منبر الكتّاب

29/03/05

 

 

بسم الله الرحمن الرحيم

 

فاستفتهم..

 

اثقافة قوم لوط.. وزواج الرجل من الرجل.. ام ثقافة السحاق.. وزواج المرأة من المرأة.. تحت حماية الدولة والقانون.. تلك التي يريدنا غربان اليوم ان نتبناها.. ام ثقافة العنصرية.. والعرقية.. وقتل الاطفال والنساء.. واحتقار الشعوب.. وابادتها.. ام ثقافة نوادي العراة.. وتبادل الزوجات.. وبيع الاجساد.. والزنى.. والقتل.. والاغتصاب.. اية ثقافة تلك.. التي تريدوننا.. ايها الغربان.. ان نستبدل بها ثقافة السماء.. اثقافة تستعبد الانسان.. وتحوله الى قطعة من الة.. لا تعرف للرحمة سبيلا.. فيطحنه القلق.. وتقتله الوحدة.. وتمزقه الحيرة.. وينهكه البحث.. بلا جدوى.. عن الانتماء.. والامن النفسي والاجتماعي.. ام ثقافة الهيروين.. والكوكائين.. والانتحار.. والعبثية..  والوجودية.. واللاوجودية.. والانتماء.. واللاإنمتاء.. ام ثقافة التخلص من الامهات والاباء.. اذا بلغوا من العمرعتياً.. ليتسنى لكم الشرب.. والرقص.. والزنى.. دون ازعاج.. ام ثقافة الشقاء.. والكد.. واللهث.. خلف اللاشيء.. فنتحول الى مخلوقات.. تأكل.. وتشرب.. وتغفو.. ثم تستيقظ لتتخلص من فضلاتها.. اهذه هي الثقافات التي تغدقون عليها ما طاب.. من اسماء جميلة رنانة خفيفة.. وهي كخضراء الدمن.. 

 

بل لعلكم..

 

تريدوننا ان نتبنى ثقافة الصين التي عادت الى وأد البنات.. او ثقافة الهند وخصي الرجال مقابل ثمن بخس.. ودريهمات معدودة.. ام ثقافة توصلنا.. كما اوصلت غيرنا.. الى عبادة الشيطان.. وتعرية المرأة.. واعارتها.. واستعارتها.. او ثقافة البراهما.. والمنبوذين.. والطبقية.. والدماء الزرقاء.. والحمراء.. حمرة خاصة.. ام الى اللادينية.. والليبرالية.. والعلمانية.. التي حاربت الشعوذة والخرافات وصكوك الغفران.. لكنها تحولت الى دين.. يحلل ويحرم.. ويحدد بكل "ديمقراطية".. وبكل "اعتراف" بحقوق الانسان.. و"استيعاب" للرأي الاخر.. يحدد الدين الجديد.. الخطأ والصواب.. والجائز وغير الجائز.. و يحدد المستهجن والمقبول.. والمسموح والمحرم والممنوع.. دين لا يطيق ان يرى معه دينا اخر.. بل  دين يفصل جميع الاديان عن الدولة.. ليتربع وحده على قمة السلطة.. دين يحارب المرأة التي تختار بارادتها وحريتها.. ان تغطي رأسها.. بينما يدافع.. كما اشرنا.. عن العراة ونوادي العراة.. بقوة الدولة.. والدستور.. والقانون.. وكل ذلك جزء من ثقافة.. ضحلة.. عوراء.. زائفة.. متناقضة..

 

فاخبرونا ايها الحكماء..

 

اية ثقافة تلك التي تريدوننا ان نستبدل بها ثقافتنا الاسلامية.. اهي الثقافة التي تسمح لكم بالسخرية والاستهزاء بمقدسات الناس.. واحاديث الرسل.. والانبياء الكرام .. وزوجاتهم.. واصحابهم.. ومعجزاتهم.. اهي الثقافة التي تسخر من الرسول الكريم.. والقرآن الكريم.. والاحاديث الشريفة بينما تسمح لكم.. وفي نفس الوقت.. باحترام.. وتقديس.. وتبجيل.. ممارسات لا ترضى ان تمارسها الخنازير.. فاخبرونا.. اية ثقافة تلك التي تريدوننا ان نتبعها.. ونستبدل بها ثقافتنا التي كرمنا الله بها.. ثقافة الطهارة.. والوضوء.. والاذان.. والدعاء.. والعفة..  والصبر.. والايثار..  والرحمة.. وصلة الرحم.. والصلاة.. وكظم الغيظ..  والتكافل.. وافشاء السلام.. والتعاون.. والتعاضد.. والتزاور.. والتكافل.. والحرية.. واخراج العباد من عبادة العباد الى عبادة الله الواحد القهار.. اخبرونا اية ثقافة.. ام انكم تحملون اسفاراً لا تعلمون.. اصلاً.. انها اسفارا.

 

الم تدركوا بعد..انكم.. نعيق في فضاء التاريخ.. انتم وفطاحلكم.. وعباقرتكم.. ومفكروكم.. وفلاسفتكم.. وجميع.. اعمالكم.. انتم.. ومن ساندكم من غير الملة.. وما كتبتم.. من صحف وكتب ومجلدات ومكتبات.. وما رسمتم من خطوط وصور ورسوم ساخرة.. عبر التاريخ.. الم تدركوا انكم وما همزتم.. وغمزتم.. ولمزتم به في ديننا.. وما تحدثتم به.. منذ اربعة عشر قرناً الى يومنا هذا.. هو.. مرة ثانية.. نعيق في فضاء التاريخ..   

 

الم تدركوا.. انكم  محاولة مكررة.. منذ آدم عليه السلام.. تظهر.. وتختفي.. لتطل من جديد باصباغ.. وزينة.. وطلاء نتن اخر.. وبحوافر ومخالب واظافر واسنان صفراء بشعة.. تطلون كل مرة.. في محاولة.. جديدة.. يائسة.. للنيل من.. الاسلام.. عملاق التاريخ.. الذي يغيضكم ويغيض اسيادكم الذين تتقربون اليهم زلفى. 

 

الم تدركوا.. انكم منذ ان صدع الرسول الكريم.. سيد ولد آدم.. بلا الاه الا الله.. الى لحظتنا هذه.. وانتم تدورون وتتراقصون وتدندنون.. حول قضايا محدودة.. محددة.. سجنتم فيها عقولكم الضيقة.. الجامدة.. المجمدة.. تدندنون منذ اربعة عشر قرناً.. حول العنف في الاسلام.. والمرأة ولباسها.. والمعجزات.. والكرامات.. والناسخ والمنسوخ.. والاحاديث الشريفة.. صحيحها وضعيفها.. والاحاديث القدسية.. وحادثة السقيفة.. وزواج عائشة رضى الله عنها.. وحرب الردة.. تدورون حول هذه الامور.. وتكررونها.. دون ان تاتوا.. انتم ونسخكم المقلدة الممسوخة المشوهة.. بجديد.. ولانكم اسرى ضعفكم وفشلكم وعجزكم.. فلن تستطيعوا الخروج من هذا الفخ.. فخ التكرار الثقيل السمج الممل.. بالرغم من رداءة بضاعتكم.. وبالرغم من الحجج والبراهين التي قدمها لكم الاسلام المرة.. تلو المرة.. تلو المرة.. حتى ملت من اللين اقلامنا.. وملت من اللين كلماتنا.

 

ليس ذلك فحسب.. بل حتى الحوادث والقضايا والوقائع التي تتقافزون حولها.. طرباً.. كالضفادع .. وتعتقدون انها المسمار الاخير في نعش الاسلام.. حتى هي.. لا تجيدون منها الا عناوينها..

    

فان اردتم ان تطعنوا في الاسلام.. لانه دين عنف.. فلن اردكم خائبين.. ففي ديننا.. وبالتالي في ثقافتنا.. مع قليلي الادب.. عنفا.. وفي ثقافتنا.. مع الذين يسخرون من مقدسات الناس.. ومع المنافقين.. والببغاوات الذين يرددون ما خط لهم غيرهم.. ومع الزنادقة الحقيقون الذين ينكرون احاديث الرسول وسنته ومعجزاته وكراماته.. والذين يستهزئون بالصحابة الكرام وكتاب الله وزوجات الانبياء الكرام والعلماء.. في ثقافتنا لامثال كل هؤلاء.. ما يستحقونه.. كل حسب انحطاطه.. وقلة ادبه.. وزندقته..

 

في ثقافتنا لامثال هؤلاء (.. قل ابالله واياته ورسوله كنتم تستهزوءن.. لا تعتذروا قد كفرتم بعد ايمانكم.. التوبة/65) .. وفيها.. (.. واضربوا منهم كل بنان.. الانفال/12).. و(.. قاتلوهم.. الانفال/39)،  و(..لا تأخذكم بهما رأفة في دين الله.. النور/2).. وفيها.. (.. ولا يخافون لومة لائم.. المائدة/54).. و(.. ذرني ومن خلقت وحيدا.. المدثر/11).. و(ساصليه سقر.. المدثر/26 ).. و(تبت يدآ ابي لهب وتب.. المسد/1).. وفيها.. (.. ان الذين يحبون ان تشيع الفاحشة في الذين آمنوا.. لهم عذاب اليم.. في الدنيا والاخرة.. النور/19).. وفيها.. ( .. لعنوا في الدنيا والاخرة.. النور/23).. وفيها.. (.. واغلظ عليهم.. التحريم/9) .. وفيها ايضاً.. (.. كأنهم خشب مسندة.. يحسبون كل صيحة عليهم.. هم العدو فاحذرهم.. المنافقون/4).. وفيها.. (.. الذين جعلوا القرآن عضين.. فوربك لنسائلنهم اجمعين.. عما كانوا يعملون.. فاصدع بما تؤمر واعرض عن المشركين.. الحجر/91-94).. وفيها .. من اقواله صلى الله عليه وسلم.. مع الذين تمادوا كما يتمادى غيرهم اليوم.. (.. اهجهم وروح القدس معك.. ).. و.. (.. والله لقد جئتكم بالذبح..)..

  

وفي ثقافتنا مع الذين يحترمون مباديء الناس ومقدساتهم وانبياءهم.. "رحمة".. و"لين".. و"مودة".. وفيها.. (.. والكاظمين الغيظ.. والعافين عن الناس.. آل عمران/134..).. وفيها.. (.. واذا حييتم بتحية فحيوا باحسن منها او ردوها.. النساء/86)..  وفيها (واخفض لهما جناح الذل من الرحمة.. الاسراء/ 24).. وفيها.. (.. ويؤثرون على انفسهم.. الحشر/9).. وفيها.. (.. اذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاما.. الفرقان/63).. وفيها.. (.. فقولا له قولاً لينا.. طه/44).. و(.. اصبروا وصابروا.. آل عمران/200).. و(.. جادلهم بالتي هي احسن.. النحل/125).. وفيها.. (.. فاعف عنهم واستغفر لهم وشاورهم في الامر.. آل عمران/159).. وفيها.. يا "أخي الحبيب".. و"جزاك الله خيرا".. و.. " السلام عليكم".. وغير ذلك من الفاظ  واقوال واحاديث وايات الخطاب اللين..  

 

لذلك.. لن نردكم خائبين..

 

ففي ثقافتنا "الحديبية".. وفيها "بدرا".. بل من اسماء الله الحسنى "الوهاب" و"الرحمن" و"الرزاق" و"الرحيم".. ومن اسمائه..ايضاً.. " الجبار" و"المنتقم".. وفي ثقافتنا غير ذلك مما لاتطيقه نفوس الزنادقة الزنادقة الزنادقة.. المنافقون.. الذين انسلخوا عن هويتنا وثراثنا بعد ان علمتهم ثقافتنا وعلمهم تراثنا وعلمتهم اصالتنا.. كيف يقراءون.. ويكتبون.. ويتحدثون عن المجتمع المدني.. والحرية.. والحضارة.. والديمقراطية.. والمدنية.. فاختارو اية مصطلحات تودون ان نخاطبكم بها..

 

لقد ارسل الله سبحانه وتعالى موسي وهارون الى فرعون وقال لهما (.. اذهبا الى فرعون انه طغى.. فقولا له قولاً ليناً.. لعله  يتذكر او يخشى.. طه/44".. كلمات هينة رقيقة لينة.. ولكن.. عندما تمادي فرعون.. وقلل ادبه.. وعاند.. وتحدى.. وهدد.. وتمرد.. وارغد.. وازبد.. واستهزى.. وسخر.. عندها.. تبدل الخطاب.. تجاه فرعون وقومه.. من (.. قولا له قولاً ليناً..)  الى قوله تعالى (.. فدمرناهم تدميرا.. الفرقان/36).. فهل من عبرة.. لمن يعتبر.

 

ثم.. ومن جهة اخرى.. اتحداكم ان تاتوا  بحضارة.. او نظام.. او ثقافة لا قصاص فيها.. وثقافة لا عنف فيها.. وثقافة لا تساندها قوة.. وثقافة لا كفاح ولا جهاد ولانضال ولا حروب ولا قتال فيها.. بل من الثقافات.. ما تساندها وتدعمها وتحميها.. اسلحة للدمار الكامل الجامع الشامل.. من قاذفات وقنابل حارقة ساحقة ماحقة.. واخرى ذرية وهيدروجينية ونيترونية.. وغازات سامة وجرثومية.. وما لم نسمع عنه بعد.. بل ان الكر والدماء والفر.. جزء من هذه الدنيا منذ بدء الخليقة الى ان تقوم الساعة.. بل قبل بدء الخليقة (.. إني جاعل في الارض خليفة.. قالوا اتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك.. البقرة/30). بل من الثقافات التي تصلون تجاه اعمدة معابدها.. وتريدوننا ان نستبدل ثقافتنا الاسلامية بها.. ما تأسس اصلاً على فلسفة "القوي" و"الضعيف".. بل ان الامم والشعوب والملل والنحل التي لا مخالب لها.. ستُغرس فيها.. حتماً.. مخالب ما.. وستبيدها.. حتماً.. وتفنيها.. وتنتزع ثرواتها.. وتحطم حضارتها.. شعوب ذات مخالب حادة حادة حادة.. والفارق ان محور ثقافتنا الاسلامية يدور حول "العدل" و" الظلم" وحول "الحق" و"الباطل" وحول "الحلال" و"الحرام" بينما تدور ثقافات اخرى حول "الاقتصاد" و"المصلحة" و"القوة" وحول"الابادة" و"التفوق" و"السيطرة".. وحول امور.. قد.. نعود اليها يوماً ما باذن الله.

 

ثم ما ان تجف اقلامكم عن النعيق حول العنف في الاسلام.. حتى تملؤها مداداً من السم حول المرأة في الاسلام.. ولا ادري ما ضركم  لو سترت النساء اجسادهن.. وما شأنكم ونساء الناس وبناتهم وزوجاتهم وامهاتهم.. وهل انتم وكلاء النساء المسلمات وما هي مصلحتكم في ان تتعرى المرأة المسلمة.. وما هي الفائدة التي ستجنيها الامة عندما تتعرى النساء.. وما علاقة الملابس.. ضاقت.. او اتسعت او طالت.. اوقصرت.. ما علاقتها.. بالعقل والفكر والتفكير والانتاج والذكاء والحرية والديمقراطية.. بل ان الزي الاسلامي امر تعبدي.. امر الله به المسلمات فاستجبن لذلك بارادتهن الحرة تعظيما لشعائر الله وطاعة له ولرسوله.. ولو امرهن الله سبحانه وتعالى بغير ذلك لاستجبن بنفس الروح.. ام ان في نفوسكم وفي كلماتكم مآرب اخرى.. ثم دونكم وبناتكم وزوجاتكم وامهاتكم.. هل ترضون ان تكون اي منهما.. لا سمح الله.. عارية كاسية.. حتى لو سمح لكم.. القانون.. والدولة.. والدستور.. بذلك.. وحتى لو رضيتم ذلك لانفسكم.. فما سرهجومكم على ثقافتنا الاسلامية.. وتركيزكم بالذات على المرأة المسلمة.. مرة ومرة ومرة ومرات.. وتقاتلون دون هوادة.. لتثبتوا ان المرأة المسلمة.. متخلفة مقهورة في الاسلام مهضوم حقها.. ثم والادهى والامر.. ذلك البديل.. "اللا متخلف".. الذي جئتم به.. وهو المرأة العارية الكاسية اداة الدعاية التجارية.. ولا ادري كيف تعتبرونها حرة معززة مكرمة.. فــ (.. ما لكم كيف تحكمون.. القلم/36) ام انكم  ترددون.. ما تقراءون وما تسمعون.. دون ترو ودون تامل ونظر وتدبير.

 

ويا ليت الامر توقف عند هذا الحد.. بل تريدون ان تقرروا.. لابي بكر الصديق.. رضي الله عنه.. متى وكيف ولمن.. يزوج ابنته عائشة رضي الله عنها.. فتدندنون على مدار القرون.. حول زواج عائشة وهي ابنة تسعة اعوام او إثنى عشر عاما  او اكثر من ذلك او اقل.. فهل انتم.. ايها الدخلاء.. حريصون عليها اكثر من حرص ابوبكر الصديق.. على ابنته فلذة كبده.. اتفهمون في امر عائشة رضي الله عنها اكثر من امها وابيها.. وما شأنكم في ان يزوجو ابنتهم وهي بنت إثنى عشر عاماً او عندما تبلغ الستين.. هل فرض عليكم احد ان تزوجوا بناتكم في سن ما.. بل ان اغلب القوانين الشخصية.. في اغلب دول العالم التي تعبدون ثقافتهم.. وترددون.. كالببغاوات.. مقالاتهم.. واقوالهم.. وافكارهم.. وتلعقون احذية مثقفيهم.. وتريدوننا ان نستبدل ثقافتهم بثقافتنا.. اغلب تلك القوانين الشخصية.. تسمح بزواج البنت عندما تبلغ سن البلوغ.. فما هي مشكلتكم.. ثم.. من انتم امام هذا العملاق الذي اتخذ من المواقف.. ما لا تطيقونه انتم ولا قبائلكم.. ولا جذوركم ولا جذور جذوركم.. من انتم امام الصديق رضي الله عنه الذي امن بمبدأ.. فبذل من اجله عمره وماله وجهده.. فحرر البشر الذين كانوا يرزخون تحت وطأة الاستعباد.. والذين كانوا يُعذبون.. من اجل مبادئهم.. فحولهم الاسلام.. الى صحابة كرام واساتذة وعلماء وقادة.. حرر ابوبكر الصديق العبيد.. في فترة كان هذا الامر يعرض صاحبه لعداوة مكة واساطينها وجبابرتها وطغاتها.. ويعرض اصحاب تلك المواقف الى ما لا يحمد عقباه.. حدث ذلك في ايام كانت مكة تمقت المسلمين مقتاً.. وكان المسلمون مهددين في كل لحظة بالقتل والسحق والمحق.. وكانوا يمرون بفترة ارهاب.. لم تشهد لها مكة مثيلاً.. لقد كان ابوبكرالصديق رضي الله عنه.. في مثل تلك الاجواء.. يعاند كبار القوم.. ويتحداهم.. وكان يقرأ القرآن الكريم جهراً.. على مرمى من  ابصارهم واسماعهم.. وهاجر رضي الله عنه.. وتحمل ما تحمل من تكاليف الهجرة.. واصبح اول خليفة للمسلمين.. فادار دولة.. وقاد امة.. ونظم شئون الناس.. فرجل بهذا التاريخ والعطاء والمكانة التي اكتسبها بايمانه وعلمه وعمله.. ليس في حاجة اليكم لتنصحوه متى وكيف ولمن يزوج ابنته.

 

بل ان التناقض الذي حمل داخله.. تناقض اسواء منه.. يظهر في حادثة السقيفة.. التي صنعتم منها صنماً.. اعتقدتم ان الاسلام سيسجد له.. فبعد انتقال سيد ولد آدم.. الى جوار الله.. واعطاء "البيعة" لابي بكر الصديق رضي الله عنه.. او "ترشيحه" من قبل "النخبة".. او استلامه للسلطة سلمياُ.. ان كان في هذه المصطلحات ما يدغدغ اذانكم المليئة بالصمغ المركز.. ثم تأكيد هذه "البيعة" او هذا "الاختيار" او هذا "الترشيح" او "الاستلام".. من قبل عموم المسلمين.. او من قبل "الجمهور".. او "الجماهير".. او ان شئتم.. "الناخبين".. ان وجهة نظركم  في هذه الحادثة.. يكاد يشيب لها الولدان.. فعندما استطاع المسلمون ان يتجنبوا الفتنة.. في حادثة السقيفة.. واستطاعت النخبة ان تجنب الامة الحروب والخصومات والصراعات.. وان يتم تسليم السلطة واستلامها سلمياً في مجتمع قبلي.. محاط فيه المسلمون بالاعداء.. من كل حدب وصوب.. ينتظرون الفرصة.. للانقضاض على الاسلام والقضاء عليه.. كما تنتظرون انتم اليوم.. عندما استطاعت النخبة المدعمة بالجماهير.. وليست النخبة المفروضة على الجماهير.. او القائد المفروض عليها.. عندما استطاعت هذه النخبة.. ان تجنب الامة الويلات.. في تلك الظروف.. انطلقتم.. تنعقون كالغربان.. حول سرقة السلطة.. من قبل الصديق.. وحول الديكتاتورية.. وحول.. غياب صندوق الانتخابات في المدينة.. منذ اربعة عشر قرناً.. وحول غياب الحريات.. وغياب الرأي الاخر.. وحول لا شرعية استلام الصديق للسلطة.. ولو انطلقت الفتنة في تلك الفترة.. وسكبت الدماء.. وتصادم الصحابة.. عقب موت الرسول الكريم.. لانطلقتم تتحدثون.. كعادتكم.. عن وحشية البدو.. وعنف الاسلام والمسلمين.. كما فعلتم في حوادث اخرى من التاريخ الاسلامي.. فلا السلم اعجبكم.. ولا الحرب اعجبكم.. فانتم لا ترون الا عبر"البقعة" السوداء في قلوبكم.. ولقد حيرتموننا حقاً.. فبدلاً من ان ينال اهل السقيفة اعجابكم.. لما اظهروه من صبر وترو وحكمة وذكاء.. بدلاً من ذلك.. انطلقتم تتحدثون عن سرقة السلطة والتعسف والديكتاتورية والتسلط.. الم اخبركم بان ثقافتكم.. عوراء.. وانكم لا تدركون ماتقولون.

 

وحتى الحرب التي اعلنها ابوبكر الصديق.. رضي الله عنه.. على مانعي الزكاة.. واتخذتم منها..  دليلاُ علىالتعسف والتسلط والاستبداد والديكتاتورية.. مثل هذه الحرب.. اعلنتها.. قبله.. وبعده.. مئات الانظمة والحضارات والملل والنحل.. على مر التاريخ والعصور.. اعلنتها امريكا وبريطانيا وفرنسا وروسيا والصين ودول الشرق والغرب.. على من لا يدفع الضرائب.. في الماضي والحاضر.. بل ان جميع الدول التي اتخذتم ثقافتها شريكاً لله.. هذه الدول..على استعداد لدك البيوت على رؤؤس من فيها.. اذا رفض اهلها.. عمداً.. وقصداًً.. وتمرداًً.. دفع الضرائب بصورة دائمة.. فالضرائب هي العمود الفقري  للدولة.. فما بالكم بالزكاة ذات العلاقة بالدين والدولة.. لا بالدولة فقط.. لكنكم.. ولامر ما.. لم تهتموا بتعسف وتسلط واستبداد وديكتاتورية اصحاب هذه الثقافات "السلمية".. اما ابوبكر الصديق رضي الله عنه فقد انقلبت عليه دنياكم ولم تقعد عندما حارب الذين امتنعوا عن اداء الزكاة.. اليس  في ذلك تناقضا اخر من تناقضات ثقافتكم.

 

وما ان ينفذ مداد السم.. حتى تتوجهوا.. بنهم مزعج.. نحو صرح اخر من صروح مصادرنا.. وديننا.. وثقافتنا.. واصولنا.. تتجهون بنهم.. نحو المعجزات.. طعناً.. وتشكيكاً.. وهمزاً.. ولمزاً.. وحاشا لله ان نردكم بخفي حنين.. فالايمان بالمعجزات.. شئتم ام ابيتم.. جزء من  ديننا وجزء من ثقافتنا.. وها انتم  تستهزؤن بمعجزات الرسول وكراماته وتنكرونها وتدندنون حول صحتها وعدم صحتها.. فهل تؤمنون ان عيسى عليه السلام ولد من غير اب.. وانه احياء الموتي.. وابرأ الابكم.. واخبر الناس بما في بيوتهم.. وان الله رفعه اليه.. وان موسى شق بعصاه البحر.. اتؤمنون بان نوحا عليه السلام.. كان يصنع الفلك في صحراء جرداء.. هل لكم ان تخبرونا كيف عرف عليه السلام.. ان الطوفان آت.. هل تؤمنون ان ناقة صالح خرجت من صخرة.. وان اثنين من الملائكة جعلا قرية قوم لوط عاليها سافلها.. اتؤمنون بان النار لم تمس ابراهيم عليه السلام.. وان يونسا عليه السلام ابتلعه الحوت ثلاثة ايام وليال.. اتؤمنون بان سليمان عليه السلام.. عُلم منطق الطير.. وادرك منطق النمل.. اتؤمنون ان بصر يعقوب عليه السلام ارتد اليه بعد ان رُمي على وجهه بقميص يوسف.. اتؤمنون بانكم ستبعثون بعد الموت.. اتؤمنون بالبعث والنشور والحشر والصراط والميزان.. اتؤمنون بما حدث لادريس عليه السلام.. فاذا استوعبت جماجمكم هذه المعجزات.. فما الغرابة.. على سبيل المثال.. في معجزة الشجرة التي جاءت الى الحبيب صلى الله عليه وسلم.. وما الغرابة في غيرها من معجزاته وكراماته.. وهو.. صلى الله عليه وسلم.. اكرم الانبياء.. وشفيع الامة.. كمعجزة الاسراء والمعراج.. والملائكة التي قاتلت مع المسلمين في بدر.

 

لقد تمنى احد الغربان.. وبسخرية.. في احد نوبات القيء والاسهال التي اصابته.. تمنى.. بتهكم وسخرية واستهزاء.. ان يصور الشجرة وهي تتجه نحو محمد صلى الله عليه وسلم .. بل..

وهي "تطربز" حسب ثقافته "البعيدة" عن "العنف" ومصطلحات "العنف".

 

فلماذا لم تتمنى.. ايها الغراب.. ان تصور فيلماً سينمائياُ عن عيسى عليه السلام عندما كان يحيي الموتى.. او عن موسى عليه السلام وهو يشق بعصاه البحر.. او فيلما سينمائيا عن غير ذلك من المعجزات.. ام ان السخرية والاستهزاء والعبقرية والقريحة والتطاول والذكاء لا يصحان الا مع رسولنا الكريم.. محمد سيد ولد ادم.. فتستكثرعلى شفيع هذه الامة معجزة ما او كرامة ما..

 

ان القلب الذي يؤمن بالله.. لا يصعب على صاحبه الايمان بهذه المعجزات.. بل لا يصعب عليه الايمان بما هو اعمق واقوى وادق واكبر من ذلك بكثير.. فجزء من الايمان بالله هو الايمان بالمعجزات.. ونحن لم نؤمن بالرسول الكريم لان شجرة جاءت اليه او رفضت ان تاتي اليه.. ولكن.. والحمد لله.. استقر في قلوب المسلمين محبة والتزام وايمان به وبتعاليمه واحاديثه وكراماته ومعجزاته الى ابد الابدين.. نؤمن.. اذاً.. بالمعجزات.. وان كانت ليست هي السبب في ايماننا بالله وبرسوله.

 

وان كنتم لا تؤمنون بهذه المعجزات التي ذكرناها.. لانكم غير قادرين.. على استيعاب ذلك.. فاعلنوها.. صراحة.. انكم لا تؤمنون بما جاء في القرآن الكريم ايضاً.. لان نماذج المعجزات التي ذكرناها.. وردت في القرآن الكريم.. ففي منطق ثقافتنا.. التي لا تعجبكم.. ولا تعجب اسيادكم.. ان الذي لا يستوعب هذه.. لا يستوعب تلك.

 

ولعلكم تمارسون كما مارس غبركم.. لعبة القرآن والحديث.. فتقولون: ما جاء في القرآن نؤمن به.. وما لم يآت في القرآن لا نؤمن به.. فينطبق عليكم  قوله صلى الله عليه وسلم (.. يوشك رجل منكم متكئا على اريكته.. يحدث بحديث عني.. فيقول: بيننا وبينكم كتاب الله، فما وجدناه من حلال استحللناه وما وجدناه من حرام حرمناه.. ) او كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم.. فهل لكم ان تخبرونا.. كيف عرف صلى الله عليه وسلم ان اقواما امثالكم سيأتون من بعده.. وسيكون لهم وجود بيننا.. يتحدثون بما تتحدثون به الان.. الا يعتبر هذا.. نبؤة من نبؤات الحبيب صلى الله عليه وسلم.. واحدى معجزاته.. فهل من عبرة.

 

وان كنتم حريصون على هذه الامة وثقافتها ومستقبلها ومصيرها وتريدون ان تنقذوها من احاديث ترون انها ضعيفة.. او موضوعة.. او ان مادتها.. ومتنها.. لا ينطبقان مع صدى الصوت الذي يُسمع عقب الطرق على جماجمكم الخاوية.. فتناولوا ذلك بادب لانكم تتعاملون مع امر فيه انبياء.. وزوجات انبياء.. وصحابة كرام.. ووحي.. وقرآن.. واحاديث شريفة.. واحاديث قدسية.. وهي جميعها.. عند الله.. ثم عند المؤمنين.. اشرف واطهر منكم.. وما انتم.. اذا اسأتم ادبكم مع الرسول او مع اي من هذه المقدسات.. ما انتم الا العفونة التي يعرف بها طيب الروائح.. فاطرحوا ما ترونه تجاه تلك الاحاديث.. صحت الاحاديث او لم اتصح.. وتجاه تلك التفاسير.. صحت التفاسير او لم تصح.. اطرحوا ما ترونه.. بادب.. وليس بالسخرية والاستهزاء والتطاول والتمادي.. والا.. فان في ديننا وثقافتنا ما تستحقون.

ثم ان نقد الاحاديث وتخريجها وتضعيفها وتصحيحها.. علم في حد ذاته له فنونه.. وقواعده.. ومعاييره.. ومترادفاته.. ومصطلحاته.. واسلوبه.. فالذي يعرف الحديث الشريف ومصدره وسنده ومتنه.. وله الجراءة على السخرية والاستهزاء به.. لابد انه يعرف.. ايضاً.. او يستطيع على اقل تقدير.. ان يلم بمباديء هذه القواعد.. والمعايير.. والمترادفات.. والمصطلحات.. والاساليب العلمية للتعامل مع الحديث.. وان عدم استخدامه لهذه القواعد.. مع علمه بها.. يعني ان في الامر  ليس فقط "ان".. بل فيه "ان" و"كان" و"اخواتهما" ايضأ.

 

اما نحن.. فوالله.. لو وجدت الاف الاحاديث الضعيفة.. والغريبة.. والمتناقضة.. والموضوعة.. والمتروكة.. فاننا نؤمن بان ثقافتنا الاسلامية افضل.. واشرف.. واعز.. واكرم من اية ثقافة اخرى.. ثم.. ومن جهة اخرى.. لو وجدت الاف الاحاديث الغريبة.. والموضوعة.. والضعيفة.. فهناك الافا اخرى.. لا اختلاف على صحتها بين علماء الامة عبر العصور.. وان هذه الاحاديث التي لا اختلاف على صحتها.. هي الاحاديث التي تحتوي على اعظم التعاليم من صلة الرحم والرحمة والتراحم والتعاون وحسن المعاملة والتعامل والجوار والصدق والكرم والتحاب في الله والتكاتف والتعاون ونبذ الحسد والتحاسد والتباغض والتجسس والتحسس والظن والبخل والكذب.. والدفع والتدافع.. من اجل العدل والحرية والمساواة.. ففي تلك الاحاديث ما يجعل طغاة الارض.. يصابون.. بالارق.. الى الابد.. بل الى ان يستلمهم.. ان اراد الله.. زبانية جهنم..  وانه لا تنازل على هذه الاحاديث ولا خلاف ولا اختلاف ولا تناقض ظاهري او باطني او لفظي بينها.. واننا نؤمن بان الرسول صلى الله عليه وسلم لا ينطق عن الهوى.. كما جاء في قوله تعالى (.. وما ينطق عن الهوى.. ان هو الا وحي يوحى.. النجم/3-4".. وبيت القصيد ان الاحاديث الضعيفة والموضوعة والغريبة لا تبرر الغاء الاف الاحاديث الصحيحة.. فاعزفوا.. ان شئتم.. لحناً اخر.. يُطرب له كهنة ثقافتكم وسدنتها.   

   

وان اردتم.. حواراً..  فاطرحوا.. بجدية.. ما ترونه.. وليتواصل الحوار.. بعد ذلك.. ما شاء الله له ان يتواصل.. اما اذا استكبرتم واصررتم اصراراً.. على الرقص حول اعمدة معابدكم.. فاعلموا.. علم اليقين.. اننا لن نستبدل.. الذي هو ادنى بالذي هو خير.. واعلموا.. علم اليقين.. اننا لن نستبدل.. ثقافتكم.. ثقافة المواخير.. بثقافة السماء.. فكفاكم.. حرثاً في الماء.. وتجديفاً في الهواء.. وكفاكم.. نعيقاً.. وتقليداً.. وكفاكم.. نسخاً.. ونهيقاً.. ونقيقا.. واعلموا ان دون ديننا.. وهويتنا.. وثقافتنا.. الموت.. وان ثقافتنا منذ ابراهيم عليه السلام.. بل منذ آدم.. وما قبل آدم.. عليه السلام.. والى يومنا هذا.. عملاقا لم ولن يسمع لكم ركزا.

 

د. فتحي الفاضلي

 ________________

لمراسلة الكاتب

[email protected]

لزيارة موقع الكاتب

www.fathifadhli.info

 

الرئيسية | من نحن | اتصل بنا

© 2004 Libya Alomstakbal. All rights reserved.