14/03/2009

 
من ضحايا الارهاب: المحامي محمود عبد السلام نافع
 
بقلم: د. فتحي الفاضلي

أرشيف الكاتب


 
 
"اذا كانت هناك ثمة حرية يتكلم عنها القذافي، فهي حريته المطلقة،
في اهدار حقوق المواطن الليبي، وانتهاك حرياته، الاساسية والسياسية"
الشهيد محمود نافع
 
كتب المحامي محمود نافع، رثاء في الشهيد محمد مصطفى رمضان، نُشر بعد يومين في مجلة الجهاد، لكنه لم يكن الرثاء اليتيم، فقد نُشر بجانبه رثاء في المحامي محمود نافع نفسه، فقد اغتالته نفس المجموعة الارهابية، بعد اسبوعين فقط، من اغتيال الشهيد محمد مصطفى رمضان.
 
ففي اليوم الخامس والعشرين من شهر ابريل من عام 1980م، اقتحم ارهابيان من اعضاء اللجان الثورية، مكتب المحامي محمود نافع، الواقع في حي كانزنتون بلندن، عند الساعة العاشرة والنصف صباحا، وطلبا التحدث مع الاستاذ محمود، على اعتبار انهما على موعد معه، وعندما ظهر عليهم، اطلق عليه احدهم، وهو الارهابي "مبروك الجدال" الرصاص، فسقط مضرجا في دمائه، ودفن جثمانه الطاهر في مصر.
 
استطاعت الشرطة البريطانية القبض على "الجدال"، وقدم في 16 سبتمبر من عام 1980م، الى محكمة "اولد بيللي" العليا، هو و"بلحسن محمد المصري"، و"نجيب مفتاح القاسمي"، وهي المجموعة التي شاركت في اغتيال الشهيدين، نافع ورمضان، وحكمت عليهم المحكمة بالسجن المؤبد. وورد في موقع "ليبيا العدالة"، اشخاص اخرون، شاركوا في اغتيال الشهيد، وهم: محمد غانم، ويوسف عبد السلام محمد، وسالم مفتاح بن رزق. كما ضمت اللجنة الثورية في بريطانيا، والتي شاركت في عمليات الاغتيالات في الخارج، مباشرة او غير مباشرة، اعدادا وتخطيطا وتنفيذا، كل من: موسى كوسة، واحتيوش فرج احتيوش، وعبد القادر المسلاتي، وحسن الاصيبعي، وبالقاسم عبد الله، والمبروك القايد، والمبروك ابراهيم صافار، وعياد الاربش، وسعد السنفاز، ومحمد مصطفى المغربي، وخليفة العزابي، وامحمد الحمروتي.
 
فمن هو الاستاذ محمود نافع؟
 
ولد الاستاذ محمود عبد السلام نافع في مدينة طرابلس، وهو كاتب ومتقف ومحامي ناجح جدا، يدير مكتبا للاستشارات القانونية في لندن، متزوج وله طفلان. وقد خرج من ليبيا في 1969م. وبلغ من العمر، ساعة اغتياله، اربعين عاما. والاستاذ محمود، مشهود له بالوطنية والجراءة والشجاعة، ومن الادلة على ذلك، الرثاء الذي كتبه في الشهيد محمد مصطفى رمضان، فكتابة رثاء في مثل ذلك الشهيد، يحمل في طياته ما يحمل، من تحدي للنظام، الذي كان في اوج جبروته وقوته وطغيانه، في ذلك الوقت، الذي شهد موجة الاغتيالات الاولى في اوروبا.
 
تقول مجلة "الجهاد" عن الاستاذ محمود:
 
لقد بدأ محمود نافع معارضته للنظام مبكرا، وكان جم النشاط ،غزير الكتابة، يعمل دون كلل، ولم يكن يتأخر عن اية مساهمة تُطلب منه، مالية كانت، او معنوية، وكان يقوم بكل هذا بصمت واصرار، وكان يتحمل العديد من المشاق والمخاطر في هذا الصدد، كما كان يعاني من عنت العديدين. ولم يخفف كل ذلك من نشاطه، ولا من ايمانه، بضرورة الاستمرار، في بذل كل الجهود، للاطاحة بالنظام القائم. انتهت كلمة الجهاد.
 
كانت "الكلمة" هي سلاح الشهيد، وكان من رواد التصدي للنظام القمعي في ليبيا، وكان نقده للنظام، نقدا موضوعيا ميسرا مباشرا. كما اهتم اهتماما خاصا، بالدفاع عن الانسان وحقوق الانسان في ليبيا.
 
يقول الاستاذ محمود في احدى مقالاته التي نشرها بعنوان "ابريل شهر الدم.. والشهداء": ان المطلوب من الليبيين في الخارج، العمل والتكاتف والتظافر، والمساهمة المادية، من اجل توسيع رقعة المعارضة، وشموليتها لكل الوطنيين الليبيين في الخارج، حتى تكون مؤثرة وفعالة وقوية، وان شعبنا المشرد، في الخارج، سيبقى مشردا، ومهددا يوميا، بالتصفية والاغتيال، مالم يتحد ويعمل متكاتفا، وينبذ الاعتماد على الحلول الفردية، التي يطرحها كل شخص بمعزل عن الاخرين.
 
وفي مقال اخر بعنوان "اللجان الثورية والحكومات الدكتاتورية.. يمارسان نفس الاسلوب"، ذكر الكاتب ان المسميات المتعددة، من امثال "سلطة الشعب" و"ثورة الفاتح" و"الجماهير" و"الجماهيرية"، وغيرها من المصطلحات المستخدمة في ليبيا، هي في الواقع كلمات لتمجيد "القذافي" نفسه، وان الهتاف بها، يعني تمجيده، وانه لا فائدة معنوية او مادية، من وراء هذه المصطلحات، لليبيا او الليبيين. وانما هي شعارات جوفاء، تغذي غرور النظام ورأس النظام.
 
لاحظ اخي القاريء ان هذه اكلمات كتبت في السبعينات.
 
ويعتبر كتاب "حقوق الانسان.. والحريات الاساسية في دكتاتورية القذافي"، احد اهم اعمال الشهيد محمود نافع، وكان ينوي اصداره في ثلاثة اجزاء، وكان كلما انجز حلقة من الكتاب، نشرها في مجلة "الجهاد"، التي كان يصدرها "التجمع الوطني الليبي". وبعد وفاته اصدر "التجمع" الكتاب كاملا. كما كان يعمل على نشر كتاب اخر، بعنوان "اوضاع ليبيا في عهد الارهاب القذافي".
 
وفي كتابه "حقوق الانسان.. والحريات الاساسية في دكتاتورية القذافي"، قارن الكاتب (رحمه الله) بين الحقوق التي حُرم منها الانسان الليبي، وبين ما يجب ان يتمتع به من حقوق، حسب ما ورد في "البيان العالمي لحقوق الانسان"، وحسب المتعارف عليه، من الحريات الاساسية والسياسية العامة، التي يجب ان يتمتع بها الانسان في العالم.
 
وقد استخدم الكاتب في هذه المقارنة، اقوال معمر، والقوانين التي اصدرها النظام الليبي، والتي اتضح فيها الانتهاك الصارخ للحقوق الاساسية للانسان. كما استخدم الكاتب ايضا، ممارسات النظام العملية ضد الليبيين. وهكذا، استند الكاتب على ادلة عملية، ولم يوظف رأيه واجتهاده الشخصي، في هذه المقارنة، حتى لا تطغى العاطفة على محتوى الكتاب.
 
وقد تحدث الاستاذ محمود في كتابه، عن الغاء الاحزاب، وندوة الفكر الثوري، وتجريم الحزبية، وقانون حماية الثورة، ومحكمة الشعب، والاتحاد الاشتراكي، والكتاب الاخضر، واللجان الشعبية، واللجان الثورية، التي يرى الكاتب انها جهاز مخابرات ارهابي علني، وخطاب زوارة، والغاء القوانين، وحملة الاعتقالات، والتدريب العسكري، والاعلان الدستوري، واعلان سلطة الشعب، وتقلب النظام في سياسته، الداخلية والخارجية. وكان الشهيد يتناول فقرة او اكثر، تخص هذه القضايا والاحداث، يختارها، كما ذكرنا، من اقوال معمر، ومن القوانين التي يصدرها النظام، ثم يورد الكاتب الدليل على انتهاكاتها لحقوق الانسان وحرياته الاساسية في ليبيا، بل وعلى عداء النظام لهذه الحريات.
 
ويذكر الكاتب ان النظام الليبي، قد صادر حق المواطن الليبي، في تشكيل وتنظيم المؤسسات السياسية، وصادر حقه في المعارضة السياسية السلمية، والبرلمان، والرقابة الشعبية الدقيقة، والدستور الملزم، والسلطة القضائية، وغيرها من الضمانات ضد انتهاك الحاكم لحقوق المجتمع، والافراد، والتسلط عليهم، واستخدامهم كأدوات ينشئها وينهيها متى اراد. ويضيف الكاتب: ان نظرية القذافي تخدم سياساته في القمع، والتسلط، والتحكم، والارهاب.
 
ويلاحظ الكاتب، انه بالرغم من تقلب النظام في سياسته الداخلية والخارجية باستمرار، لكنه لم يغير من عدائه للديمقراطية والحريات الاساسية. فعداوة النظام لهذه القيم، هي الوحيدة التي ظلت ثابتة، بل تزيد كل يوم، من تطرفها وتعصبها وارهابها، واتسامها بالقمع الفردي، والجماعي، ويمكن ملاحظة ذلك، عبر الاقوال والخطب والتصريحات والقوانين والنظريات والاوامر والتشريعات والممارسات اليومية، ضد الليبيين.
 
ويضيف الكاتب: ان اقوال معمر وقوانينه وممارساته، تعتبر تعميق يومي للارهاب، والقمع والقتل الجماعي، والتدمير النفسي للمجتمع، وافراغ لروح الطموح والوطنية، في نفوس المواطنين، وتكريس تفرده وسيطرته. واذا كانت هناك ثمة حرية يتكلم عنها القذافي، فهي حريته المطلقة، في اهدار حقوق المواطن الليبي، وانتهاك حرياته الاساسية والسياسية.
 
ولكتاب "حقوق الانسان.. والحريات الاساسية في دكتاتورية القذافي"، اهمية خاصة، فقد صدر مبكرا نسبيا (كُتب في السبعينات وصدر في 1980م)، وتناول احداث ووقائع، جرت في السنوات الاولى للانقلاب. لذلك يعتبر هذا الكتاب، احد اهم المصادر، التي تتناول الحقبة الاولى للانقلاب، والتي عاشها الشهيد، وكتب عنها، وتابع احداثها، حدث بحدث. فقد كان يرصد نشاطات النظام السياسية، والاعلامية، والاقتصادية، ثم يواجهها بخطاب مضاد.
 
ومما زاد من اهمية المطبوعات، التي كانت تنشر في ذلك الوقت، بصفة عامة، ان استخدام الفضائيات، والانترنت، والبريد الالكتروني، كان يتم على نطاق ضيق جدا، فلم تكن تلك الوسائل، متاحة بالصورة التي نراها اليوم. لذلك، كانت كتابات الرعيل الاول، ومنهم الشهيد بن نافع، هي المصدر الذي يعتمد عليه الليبيون، في معرفة حقائق الامور في ليبيا.
 
وهكذا.. كان الشهيد من فرسان الكلمة الاوائل.. فلم يبخل.. بقلمه.. ولا بوقته.. ولا بجهده.. ولا بماله.. على ليبيا.. التي احبها.. واحب اهلها.. فدفع حياته ثمنا لحرية الوطن وعزته وكرامته.. فرحم الله الشهيد.. رحمة واسعة.. واسكنه فسيح جناته.. والهم اهله.. والوطن.. الصبر.. والسلوان.. وتقبله الله سبحانه وتعالى.. في رحمته.. وجزاه الله كل خير.. وجعل كلماته.. التي جاءت.. في وقت.. قلت فيه الاقلام.. وقودا.. ونبراسا.. لمن واصل.. ولمن سيواصل.. الطريق من بعده.. وجعل جهوده.. واعماله.. في ميزان حسناته.. انه على كل شيء قدير.
 
اما.. الجبناء.. الذين.. خططوا.. واعدوا.. ونفذوا.. هذه الجريمة.. وغيرها من الجرائم.. واطلقوا.. الرصاص.. غدرا.. وخسة.. وخيانة.. على ابناء الوطن.. العزل.. الابرياء.. بينما.. عجزوا.. منذ اربعة عقود.. ان يطلقوا.. رصاصة.. واحدة.. تجاه اعداء.. الامة.. والوطن.. والدين.. فسيأتي.. يوما.. يدفعون فيه.. ثمن خيانتهم.. لله.. والانسان.. والوطن. وما ذلك على الله ببعيد.
 
اضغط هنا للاطلاع على "شهيد الكلمة والفكرة.. محمد مصطفى رمضان".
 
د. فتحي الفاضلي
 
لمراسلة الكاتب
 
[email protected]
[email protected]
[email protected]
 
لزيارة موقع الكاتب
 
http://www.fathifadhli.com/
 

المراجع:
  1. حقوق الانسان والحريات الاساسية في دكتاتورية القذافي/محمود نافع/ التجمع الوطني الليبي.
  2. الشهيد محمد مصطفى رمضان/ من القاتل.. و.. لماذا؟ / سلسلة كل الحقيقة للشعب/ باشراف نخبة من المثقفين الليبيين/ الطبعة الاولى/ 1400 هـ- 1980م.
  3. هؤلاء قتلهم القذافي/ صوت ليبيا/ صوت الحركة الوطنية الديمقراطية الليبية/ العدد الحادي عشر/ السنة الثانية/ ابريل 1981م/ ص31.
  4. محاولات الاغتيالات في الخارج/ صوت الطليعة /العدد 11/ يوليو1983م/ شوال 1403هـ/ ص40-43.
  5. قصة الاغتيالات في الخارج/ صوت ليبيا/ العدد العاشر/ جمادي الثاني 1402 هـ/ مارس-ابريل 1982م/ عدد خاص/ ص 10-13.
  6. القذافي في الصحافة العربية/ من منشورات الحركة الوطنية الليبية.
  7. موقع " ليبيا العدالة".

 
د. سيتيموس: احييك اخى د. فتحى تحية اكبار واجلال لما تقوم به من واجب تجاه من وهبوا انفسهم فداء لهذا الوطن.. فلقد ربطتنى بالاخوين الشهيدين محمود عبد السلام نافع ومحمد مصطفى رمضان صداقة طويلة امتدت جذورها من نهاية الخمسينات حينما كنا بمدرسة طرابلس الثانوية  الى ان تم الغدر بهم من قبل بطانة الظلم والارهاب  وكانا مثلا يحتدى به فى الوطنية والشرف والكرامة.. لقد عاشا من اجل اعلاء كلمة الحق دون اى ملل او خوف وكانا مثالا للشجاعة المنقطعة النظير وسعوا بالكلمة الحرة النابعة من قلوب طيبة شريفة لتحدى هذا النظام الهمجى وتعريته واظهاره على حقيقته.. لكن هذا النظام المجرم لم يستطع ان يتحمل الحقيقة فقام باغيال هذين الوطنيان الشريفان.. لقد كان لفقدانهم خسارة كبيرة للوطن وللشرفاء من ابناؤه وحزننا لفترات طويلة على فقدان هؤلاء الاعزاء الاحبة ونتمنى ان يجمعنا الله بهم فى جنة الخلد ويكتبهم الله مع الانبياء والشهداء والصديقين.. انه سميع مجيب ولاحول ولا قوة الا بالله وحسبنا الله ونعم الوكيل فى هذا النظام المجرم واذنابه.

ليبيا الحزينه: بارك الله فيك اخي فتحي على هذه الاسطر ف حق شهيد الوطن والله لازلت اذكر كيف راءيت وجه ابى وكنت طفله صغيره يتحول الى اللون الاسود عند سماعه بخبر وفاة الشهيد محمود نافع ومن قبله الشهيد محمود مصطفى رمضان ولم اعرف لماذا والدي يحزن عليهم والان انا اعرف انهم كانو رجالا ف وقت عز فيه الرجال ف وطني السليب رحمة الله على شهداء الوطن والخزي والعار للقذافي الجبان واولاده الانجاس ومزيد من هذه المقالات التى تحرك فينا الامل ان وطننا لم ولن يعقم الرجال امثال هؤلاء حتى نتخلص من كل الانجاس اللذين لوثوه وبارك الله فيك اخى العزيز.

البنغازية: بارك الله فيك على هذا التذكير بهؤلاء الشهداء الأبرار.

محمد علي السنفاز: جزاك الله خيراً أخي الكاتب. رحم الله شهداء الوطن جميعاً.
 
للتعليق على المقال
الإسم:
العنوان الإلكتروني:
التعليق