30/06/2008

فى الذكرى الثانية عشر لمجزرة سجن أبوسليم يونيه 1996 / يونيه2008
الآثار القانونية والإنسانية لمجزرة سجن أبوسليم
 
بقلم: المحامى/ الشارف الغريانى

 
أولا: الآثار القانونية
 
التكييف القانوني لهذه الجريمة وفقا للمواثيق والعهود الدولية:  
 
تقع هذه الجريمة فى إطار الجرائم التى ترتكب ضد الإنسانية..قياسا بالعدد الهائل من الأبرياء الذين سقطوا ضحية هذا العمل الاجرامى... ناهيكم عن كونها جريمة إعدام جماعي خارج نطاق القانون وإعدام تعسفي وبدون محاكمة عادلة. وهنا يمكننا الرجوع الى بعض العهود والمواثيق الدولية التى تحرم مثل هذه الجريمة.
 
وقبل الخوض فى تأصيل هذه الجريمة وفقا لمواثيق البشر.. فعلينا أولا الرجوع الى  شرع الله عزوجل الذي خلق الإنسان وكرمه على سائر مخلوقاته.. وهو الذي حرم قتل بني الإنسان بصورة عامة والمؤمنين بصفة خاصة.. حيث حرم على بني إسرائيل قتل النفس عامة  بدون نفس..وفى هذا إشارة إلى النفس البشرية قاطبة مهما كانت عقيدتها.. فقال عزوجل: {مِنْ أَجْلِ ذٰلِكَ كَتَبْنَا عَلَىٰ بَنِيۤ إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَن قَتَلَ نَفْساً بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي ٱلأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ ٱلنَّاسَ جَمِيعاً وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعاً وَلَقَدْ جَآءَتْهُمْ رُسُلُنَا بِٱلّبَيِّنَٰتِ ثُمَّ إِنَّ كَثِيراً مِّنْهُمْ بَعْدَ ذٰلِكَ فِي ٱلأَرْضِ لَمُسْرِفُونَ}. المائدة 32
 
وفى موضع أخر ..اكد المولى عزوجل على حرمة قتل المؤمن عمدا,,فى قوله: {وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُّتَعَمِّداً فَجَزَآؤُهُ جَهَنَّمُ خَٰلِداً فِيهَا وَغَضِبَ ٱللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَاباً عَظِيماً} النساء93. وفى الحديث الشريف.. جاء عن نبينا محمد صلى الله عليه وسلم.. قوله "أول ما يقضى بين الناس يوم القيامة فى الدماء" وقوله صلى الله عليه وسلم" لن يزال المؤمن فى فسحة من دينه مالم يصب دما حراما".
 
 ولنا فى السلف الصالح العبرة والأثر الطيب.. فيروى لنا بأنه: بينما كان بعض الصحابة جلوس فى مجلس عبدالله ابن عباس.. أتاه رجلا فناداه: يا عبد الله بن عباس ما ترى في رجل قتل مؤمناً متعمداً ؟ فقال: جزاؤه جهنم خالداً فيها، وغضب الله عليه ولعنه، وأعدّ له عذاباً عظيماً. قال: أفرأيت إن تاب وآمن وعمل صالحاً ثم اهتدى؟ قال ابن عباس: ثكلته أمه، وأني له التوبة والهدى، فو الذي نفسي بيده لقد سمعت نبيكم صلى الله عليه وسلم يقول: "ثَكِلَتْهُ أُمُّه! رَجُلٌ قَتَلَ رَجُلاً مُتَعَمِّداً، جاءَ يَوْمَ القِيامَة آخِذاً بِيَمِينِه أوْ بِشِمالِهِ، تَشْخُبُ أوْدَاجُهُ دَما، فِي قُبُلِ عَرْشِ الرَّحْمَنِ، يَلْزَمُ قاتِلَهُ بِيَدِهِ الأُخْرَى يقولُ: سَلْ هَذَا فِيمَ قَتَلَنِي" والذي نفس عبد الله بيده لقد أنزلت هذه الآية فما نسختها من آية حتى قُبِض نبيكم صلى الله عليه وسلم، وما نزل بعدها من برهان" (تفسير جامع البيان في تفسير القرآن/ الطبري (ت 310 هـ). وبالتالي يحرم بدون حق إزهاق روح الإنسان أو إتلاف عضو من أعضائه أو إصابته باى أذى فى جسده.. فليس بعد الكفر ذنب أعظم  من قتل المؤمن..فماذا سيكون جواب أولئك القتلة عندما تتعلق بثيابهم يوم القيامة تلك الأرواح الطاهرة البريئة وهى واقفة أمام العرش تطالب بالقصاص منهم أمام الجبار شديد الانتقام.؟؟؟؟؟؟؟؟
 
وأما وفقا للمعايير البشرية..ومن خلال المواثيق والعهود الدولية..فيكفينا الإشارة الى بعضها فقط للتدليل على فضاعة هذه الجريمة واستنكارها دوليا من قبل أفراد البشرية قاطبة..فكل هذه العهود والمواثيق اعترفت بحق الإنسان فى الحياة..وبعدم المساس بها  أو إزهاقها إلا بناءا على قانون وفى أضيق الحدود ولأسباب قانونية توجب حرمان الإنسان من حياته.. مع توفير كافة الضمانات التى تمكنه من الدفاع عن نفسه.بل وفى الحق بالمطالبة باستبدال عقوبة الحرمان من الحياة بغيرها من العقوبات الأخرى.
 
هل قضية سجن بوسليم تنطبق عليها عالمية الاختصاص العالمي؟
 
إذا أردنا تحديد الجرائم التي تنص عليها عالمية الاختصاص القضائي بموجب القانون الدولي، فعلينا أن ننظر في المعاهدات الدولية ـ مثل "اتفاقية مناهضة التعذيب" الصادرة عن الأمم المتحدة، أو اتفاقيات جنيف الخاصة بجرائم الحرب ـ وكذلك في العرف السائد بين الدول (أو بما يسمى "بالقانون الدولي القائم على العرف") وهي التي تعتبر جريمة الإبادة الجماعية و"الجرائم المرتكبة ضد الإنسانية" جرائم تنطبق عليها عالمية الاختصاص القضائي. ولكننا نرى في كل حالة أن أساس البت فيما إذا كان من الممكن إقامة الدعوى استناداً إلى عالمية الاختصاص القضائي هو قوانين الدولة التي تقام فيها الدعوى (والتي تسمى "دولة الادعاء"). ومن بين الجرائم المرتكبة ضد حقوق الإنسان التي تنطبق عليها عالمية الاختصاص القضائي، بموجب القانون الدولي، الجرائم التالية :جرائم التعذيب /الإبادة الجماعية / الجرائم المرتكبة ضد الإنسانية / جرائم الحرب..*
 
بالرغم من عدم جود نص صريح وواضح ينطبق على حالة ضحايا مجزرة سجن بوسليم فى المعاهدات والمواثيق الدولية.. إلا إننا يمكننا القياس عليها من خلال النصوص الواردة فى ((اتفاقية منع جريمة الإبادة الجماعية والمعاقبة عليها)) كما فعلت دولة اسبانيا عند محاكمتها للدكتاتور(بينوشيه) والذي اتهمته بارتكاب جريمة الإبادة الجماعية استناداً إلى تعريف أوسع للإبادة الجماعية، وهو التعريف الوارد في نص القانون الإسباني، الذي يتضمن أيضاً النص على معاقبة كل من يحاول القضاء على الجماعات السياسية..
 
وعلى الرغم من عدم وجود نص محدد في اتفاقية منع الإبادة الجماعية، فإنه يجوز لأي دولة، استناداً إلى القانون الدولي القائم على العرف، أن تحيل كل من يتهم بالإبادة الجماعية إلى العدالة بموجب عالمية الاختصاص القضائي..ويمكننا الاستناد الى  ما جاء أيضا  من تعريف لمثل هذه الجريمة..فى القانون الاساسى للمحكمة الجنائية الدولية,تحديدا فى المادة السابعة التى تعرف الجرائم المرتكبة ضد الإنسانية:
 
 ((إنها أفعال معينة، مثل القتل العمد، والإبادة، والتعذيب، والاسترقاق، و"الإخفاء"، والاغتصاب، والاستعباد الجنسي، وما إلى ذلك بسبيل، إذا ارتكبت في إطار "هجوم واسع النطاق أو منهجي موجه ضد أية مجموعة من السكان المدنيين، وعن علم بالهجوم")). وتوجد تعريفات مماثلة لهذا المفهوم في النظام الأساسي لكل من المحكمة الجنائية الدولية الخاصة بيوغوسلافيا السابقة وتلك الخاصة برواندا. والذي يجعل جريمة ما في عداد الجرائم المرتكبة ضد الإنسانية هو ما تتسم به من اتساع نطاقها وطابعها المنهجي.** ((بتصرف من منظمة هيومن رايتس)).
 
وبالعودة الى مبادئ المنع والتقصي الفعالين لعمليات الإعدام خارج نطاق القانون والإعدام التعسفي والإعدام دون محاكمة,, المعتمدة من قبل المجلس الاقتصادى والاجتماعى التابع للامم المتحدة,, نجد ان المجتمع الدولي حارب هذه الجريمة  وحددها  على وجه الخصوص بتعريف ينطبق على ما وقع بسجن بوسليم..وذلك بان منع الإفراط فى استعمال القوة المؤدية الى الموت والإعدام خارج نطاق القانون فة فقرة واضحة وجلية ((ولا يجوز التذرع بالحالات الاستثنائية، بما في ذلك حالة الحرب أو التهديد بالحرب، أو عدم الاستقرار السياسي الداخلي أو أي حالة طوارئ عامة أخري، لتبرير عمليات الإعدام هذه. ولا يجوز تنفيذ عمليات الإعدام هذه أيا كانت الظروف، حتى في الظروف التي تضم، علي سبيل المثال لا علي سبيل الحصر، حالات النزاع المسلح الداخلي، وحالات استخدام القوة بصورة مفرطة أو مخالفة للقانون من جانب موظف عمومي أو أي شخص آخر يتصرف بصفته الرسمية، أو من جانب شخص يعمل بتحريض أو بموافقة صريحة أو ضمنية منه، وحالات الوفاة أثناء الاحتجاز. ويكون هذا الحظر أقوي في مفعوله من المراسيم التي تصدرها السلطة الحكومية.)) وفى حالة سجن بوسليم تكاملت أركان هذه الجريمة..من وجود رجال الأمن وقوى الثورة المدججين بالسلاح والمنفذين لتعليمات ت جهات عليا واستخدام القوة المفرطة بإعدام المئات من الأبرياء رميا بالرصاص,,وليس هذا فقط بل كانت العملية تتم بحضور كبار المسئولين الأمنيين التابعين للسلطة. وهذه الوفيات تمت جميعها إثناء الحجز والاعتقال داخل السجن السيئ السمعة.
 
وفى هذا الإطار أيضا,, تبذل الحكومات قصارى جهدها لمنع عمليات الإعدام خارج نطاق القانون والإعدام التعسفي والإعدام دون محاكمة، وذلك باتخاذ تدابير مثل الوساطة الدبلوماسية، وتحسين إمكانيات اتصال الشاكين بالهيئات الدولية الحكومية والهيئات القضائية، والشجب العلني. وتستخدم آليات دولية حكومية للتحقيق فيما تتضمنه البلاغات عن أي عمليات إعدام من هذا القبيل ولاتخاذ إجراءات فعالة ضد هذه الممارسات. وتقيم الحكومات، وضمنها حكومات البلدان التي يشتبه في أنه تحدث فيها عمليات إعدام خارج نطاق القانون أو إعدام تعسفي أو إعدام دون محاكمة، تعاونا تاما فيما بينها في التحقيقات الدولية عن هذا الموضوع.. الأمر الذى يجعل من حق أولياء الضحايا الاستعانة بالحكومات الأخرى لإظهار حقيقة هذه العمل الاجرامى.
 
ونتيجة لحجم هذه الجرائم المرتكبة ضد الإنسانية..فان المجتمع الدولي ألزم كافة الدول الأطراف فى الاتفاقيات والعهود الدولية بان تتظمن دساتيرها وتشريعاتها المحلية ((مبدأ عدم تقادم جرائم الحرب والجرائم المرتكبة ضد الإنسانية)), وتم الاتفاق دوليا أيضا على((مبادئ التعاون الدولي في تعقب واعتقال وتسليم ومعاقبة الأشخاص المذنبين بارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية)).
 
وان كانت بعض المواثيق والعهود الدولية تشترط لتحريك القضايا دوليا بان يتم تداول قضايا حقوق الإنسان محليا أمام القضاء المحلى.. والذى يفترض فيه قيام الدولة المعنية بارتكاب جريمة ضد الإنسانية او تكون متهمة  بانتهاك لحقوق الإنسان.. بإجراء تحقيقات نزيهة وشفافة وتقديم الجناة لعدالة المحلية,, الا انه فى حالتنا نحن الليبية,, لا شئ  من ذلك تم و نعتقد بأنه لن يتم قريبا..فها هى جريمة سجن ابوسليم  فى ذكراها الثانية عشر ولم تحرك السلطات الليبية ساكنا فى هذا الاتجاه,, اللهم بعض التصريحات أو الوعود التي  ظهرت على السطح إبان تحريك هذا الملف فى أيامه الأولى..  وقد تحرك اهالى الضحايا فى الآونة الأخيرة بان توجهوا للقضاء للكشف عن مصير  أولئك السجناء المفقودين.. حيث قامت إحدى المحاكم المحلية بإصدار أوامرها للسلطات الليبية بالكشف عن مصير ضحايا هذه المجزرة.. والتى نعتقد بان المماطلة ستكون من نصيب  تنفيذ هذه الأوامر.. وإلا فماذا يعنى سكوت السلطات الرسمية طوال هذه المدة دون الكشف ذاتيا عن ملابسات هذه المجزرة...
 
إلا انه فى حالة المماطلة وعدم تنفيذ قرار المحكمة المشار اليه. فانه فى هذا الحالة يمكن للاهالى التوجه الى القضاء الدولي وذلك بالاستعانة  بإحدى الدول التى تنص قوانينها على الحق فى محاكمة كل من يرتكب جريمة ضد الإنسانية  تتعلق بجماعة سياسية.. كما هو الحال فى دولة اسبانيا التى كان لها السبق فى اعتقال ومحاكمة دكتاتور تشيلي.. الأمر الذي يتطلب مواصلة الجهد والمثابرة بالاتصال  بالسلطات الاسبانية لكى تصدر أوامرها بضبط وإحضار كل من تثبت إدانته فى ارتكابه لهذه الجريمة..
 
وبالمناسبة لا ننسى هنا  جريمة أخرى  ارتكبت ضدا أبنائنا  الذين لقوا مصرعهم تحت التعذيب فى المعتقلات والسجون وأماكن الحجز المختلفة.. منها على سبيل المثال لا الحصر.. قضية  الشهيدين/احمد مخلوف  والناجى بوحوية.. الذين  ماتا تحت التعذيب على ايدى الجلادين عقيد حسن اشكال وعبدالله السنوسى بمعسكر السابع من ابريل سنة 1982 بمدينة بنغازى.. وأخر هذه الحالات حالة الشهيد/ محمد عادل ابوعلى.. الذي لقي مصرعه تحت التعذيب فى مقر الحجز بالأمن الخارجي بمدينة طرابلس بعد إعادته قسرا من السويد فى أوائل شهر مايو 2008..فهذه أيضا  من الجرائم الملاحق عليها دوليا وتخضع لعالمية القضاء الدولي.
 
هذا بإيجاز واقع الحال بالنسبة لجريمة العصر (مجزرة سجن بوسليم وواقعها القانوني وفقا للمواثيق والعهود الدولية.
ثانيا: الآثار الإنسانية والاجتماعية
 
من الحقوق الإنسانية الأساسية للفرد في اى مجتمع كان.. أن يتمتع بحق المواطنة بالانتماء لوطن وارض وأسرة ومجتمع.. وان يعيش بكرامة وعزة بين أهله ووسط مجتمعه الذي ينتمي إليه..وبالتالي من حقه أن يكون له كيان مستقل.. بإرادة حرة وأهلية تامة وجوبا واداءا.. ومن ثم تحمل مسئولياته المناطة به وفقا لأدميته وإنسانيته وتبعيته للوطن ومشاركته لباقي أبناء جلدته..
 
وهذا الكيان لا يتم إلا بعد الاعتراف به بشهادة رسمية تثبت ولادته من أب وأم نتيجة عقد زواج شرعي صحيح,, ومن بعد تسميته باسم يليق بآدميته.. ويتم ذلك من خلال ما يسمى بمكاتب السجل المدني أو الأحوال الشخصية والمدنية,, حسب المتعارف عليه فى الوطن الأم..وهذا الإجراء من الأهمية بمكان لأنه بهذا يكون من حقه التمتع بكل المزايا الممنوحة له وفقا للقوانين السائدة. حق الحياة.. حق العمل .. حق التملك,, حقه في حرية الرأي والتعبير,, حقه في الاختيار بإرادته الحرة..حق الزواج والإنجاب والسكن والسفر والترحال والإقامة أينما يريد.. حقه فى التعليم وفى العلاج وفى الحماية  من كل ما يسئ إليه,, هكذا يكون له الانتماء الأسرى والعائلي وتتأصل فيه الروابط الأخوية وصلة الرحم..وبالتالي تترتب عليه الواجبات وتترتب له الحقوق فالمصالح المتبادلة مع غيره من إفراد أسرته وعائلته وقبيلته وعشيرته ومجتمعه فوطنه وتأثره وتأثيره  بالعالم المحيط به كافة,,  وهكذا تكتب له الحياة الكريمة السعيدة.
 
وعندما تحين ساعته والاستعداد للرحيل النهائي من هذه الدنيا الفانية.. لا تنقطع صلته نهائيا بمن كان قد تعايش معهم طوال حياته..بل تستمر بعض تلك العلائق الحياتية إلى ما بعد مماته.. ولو إلى حين..وتبدأ استمرارية تلك العلائق فور خروج الروح الطاهرة إلى بارئها عزوجل. واثبات هذه الحالة بشهادة وفاة رسمية كما ثبتت الحالة عند الميلاد بشهادة رسمية أيضا.. وتترتب على عملية إثبات الحالة هذه عدة أثار قانونية وإنسانية هامة فى حياة من هم من بعد من  انتقل إلى جوار ربه..يمكننا  تلخيصها فيما يلى:
 
أولا: لا يمكن دفن الميت إلا بشهادة وفاة رسمية يتم توقيعها من طبيب مختص ومن ثم اخذ الإذن بالدفن من الجهة المعنية بذلك. ومن بعد تقوم الجهات المدنية بالسجل المدني بشطب اسمه من سجل الإحياء.. وهنا نفلت الانتباه ان بمجرد ولادة اى إنسان يتم تدوينه فى عالم الإحياء دوليا لأهمية ذلك فى حصر وتعداد سكان العالم وبالمقابل عندما يتوفى اى إنسان يتم تدوينه فى عالم الأموات أيضا لحصر وتعداد سكان العالم وفقا لنظام دولي متعارف عليه.
 
ثانيا: هذه الشهادة لا تمنح إلا  بعد الكشف الطبي على الجثة في إجراء طبي وأدارى متعارف عليه.
 
ثالثا: يستلم أهل الميت هذه الشهادة مرفقا بها الإذن بالدفن.. لإتمام مراسم الجنازة.. ومباشرة تقبل العزاء اعتبارا من اليوم الأول للدفن. ومن ثم يعلم الجميع المكان الذي دفن فيه الميت.
 
رابعا: اذا كان للميت زوجة التي تصبح أرملة من بعده.. فعليها الدخول فى العدة الشرعية التى قررها لها المولى عزوجل فى كتابه الكريم "والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجا يتربصن بأنفسهن أربعة أشهر وعشرا.." البقرة234. ويبدأ احتساب هذه العدة عادتا اعتبارا من اليوم الأول للدفن او اعتبارا من يوم العلم اليقين بحالة الوفاة عند عدم التمكن من دفن الميت.. كأن يكون قد غرق أو احترق أو فقد فى مكان غير مكان إقامته الاعتيادية ولم تعلن حالة وفاته إلا بعد حين من الزمن.
 
خامسا: القيام بحصر ورثة الميت الشرعيين وحصر تركته ان كانت لديه تركة معلومة.. وبالتالي استخراج ما يسمى بالفريضة الشرعية من المحكمة الشرعية او محكمة الأحوال الشخصية.. التى تبين عدد أفراد الورثة الشرعيين وبيان نصيب كلا منهم من التركة وفقا للأنصبة التى يقررها القاضي الشرعي كما بينها المشرع الحكيم "للرجال نصيب مما ترك الوالدان وللنساء نصيب مما ترك الوالدان والأقربون مما قل منه أو كثر نصيبا مفروضا" النساء7 "يوصيكم الله فى أولادكم للذكر مثل حظ الأنثيين فإن كن نساء فوق اثنتين فلهن ثلثا ما ترك وإن كانت واحدة فلها النصف ولأبويه لكل واحد منهما السدس مما ترك إن كان له ولد فإن لم يكن له ولد وورثه أبواه فلآمه الثلث فإن كان له إخوة فلآمه السدس من بعد وصية يوصى بها أودين آباؤكم وأبناؤكم لا تدرون أيهم أقرب لكم نفعا فريضة من الله إن الله كان عليما حكيما" "ولكم نصف ما ترك أزواجكم إن لم يكن لهن ولد فإن كان لهن ولد فلكم الربع مما تركن من بعد وصية يوصين بها أودين ولهن الربع مما تركتم إن لم يكن لكم ولد فإن كان لكم ولد فلهن الثمن مما تركتم من بعد وصية توصون بها أودين وإن كان رجل يورث كلالة أو امرأة وله أخ أو أخت فلكل واحد منهما السدس فإن كانوا أكثر من ذلك فهم شركاء فى الثلث من بعد وصية يوصى بها أو دين غير مضار وصية من الله والله عليم حليم" النساء10/11.
 
سادسا: هناك إجراءات إدارية مدنية  تتخذ فيما بعد متعلقة بمستحقات الميت من الجهات التى كان يعمل لديها أو من أية جهة أخرى كانت له علاقة مالية بها لبيان ماله وما عليه حتى يعلم الورثة بذالك.. وكذلك  يترتب على ذلك استخراج كتيب عائلة جديد باسم الأرملة إذا كانت  قائمة بشئون الورثة القصر لأهمية ذلك فى التعامل الادارى مع جهات الاختصاص..
 
هكذا تستمر الحياة لباقي أفراد أسرة الميت فى امن وأمان واستقرار اجتماعي  ومدني ومن ثم تنقطع صلة الإنسان بهذه الدنيا إلا من عمل صالح أو صدقة جارية أو ولد صالح يدعوا لها كما بين لنا ذلك  رسولنا الكريم صلى الله عليه وسلم.
 
هذا فى السياق الطبيعي للحياة الطبيعية الخالية من الشوائب  وفى ظل حياة   تنعم بالحرية وضمان حقوق الإنسان التي حماها المولى عزوجل فى دستور سماوي لا يأتيه الباطل  ولا يظلم فى ظله احد.. ولما لا فهو تنزيل من عزيز حكيم عليم خبير..
 
أما واقع الحال عندنا فى ليبيا فى ظل هذا النظام الذى لم يراعى فينا الا ولاذمة.. فكل هذه المعايير والقيم وهذا التوجيه الرباني الحكيم لا نجد له وجودا على ارض الواقع..فمنذ اللحظة الأولى التى تم فيها الاستيلاء على السلطة وحتى يومنا هذا فهناك المئات بل الألوف من الضحايا الذين قتلوا غدرا وظلما وبهتانا.. وهؤلاء الضحايا الألف ومائتين من ضحايا سجن بوسليم هم جزء من الألوف الضحايا الذين لم تمنح لهم شهادات وفاة رسمية وبالتالي تعطلت مصالح أسرهم وعائلاتهم بالكامل سواء المصالح القانونية المدنية او المصالح الشرعية التى سبق وان اشرنا إليها أعلاه.. وهناك المئات من الأسر والعائلات التى لم تتمكن من تصفية تركات من توفوا من أبنائها حتى يومنا هذا نتيجة لعدم اتخاذ الإجراءات القانونية اللازمة بالخصوص ونتيجة لعدم إفصاح الجهات الأمنية المسئولة فى النظام الحاكم عن هوية  العديد من الذين قتلوا داخل هذا المعتقل  من جهة وعدم منحها شهادات وفاة لمن تم الإبلاغ عن وفاتهم مؤخرا من جهة أخرى.. وبالتالي ستبقى هذه الأسر والعائلات دون أوضاع قانونية وشرعية  الأمر الذى سيترتب عليه استمرار معاناتها ناهيكم عن مأساتها الكبرى فى فقدان عائلها الذى قد يكون الوحيد فى  غالب الأحيان.
 
والعجيب فى هذا الأمر ان كل أولئك الضحايا ألان وفقا للمعيار القانوني والمدني هم أحياء من واقع ملفات السجل المدني لأنه لا يوجد ما يفيد إثبات وفاتهم ولم تشطب أسماؤهم من سجلات الأحياء حتى هذه اللحظة.. وبالتالي فهم  دوليا فى عداد الأحياء من سكان ليبيا الحاليين,, لان المنظمات الدولية ذات  العلاقة بالتعداد السكاني لم يتم إبلاغها بوفاة  هؤلاء الضحايا,, وهل هناك مأساة اكبر من ذلك؟؟ الم يحن بعد للمنظمات الدولية ذات العلاقة ان تطلب هى الأخرى كشفا بأسماء كل الذين قتلوا داخل هذا السجن الرهيب وغيرهم من شهدائنا الذين سقطوا على درب الحرية والعزة والكرامة ولم يتم إثبات وفاتهم رسميا حتى ألان،؟؟
 
رحم الله شهداؤنا.. وأسكنهم فسيح جناته والهم ذويهم وشعبنا المناضل الصبر والسلوان.
 
المجد والخلود لشهداء الوطن
العزة والكرامة لأبناء الوطن..

 

المحامى/ الشارف الغريانى

رئيس الإتحاد الليبي للمدافعين عن حقوق الإنسان

 

مانشستر – 29 يونيه2008

للتعليق على المقال
الإسم:
العنوان الإلكتروني:
التعليق

 

[email protected]

 

جميع المقالات والأراء التي تنشر في هذا الموقع تعبر عن رأي أصحابها فقط، ولا تعبر بالضرورة عن رأي إدارة الموقع >>>> ليبيا المستقبل منبر حر لكل من يطمح ويسعى لغد أفضل لليبيا الحبيبة