09/07/2009

 
القوات المسلحة الليبية (3)
 
بقلم: البرقاوى
 
الجزء الأول   الجزء الثاني   الجزء الثالث

 
تحدثنا فى (الجزء الأول) عن القوات المسلحة الليبية بصفة عامة. وسلطنا الضوء فى (الجزء الثانى) على بعض نطاقات القوات المسلحة الليبية. وتحدثنا بالتفصيل عن السلاح الجوى، وعن الجيش (المشاة) وعن السلاح البحرى. وسنتحدث فى هذا الجزء الثالث والأخير بإذن الله عن الأسلحة التسيارية، وأسلحة الدمار الشامل وعن الصناعة العسكرية فى ليبيا.
 
الأسلحة التسيارية:
 
عدا الصواريخ المضادة للطائرات التى تحدثنا عنها فى (الجزء الثانى)، حاول القذافى منذ بداية سبعينات القرن الماضى الحصول على صواريخ بعيدة المدى.. لإعتقاده بأن كل ما يحتاجه لتهديد إسرائيل وأوروبا وإخضاعهم لكلمته، هو صاروخ برأس نووى بعيد المدى.. متجاهل كل الجهل لقدرة الآخرين على تدمير صاروخه قبل وصوله اذا أراد يوما ضربهم.! وحتى إذا وصل صاروخه إلى هدفه، فسيكون هذا الصاروخ حتما هو آخر ما سيذكره التاريخ عن دولة كانت يوما ما فى شمال افريقيا اسمها ليبيا.
 
إن إستمرار وجود الشعب الليبى والدولة الليبية، ما هو إلا نعمة من الله سبحانه وتعالى لعدم حصول القذافى على أسلحة بعيدة المد ى من ناحية.. وحرص شركات النفط الأمريكية على ما تعتبره نفطها فى الحقول الليبية من ناحية أخرى.. نعم، هذه هى السياسة الأمريكية.. يمكنك أن تذل شعبك كل يوم، وتستعبده، وتقتل وتسجن منه من تشاء.. هذا كله مقبول.. وأكثر من هذا أيضا، ما دمت لا تعرقل طريق الشركات الأمريكية إلى حقول النفط.. لم ينقطع نصيب الشركات الأمريكية فى النفط الليبى حتى ليوم واحد منذ إكتشافه.. حتى بعد مسرحية "الجلاء" وخروج الأمريكان من ليبيا، كانت تدفع الشركات الألمانية ـ على سبيل المثال ـ ضريبة للشركات الأمريكية عن كل ما تستورده من النفط الليبى.
 
إن تاريخ السياسة الأمريكية، لملئ بالتداخلات الشيطانية والدموية لإبعاد رؤساء دول ذوى حكمة، عدل، ووطنية، وتبديلهم برؤساء تسرى فى عروقهم الدكتاتورية. ولكن هذا موضوع آخر قد نتطرق إليه مرة أخرى إن شاء الله.
 
فشل القذافى فى الحصول على أسلحة بعيدة المدى، وعدم قدرته على الإنتظار، وعدم صبره، وعدم إمتلاك نفسه تحت وطأة جلدات سوط الشيطان الممتطى ظهره، جعله يلجأ إلى الكذب والإعلان عن إمتلاك ما يتمنى ملكه. كتبت صحيفة الـ Interntional Herald Tribune فى نوفمبر 1977: "Libya displayed missils yesterday that Tripoli radio said are capable of hitting Israel"

 

 
لقد نشرت الصحيفة هذا الخبر مع علمها بعدم صحّته. حتى صورة الصواريخ التى صاحبت هذا الخبر كانت لصواريخ SA-6 المضادة للطائرات.. نرى هنا مرة أخرى خطورة اسلوب المعتوه القذافى، الذى لا يجنى بتشدقه بمثل هذه التصريحات الغير لازمة شيئاً، عدى إعطاء إسرائيل حجة الإضطرار للدفاع عن النفس، إذا ما أرادت يوماً توجيه ضربة عسكرية لليبيا .. ولقد تحدثنا فى (الجزء الثانى) عن مقدرة ليبيا للدفاع عن شعبها وأراضيها. إن ما ملكته ليبيا فعلا فى هذا المجال، هو ما تحصلت عليه فى عام 1976 من صواريخ Frog-7 (مدى 70 كم) وصواريخ Scud-B (مدى 300 كم)، حوالى 80 ـ 100 سيارة رامية من نوع MAZ-543 لصواريخ Scud-B وحوالى 40 لصواريخ Frog-7. لقد كان فى تلك الصفقة أكثر من 200 صاروخ Scud-B .. ولكن لا يُعرف عدد الباقى منها لدى القوات المسلحة، نظرا لمساعدة ليبيا لإيران فى حربها ضد العراق بهذه الصواريخ. حتى إذا بقى البعض منها، فإن صلاحية إستعمالها قابل على الأقل للتساؤل بكونها قديمة العمر، بالإضافة إلى عدم إمكانية تخزين الوقود السائل الخاص بها لمدة طويلة. تخزين الوقود الصلب أو الجامد لصواريخ Frog-7 يشكل مشكلة أكبر. كلها أنظمة قديمة لا تزال تُستخدم فى دول العالم الثالث فقط .. تخلى على سبيل المثال الإتحاد السوفييتى نفسه على نظام الـ Frog-7 فى منتصف ثمانينات القرن الماضى وبدّله بنظام Scarab SS-21 الأقوى فعالية.
 
 

Otrag تجارب في زائير

 
ظهرت إشاعات فى أواخر سبعينات القرن الماضى عن صواريخ ليبية من نوع SS-12 (مدى 800 كم)، دعت الـIISS ـInternational Institute for Strategic Studies فى لندن لإضافة هذه الصواريخ لقائمة عتاد القوات المسلحة الليبية.. على الرغم من عدم صحتها. وتحدثت معلومات أخرى لم تُعتمد عن صفقة لإستيراد صواريخ CSS-2 (مدى 2500 كم) وM-9 (مدى 600 كم) من الصين.. لكننا نعرف اليوم بأنها كانت مجرد محاولة لاغير للحصول على هذه الصواريخ حيث اتضح (بعد إنبطاح القذافى التاريخى.. ولعقه حذاء سيّده جورج بوش.. وتسليمه لمفاتيح أبواب ليبيا) عدم إمتلاك ليبيا حتى لصاروخ واحد بعيد المدى، أو ص الح للإستعمال.
 
المحاولات للحصول عليها كانت كثيرة.. منها محاولة بنائها داخل ليبيا بمساعدة فنيين من شركة الـ OTRAG الألمانية (Orbital Transport und Raketen AG)، التى كانت تقوم فى منتصف سبعينات القرن الماضى ببحوث وتجارب على أرض استأجرتها من زائير (تعادل مساحة 1/3 ليبيا تقريبا).. لبناء صاروخ فضائى قليل التكلفة فى الإنتاج لتخفض به تكاليف نقل الأقمار الصناعية إلى الفضاء. ثم بدأت الدول المجاورة لزائير (إثر إعلان الإتحاد السوفييتى عن شكوكه فى الخلفية السلمية لشركة OTRAG فى النظر إلى مشروع شركة الـ OTRAG (الذى كان فعلا فضائيا سلميا) على أنه فى الواقع مشروع لبناء صواريخ عسكرية، وأبدت قلقها إلى أن تكون يوما ما هدفا لهذه الصواريخ، مما أدى إلى إضطرار زائير لحل العقد مع الشركة. خرجت شركة الـ OTRAG من زائير لتدخل فى أحضان القذافى، الذى فرش لها السجاد الأحمر المُزيّن بالعروض المغرية. ولك ن لم تُعجبهذه العلاقة الحكومة الألمانية، التى مارست الضغوط على الشركة، وأرغمتها على الخروج من ليبيا.
 
 

Otrag تجارب في ليبيا

 
انفصل بعض الفنيين الألمان عن الشركة وآثروا البقاء فى ليبيا.. لتحقيق أحلام شبابهم للعب بالصواريخ فى صحراء شاسعة وخزنة مفتوحة لكل ما يطلبونه. بدأ فنيون OTRAG بالبحث والتجريب فى الصحراء الليبية بمشروع لبناء صاروخين. صاروخ غير مسيّر بإسم إتصالات (مدى 80 كم) وآخر مسيّر بإسم الفاتح (مدى الله أعلم، ولكن يؤمل لعدة مئات من الكم). بعد سنوات من اللعب والتبذير والنهب لأموال الشعب من كل من كان له علاقة بالمشروع، أُجريت تجارب فى عام 1987 أدت للإقتناع بفشل المشروع.. فلم ينجح حتى صاروخ الـ 80 كم. محاولات لتوسيع نطاق صاروخ Scud-B على حساب الحمولة ـ كما فعل العراقيون فى حرب الخليج ـ باءت ايضا بالفشل.
 
لجأ القذافى بعد كل المحاولات الفاشلة لمشاركة الدول الساعية لصناعة أسلحة تسيارية، بدعمها ماليا للوصول إلى هدفه.. وأبرم لذلك عقدا مع كوريا الشمالية بتمويل مشروع صاروخها Nodong (مدى 1300ـ1500 كم)، مقابل حصول ليبيا على هذه الصواريخ بعد نجاح كوريا فى بنائها وتجريبها وتصنيعها. لقد توصلت الآن كوريا الشمالية لبناء صواريخها، التى يفوق مداها ما كانت تأمل الوصول إليه.. ولكن لا أمل للقذافى مرة أخرى فى الوصول إلى حلمه بسبب المنعطف الثانى (الإنبطاح التاريخى) فى حياته البائسة..! أعتقد بأنه يمكننا تقسيم حياة القذافى البائسة إلى ثلاث حقوبات يفصلها "منعطفان":
 
الحقبة الأولى:
 
تبدأ بطفولته التعيسة وحتى "المنعطف" الأول فى حياته عندما أجرم فى 01.09.1969 واعتدى على الدولة وشعبها ودستورها واغتصب سلطة الحكم فيها ـ ولعل الحقبة الأولى من حياته البائسة، هى المسؤولة عن شعوره الدائم بالنقص، وحقده على المجتمع الليبى وكراهيته له.. الله وحده يعلم ماذا جرى للقذافى فى هذه الحقبة ؟ وما الذى أثر فى نفسيته هذا التأثير السلبى ؟ لأن أُمّه فعلا يهودية ؟ أم لأنه لا يعرف إذا ما كان فعلا إبن لطيار كورزيكى ؟ هل لاقى فى طفولته من الإهانة والإستكراد والمعاملة السيئة ما جعله يشعر بأنه من حثالة المجتمع ؟ الله وحده يعلم ماهو السبب، ولكن الشئ الذى نعلمه بالتأكيد، وبدون منازع هو أن هذا الرجل (أو ما شابه ذلك) عدوّ لليبيا وللشعب الليبى.
 
الحقبة الثانية:
 
تبدأ بإغتصابه لسلطة الحكم فى ليبيا وحتى "المنعطف" الثانى فى حياته عندما إنبطح ولعق حذاء سيّده جورج بوش (وهو ما أطلق عليه الأمريكان إسم النموذج الليبى) ـ أى الإنبطاح بدون قوة السلاح ـ فى 19.12.2003، بعد 9 أشهر على التمام منذ بداية حرب العراق. فى إمكاننا ايضا أن نؤرخ "المنعطف" الثانى (الإنبطاح) بـ 01.09.2003 ـ مناسبا لـ 01.09.1969، لأن الإنبطاح الحقيقى كان فى سبتمبر وليس فى ديسمبر ـ عندما صرح متحدث رسمى بإسم رئيس الوزراء الإيطالى سيلفيو برليسكونى للـ Daily Telegraph فى سبتمبر 2003 بما قاله القذافى لبرليسكونى، نصّه: "أنا سأفعل كل ما يريدونه الأمريكيون، لأنى خفت بعد مشاهدتى لما حصل فى العراق" ـ راجع المقالة: Beware the "Libyan Model. ويمكننا تسمية الحقبة الثانية بحقبة الإنتقام، التى تقيّأ فيها القذافى على ثوب الكيان الليبى الأبيض.. بكل ما حبسه طوال السنين من حسد وحقد وكراهية، وتفنن فيها بجميع أنواع الإضطهاد، والقهر، والتعذيب، والقتل.
 
الحقبة الثالثة:
 
تبدأ من "المنعطف" الثانى (الإنبطاح) وحتى الآن. ويمكننا تسمية الحقبة الثالثة بحقبة الإنبطاح، التى تختلف عن حقبة الإنتقام بإستمرار القذافى فى "حكم" ليبيا، ولكن تحت نعل أسياده الأمريكان وحسب شروطهم. حقبة الإنبطاح هى الحقبة التى تهمنا فى موضوع مقالتنا هذه.. لأن أحد شروط الأمريكان لقبول ولاء القذافى لهم، والسماح له بالبقاء فى "الحكم"، هو أنه لا يُسمح لليبيا بإقتناء صواريخ يتعدى مداها الـ 300 كم. وقُفل بذلك هذا الباب الذى لم يأت للشعب الليبى بأى إستفادة أو نتيجة تُذكر سوى إهدار المليارات من أمواله.
 
أسلحة الدمار الشامل:
 
أبدى القذافى بعد الإنقلاب العسكرى فى عام 1969 بفترة قصيرة إهتمامه بالقنبلة الذرية، وسعى للحصول عليها بشتى الطرق. لم يبالى حتى بدخول ليبيا لعضوية الـ NPT ـ (Nuclear Non-Proliferation Traty) فى عام 1975، وإقترح على مصر فى نفس العام مشاركته فى شراء قنبلة ذرية من الصين. ولكن كما كان متوقع رفضت الصين، ولكنها عرضت مساعدتها فى المجال البحثى الذى فضل القذافى العمل فيه مع الإتحاد السوفييتى، والذى تحصلت منه ليبيا فى أول ثمانينات القرن الماضى على مفاعل ذرى صغير للبحوث بقوة 10 ميجاوات (MW)، ولكن على الرغم من القيام بعدة مشاريع وبحوث مشتركة مع الإتحاد السوفييتى، لم يتم بناء مفاعلات ذرية كبيرة. محاولات أخرى للحصول على معاونة كل من فرنسا والأرجنتين فى بناء البرنامج الذرى الليبى باءت ايضا بالفشل.
 
 

القذافي مع بوتو

 
كان إستعداد القذافى لتسليم مفاتيح الخزينة الليبية لكل من يساعده فى الحصول على القنبلة الذرية، يشكل دائما نقطة ضعف فيه تبادلت الدول النووية على إستغلالها.. فكانت تكتفى بالتلميح للقذافى بالمساعدة لبرنامجه النووى، كلما أرادت تحسين وضعها المالى على حساب الشعب الليبى المسكين. كلهم ضحكوا على كلب ليبيا المسعور.. يكاد لا يوجد رئيس دولة على وجه الأرض لم يضحك على القذافى.. حتى رئيس الوزراء الباكستانى السابق ذوالفقار على بوتو، الذى أقسم فى أول سبعينات القرن الماضى (بعد قيام الهند بأول إنفجار ذرى) وقال فى لقاء مع العلماء الباكستانيين: "سنبنى القنبلة الذرية حتى لو أكلنا عشبا".
 
مشكلة بوتو كانت بالدرجة الأولى مالية.. الديون كانت تكاد تشل حركة الدولة الباكستانية آنذاك، وكانت تسيّر أمورها بمساعدات وقروض دولية.. ولكنه أبشر وفرك يديه عندما جاء فى زيارة إلى ليبيا.. فقد رأى بوتو فى القذافى ولدا أحمقا لا يفقه فى السياسة مثقال ذرة، و يرمى إلى يمينه وإلى يساره بالمليارات من الدولارات. لم ينتظر بوتو كثيرا حتى يوافق مبتسما على عرض من القذافى للإشتراك فى بناء القنبلة الذرية، ودعاه إلى إجتماع "سرّى" فى باريس للتفاوض فى هذا الصدد.
 
بدأت فى عام 1973 أول مفاوضات "سرّية" فى باريس، مثل فيها الجانب الباكستانى : الدكتور منير خان رئيس لجنة الطاقة النووية الباكستانية آنذاك، ويعقوب على خان سفير الباكستان فى باريس آنذاك وخَليفِه فى باريس محمود شفرات.. ومثل الجانب الليبى: معمر القذافى، وعبدالسلام جلود، وابوبكر يونس.. لم تكن مفاوضات بمعنى الكلمة ، وإنما كان الغرض من اللقاء هو الإنفراد "بأفضل وأجدر شخصيات" تقدمها أرض المليارات (المسعور، والسكّار، والأطرش فى الزّفّة)، وفصلهم عن الليبيين الأكاديميين "الأغبياء"، وبالتالى صقلهم لتأمين حلب البقرة الليبية. وهذا ما نجحوا فيه بالفعل.. ففى أول مؤتمر قمة إسلامى فى فبراير 1974 فى لاهور/ الباكستان، لعب بوتو جوكره الأخير وقال: "توجد قنبلة هندية، وقنبلة يهودية، وقنبلة مسيحية، وقنبلة شيوعية.. فلماذا لا يكون هناك ايضا قنبلة أسلامية ؟"[1]. فقفز القذافى وعرض على بوتو صكا نقديا مفتوحا.
 
عرف بوتو بأنه قد وصل إلى هدفه، وإستفرد بالقذافى، وأبرم معه عقدا بتفاصيل أهم أتفاق فى تاريخ شبه الجزيرة الهندية والشرق الأوسط، تضمن بصفة عامة أنه "على الباكستان بعد الإنتهاء من بناء برنامجها الذرى، تقديم إمكانيات التدريب والأجهزة، والمواد التقنية اللازمة إلى ليبيا، حتى تستطيع هى أيضا بناء برنامجها النووى، وإنتاج أسلحة نووية ـ مقابل تكفل القذافى بتوفير الأموال اللازمة.
 
نشرت الـ (New Yorl Times) تقريرا فى عام 1980 لأربعة صحفيين للـ (BBC) عن نتيجة بحثهم لمدة 6 أشهر فى 13 دولة، كشفوا فيه أسرار قصة القنبلة النووية الباكستانية وتمويلها المالى. ولا نريد هنا سرد القصة الكاملة للقنبلة "الإسلامية" النووية.. فما يهمنا هنا هو الجانب المالى. ويقول التقرير فى هذا الصدد بأنه منذ شهر ديسمبر 1975 وبعد ذلك كل 6 أشهر تقريبا.. كانت تحط طائرة فى مطار كاراتشى تحت إجراءات أمنية مكثفة.. آتية بحقائب من ليبيا تحتوى على حوالى 500 مليون دولار.. كانت تأتى من ليبيا نقدا حتى لا تظهر فى الحسابات الرسمية بالمصرف المركزى للباكستان، ويسهل الطريق بالطبع لجزء منها إلى جيوب بوتو ومن حوله.. مثل عبدالقادر خان الملقب (بأبو القنبلة الذرية الباكستانية)، والذى وجدت ملايين الدولارات الليبية طريقها إلى جيوبه.
 
ذكر الصحفيون أيضا فى تقريرهم ما قاله لهم المسؤول الباكستانى المقرّب من بوتو(والذى أعلمهم بكيفية وصول الأموال من ليبيا إلى الباكستان)، بأنه كان يوما مع بوتو عندما جاءته مكالمة هاتفية من القذافى، ثم قال له بعد إنهاء المكالمة: "القذافى يسأل دائما عن القنبلة الذرية الأولى، وضحك بإستهزاء". ولماذا لا يضحك ولا يستهزئ ؟ فقد إمتصّ برنامجه الذرى ما يزيد عن 3 مليار دولار من خزينة الشعب الليبى المغلوب على أمره. هذا بالإضافة إلى اليورانيوم.. فقد كانت ليبيا تشترى أغلبية الإنتاج الإجمالى لمناجم جمهورية النيجر من اليورانيوم، وتشحنه إلى الباكستان. وبالإضافة أيضا إلى طائرات السلاح الجوى التى "استعارتها" الباكستان من ليبيا لتدريب الطيارين الباكستانيين، ثم بيعت قبل فترة قصيرة بثمن رمزى لتركيا.
 
 
وما الذى تحصلت عليه ليبيا من الباكستان إلتزاما بعقد القذافى/بوتو؟.. تحصلت ليبيا من الباكستان على سنتريفوجات Centrifuge لتخصيب اليورانيوم. مجزّأة إلى 4000 قطعة لا تصلح لتركيب حتى سينتريفوجة واحدة كاملة أو صالحة للعمل (الخردة الباقية من برنامجهم). وكهدية "مجانية" فوق البيعة، سلم عبدالقادر خان للقذافى كيسا قديما من البلاستيك (اشكارة نايلو مستعملة)، إحتوى على خريطة صينية قديمة لمحاولة فاشلة لبناء قنبلة ذرية مبدئية ـ ناتجة عن محاولات صينية إبتدائيه فى ستينات القرن الماضى. وسلمها ملك الملوك مع بقية كل ما إمتلكته ليبيا، وجمعته على مدى 30 عاما تقريبا فى هذا النطاق، وبتكاليف لا يمكن تقديرها، للأمريكان بعد الإنبطاح التاريخى، وقفل بذلك باب البرنامج النووى الليبى أيضا .. وطز فى أمريكا.
 
لا تؤاخذنى يا حضرة "القائد العظيم" وملك الملوك الأغبياء، ولكن عندى سؤال واحد فقط لو سمحت: هل لاتزال ليبيا (الأرض) ملك للشعب الليبى ؟
 
 

مصنع للأ سلحة الكيميائية فى منطقة الرابطة حوالى 60 كم جنوب مدينة طرابلس

 
إلى جانب الأسلحة النووية ركز القذافى منذ بداية سبعينات القرن الماضى على الأسلحة الكيميائية أيضا. وأول سموم كيميائية تحصلت عليها ليبيا كانت من مصر بعد حرب اكتوبر 1973. كانت كميات صغيرة من الـ Yperit الذى استخدمه الإستعمار الإيطالى ضد المجاهدين الليبيين، ومن سموم العصب مثل الـ Sarin و Tabun. بدأت ليبيا فى أوائل ثمانينات القرن الماضى بأول محاولات للتصنيع الذاتى للسموم الكيميائية، وتم إنشاء أول معمل للبحوث بالقرب من سبها أنتجت فيه كميات صغيرة استخدمتها فى حرب تشاد. ولإنتاج كميات أكبر من السموم، تم إنشاء مصنع كبير للأ سلحة الكيميائية فى منطقة الرابطة حوالى 60 كم جنوب مدينة طرابلس.. شارك فى بنائه شركات من فرنسا، وإيطاليا، وسويسرا، وبالدرجة الأولى الشركة الألمانية Imhausen Chemie AG التى واجهت لهذا السبب مشاكل كبيرة ومتابعة من القضاء الألمانى. بدأ مصنع الرابطة فى نهاية 1987 أو بداية 1988 فى إنتاج سموم الـ Yperit، والـ Sarin، والـ Tabun. ولكن لم يستمر الإنتاج طويلا حتى اضطر المصنع للتوقف عدة مرات جراء بعض المشاكل التقنية .. وبعد بداية الضغط العالمى على ليبيا، وإعلان الأمريكان عن إحتمال توجيه ضربة عسكرية للرابطة، أعلنت وكالات الأنباء فى مارس 1990 عن حريق كبير فى الرابطة حطم (حسب الأخبار الليبية) معضم أجزاء المصنع. غير ان فحوصات فى وقت لاحق أثبتت بأن الحريق كان عبارة عن تمثيلية نتجت عن التهديد الأمريكى، ولم يؤدى إلى خسائر تذكر. نُقلت بعد ذلك محتويات مصنع الرابطة إلى المصنع الجديد قرب ترهونة حوالى 40 كم جنوب شرق طرابلس، والذى تم بنى تحت الأرض كأحد أكبر المصانع من هذا النوع فى العالم، ويمكنه إنتاج عدة أطنان يوميا.. ثم فُتحت أبوابه بعد الإنبطاح التاريخى للأمريكان الذين استلموا كل محتوياته من أجهزة وآليات.. بالإضافة إلى حوالى 100 طن من السموم الكيميائية، وقُفل بذلك جزء آخر فى قصة مأساة الشعب الليبى المغلوب على أمره.
 
الصناعة العسكرية فى ليبيا:
 
لا توجد فى ليبيا صناعة عسكرية بهذا المعنى. إلى جانب ما ذكرناه من محاولات لصناعة الصواريخ، والأسلحة الكيميائية، توجد فى ليبيا صناعة ذخيرة للأسلحة اليدوية الصغيرة منها طلقات الرصاص من عيار 9 مم و7.62×51 مم. كانت هناك إحتمالات لتركيب جزء من طائرات التدريب SF-260، التى استوردتها ليبيا فى أواخر سبعينات القرن الماضى داخل ليبيا.. تحت إشراف المصنّع الإيطالى Siai Marchetti، ولكنها لم تتحقق ووصلت الطائرات كاملة التركيب إلى ليبيا.
 
≈≈≈≈≈≈
 
كان هذا الجزء الثالث والأخير لوصف مسيرة القوات المسلحة الليبية منذ إغتصاب القذافى للحكم فى ليبيا، وما آلت إليه من وضع فى غاية الفوضى، وعدم الكفاءة، بل العجز الكامل فى الدفاع عن الدولة.. على الرغم من الأموال الهائلة التى صُرفت على مدى اربعين عاما تقريبا. لقد دمّر القذافى القوات المسلحة الليبية بكل ما فى الكلمة من معنى، وأول مؤشر على ذلك كان إلغائه بعد الإنقلاب العسكرى مباشرة لعقود حكومة المملكة الليبية مع بريطانيا بإستيراد دبابات الـ Chieftain ونظام الدفاع الجوى Thunderbird وRapier (الجزء الأول)، الذين كانا من أرقى ما يمكن الحصول عليه فى المجال العسكرى آنذاك.[2]
 
بعد حوالى 40 عاما تحت حكم وسياسة القذافى العشوائية، وتبذير ما يفوق الخيال من الأموال، تجد القوات المسلحة الليبية نفسها اليوم فى وضع لا يُقارن حتى بوضعها عند تأسيسها. حالة القوات المسلحة الليبية اليوم هى نتيجة تخلّى القذافى عن سياسة الخطوات الصغيرة الحكيمة، التى إتبعتها حكومة المملكة الليبية فى بناء القوات المسلحة الليبية، والتى كانت قد وصلت بها اليوم (بدون مبالغة) إلى مستوى أرقى وأحدث قوات عسكرية فى العالم.
 
لا يمكن أن تبيعك دولة أسلحة ليس عندها أحدث منها. ولا يمكن شراء القوة العسكرية الفعالة. ولكن يمكن بنائها.. محاولات القذافى منذ إغتصابه للحكم فى ليبيا لبناء جيش كبير وقوى، وتكديس الأسلحة بكميات هائلة، ورفع عدد الجنود بكل ثمن.. بالتجنيد الإجبارى والعشوائى، وبشراء الأجانب، أدّى إلى تكوين جيش شكلى مبنى على أساس هش سرعان ما ينهار بكامله حين ضرب إحدى زواياه.
 
لقد كان الأحرى بالقذافى اللإستمرار فى سياسة المملكة الحكيمة وتأمين الدفاع عن الدولة أولا، ثم الإتجاه لبنائها. إلى جانب التعليم، والصحة، والبنية التحتية ...الخ، كان يجب التركيز على جلب الصناعة إلى الدولة.. بتسهيل الطريق أمام الشركات العالمية لتؤسس فروع لمصانعها داخل ليبيا، وتساهم بذلك فى توسيع وتلوين فرص العمل والتدريب المهنى أمام الشباب الليبى الذى كان بإمكانه اليوم قيادة الصناعة المدنية فى ليبيا، التى لا يمكن بناء صناعة عسكرية بدونها. كان بإمكان ليبيا اليوم أن تصنّع كل ما تحتاجه فى المجال المدنى بيد ليبية. وأن تبنى صناعة عسكرية بيد ليبية. خبراء ليبيون موجودون اليوم والحمد لله فى شتى المجالات، ويشتغلون فى مختلف الشركات العالمية فى أرقى المناصب. ولاشئ يفوق مُناهم بتكريس علمهم، وجهدهم، وكل إمكانياتهم لخدمة وطنهم ليبيا الحبيبة، والمساعدة على دفعه نحو التقدم والإزدهار.. لليبيا.. لليبيا وللشعب الليبى، ولكن ليس للقذافى، الذى قتل إخوتهم، وشرّد، وأفقر شعبهم.
 
لقد ضيع القذافى أربعين عاما من مستقبل ليبيا، وجنى على أجيالها.. حرم ليبيا من فرصة تاريخية أهداها الله لها بعد سنين من الموت، والجوع، والمعاناة فى معتقلات الإستعمار .. أهدى الله لليبيا ثروة النفط كجائزة لأجدادنا الذين جلبوا بدمائهم وأرواحهم الطاهرة الإستقلال لوطنهم الغالى، ولولاهم ماكان هناك كرسى حكم فى ليبيا يمكن للقذافى الجلوس عليه.. أهدى الله لليبيا ثروة النفط كجائزة لأجدادنا الشهداء يؤمّنون بها مستقبل أحفادهم فى وطن قوى، عطوف، مزدهر، لا يُهان أحدهم فيه، ولايُدنّس عرضه مرة أخرى.
 
إن اللوم بالدرجة الأولى ليس على القذافى، وإنما على من هم حوله.. الذين يساعدونه كل يوم على تطويل معاناة الشعب الليبى والحد من فُرص ليبيا الثمينة وفُرص أجيالها القادمة. إن القذافى ذاهب لامحالة، ووالله سيتغير الحكم فى ليبيا لامحالة، ووالله لن تبقى جماهيرية، ووالله سيرجع التاريخ الهجرى، ووالله سترجع أسماء الشهور والأيام على ما كانت عليه، ووالله ستكون ليبيا باقية بعد أن تبيد عظام القذافى، وعظام أولاده، وأولاد أولاده، وبعد أن تبيد عظامنا كلنا. إن كل يوم تساعدون فيه على إستمرار حكم القذافى، ماهو إلا إحباط لجهود أجيال ليبيا القادمة فى سباقهم مع أجيال الدول الأخرى.
 
لماذا تصرون على تمديد أنفاس نظام سوف لن يبقى ؟ متى تسألون أنفسكم بعيدا عن صياح القذافى ومقولاته الفارغة، إذا ما آل إليه وطنكم بعد أربعة عقود من الجرى، واللهث، والصياح، وتبذير ثروة شعبكم، هو فعلا ماتسمونه بالعظمى !؟
 
متى يؤنّبكم ما بقى من ضميركم وتقفون إلى جانب شعبكم ؟ لازال لديكم الخيار، ولكن عندما يشاء القدر يكون الخيار إبان ساعة من الزمن للشعب الليبى وحده.. تفهمون عندها معنى سيادة الشعب الحقيقية. ومن أراد الله له الحياة منكم، فسوف لن يستطيع على مدى ما بقى من حياته النظر فى عيون أولاده.
 
عاشت ليبيا و عاش الشعب الليبى
 
البرقاوى
 

[1] هذا ما كتبه بوتو فى مذكراته. فهو الذى أطلق على القنبلة الذرية الباكستانية إسم القنبلة الإسلامية، وليس الغرب كما يدعى القذافى لتغطية فضيحته.
 
[2] [حاولت اسرائيل الحصول عليها من بريطانيا، ولكن دون جدوى. وعندما احتجت على موافقة بريطانيا بإعطائها لليبيا، كانت إجابة وزير الخارجية البريطانية بأن ليبيا لها مرتبة خاصة .. لأنه لدى بريطانيا عقدا لمدة 20 عاما للتعاون مع ليبيا منذ عام 1953 يلزمها بتصدير الأسلحة إلى ليبيا .. بالإضافة إلى أنها الدولة الكبيرة الوحيدة فى الشرق الأوسط التى لا تملك دبابات، ولا خوف من أن تبيعها لمصر، لأن أحد أسباب استيراد ليبيا لنظام الدفاع الجوى والدبابات البريطانية هو خشيتها من رغبة مصر فى توسيع حدودها]. لم ينسى الملك ادريس رحمه الله المفاوضات على أرض ليبيا بعد الحرب العالمية الثانية، وخاصة إقتراح الملك فاروق بوضع برقة تحت الوصاية المصرية مع السموح بتعديلات على الحدود، بعدما رفضت القوى الغربية إقتراح وزير الخارجية الروسى مولوتوف بوضع برقة تحت الوصاية الروسية.
 
المراجع:
 
Navias, Ballistic IISS, The military balance 1981/82 Flight International 14.05.1988 & 13.01.1993 Air+Cosmos 02.06.1990 Aviation Week + Spase Technology 12.09.1977 & 14.12.1981 & 12.09.1983 Bulletin of atomic scientists 08.09.1981 Flug Revue 01/1976 Die Welt 31.08.1975/78 Stuttgarter Zeitung 04.11.1981Süddeutsche Zeitung 24.12.1986 Der Spiegel 30.06.1969 & 16.06.1980 & 02.11.1981

 

 

عبد الباري اسماعيل/ طرابلس
جزاءك الله خيراً على ما قدمت من معلومات وتحليل، والحمد لله إن مساعي الطاغية ذهبت أدراج الرياح "واهى جت في المال خير من العيال". فعدو ليبيا والليبيين لاينوي ولا يفكر في إستعمال الأسلحة (التي عجز في الحصول عليها) إلا لضرب المدن الليبية وإبادة جماعية لأي منها إن حولت الإنتفا ظة، ولنا عبرة في قصف الجبل الأخضرو بني وليد وغيرها. فمصاص الدماء "دراكولا القحصي" لم يعد يكتفي بضحية أو إثنتين ولا مجزرة كمجزرة سجن أبوسليم، وإنما في طريقه لمص دماء مدينة كاملة بصغارها وكبارها. وما يكفي من الكيماوى والبيولوجي لا زال موجود. "ويا ناس كفانا أربعين خريف ونحن خرفان ونسمع خُراف " لقد حان اليوم لعمل جماعي إستباقي في كل المدن الليبية لمنع مثل هذه الكارثة.


ليبي من فزان
بسم الله الرحمن الرحيم.. نعم أهدى الله سبحانه وتعالى لليبيانا الغالية ثروة هائلة كالنفط جائزة لكفاح ونضال الأجداد، أهداها لنا ولأجيالنا من بعدنا، لكننا وعهدا للأجداد سنناضل ضد هذا الجسم الغريب حتى نجتزة من على هذا التراب الطاهر.. والآن.. وبعد سرد المزيد من الحقائقأما آن لنا أن نقف جنودا وضباطاً لتلبية نداء الوطن ،فلاخيار لنا سوى الوقوف جنباً إلى جنب مع أبناء شعبنا الصابر المجاهد.. ولنكن أهلاً للأمانة فكلنا مسئولين يوم الحساب العظيم إن تخاذنا أو انتبانا الضعف أمام غطرسة هذا الوهم الشيطاني الزائل لا محالة..وإن غداً لناظره قريب..

للتعليق على المقال
الإسم:
العنوان الإلكتروني:
التعليق