعمل أيضاً في مكتب فلسطين في الجامعة العربيّة بعد تأسيسه لقسم الإعلام، ووكالة أنباء فلسطين، وكان ذلك عقب الحرب مباشرة حيث سيعود إلي بلاده ليبيا ليشارك في مناصب سياسيّة ودبلوماسيّة تجعله علي صلة بالكثير من حكام العالم من أمثال: نهرو وكنيدي وجمال عبد الناصر، إلى صلته بخبراء ومثقفين من دول مختلفة من العالم.
 
وظف المؤرخ البوري خبرته من خلال عمله مندوباً سابقاً لليبيا في الأمم المتحدة لكتابة (البترول والعلاقات العربيّة الأفريقيّة) الذي أصدرته منظمة الدول العربيّة المصدرة للبترول، و(النفط في العلاقات العربيّة والدوليّة) عن نفس المنظمة. أصدر له مجلس الثقافة العام بليبيا كتاباً، بعنوان: (بنغازي في فترة الإستعمار الإيطالي) حيث صدرت طبعته الأولى عام 2007م وطبعته الثانيّة عام 2008م. كمَا أصدر له المجلس عام 2008م كتاباً تحت عنوان: (مجتمع بنغازي في النصف الأوّل من القرن العشرين). وللمؤرخ البوري عدة إصدارات أخرى، من بينها: (بواكير القصة الليبيّة) عام 2004م، و(بنك روما والتمهيد للغزو الإيطالي) عام 2007م. وترجم البوري عدة كتب من الإيطاليّة إلى العربيّة، ومنها: (الحرب الليبيّة 1911م-1912م) لفرانشيسكو مالجيري، و(الكفرة الغامضة) لدانتي ماريا توتينيتي، و (ببلوغرافيا ليبيا) للكاتب الإيطالي تشكي الذي جمع فيه ثلاثة الآلف عنوان عن ليبيا قبل عام 1914م.
 
الدّكتور وهبي البوري تاريخ في رجلِ، ورجلُ ساهم في مجالات عدة وترك بصماته في كلّ مكان عمل به. يمتلك ذاكرة حديديّة ويفتح بيته إلى كلّ باحث جاد يعمل من أجل إظهار الحقيقة وإنصاف الرجال الذين قدموا لليبيـا كل ما أستأمنه الله عندهم. أمد الله في عمره ودام عليه صحته وذاكرته النشطة التي يحتاجها تاريخنا كاحتياجه للوثائق، فرواية المشاركين وشهود العيان جزء لا يتجزءا من كتابة التاريخ.
 
أنظر لـحديث الدّكتور/ وهبي أحمد البوري مع الأستاذ/ أحمد الفيتوري صاحب مدونة (سريب)، المنشور يوم الثلاثاء الموافق 16 ديسمبر/ كانون الأوّل 2008م – الحديث المنشور في قسم (الحوارات) في المدونة تحت عنوان: (البوري رجل العصر الذي أسس وكالة الأنباء الفلسـطينيّة.. يتحدث لمدونة سريب عن علاقته بالقضية الفلسـطينيّة قبيل الحرب العالميّة الثانيّة). وأنظر إلى موقع (مجلة كراسي) قسم (الملاحق الثقافيّة) في التعريف المنشور في الصفحة والذي خصصه الأستاذ/ فتحي العريبي رئيس تحرير المجلة، للدّكتور/ وهبي أحمد البـوري. وأنظر إلى ما كتبه الصحفي خالد المهير في (الجزيرة نت) بتاريخ 23 يناير/ كانون الثاني 2008م حول الأستاذ/ وهبي أحمد البوري تحت عنوان: (ليبيا تؤرخ للاستعمار الإيطالي في كتاب جديد).
 
6) يا أمتي: الأبيات أعلى الصفحة من قصيدة (يا أمتي وجب الكفاح) للشيخ يُوسف القرضاوي.
 
مصادر ومراجع:
 
م1) المؤلف – الجزء الأوَّل ( 8 مِن 13 ) من مقالة: " هدرزة في السّياسَة والتاريخ / الملك.. العقيد.. المعارضة الليبيّة في الخارج" - موقع ليبيا المستقبل (أرشيف الكاتب) المنشورة صيف 2005م.
 
م2) الأستاذ/ يوسف فضل - مقالة: (جولات شهريار) - موقع (الحارس للدّراسات والإعلام)/ فلسطين - المقر الرئيسي - بيت لحم.
 

 

 

علي: لاشك ان السيد صادق شكري من الليبيين القلائل الذين يتميزون بالابداع في كتابة السير الذاتية للشخصيات الليبية وهو هنا في عرضه لسيرة الاستاد البوري لاتملك الا ان يزداد اعجابك باسلوبه السلس وغزارة ودقة معلوماته فارجو الاستمرار ياسيد صادق فانت الصادق المصدوق.

مواطن عادى: سوف لن نرى الخير طالما ان الثوريين السفاحين القتلة المجرمين يتحكمون فى بلادنا وهم القادة فيها فماذا نتوقع من مجرم فى موقع القيادة والرياسة من امثال الزايدى واحمد ابراهيم و صالح ابراهيم ومعتوق وعبدالله السنوسى والتهامى خالد وغيرهم من عشرات المجرمين الذين يحكومون هذا الشعب المسكين انسأل الله الفرج القريب

يونس المسطـاري: الأخ الفاضل/ الصادق شكري السلام عليكم ورحمة الله بارك الله فيك وبارك قلمك الصادق
الناصع وكما عودتنا في كل مقالاتك ودراساتك القيمة، اعطيت الموضوع حقه وقمت بتغطيته وبشكل حرفي وبأسلوب مشوق وممتع من جميع جوانبه. نحتاج وسط هذا التهريج وهذه الغثائية المفروضة علينا إلى أقلام جادة وإلى طرح محترم لقضايانا وهمومنا وفي الوقت نفسه إلى توعية مختلف الأجيال بالفارق الواسع بين العهدين: الملكي والفاشي، عهد التضامن الصادق والمخلص مع قضايا امتنا العربية والإسلامية بقيادة الملك الصالح الراحل محمد إدريس السنوسي وعهد الخيانة والغدر بها والتنصل منها بقيادة القذافي. اخوك/ يونس المسطاري
الماجوري/ بنغازي.

احمد: معرض طرابلس بنى وافتح عام ١٩٢٦ وقام موسيلينى بافتتاحه واستطيع ارسال صور لدلك واسمهla fiera di tripoli

فاروق: شكرا للكاتب الليبى الصادق شكرى على كل مقالاته وابحاثه القيمة التى يقوم بها والتى  عبرها يسلط الضوء على تاريخ ليبيا المطموس واسال الله ان تكون كل اعماله خالصه لوجهه الكريم وفى ميزان حسناته. والرحمه على الملك الصالح الادريس الذى كان يحتضن اللاجئين والهاربين من عسف حكامهم  فى بلاده المملكة الليبية  تقربا لله ونصرة للمظلومين عاشت بلادى ليبيا بدستور استقلالها وعاشت راية الاستقلال واسال الله ان تعود تلك الدولة التى عاش الليبيين فى ظلها  بكرامة وعزة.

مصدق بوهدمة: المملكة الليبية كانت تقدم المساعدات الى القضية الفلسطينية دون منة ودعاية بل كانت تنكر الذات رغم عظم العطاء.لم تمارس حكوماتها الدعاية والحملات الأعلامية التى كانت تمارس لتزيين أنظمة الحكم فى المنطقة العربية . ولعل المقارنة بين المملكة الراشدة والجماهرية الطائشة فى هذا المقال تبين الفرق بين الأثنين وتجعل المرء ينظر بأعزاز الى تاريخ ليبيا فى زمن حكم العقل و أحترام الذات وأن مواقف النظام المتخلف فى الجماهيرية لأ تعبر عن تطلعات الشعب الليبى نحو مساعدة أخوانه فى غزة. شكرا للصديق الصادق فى مقاله.

ابن بنغازي فى المهجر: الاستاذ الصادق شكري بارك الله فيك وجزاك الله خيرا عبى هذه الاضافة الرائعة من كتاباتك التوثيقية المهمة لتاريخ ليبيا وللاجيال القادمة وخاصة فى هذه الايام العصيبة لاهلنا فى غزة نسال الله بان ينصرهم نصرا مؤزرا وما ذلك على الله بعزيز.

مواطن دوت كوم: بوركت أيها الصادق.... فما قلت إلاّ الصدق ولا غير. عاشت ليبيا الدستور (عام 51) وليبيا الإستقلال.... إستقلال الإدريس ولا سواه.

للتعليق على المقال
الإسم:
العنوان الإلكتروني:
التعليق