04/12/2008

 
المستعمر الجديد يعيد، بشكل رسمي، سياسات المستعمر القديم، في أبريل/ نسيان 1977م

الإنقلابيون والعودة إلى زمن مشانق الاستعمار... دبـّوب وبن سعود أوّل ضحايا (1 مِنْ 4)  

 
بقلم: الصـادق شكري

 
بسم الله الرحمن الرحيم
 
إهداء
 
إلى روح الأستاذ/ عمر دبـّوب الذي درسني في المرحلة الابتدائيّة، وروح رفيقه الأستاذ/ محَمّد بن سعود الذي درس غيري في المدارس الليبيّة.. إلى روح دبـّوب وبن سعود الشهيدين اللذين قاوما الاستبداد ومضيا وفي صدريهما حلم إنهاء حكم الاستبداد، وبناء دولة الانتخابات الحرَّة والتداول السلمي على السّلطة.
 
إلى المعلمين دبـّوب وبن سعود اللذين سجلا صفحة من صفحات تاريخنا الناصعة البياض، واللذين ستبقى ذكراهما حيّة في قلوب وذاكرة النَّاس أبد الدهر، ولن تبقى أفعال معمّر القذّافي وسنوات حكمه إلاّ في صفحات التّاريخ القاتمة السواد.  
 
سنظل حتماً نذكر المعلمين بالفضل والفخر والاعتزاز حتى يوارينا التراب، وكذا، الأجيال القادمة.
 
إن المعلم قدوةٌ .. في النّاسِ مرفوع الجناب(1)
 والنشء يذكر فضله .. حتى يوارى في الترابِ  
 

الشهيد: عمر دبـّوب

 

 
الشهيد: محَمّد بن الطيب بن سعود
 
الحلقةُ الأولى
 
يصف أرسطو (2) الفيلسوف اليوناني القديم (عاش بين 384 ق.م – 322 ق.م)، سلوك الحاكم المستبد وطبائعه.. ويعرض الأدوات التي يستخدمها بغيّة الاستفراد بالحكم وإخضاع النّاس لسيطرته والتحكم بمصائرهم ومستقبلهم، فيقول: "إنّ الغايّة النهائيّة للطاغيّة كي يحتفظ بعرشهِ هي تدمير روح المواطنين وجعلهم عاجزين عن فعلِ أيّ شيء إيجابي، وفي سبيل تحقيق ذلك فهو يلجأ إلى القضاء – بوسائلِ مختلفة – على الطبقة المثقفة التي قد تشكل خطراً على حكمه، كمَا يلجأ إلى منع الاجتماعات، ويعمل ما في وسعه لعزل كلّ من يساهم في تعليم النَّاس وتعزيز ثقتهم بأنفسهمِ، كمَا يعمل على تنميّة روح الاغتراب لدى المواطن العادي ومحاولة قطع الصلة بينه ووطنه، كمَا أنّه كثيراً ما يلجأ إلى تقييد حريّة المواطنين وعدم السماح لهم بتجاوز أبواب مدينتهم، ويعمل على بث جواسيسه في كلّ مكان ليكون على إطلاع دائم ومستمر بكلّ ما يقوله ويفعله رعاياه".
 
مقدَّمة
 
أنفقت أكثر من ثلاثة شهور وأنا ابحث عن مادة تقدم الشهيدين عمر علي دبـّوب ومحَمّد الطيب بن سعود بصورة تليق بمقاميهما الكريمين وتكشف مصائر النَّاس حينما يعتلي العرش طاغي مستبد. أردت تسليط الضّوء على حالة إعدام دبـّوب وبن سعود ظلماً وعدواناً - وفي ميدان عام، وفي عز النهار - لأنّي اعتبرها نقطة تحوّل خطيرة في حياة الليبيّين، كمَا، اعتبر عدم خروج النَّاس إلى الشوارع رفضاً لما حدث ومقاومة للظلم والعدوان هي الحالة التي أدّت إلى تمادي السّلطة في استبدادها، وإلى اعتمادها لأسلوب الإعدامات العلنيّة على نحو روتيني موسمي بغيّة ضمان استفراد رأس السّلطة بـالقرار والكلمة الأولى والأخيرة في سائر المسائل والقضايا.. إرهاب النَّاس وإبعادهم عن دائرة الاهتمام بقضايا الشأن العام، فرأس السّلطة (معمّر القذّافي) أراد من إعدام دبـّوب وبن سعود في أبريل/ نسيان 1977م تكوين صورة ذهنيّة (image) لنفسه لدى النَّاس، حتى يوحي لهم من خلال الصورة التي رسمها في أذهانهم بأنّه مهيمن مسيطر لا يقوى على تحديه أحد، ولكن، الحقيقة عكس ذلك تماماً، فنظام حكمه ضعيف متخلف لا يقوى على مواجهة أيّ تحدي حقيقي أو موقف شعبي منظم، فلو تجاوز النَّاس الصورة المضللة المرسومة في أذهانهم حتماً ستنهار سّلطة معمّر القذّافي ويصبح شخصه في خبر كان كمَا يَقُـولون.
 
وبالتأكد.. ساعد غياب التظاهر والاعتصام أو الانتفاضات الشعبيّة المعارضة لممارسات السّلطة الظالمة وسياساتها الدكتاتوريّة أو ما يمكن أنّ نضعه باختصار في كلمة (الصمت)، على تشجيع السّلطة في الاستمرار والتمادي في سياساتها الاستبداديّة المتجسدة في صور: الإقصاء وتغييب الرأي الآخر.. الفساد المالي والإداري.. السجن والاعتقال، بل، القتل والملاحقة والإعدامات العلنيّة.. التشبث والتمسك بكرسي الحكم مدى الحياة وتوريثه للأبناء.
 
هذا، الصمت ولَّـد شعوراً لدى الأشخاص المرتبطين بالسّلطةِ والمنفذين لجرائمها ومخططاتها الخسيسة المريبة، بأنّ لأحد يمكنه الاقتصاص منهم، وأن السّلطة ترعاهم وتحميهم أيّ أنّهم محصنون ضدَّ المحاسبة والملاحقة، بالتالي تمادى هؤلاء في تنفيذ الأوامر إلى درجة أكبر ممّا طُلِبَ منهم تقرباً للحاكم وتعزيزاً لمواقعهم في دوائر السلطان والنفوذ. وحالة الصمت هذه، هي التي أدَّت مع مرور الزمان، إلى تفاقم الأمور واتساع رقعة الانتهاكات وازدياد الأحول سوءً وتردياً وتخلفاً، بالإضافة إلى اتساع وتمدد دائرة المرتبطين بالسّلطةِ، ففي العادة تكبر هذه الدائرة مع الوقت حيث تبدأ حلقتها في أضيق نطاق - أفراد محدودين جداً - وتكبر وتتسع بعدما يطمئن الجناة أنّهم محصنون ضدَّ الملاحقة والمحاسبة.
 
ولا شك.. أنّ الشّعب اللّـيبي قدّم تضحيات كبيرة من أجل إنهاء حكم القذّافي الاستبدادي، والتضحيات المقصودة هي قضاء الآلاف من المواطنين سنوات طويلة مريرة في المعتقلات.. لجؤ الآلاف من المواطنين إلى دول متعددة من قارات العالم المختلفة.. استشهاد العشرات من المواطنين تحت سياط التعذيب، وبرصاص قوَّات الأمن داخل معسكرات الجيش ورصاص فرق الاغتيالات التي استهدفت المعارضين بالخارج، كذلك، الذين قضوا نحبهم على حبال المشانق في الجامعات والمدارس والميادين العامّة والملاعب الرياضيّة. وفي الوقت الذي نحيي فيه هذه التضحيات ونثمن عالياً مواقف أصحابها ونتخذ من الرجال الذين سقطوا في الميدان المثال والقدوة، لابُدَّ، أنّ نقر بأنّ التحرَّك ضدَّ هذه السّلطة الغاشمة الظالمة المستبدة كان - ولازال إلى هذه اللحظة - تحركاً فردياً في الكثير من الحالات، وتحركاً من خلال مجموعات صغيرة منظمة في الجيش أو من المدنيين أو من الاثنين معاً، ولم يكن تحركاً شعبياً أو في شكل مظاهرات عارمة شملت كافة قطاعات الشّعب وشرائحه المختلفة.
 
كانت استجابة قطاعات الشّعب المختلفة من خارج القطاع الطلابي مع المظاهرات الطلابيّة عام 1976م، محدودة وبسيطة إلى حدٍ كبير، فلو حدث التجاوب المطلوب مع الحركة الطلابيّة التي امتلكت حينئذ القيادة ومستويات معقولة من التنظيم والحركيّة لتمكن الشّعب مبكراً من تحجيم السّلطة وإيقافها عند حدها، ولربّما، دفع ذلك التجاوب إلى إقحام الجيش في المعركة لحسمها لصالح الشّعب كمَا حدث في بلدان عديدة.
 
وصحيح، أن المظاهرات الطلابيّة عام 1976م، وانتفاضة فبراير/ شباط 2006م، خرجت إلى الشوارع واستمرت لعدة أيام إلاّ أنّها اقتصرت على شريحة معينة من شرائح الشّعب، ولم تشمل كافة الشرائح وإنّ شارك فيها أفراد محدودون من شرائح أخرى من غير شريحة الطلبة في مظاهرات 1976م، ومن غير شريحة الشباب في انتفاضة 2006م.
 
وفي 21 ديسمبر/ كانون الأوّل 1975م، وبعد استكمال طلبة جامعة بنغازي انتخاب ممثليهم في رابطة جامعة بنغازي، رفضت السّلطة نتائج الانتخابات بحكم رفضها لاستقلاليّة المؤسسات الطلابيّة وخوفها من هذا القطاع الهام من قطاعات الشّعب. دخلت السّلطة، منذ هذا التاريخ، في صراع مفتوح مع الحركة الطلابيّة (3)، واستخدمت ضدَّ الطلبة كافة أدوات القمع والتهديد والإرهاب. تحرَّك الطلبة خارج أسوار الجامعة، فبدءوا بالاعتصامِ الرمزيِ في ميدان الشجرة وسط مدينة بنغازي، وحينما قامت أجهزة الأمن بـالهجوم على المعتصمين وفرقتهم بالقوّة، دخل الطلاب في مظاهراتهم التي استمرت على طوال الأسبوع الأوّل من يناير/ كانون ثاني 1976م. حوّلت السّلطة الاعتصام السلمي إلى شيء آخر حينما قامت أجهزة الأمن بـالهجوم على المعتصمين، ممّا أدى إلى إصابة عدد منهم ومقتل واحد من بينهم. نظم الطلبة أنفسهم واتصلوا بطبقة النخبة وبعض الأعيان والمشايخ ومعظم شرائح الشّعب الأخرى خاصّةً شريحة التجار حيث قدموا إليهم في مقار عملهم بسوق الظلام والجريد وبغولة مطالبين كافة من اتصلوا بهم بالمساندةِ والوقوفِ إلى جانبهم وتحويل هذه المظاهرة إلى انتفاضة شعبيّة تجابه السّلطة الباغية وتوقفها عند حدها. كانت استجابة القطاعات الأخرى من غير قطاع الطلاب، استجابة بسيطة محدودة، الأمر الذي لا ينفي استجابة عدد من الأشخاص من خارج القطاع الطلابي (4) لنداءات الطلبة بالمشاركةِ والمساهمةِ إلاّ أنّ تلك الاستجابة كانت في صورة أقل بكثير ممّا كان متوقعاً حدوثه. خرج الطلاب إلى الشوارع رافعين اللافتات المنددة بإنتهاك حقوقهم وتدخلات السّلطة في شئون عملهم النقابي، والشعارات التي تطالب بالحريات وسيادة دولة القانون، كذلك، البيانات والهتافات المطالبة بإطلاق سراح كافة المعتقلين، ومحاسبة وملاحقة من أطلق النَّار على رفاقهم. وأثناء الجنازة الرمزيّة التي أقامها الطلبة تقديراً للشهيد الطالب موفق الخيّاط، سقط شهيد أخر (بشير المنقوش) برصاص قوّات الأمن، ناهيك، عن اعتداء عناصر السّلطة وقوّاتها الأمنيّة على الطلبة داخل الحرم الجامعي، وحرق سيارة أحد الطلبة. وقد انتهت المظاهرات الطلابيّة بحملة اعتقالات واسعة شملت عدداً من طلاب المدارس الثانويّة والمعاهد والجامعات، وختمت السّلطة حملتها بإعدام عمر دبـّوب ومحَمّد بن سعود يوم 7 أبريل/ نسيان  1977م في ميدان الكاتدرائيّة سابقاً، وسط مدينة بنغازي.
 
أمّا بالنسبة لانتفاضة 17 فبراير/ شباط 2006م ما كان للسّلطة أنّ تخمد فتيلها لولا غياب القيادة والهياكل التنظيميّة خصوصاً أنّها جاءت في عصر السموات المفتوحة، وزمن تصاعدت فيه مطالبات المجتمع الدولي لأنظمة الحكم في البلدان العربيّة بتحقيق مبدأ الديمقراطيّة والشفافيّة واحترام حقوق الإنسان.
 
خرج عامّة النَّاس من المصلين في 17 فبراير/ شباط 2006م إلى الشوارع استجابة لنداء المشايخ - وبإيعاز رسمي - في خطب الجمعة احتجاجاً  على ما نشرته الصحافة الدنمركيّة من رسوم مسيئة للرسول صلى الله عليه وسلم، كذلك، التصريحات المعادية لـلإسلام والمسلمين الصادرة عن أحد المسئولين في الحكومة الإيطاليّة آنذاك. وبعد احتكاك قوَّات الأمن القذّافيّة بالمتظاهرين، انقلبت المظاهرة إلى احتجاج ضدَّ السّلطة الحاكمة وضدَّ شخص معمّر القذّافي باعتباره رمز الفساد والاستبداد. لم تكن لهذه الانتفاضة قيادة وجهة منظمة لها، ورغم ذلك استطاع الشباب لوحدهم أن يمضوا بها لأكثر من ثلاثة أيّام، وهي الانتفاضة التي استطاعت أن تلفت إليها أنظار الدبلوماسيين الأجانب المقيمين بليبيا ووسائل الإعلام الخارجيّة.. إرباك السّلطة وكشف زيف إدعاءاتها وتظاهرها بـالقوة والتماسك والمقدرة على مواجهة الطوارئ والتحديات. وأظهرت إمكانيّة التواصل بين القوى الوطنيّة بالداخل والمعارضة الوطنيّة في المهجر حيث تمكن البعض عبر وسائل الإتصال الحديثة (شبكة الانترنت والهواتف المحمولة) من إرسال مادة إعلاميّة إلى مواقع المعارضة الليبيّة بالخارج تجسد الحدث بـالصّوت والصورة. وأكاد اجزم، لو استجابت شرائح الشّعب المختلفة معها وكان تفاعل المعارضة الوطنيّة بالخارج في مستوى الحدث، لأحدثت هذه الانتفاضة المباركة شيئاً مهماً، وربّما، حاسماً.
 
علي أيّة حال.. حينما فكرت في الكتابة عن دبـّوب وبن سعود، ذهبت بالأسئلة وحملتها إلى شهود عيان ورفاق وأصدقاء الشهيدين بُغية الحصول على مادة تصور مشهد الإعدام كمَا حدث، وتقدم الرجلين بصورة تتناسب مع الدور الذي لـعباه وتضحيات كلّ منهما. لم أتمكن من الحصول على مادة أكثر من التي بين يدي القارئ، وهي مادة لا تخلو من الخطأ والسهو شأنها في ذلك شأن أيّ جهد بشري في أيّ مضمار. والقصد من وراء هذه الوقفة هو التذكير بالرجال الذين بذلوا كلّ ما بوسعهم من أجل وطنهم ومواطنيهم.. والوقوف أمام رجال لا يستقيم حالنا إذا غفلنا تذكرهم أو تكاسلنا في الكتابة عنهم.
 
هذا، ما استطعت القيام به والحصول عليه، ولا أطلب من القرَّاء الأعزاء سوى تصويب الخطأ إنّ ورد، وإجلاء الالتباس إنّ حدث.. وعلى كلّ من لديه إضافة أو إفادة أنّ يقوم بكتابتها ونشرها حتى نضمن تدوين تاريخنا بشكل دقيق ومفيد، ونحفظه من الطمس والتزوير، فالتاريخ هو ذاكرة الشعوب كمَا يقال، وهو مستودع الحكمة والاتعاظ والاقتداء.
 
وسوف تتعرض هذه المقالة إلى تأثر النخبة بـالشعارات المخادعة والدعايّة الخارجيّة وانصرافها إلى إغراق المواطن اللّـيبي في هموم الخارج وقضاياه، وتحريض المواطنين على زعزعة استقرار النظام الملكي والإطاحة به في وقت كانت البلاد في أمس الحاجة لكلَّ جهد من أجل بناء الدولة الليبيّة الناشئة والحفاظ على أمنها واستقرارها، وكانت للنظام الملكي قوانين وآليات تكفل معالجة كافة الهفوات والممارسات الخاطئة بطرق سلمية دون تعريض البلاد إلى المجهول أو ما لا يحمد عقـباه. ووضعنا هذه الوقفة تحت العنوان التالي: " عهد اليُسر وعهد الاستبداد.. شّعبُ أبهرته الدعايّة الناصريّة، ونخبةُ هيأت مناخ الإنقلاب ". ثمّ تعرض المقالة، الإجراءات والسياسات التي سلكتها السّلطة قبل إعدام دبّوب وبن سعود، والصورة التي رسمتها في أذهان النَّاس بعد تنفيذ عمليّة الإعدام، وهي الوقفة التي وضعناها تحت عنوان: "إعدام دبـّوب وبن سعود.. ما سبق من إجراءات، والصورة التي رسمتها السّلطة في أذهان النَّاس". ونقف بعد هذا العرض أمام سيرة الشهيدين في عنوانين منفصلين، هما: " عمر علي دبـّوب.. رحلة العطاء بين الميلاد والرحيل"، "محَمّد الطيب بن سعود.. رحلة العطاء بين الميلاد والرحيل".
 
ولكن، قبل هذه العنوان سوف نعرض أولاً مشهد إعدام دبـّوب وبن سعود بعين شاهد عيان. وأود في ختام هذه المقدّمة أنّ أتوجه بخالص الشكر وعظيم الامتنان إلى الأساتذة: أبو حواء، أسعد صالح العقيلي، توفيق مصطفى منينة، أبو أحمد، شعبان معيو، لأنَّهم استجابوا لبعض طلباتي، وقدموا بعض المعلومات والإجابات عن بعض الأسئلة التي رفعتها إليهم. فجزأهم الله عمّا قدموه ليّ خير الجزاء والثواب. أمّا صديقي في الخليج، فهو صاحب الفضل في خروج هذه السطور إلى الـنور.. فالشكر الأوّل والأخير له.
 
ولنبدأ بتسجيل مشهد الإعدام كمَا صوره شاهد عيان...
 
مشهد إعدام دبـّوب وبن سعود بعين شاهد عيان (5)
 
هذه محاولة لتذكر وكتابة أحداث مؤلمة، بشعة، حدثت منذ أكثر من ثلاثين عاماً.. بعدها دخلت ليبيا، في النفق المُظلم.. وأدمنت حراب (الثوار).. مرأى القتل.. ومشاهدة الجثث المُمزقة.. والانتشاء بإعداد منصات القتل.. والاحتفال بإحكام حبال المشانق، حول رقاب الطلبة الأبرياء.. ومن ثمّ إعتماد إستراتيجيّة الرعب الشامل.
 
باستخدامِ كلّ وسائل التنكيل، لإجبار كلّ النَّاس على الخضوع، ومن لا ينحني يفقد رأسه.. أو يختفي  في عتمة الزنازين. 
 
كان ذلك عندما كنت في السنة الأولى ثانوي.. في مدرسة (صلاح الدين الأيوبي) التي يلامس سورها مبنى (القيادة) بمعسكر الحرس الجمهوري بمدينة بنغازي. كان ذلك في سنة 1977م، وهي السنة التي لن تمحو من ذاكرة الشّعب اللّـيبي.
 
وفي ذات يوم الإعدام، وفي الصباح أقبل علينا (صديق).. وأخبرنا – كنا اثنين - بأنّه ستكون هناك مظاهرات ضدَّ النّظام، في (البلاد) يقصد مركز مدينة بنغازي. 
 
وكان الإعلام من قبل هذا الصديق يتمّ بشكل سري.. أيّ أنّه ينفرد بشخص أو اثنين ويخبرهم. ذهبت إلى وسط المدينة أنا وصديقي (x).. كانت الشوارع شبه خاليّة، والنَّاس في أعمالهم، ولا يوجد ما يُشير إلى أنّ هناك مظاهرات، يتمّ الإعداد لها. وما استرعى انتباهنا، هو عبور بعض السيارات، يوجد بها اثنان، أو ثلاثة، أو أربعة، من الشباب، وينظرون حولهم بعيون قلقة، مترقبة، ويتمون الدورة حول (ميدان البلدية)، المعروفة بـ(البوردو). ثمّ يعودون من جديد، لعدة مرَّات. قرأنا في عيونهم، أنّهم قادمون لنفس السبب، الذي جاء بنا إلى المظاهرات.
 
الشعور السائد ذاك الصباح، كان مزيجاً من الخوف، والقلق، والتحدي، ورغبة شديدة في إعلان الرفض ضدَّ النَّظام. وإحياء لانتفاضة الطلبة التي حدثت العام الماضي.. 1976م. 
 
مررنا صاحبي وأنا بمنطقة (السيقراسيوني)، بجوار ميدان (سوق الحوت)، ثمّ ذهبنا نستطلع الأمر بالقربِ من الاتحاد الاشتراكي، من جهة البحر بالقربِ من فندق (قصر الجزيرة).
 
استوقفنا رجل أمن بالملابس الرسميّة، يسد الشارع الصغير المؤدي إلى ساحة الاتحاد الاشتراكي، من جهة البحر.
 
لم نفهم على وجه التحديد وجود رجال الأمن، وسدهم لكلّ المنافذ الأخرى إلى الساحة، وقلنا لربّما القصد من وراء هذه الإجراءات، منع إنطلاق أيّة مُظاهرات. أو شي أخر يُحاك في الخفاء، لم نعرف ما هو. 
 
المهم.. بعد أنّ شعرنا بعدم الجدوى.. وأنّه لن يكون هناك إمكانيّة لتشكيل أيّة مظاهرة.. فغياب الإعداد الكبيرة.. وفقدان التنظيم.. وعدم وجود منظمين، أو قادة.. جعل من المستحيل، التفكير في إنطلاق مظاهرات..
 
رجعنا إلى بيوتنا.. وقبل الساعة الثانية ظهراً.. سرت أخبار شبه مؤكدة بأنّ هناك عمليات شنق، تمّت.. في ساحة الاتحاد الاشتراكي.. وأن اللذين تمّ شنقهما هما: عمر علي دبـّوب، ومحَمّد الطيب بن سعود.. رجعت إلى الساحة الاتحاد الاشتراكي مُسرعاً.. للتأكد من حقيقة الأخبار.
 
رأيت مشهداً لا يمكن أن أنساه.. منصة إعدام..  وجثتين مدليتين.. من المشنقة.. يداهما مقيدتان إلى الخلف.. ويخفي نصفهما الأعلى.. غطاء أسود. ويُحيط بالمنصة مجموعات كبيرة من رجال الأمن المسلحين.
 
كان المشهد رهيباً.. والصدمة تعلو وجوه الجميع.. لا أحد يصدق .. هل هذا حقيقة أم مجرّد تمثيل.. رأيت عبدالله السّنوسي، يدور حول الجثتين، ويصدر الأوامر، اعتقد إنّه كان برتبة ملازم أوّل، أو نقيب، وبدا أنّه المسئول عن عمليّة الإعدام.
 
خلف سور رجال الأمن وقف النَّاس في وجوم.. وذهول.. أحدهم يهز رأسه يقول حرام وأخر يهمس (لازم انديروا حاجة)، أيّ لابُدَّ من القيام بعمل ما مضاد. أمام الصدمة والوجود المكثف للقوة المسلحة.. لم يُحرّك أحدُ ساكناً. تُركت الجُثتان مُعلقتين، من الثالثة ظهراً تقريباً حتى الساعة التاسعة ليلاً.
 
بعدها تمّ إنزالهما من المشنقة.. ووضعا في سيارة.. ونُقلا إلى مكان مجهول (6). انفضت الجموع المقهورة .. ورجع الجميع إلى بيوتهم، وفي القلوب ألـم وغـم.. لم يُـمحى مع الأيّام.. لهول المُصيبة وفظاعتها. وأسدل الستار على الفصل الأوّل من جرائم القذّافي المنظمة ضدَّ الشّعب اللّـيبي. حين اعتمد القذّافي شهر أبريل من كلّ سنة.. كموسم للقتل.. والإرهاب للمواطن اللّـيبي.
 

المرفق:  
 
صورة الشهيد محَمّد الطيب بن سعود تُنشر لأوّل مرَّة، وكذلك هذه الصورة للشهيد عمر علي دبـّوب.
 
ملاحظات وإشارات هامّة
 
1) المعلم قدوةٌ: البيتان أعلى الصفحة للشاعر/ إبراهيم بن سليمان الوشمي من قصيدة (المعلمُ القدوةُ) عن موقع: "عيون العرب".
 
2) أرسطو: ما قاله (أرسطو) منقولاً عن مقالة بعنوان: "الاستبداد السياسي.. حكم فاسد وحاكم مستبد"، نُشرت بتاريخ 31 مايو/ أيار 2007م في منتديات: (شبوة نت / قسم السياسي والأخباري)، وبقلم الأستاذ/ عادل أمين نقلاً عن صحيفة "الصحوة نت". 
 
3) الحركة الطلابيّة: لمعرفة المزيد عن أحداث الطلبة في عامي 1975م، 1976م، وتاريخ الحركة الطلابيّة، راجع ما كتبه الأستاذ/ صلاح بشير المغيربي أحد القيادات الطلابيّة والمساهمين في انتفاضة عامي  1975م، 1976م، في دراسة تحت عنوان:"الحركة الطلابيّة والذاكرة الوطنيّة"، نشرها في موقع "المؤتمر الوطنيّ للمعارضة الليبيّة"، شهر أبريل من عام 2007م. كذلك، راجع التسجيلات الصوتيّة لغرفة "ليبيا المستقبل" في اللقاءات التي عقدها الأستاذ/ حسن الأمين مدير الغرفة حول: "الحركة الطلابيّة في ليبيا". 
 
4) استجابة عدد من الأشخاص من خارج القطاع الطلابي: استجاب عدد من الأشخاص والشخصيّات، وشاركوا في المظاهرات الطلابيّة عام 1976م، من بينهم: السيّد/ مصطفى سُليمان منينه الذي كان حضوره لافتاً بحكم لـباسه اللّـيبي التقليدي الأصيل، وسنه المتقدمة (76 عاماً). ولد السيّد/ مصطفى منينه في مدينة بنغازي عام 1900م، وهو سليل عائلة مجاهدة، ومن أنصار السّنوسيّة، ومن أعيان مدينة بنغازي والرجالات الذين ساهموا في بناء دولة الاستقلال. وفي دار منينة اُستقبل الإمام محَمّد بن علي السّنوسي، مؤسس الطريقة السّنوسيّة.. وبيت منينة كان عامراً بـالضيوف، وهم الضيوف الذين نزلوا في دار منينة من مختلف الجهات والمناطق فكانوا يقضون أيامهم من ساعة قدومهم إلى بنغازي حتى ساعة سفرهم في تلك الدار التي اشتهرت بـالجود والكرم. والده هو سُليمان باشا منينه الذي كان صوته مسموعـاً وكلمته مقدرةً من قبيل الأتراك في عهد ولايتهم على ليبيا. وكان من النشطاء المقاومين للاحتلال الإيطالي، فاعتقلته السّلطات الإيطاليّة، واستولت على كافة أملاكه وممتلكاته، ثمّ نفته إلى أحدى الجزر الإيطاليّة القريبة من صقليّة. توفي في المنفى، ودفن به بعد إصابته بحمى الملاريا، وكان ذلك في عام 1334 هجري الموافق 1916م. حينما رُزِقَ السيّد/ سُليمان منينه، بولد سمّاه على اسم أخيه مصطفى، ومصطفى المسمى عليه هو أحد كبار المجاهدين الليبيّين، حيث جاهد إلى جانب السيّد/ صفي الدين السّنوسي قائد معركة القرضابيّة، وشغل منصب نائب القائد في المعركة المذكورة. وكان السيّد/ محَمّد عبدالله منينه أحد أفراد أسرة السيّد/ مصطفى سُليمان منينه من الشخصيّات الوطنيّة الذي فاز بمعقد في مجلس النَّواب البرقاوي سنة 1920م بعدما رُشِحَ له. كمَا ذكر، الأستاذ/ وهبي أحمد الـبوري في كتابه: "مجتمع بنغازي في النصف الأوّل من القرن العشرين" الصادر عام 2008م عن "مجلس الثقافة العام" ، أنّ أحد أفراد عائلة منينة كان قد تولى رئاسة أوّل مجلس بلدي تشكل في مدينة بنغازي. قال الأستاذ/ وهبي الـبوري:..".. وفي عام 1875م انفصلت برقـة عن طرابـلس، وأصبحت متصرفيّة مستقلة تابعة رأساً إلى اسطنبول، وقد فرض عليها هذا التغيير تعديلات كثيرة في الإدارة المحليّة وفي مجلس الإدارة، وقد تألف في هذا العام أوّل مجلس بلدي لمدينة بنغازي تكون من: عبدالرَّحمن منينة (رئيساً).. عبدالجليل (معاوناً).. عبدالرَّحمن بـالتمر (عضواً).. علي بن محَمّد الأدغم (عضواً).. فرج بن علي حويـو (عضواً).. علي بن رجـب المهدوي (عضواً).. يـُوسف بن شتوان (عضواً).. الحاج ميلاد (عضواً).. مصطفى بن يونس (كاتباً). وكان رئيس البـلديّة يـُطلق عليه اسم (شيخ الـبلد)...".
 
نعود مجدّداً إلى السيّد/ مصطفى سُليمان منينه، فقد تولى سيدي مصطفى مسئوليّة (الأوقاف) في عهد الإدارة الإنجليزيّة (1942م – 1949م)، كمَا، كان من أعضاء (الجبهة البرقاويّة) البارزين، وهي الجبهة التي أسسها الأمير إدريس السّنوسي في صيف 1946م بعد رجوعه إلى ليبيا من منفاه في مصر. وحينما وقع إنقلاب سبتمبر/ أيلول 1969م، كان سيدي مصطفى عضواً بـمجلس الشيوخ. للسيّد/ مصطفى منينه ثلاث أبناء، هم حسب الترتيب: سُليمان، علي، توفيق. كان علي وتوفيق من أعضاء الاتحاد ونشطاء الحركة الطلابيّة، وكانا ضمن قائمة اعتقالات الطلبة عام 1976م. وبعد الإفراج عنهما، تعرض علي للفصل من كليّة الهندسة بجامعة طرابلس، وتعرض توفيق للفصل من كليّة الآداب بجامعة بنغازي. توفي السيّد/ مصطفى منينه في أكتوبر/ تشرين أوّل 1985م، ودفن في مدينة بنغازي مسقط رأسه.
 
5) شاهد عيان: الشاهد الذي قام بتصوير مشهد الإعدام هو صديقي (أسعد صالح العقيلي). وقد، نقلت أعلى الصفحة، مشهد الإعدام كمَا صوره الصديق العزيز بالتمام والكامل. والأستاذ/ أسعد صالح أبوبكر العقيلي، من عائلة بوصفحة المنتمية لقبائل العواقير، والده يرحمه الله كان رجلاً مثقفاً وواسع الإطلاع، ويتحدث إلى جانب اللغة العربيّة – الإيطاليّة والإنجليزية. أشتغل بالقنصلية الإنجليزيّة ثمّ بمركز البحوث بالجامعة الليبيّة. وجده هو أبوبكر العقيلي الذي استشهد في أحدى مواجهات المجاهدين الليبيّين مع المستعمر الإيطالي. وعمّ والده هو (السّنوسي بوصفحة) الذي شارك في معركة (السلاوي) ضدَّ الطليان، وهو أحد الموقعين على وثيقة تأسيس الجيش السّنوسي، والذي اشتهر بجهاده وخفة ظله وإقراضه للشعر. وللسيّد/ السّنوسي مجموعة من القصائد الشعريّة الشعبيّة التي لم تجمع إلى الآن، وتصدر في ديـوان. والأستاذ/ أسعد صالح العقيلي من مواليد مدينة بنغازي في عام 1960م، وهو أحد كتَّاب المهجر المتميزين. في بداية ثمانينيات القرن المنصرم، تعرض للإعتقال والتحقيق من قبل أجهزة القذّافي الأمنيّة، وبعد أسابيع تمّ الإفراج عنه وإيقافه عن مواصلة دراسته الجامعيّة – كليّة الإقتصاد والتجارة ببنغازي. وبعد مدَّة من إيقافه عن الدَّارسة، تمكن من استئناف دراسته فأكمل دراسته وتحصل على البكالوريوس عام 1987م. تمكن من الإفلات من حملة الاعتقالات التي شنتها أجهزة القذّافي الأمنيّة، في منتصف التسعينيات، على الإسلاميين، واستقر به المقام في سويسرا منذ أنّ وصـل إليها في عام 1998م، وإلى الآن. بين عامي 2000م و 2001م، كتب أوّل مقالاته باسم مستعار هو: (سعد أبوبكر) في موقع "ليبيا وطننا"، ثمّ كتب مقالتين بنفس الاسم المستعار في مجلة (المسلم). وبعد ذلك مباشرة، بدأ في كتابة مقالاته باسمه الحقيقي، في المواقع الليبيّة بـالخارج، وفي الموقع التالي: "ليبيا وطننا"، "الحقيقة"، "جيل ليبيا"، "ليبيا المستقبل". يمتاز قلم الأستاذ/ أسعد صالح العقيلي بـالفكرة الواضحة، واللمسة الأدبيّة ذات النفس الساخر الـرفيع، ويُقبل جمهور القرَّاء على مقالاته إقبالاً كبيراً لما تتمتع به من جماليّة وتعبيرات قصيرة تصل بـالقارئ إلى المعنى المقصود دون إرهاق أو ملل.
 
6) مكان مجهول: لم تُسلم جثة دبـّوب وبن سعود إلى أهاليهما، ولم يعرف النّّاس: أين نقلتهما سلطات القذّافي بعد إنزالهما من المشنقة، ووضعهما في السيارة ؟. ولذا، جاء على لسان الأستاذ/ أسعد العقيلي أنّهما نُقِلا إلى مكان مجهول. وحسب ما نُقِلَ ليّ من أحد الأصدقاء، بأنّ بعض معارف الشهيدين ورفاقهما تمكنوا من معرفة المكان الذي دفنا به، وهي مقبرة (سيدي عبيد)، وفي الامتداد الثاني لها. ومقبرة (سيدي عبيد) القديمة هي المقبرة التي دفن بها المواطنون سيدي عمر المختار بعد أنّ أعدمه الإيطاليون في قرية سلوق في سبتمبر/ أيلول 1931م. قُفلت مقبرة (سيدي عبيد) القديمة في السبعينيات، وفُتِحَ لها امتداد ثاني سُمّي بسيدي عبيد الجديدة، وفي أوائل التسعينيات – وتقريباً في عام 1991م – تمّ قفل مقبرة سيدي عبيد الجديدة وفتحت مقبرة أخرى في منطقة الهواري سُميت بـ(مقبرة الهواري).

 

 

 

مواطن ليبي: الى متى لقد طال الانتظار طويلا فما فعله هؤلاء فى الشعب الليبي لم يفعله الايطاليون الفاشيست فى الليبيين. لقد رايت تلك المشاهد المؤلمة فى اليفزيون الليبي ورايت تلك اللحظات التى لن انساها ما حييت فقد كانت والدتى رحمها الله تبكى وكانه احد ابنائها الذين ولدتهم وكانت عندما تتذكر تلك المشاهد تجهش بالبكاء وهى لم تره فى حياتها. ولكن تلك المشاهد لن انساها ما حييت ولا زلت عندما ارى تلك الصور اجهش بالبكاء وعند كتابتى لهذه الاسطر لا زالت الدموع تملاء عيناى فى الى متى ومتى ياتى ذلك اليوم ؟

ولد السلمانى: رحمك الله يا مصطقى ادكر دلك اليوم جيدا فهو محفور فى دكرتى لا تمحوه الايام ودكر بعد الاعدام توحهنا نحن مجموعة شباب صغار كنا  الى بيت الشهيد كان بعض من اقاربه فى الكراج الموجود تحت عمارتهم بالبركه ويعد دقائق حضروا اعوان الطغوت واصبحو يزمزوا  بالسيارات امام بيت الشهيد  لقد كنت شاب فى بداية الشباب وشكل هدا الموقف منحى فى حياتى.
 
للتعليق على المقال
الإسم:
العنوان الإلكتروني:
التعليق

جميع المقالات والأراء التي تنشر في هذا الموقع تعبر عن رأي أصحابها فقط، ولا تعبر بالضرورة عن رأي إدارة الموقع >>>> ليبيا المستقبل منبر حر لكل من يطمح ويسعى لغد أفضل لليبيا الحبيبة
 

[email protected]