28/10/2008
 

 
الأزمة المالية العالمية والاقتصاد الليبي
 
قراءة اقتصادية سياسية لتفاعل نظام فاسد وفاشل
 
بقلم: ادرار نفوسه
أرشيف الكـاتب

 
استهلال:
 
انطلاقا من حقيقة سوء وفساد وعجز الدولة الليبية، إداريا واقتصاديا، كما هو موثق علميا وعمليا، دوليا ومحليا، فالتناول الموالي يبحث في اثر الأزمة الاقتصادية العالمية الراهنة على ليبيا واقتصادها. وهذا التناول ليس ورقة علمية المعايير بل تعاطي اقتصادي سياسي مع الأمر بدمج بعض المعطيات المتوفرة مع أدوات نظرية وتحليلية، وبمزج الموضوعي مع الرأي الذاتي، لوصول إلى استنتاجات، ليست بالضرورة مجهولة أو جديدة. مع التنويه بأنها محاولة للاقتراب مع الموضوع، مع قصور متوقع لعدة أسباب منها الذاتي والموضوعي، كطبيعة وهدف هذا التناول، والوقت، ونقص المعلومات والأوراق المرجعية. مع الاعتذار لطول المساهمة، المبررة.
 
ولتنسيق التناول، فسيتم التعاطي في محاور أساسية هي:
 
1. المقدمة
2. الأزمة
3. حالية الاقتصاد الليبي الراهنة ودور النفط
4. ارتباط الاقتصاد الليبي بالعالم
5. الاستثمارات الليبية في الخارج
6. السوق المالي والمصارف الليبية والإقراض
7. الأزمة وتفاعل الاقتصاد الليبي
8. اثر الأزمة على الاقتصاد الليبي
9. الخلاصة والاستنتاجات و
10. الخاتمة
 
المقدمة:
 
الأزمة المالية الراهنة والتي تعصف باقتصاديات العالم هي من الخطورة بحيث تهدد استقرار العالم، وتنذر بعواقب وخيمة تتجاوز رجال المال إلى إنسان الشارع العادي، وتتعدي حدود الدول الغنية نحو الامتداد لأفقر الدول وأكثرها انغلاقا. وهي من الخطورة بحيث أنها تزعزع النظرية والنظام الرأسمالي في صيغته المذهبية الأخيرة الليبرالية الجديدة، بعناصرها المتمثلة في حرية الأسواق والعولمة وتقليص تدخل الدول في العملية الاقتصادية إلى أقصى الحدود الدنيا. فاتحة الباب على مصراعيه للتنبؤات بمصير النظام الرأسمالي الحالي، ووضع وتوازن القوى الاقتصادية على الخريطة الاقتصادية الدولية.
 
زعماء الدول كبيرها قبل صغيرها، ووزراء ماليتها ومحافظي بنوكها المركزية، ومعهم مدراء المؤسسات النقدية والمالية الدولية، ومنهم صندوق النقد الدولي والبنك الدولي يدقون نواقيس الخطر ويصرخون في لقاءات واجتماعات قمة دولية متتالية ليس لإيقاف مطرقة الأزمة المالية الهاوية، بل لإيجاد العلاجات والمسكنات والمخففات من أثر الأزمة على اقتصاديات العالم واقتصاديات بلدانهم وأوضاع شعوبهم، في حين "قائد الثورة" في "الجماهيرية العظمى" و"صاحب نظرية الكتاب الأخضر وفصله الثاني الحال للمشكل الاقتصادي في العالم" في راحة بال معتزلا، والأخبار الوحيدة التي تبثها "وكالة أنباء الجماهيرية" عن مناشطه هي تواصل تلقيه لبرقيات التهنئة بعيد الفطر المبارك، رغم مرور قرابة الشهر على العيد. ولكن أهل العقول في راحة كما يقول الليبيين تهكما وسخرية. ربما قد يكون "قائد الثورة" منهمكا بإعداد مقال خطير يضعه في موقعه الرائد "القذافي يتحدث" حول الأزمة وحلها، وهو العاجز عن حل عقدة بسيطة!
 
يبدو أن ليبيا ستكون شاذة كعادتها، ولو بالتدليس، حين صرح أمين اللجنة الشعبية العامة (رئيس الوزراء) في عز انفجار الأزمة لوسائل الإعلام، عقب اجتماع اللجنة الاقتصادية العليا الليبية المكلفة بمتابعة الأزمة المالية، بتاريخ 3 أكتوبر، صرح قائلا: "الحمد لله، بحكمة قائدنا لم [يلحق ليبيا أي ضرر من الأزمة التي يشهدها السوق العالمي... والذي إن دل على شيء فإنه يدل على حكمة وقدرة ونظرة القائد البعيدة المدى في تقييمه للأوضاع العالمية والاقتصاد العالمي."[1]
 
آلا يذكر هذا التصريح، بالحكمة المتداولة القائلة أنه باستطاعة شخص ما أن يكذب على كل الناس لبعض الوقت، وان يكذب على بعض الناس كل الوقت، ولكنه لا يستطيع أن يكذب على كل الناس كل الوقت، إلا إذا كان كذاب "ملاطعي" متمرس ولا يستحي. هذه النوعية من محترفي الدجل وأعداء الصدق منتشرة في "الدولة الليبية" من عرش هرم الدولة إلى كرسي مدير إدارة. وإلا فما هو التقييم لتصريح المحمودي؟ فإذا كان تصريحه صحيحا، فذلك يعني أن ليبيا لا تقع على الكرة الأرضية، أو أن اقتصادها مغلق بالكامل. وهذا مستحيل نظريا وعمليا، والحالات القليلة كمثل كوريا الشمالية والبانيا الخوجية ليست ولم تكن معزولة عن العالم، وإن كانت علاقاتها الخارجية محدودة.
 
وحتى لا أكون متجنيا، بدافع الموقف السياسي المعارض لنظام القذافي، سأحاول في هذا التناول إثبات وبيان، ما هو ثابت وبيّن، بأن الأزمة تطرق الاقتصاد الليبي وتؤثر سلبا عليه، وربما بشدة اكبر على عموم المواطنين، مع نجاة وربما انتفاع الطبقة الحاكمة والفاسدة من الأزمة، كما كان في الأزمات السابقة التي مرت بها ليبيا، والتي كان بعضها مفتعل من الطبقة الحاكمة المستفيدة دائما.
 
الأزمة:
 
دولة غنية مثل أيسلندا أفلست وانهار نظامها المالي بالكامل، وأمريكا تضخ 700 مليار دولار لتوفير السيولة المالية وإنقاذ مؤسساتها المالية، من بنوك وشركات تمويل ورهن وتأمين. وهكذا الحال من غرب العالم إلى شرقه، حيث ضخت وتضخ الحكومات مئات المليارات لإنقاذ المؤسسات المالية، في محاولة لتجنيب الاقتصاديات الانهيار نحو الانكماش والكساد، وما يعنيه من خسائر وآلام للإفراد والأسر والمجتمعات. التراجع الانحداري لأسواق المال والبورصات تجاوز سوق العقارات فالبنوك ليمتد أثره بتراجع أسعار أسهم وقيم شركات باقي القطاعات، وبل إفلاس بعضها، مما يعني خسائر للمواطن العادي المستثمر بمدخراته، وهي مبالغ بسيطة ولكن كثيرة، في أسهم بعض الشركات أو في صناديق الادخار والتقاعد.
 
العديد من الدول الغربية بدأت في وضع يدها وتملك بعض البنوك والمؤسسات المالية لوقف توالي الانهيارات وتتابع الخسائر على مستويات الاقتصاد الجزئي فالكلي.
 
كما هو متعارف وحسب النظرية الاقتصادية الرأسمالية، الاقتصاد يمر بدورات أو تقلبات منتظمة متعاقبة في درجة الأداء الاقتصادي العام من الانتعاش، فالرواج، ثم الركود أو الأزمة، فالكساد.
 
وحيث أن العالم في مرحلة أزمة، والمتميزة بانتشار الذعر التجاري، والاستهلاكي والاستثماري، وارتفاع أسعار فوائد الإقراض، وتباطؤ العملية الإنتاجية بتراكم المخزون السلعي وتصاعد البطالة. وما تحاول الحكومات الآن عمله هو وقف التدحرج نحو مرحلة الكساد الاقتصادي. في معاكسة وإبطال للنظرية الرأسمالية التي ترفض التدخل الحكومي وتدعو بترك السوق حرا ليتوازن تلقائيا! الشكل التوضيحي يشرح الأزمة الراهنة بتبسيط.[2]
 
 
حالية الاقتصاد الليبية الراهنة ودور النفط:
 
احد أهداف السياسات الاقتصادية الثابتة والمعلنة للنظام الحاكم في ليبيا، هو التوظيف الامثل لعوائد النفط لتوسيع القاعدة الإنتاجية نحو تنويع مصادر الدخل وتقليل الاعتماد على النفط، إلا انه بعد قرابة أربع عقود على انقلاب سبتمبر 1969، لا زال الاقتصاد الليبي مرتهنا للنفط بالكامل. ليستمر الاقتصاد الريعي، الذي يتحكم القذافي في إدارة وتوزيع عوائده بما يضمن استمرار حكمه الديكتاتوري، دون أن يستفيد عامة الشعب من ثروة الذهب الأسود.
 
من كتاب حقائق العالم [3] الذي تصدره وكالة المخابرات المركزية الأمريكية CIA: The WorldFactbook ومن الجزء المختص بليبيا، 2008، يمكن اقتباس وتلخيص الحقائق الاقتصادية الموالية، مع التنويه أن الاستعانة بهذا المصدر حكمته غياب ونقص المعلومات من أجهزة النظام، ولان مصادر دولية أخرى تعتمد عليه.
 
كتاب الحقائق يقول: "الاقتصاد الليبي يعتمد أساسا على عوائد القطاع النفطي، والذي يساهم بحوالي 95 % من عوائد التصدير، وحوالي ربع الناتج القومي، و 60 % من أجور القطاع العام. العوائد المعتبرة من قطاع الطاقة وقلة السكان يمنحان ليبيا أعلى معدل لنصيب الفرد من الناتج القومي المحلي في افريقيا، ولكن القليل من هذا الدخل يتدفق لتحت نحو المستويات الأدنى في المجتمع. القطاع الغير نفطي يساهم أكثر من 20 % من الناتج الإجمالي المحلي، وتساهم فيه أساسا المنتجات الزراعية والبتر وكيميائيات والحديد والصلب والألومونيوم. الظروف المناخية والتربة الفقيرة يحدان من الناتج الزراعي، ليبيا تستورد 75 من غدائها"

 

 
من الجدول ـ نفس المصدرـ يمكن الإطلاع على وضعية الاقتصاد الليبي، واكتساب فكرة عن الاقتصاد الليبي، وان كانت قاصرة لغياب المقارنات والتطورات الزمنية والجغرافية مع دول أخرى. حيث يمكن قراءة دور قطاع النفط المهم، ودور باقي القطاعات الضئيل، مع التنويه أن قطاع النفط والغاز ضمن الصناعة. وكذلك معرفة حجم الصادرات النفطية والغازية، وحجم الصادرات والواردات وتنوعها وارتباطها الجغرافية. هذا الإطلاع والمعرفة ضروريان لمتابعة التحليل وبناء الاستنتاجات.
 
وحسب ميزانية الدولة الليبية لسنة 2008،[4] المعتمدة من مؤتمر الشعب العام (البرلمان)، الإنفاق المقدر والمسموح في حدود 49.5 مليار دينار ليبي (الدولار= 1.3 دينار) مقسمة على بنود أربع هي المرتبات في حدود 6.7 مليار دينار، نفقات إدارية وتسييرية 4.1 مليار دينار، ونفقات تنمية في حدود 34 مليار دولار، وبند توزيع الثروة في حدود 4.6 مليار دولار. يتم تغطيها بإيرادات غير نفطية مقدرة بـ 8.5 مليار دينار، وإيرادات نفطية في حدود 41 مليار دينار. أي أن 83 % من كل النفقات العامة يتم تغطيتها من تصدير النفط. كما نص قانون الميزانية على تمويل الإيرادات النفطية لسداد أقساط الدين العام والتزامات صندوق التقاعد. وباختصار وفي كل الأحوال فللقطاع النفطي دور كبير وأساسي في الاقتصاد الليبي.
 
ارتباط الاقتصاد الليبي بالعالم الخارجي:
 
مما سلف يمكن الخلوص إلى اعتماد ليبيا الكبير على التجارة الخارجية، تصديرا واستيرادا لتلبية متطلبات حاجات الناس والسوق المحلي، وخصوصا الاعتماد على النفط والغاز ومشتقاتهما كمصدر شبه وحيد للعملات الصعبة المتولدة عن التصدير.
 
الشكل التوضيحي يبين شركاء ليبيا التجاريين الأساسيين، والذي يلاحظ منه سيطرة الدول الغربية على علاقات ليبيا التجارية الخارجية، ويربطها بالاقتصاد الدولي وتطوراته. يمكن الرجوع للجدول السابق لمزيد من التفاصيل.
 

 

الاستثمارات الليبية في الخارج:
 
كثيرا ما اسمع واقرأ أن الودائع والاستثمارات الليبية الخارجية لغز عميق ومتاهة مغلقة وبئر له بلوعة ولا قرار له، وأنها أمر قذافي بحث، ولكنني لم أتوقع هذا الحجم من الغموض وقلة المعلومات وتضاربها من حيث حجم الاستثمارات، تنوعها، مآلها، أو إدارتها. قد يكون مفهوم ومقبول ومبرر الكتمان الإداري بدرجة معينة، ولكن ولأن الأموال عامة المصدر فمن حق الشعب معرفة حجمها وعوائدها، وخصوصا أن الكثير من الفساد والمفسدين، الذي يفوح عفنه، بيئته ووسيلته هي الاستثمارات الخارجية بدء من كبير الفاسدين القذافي وأبنائه إلى اصغر عضو مجلس إدارة بشركة خارجية. عدم الشفافية والغموض وصل إلى درجة أن يقول د. علي عطية عبد السلام، أستاذ الاقتصاد في جامعة قاريونس، في ندوة جامعية، مؤخرا، أن يقول "أن (90) مليار دولار حجم الاستثمارات الليبية في الخارج مجهولة الأماكن"، لينقضه د. محمد بوسنينة مدير إدارة المصارف والنقد في مصرف ليبيا المركزي، وفي برنامج تلفزيوني: بأن حجم الاستمارات الليبية في الخارج يصل إلى تريليون أو 1000 مليار دولار. أما د. عطية الفيتوري، وفي نفس الندوة المكورة، فصرح بأن "حجم الاستثمارات الليبية ما يوازي ضعف دخل البلد... وأن عدد كبير من المؤسسات المالية تقدر بحوالي (50) مؤسسة موزعة عليها الاستثمارات الليبية" [5]
 
الفرق فلكي بين 90 مليار وألف مليار دولار. احد الإشكاليات هو تعدد تسميات وجهات الاستثمار الخارجي في ليبيا، فهو في جزء منه المجنب، والذي وصل نهاية سنة 2006، حسب تصريح القذافي، إلى 63 مليار دولار، وجزء منه محفظة نقدية، وجزء منه ودائع وأصول نقدية وذهبية، وجزء حصص واسهم وأوراق وسندات في بنوك وشركات وأسواق مالية دولية، وجزء منه في شكل ملكيات وحصص في مؤسسات عقارية وإنتاجية وخدمية موزعة حول العالم. أما عن الجهات القائم بإدارة الاستثمارات الليبية الخارجية فهي متعددة، وما استعطت حصره: المصرف المركزي، المصرف الخارجي، مؤسسة ليبيا للاستثمارـ تدير صندوق الثروة السيادي، وشركة الاستثمارات الخارجية، صندوق الإنماء الإفريقي، وشركة الاستثمارات النفطيةـ حلت مؤخرا.
 
مبلغ تريليون دولار رقم كبير جدا وصعب، والسؤال مدى صدقية هذا الرقم، رغم أن الذي صرح به هو مدير وعضو مجلس إدارة بالمصرف المركزي.
 
للمقارنة نستعين بالجدول اللاحق حول الصناديق السيادية للثروات [6]
 

 
الجدول يخبرنا بأن حجم أرصدة صندوق الثروة السيادي الليبي تأسس سنة 2007 ، تبلغ 50 مليار دولار، في حين أن فرحات بن قدارة، محافظ مصرف ليبيا المركزي، أشار بان قيمة أصول مؤسسة الاستثمار الليبية، التي تدير صندوق الثروة السيادي الليبي، تصل إلى 65 مليار دولار تقريباً، في شكل أوراق مالية.[7] وكان المحمودي، رئيس الوزراء قال في أواخر السنة المنصرمة أن ليبيا ستستثمر سنة 2008 مبلغ 100 مليار دولار.[8]
 
والآن، واضطرارا، نتجاوز عن حجم الاستثمارات الليبية في الخارج، وهي بالتأكيد ضخمة، والأكثر تأكيدا أنها تدار بدون رشد ولا حكمة، فمن الملاحظ على مر السنوات عدم إبلاغ السلطات عن أي أرباح وعوائد لتلك الاستثمارات، وبل لا توجد قوانين واضحة حولها. حيث ينص قانون ميزانية 2008 فقط على تحويل فوائض دخل النفط والغاز في حساب الأموال المجنبة.
 
السوق المالي والمصارف الليبية والإقراض:
 
سوق الأوراق المالية الليبية جد حديث، يونيو 2006‘ وهو سوق مبتدئي، وعدد الشركات المسجلة فيه سبع، أربع مصارف، وثلاث شركات تأمين، تدار من القطاع العام، الذي يملك كل أو جل أسهمها. وهي سوق معزولة تقريبا عن الأثر الخارجي، بدليل أن مؤشره أغلق تعاملاته مرتفعا، عدة مرات خلال هذا الشهر، كان أخرها يوم 17 أكتوبر الجاري، وإن شاهد تراجعات طفيفة في أيام أخرى.[9] وهذا غريب وعجيب لمعاكسته التوجه الانحداري لكل بورصات العالم، ولكنه مفسر لحداثة وطبيعة السوق المغلقة ولعزوف الأفراد عن المضارب، نتيجة الريبة وحداثة الممارسة، ولأنه حكومي وغير حر ولا شفاف.
 
المصارف الليبية ملكية عامة منذ تأميمها سنة 1970، ليخفف قانون المصارف لسنة 2005 القيود سامحا بخصخصة المصارف وتملك ودخول مصارف أجنبية. استنادا للمصرف المركزي[10] يبلغ عدد المصارف العاملة 18 مصرف، تتوزع بين مصارف تجارية عامة، ومصارف متخصصة، وهو عدد صغير جدا يعكس النمط الاحتكاري وضيق السوق. ودون المصارف القطاعية المتخصصة في مجالات كالزراعة والعقار والصناعة والنشاطات التنموية والتجارة الخارجية، فواقع باقي المصارف التجارية أنها أكياس وقنوات لتمرير رواتب موظفي الدولة، ودورها الاقراضي في اغلبه تحويلات من الدولة لأجهزتها وللإفراد، أي أن المصدر الأساسي هو الدولة. فلذلك، فالنظام والنشاط المصرفي في ليبيا بسيط وبدائي، ولا تلعب فيه ودائع الأفراد والمتقاعدين والمستثمرين الخواص دور مهم، لفقدهم الثقة فيه والريبة من تصرفات الدولة إثر استيلائها ووضعها اليد على مدخرات الأفراد في ثمانيات القرن الماضي. وللقطاع المصرفي الليبي غرابته هو أيضا، ففي حين تتجه الدول لتملك حصص من مصارفها لإنقاذها من أثار الأزمة، نجد المصرف المركزي يبيع حصصا من المصرف الوحدة لشريك أجنبي! [11]
 
الأزمة وتفاعل الاقتصاد الليبي:
 
رغم طبيعة النظام النقدي المصرفي الليبي المغلقة والغير مرنة والمتصفة بسيطرة الدولة فتموجات الأزمة لن تنتقل وتؤثر مباشرة في القطاع المصرفي، ولكن هبوط التدفقات والإيداعات بسبب نقص تدفق الإنفاق العام وتراجع مداخيل ومدخرات الأفراد والمؤسسات، لتباطؤ النمو والدخل النفطي، سيكون لها بالتأكيد تأثير، ولكنه في المنظور والمتوقع محدود، بحكم بساطة دور المصارف الائتماني.
 
كلام رئيس الوزراء المحمودي عن عدم تأثر الاقتصاد الليبي بالأزمة كلام يجانب الحقيقة، ودحض كلامه يقوم على معطى أن التجارة الخارجية الليبية تشكل العصب الرئيسي للاقتصاد الوطني وشريان الحياة الأساسي للمجتمع الليبي. وتحديدا فتصدير النفط والغازـ مع تجاهل عوائد الغاز الطبيعي والاستثمارات السريةـ هو مصدر العملات الصعبة التي يتم بها:
 
استيراد كل شيء تقريبا من الغداء، الدواء، الملبس، ومواد البناء إلى الآلات والمركبات والكماليات.
دفع رواتب الموظفين في القطاع العام والمتقاعدين والمعاش الأساسي،
تغطية تكاليف إدارة وتسيير الدولة وقطاعتها من التعليم والصحة والمرافق وباقي الوزارات والشعبيات إلى المخابرات
   واللجان الثورية وجمعية سيف، وترفيه القيادة وأوهامها ومتع الأبناء مجونهم.
تمويل عملية التحول والتنمية بالكامل، بناء وصيانة وادارة، في شتى المجالات.
تحريك وتشغيل القطاع الأهلي الخاص، عبر التعاقد المباشر أو تقديم السلع والخدمات بطرق غير مباشرة باعتبار
   الدولة هي اكبر المنفق والشاري الأكبر.
 
ولان الاقتصاد الليبي مكشوف بدرجة كبيرة للعالم الخارجي، ونظرا لان علاقات ليبيا في مجالات التعامل الاقتصادي (التجارة الخارجية تصديرا واستيرادا، الاستثمارات تصديرا واستثمارا) تتركز على ومع الدول الاقتصادية الكبرى، وهي الأكثر تأثرا وتأثيرا في وبالأزمة الاقتصادية، وبالتالي فمن الصدق والحقيقية القول بان ليبيا متأثرة بالأزمة، وان مطرقة الأزمة تهوي على الاقتصاد الليبي، واختلاف تأثر الليبيين بالأزمة يحدده موقع الليبيين في المسطح الهرمي لتوزيع الثروة، فالضربة ستكون قاضية على الذين في قاع مسطح توزيع الثروة.
 
اثر الأزمة على الاقتصاد الليبي:
 
في الخصوص يمكن تعديد بعض النقاط:
 
انحدار أسواق المال، وتدني وانهيار أسعار الأسهم وعوائد الودائع وهبوط أسعار العقارات يعني خسائر مؤكدة وكبيرة للأرصدة والاستثمارات الليبية الخارجية، وهذا يعني تقلص قيمتها.
 
حجم الخسائر الليبية كبير في المجال، إلا انه يصعب تقدير حجمها للكتمان المبالغ فيه، ولتوزعها الجغرافي والنوعي، وتعدد وبل تضارب جهات إدارتها. كما يصعب تقليل حجم الخسائر بسبب انعدام الشفافية والغموض المفرط، وسوء الإدارة وعدم مرونتهاـ وهذا ليس تجني بل حقائق ووقائع معروفة وموثقة.
 
هبوط أسعار النفط الحاد، فمن 147 دولار في يوليو إلى 64 دولار الآن، أي انه فقد 83 دولار أو 56 % من سعره خلال ثلاث اشهر فقط، نتيجة لانخفاض الطلب العالمي بسبب الانكماش وتراجع المضاربات حول النفط.
 
وهذا يعني تقلص عوائد الخزينة من العملات الصعبة، لتراجع قيمة الصادرات بحدة، وربما حجم الصادرات أيضا إذا دخل العالم مرحلة ركود اقتصادي قوية وطويلة. وهذا يؤثر على الإنفاق العام في جوانبه الإدارية التسييرية، والتنموية، وفي ما يسمى ببند "توزيع الثروة".
 
كما أن هبوط أسعار النفط سيؤثر سلبا، ولو مرحليا، على تطوير القطاع النفطي، بانسحاب وتأخر الشركات النفطية الدولية على الأنشطة الاستثمارية في القطاع النفطي، لهبوط المردودية وجو الارتياب وعدم الثقة في المستقبل. وهذا يؤثر على مجمل الاقتصاد بحكم أن القطاع النفطي هو قائد الاقتصاد الليبي.
 
الارتفاع المحتمل لسعر الدولار: وهذا العامل هامشي واسمي ومتذبذب، باعتبار أن قيمة الدولار فقدت جزء كبير من قيمته مقابل العملات الأخرى في السنوات الثلاثة الماضية، كما أن ارتفاع قيمة الدولار غير مؤكد الاستمرار بحكم تزعزع وضعية الاقتصاد الأمريكي.
 
تراجع السياحة وعوائدها، وهي قطاع ناشئ وكان واعدا، بسبب تراجع عدد السياح من الدولة الأوروبية، لتأثرهم بالأزمة.
 
وهكذا، فعكس راحة "قائد الثورة" وربما سعادته بتصدع النظام الرأسمالي وهي عكس مشاعر ابنه سيف الحميمية لليبرالية الاقتصادية، وعكس تصريح المحمودي بنجاة الاقتصاد الليبي لحكمة "قائد الثورة"، نورد مقتطفات لتصريحات فرحات بن قدارة، محافظ مصرف ليبيا المركزي، لوكالة "داو جونز"، حيث قال:
 
حول المؤسسة الليبية للاستثمار: "نحن معرّضون بشكل طفيف ومحدود لشركة "ليمان براذرز" من خلال محفظة أعمال بقيمة 300 مليون دولار تقريباً، وقد نستعيد نسبة ما بين 60% و70% من هذه الأموال"
 
وأفاد المحافظ بشأن اقتصاد دولته وسط الأزمة الاقتصادية العالمية "أن الركود سيحث أسعار النفط على التراجع أكثر، ما سينعكس على النمو الليبي."
 
وشرح قائلاً: "لقد حددنا موازنتنا للعام 2008 على أساس 65 دولاراً للبرميل، ونحن نخفض توقعاتنا للسنة القادمة إلى ما بين 45 دولاراً و55 دولاراً للبرميل.
 
تلك المقتطفات نموذج للخسائر والآثار السلبية للازمة، فعندما تخسر ليبيا في محفظة استثمارية بين 30 ـ 40 % من قيمتها المقدرة بـ 300 مليون دولار، أي خسارة ما بين 100 و 120 مليون دولار في استثمار واحد فقط. ويمكن القياس على باقي الاستثمارات. وبناء على التصريح، فأحد الاستثمارات الليبية في الخارج فقدت ثلث قيمتها، وهكذا فإذا كانت الاستثمارات الليبية في الخارج، على سبيل التقدير المتواضع، مقدرة بـ 100 مليار دولار فأنها تكون فقدت 33 مليار دولار، نعم 33 مليار دولار، والحبل على الجرار، لاستمرار الأزمة.
 
وعندما يتم تقليص الإيرادات المقدرة للميزانية القادمة بحوالي 25 % أي من سعر برميل النفط من 65 دولار إلى متوسط 50 دولار، رغم أن سعر النفط تراجع بنسبة تتجاوز 50 %، وما زال يهبط.
 
وبحسبة مقارنة، وباعتبار أن ليبيا تصدر 1.5 مليون برميل نفط يوميا، وبسعر مقدر كان متوسطه 120 دولار للبرميل، فدخل لليبيا السنوي المتوقع من تصدير النفط هو في حدود 66 مليار دولار، وانه إذا قدرنا سعر النفط بعد انخفاضه إلى 60 دولار، فأن الدخل المتأتي من النفط سيكون 33 مليار دولار، أي أن العوائد النفطية هبطت إلى النصف. ( يلاحظ القارئ بالمقارنة مدى خسائر قطاع الاستثمار مع الدخل من النفط، وكذلك تكتم الدولة على الدخل المتأتي من تصدير الغاز الطبيعي)
 
تنويه بالملاحظة: هذه الأقوال بل الاعترافات صادرة عن محافظ المصرف المركزي، ولها دلالاتها بمدى الخسائر الليبية!
 
الخلاصة والاستنتاجات:
 
لا اعتقد أن هناك مجال للشك بتأثر ليبيا بالأزمة الاقتصادية العالمية الراهنة، إلا أن الأسئلة التي تبرز بإلحاح، هي مدى ودرجة التأثر بالأزمة، وكيفية مواجهتها والتقليل من أثارها السلبية. ورغم براءة وعدم مسئولية النظام الليبي عن التسبب في الأزمة وامتدادها إلى ليبيا، إلا أنه يبقى مسئولا لوحده، وفي أعلى مستويات السلطة والحكومة والإدارة، عن إدارة الأزمة بما يخفف من أثارها. ولكن خبرة الشعب الليبي مع سلطات النظام أنها لا تفكر ولا تهتم جديا بمصالح عموم الليبيين، وأنها قاصرة وعاجزة بحكم طبيعة النظام ونوعية المسئولين الفاشلين والفاسدين، والمتواجدين في السلطة لعقود.
 
وفيما يلي تصور للآثار السلبية المتوقعة على عموم الليبيين:
 
 
هبوط الإنفاق العام بحدة، وزيادة الضرائب والرسوم الجمركية لزيادة الإيرادات العام وتقليص عجز الميزانية.
 
توقف وتعرقل العديد من مشاريع التنمية في مجالات الإسكان والمرافق والإنتاج والخدمات، وهذا يعني الخراب والركام بفعل الاستعجال في عمليات الهدم والإزالة، نظرا لهبوط الاعتمادات والتمويل والإقراض.
 
توقف وتعرقل ما يسمى بـ "توزيع الثروة" على الفقراء والمحرومين، نظرا لتراجع العوائد، وبل فقد الذين تم توزيع الثروة عليهم لقيمة وثائق الثروة الاسمية، لأنها مستثمرة في أوراق مالية.
 
تدني وتأخر دفع مرتبات موظفي القطاع العام وأصحاب المرتبات التقاعدية والمعاشات الأساسية، وهي سنة وعادة قذافية تعود عليها الليبيون عليها، كلما خرج عيهم القذافي بعبارة "شد الأحزمة".
 
تعثر عمليات إقراض الأفراد لتمويل المشاريع السكانية والمناشط، وتغطية الاحتياجات الاجتماعية.
 
تعرض القطاع الخاص الناشئ لضربة شديدة بسبب تراجع التعاقد معه، وصعوبات التسويق والتمويل والإقراض.
 
ازدياد في حجم البطالةـ هي الآن مقدرة بـ 30 %، نظرا لتعثر عملية التنمية والتوظيف.
 
تقليص ما تبقى من دعم على السلع الاستهلاكية الأساسية والدواء.
 
تسارع وثيرة تخلي الدولة عن دورها ومسئوليتها في الخدمات العامة، وبالأخص الصحة والتعليم والرعاية الاجتماعية، دون يعني ذلك زيادة في وتيرة الخصخصة ودعم القطاع الخاص لنقص وغياب التمويل.
 
ازدياد حجم الفقر وعدد الفقراء، بانضمام المستويات الدنيا من الطبقة المتوسطة إلى ما دون مستوى خطر الفقر، بسبب تراجع وتأخر المداخيل، والارتفاع الذي شهدته أسعار المواد الغذائية.
 
لان النظام الاقتصادي الليبي غير مرن فلن تشهد سوق العقارات تراجع في الأسعار، إضافة إلى ضغط عامل الطلب الكبير على المساكن يعمل ضد هبوط الأسعار.
 
زيادة في حالة الارتباك والفوضى الاقتصادية والإدارية، مما ينذر بزيادة في الفساد المستشري.
 
باعتبار التزامات ليبيا، وسياسة النظام، فمن المتوقع أن تزداد مساعدات وإعانات ليبيا لدول الجوار وأفريقيا، لمساعدتها لمواجهة الأزمة وللمحافظة على استقرارها، وهو ما يمكن ملاحظة بدايته بمتابعة الزيارات الدولية.
 
الخاتمة:
 
كل تلك الآثار السلبية سيكون أثرها مضاعفا باعتبار مشروع تفكيك الدولة الذي بدء فيه القذافي، وحدد له موعدا نهائيا هو بداية سنة 2009، حيث ستنحصر ـ حسب تصريحات القذافي ـ مسئوليات الدولة في مجالات الأمن والدفاع والخارجية والنفط. المأساة أن الدولة ضعيفة ومتهالكة ومستنفذة ومنحلة أساسا، والظروف لا تحتمل المزيد من العبث القذافي، وأن الوقت ليس وقت تجارب.
 
هناك سيناريو أخر، وهو أن قصد القذافي من تفكيك الدولة هو الاختصاص وحصر إدارة مجالات الأمن والدفاع والخارجية والنفط في يده، مع تفويض إدارة باقي القطاعات لابنه سيف، وخصوصا مع تصاعد الحملة لمطالبة لسيف بمزاولة العمل السياسي القيادي من قبل أعوان النظام والشباب المساكين الحالمين والمغرر به.
 
ونعم بالله في السراء والضراء، والليبيون لم يعرفوا إلا الضراء طيلة 39 سنة، فمتى ترحل الضراء ليعرف الليبيون ماهية السراء، لان 80 % من الليبيين لم يعايشوا السراء أبدا.
 
ادرار نفوسه
 
27 أكتوبر 2008
[email protected]

 


 

[1]  موقع هيئة إذاعة النظام

[2]  جريدة دنماركية:24 timer

[3]  موقع المخابرات المركزية الأمريكية

[4]  موقع "اللجنة الشعبية العامة"

[5]  موقع ليبيا اليوم

[6]   موسوعة ويكيبديا والرابطhttp://www.dinarstandard.com/finance/SovereignWealthFund012108.htm

[7]   وكالة داو جونز الإخبارية

[8]   http://www.energyandcapital.com/articles/libya-sovereign-wealth/574 الرابط

[9]   موقع سوق الأوراق الليبية، وموقع إذاعة النظام

[10] موقع مصرف ليبيا المركزي

[11] موقع شباب ليبيا شبه الرسمي

 
للتعليق على المقال
الإسم:
العنوان الإلكتروني:
التعليق

 

[email protected]

 

جميع المقالات والأراء التي تنشر في هذا الموقع تعبر عن رأي أصحابها فقط، ولا تعبر بالضرورة عن رأي إدارة الموقع >>>> ليبيا المستقبل منبر حر لكل من يطمح ويسعى لغد أفضل لليبيا الحبيبة