06/12/2008

 
المستعمر الجديد يعيد، بشكل رسمي، سياسات المستعمر القديم، في أبريل/ نسيان 1977م

الإنقلابيون والعودة إلى زمن مشانق الاستعمار... دبـّوب وبن سعود أوّل ضحايا (2 مِنْ 4)  

 
بقلم: الصـادق شكري

الحلقة الأولى
الحلقةُ الثانية
 
يصف أفلاطون (7) الفيلسوف اليوناني القديم، وأحد أعظم فلاسفة الغرب (عاش بين 427 ق.م - 347 ق.م)، المستبد وطريقة حكمه وسيرته فيقول: " المستبد يستولي على السّلطة بالقوةِ، ويمارسها بالعنفِ، يسعى أولاً للتخلص من أخطر خصومه، ويُكثر من الوعود، ويبدأ بتقسيم الأراضي ممّا يجعله شعبياً ومحبوباً، وهو ما ينفك يفتعل حروباً ليظل الشّعب بحاجة دائمة إلى قائد، وهذه الحروب تنهك كاهل المواطنين من خلال ما يدفعونه من ضرائب باهظة فيضطرون إلى زيادة ساعات العمل ممّا لا يُبقي لهم وقتاً للتآمر على المستبد، والحرب تساعده على التخلص من معارضي سياسته، حيث يُقدمهم إلى الصفوف الأولى في المعركة، وذلك كله يدعوا إلى إستياء الجماهير، حتى أعوانه الذين دفعوه إلى السّلطة، وهنا لا يجد أمامه إلاّ القضاء على المعارضة بما يملكه من وسائل العنف والقوّة، فيزيد من تسلحه ومن حرسه الخاصّ ومن المرتزقة ممّا يتطلب نفقات طائلة، فيلجأ المستبد إلى المزيد من نهب خزائن الشّعب الذي يدرك بعد فوات الأوان أنـّه وُضع في حالة إستعباد مُسيس".
 
عهد اليُسر وعهد الاستبداد.. شّعبُ أبهرته الدعايّة الناصريّة، ونخبةُ هيأت مناخ الإنقلاب
 
عاش الليبيّون حياتهم على مدار العصور بطعم المرض والفقر والعوز والحروب الطاحنة، وبعدما اشتد بهم الحال سوءاً وتخلفاً وأصبحوا عرضة لحملات الغزو والتنكيل فاستنجدوا في عام 1551م بـالعثمانيين لكي يخلصوهم من الغزاة المعتدين ويعيشوا في كنف دولة الخلافة. خضعت طرابلس مباشرة للسّلطة المركزيّة العثمانيّة خلال حقبتين من تاريخها الطويل، فالحقبة الأولى امتدّت في الفترة الواقعة ما بين عامي 1551م و1711م، والثانية ما بين عامي 1835م و1911م. أمّا الفترة الواقعة ما بين 1711م و1835م فقد خضعت لحكم الأمراء القرمانليين الذين كانوا مستقلين عملياً عن الأتراك رغم اعتبارهم لأنفسهم على أنّهم امتداداً لدولة الخلافة العثمانيّة. قدمت دولة الخلافة بعض صور العون لليبيّين، وأنشأت بعض المدارس والمعاهد الفنيّة، وشكلت نظام إداري ربط - وإلى حدٍ ما -  أقاليم البلاد الثلاثة، ولأوّل مرة في تاريخها. لم تكن أوضاع دولة الخلافة العثمانيّة في فترة حكمها لليبيا على ما يرام حيث عانى الليبيّون في مراحل من حكمها زمن من الإهمال والاستبداد وفساد الحكم، وكانت أوضاع دولة الخلافة آنذاك تسير نحو التفكك والتراجع والضعف إلى درجة وصولها في وقت ما إلى مرحلة سميت بـ(الرجل المريض). وأثناء تلك المرحلة داهم الخطر البلاد، وجاءت قوَّات المستعمر الإيطالي إلى الساحل اللّـيبي معتبرته ساحلاً رابعاً لإيطاليا، ولم تستطع تركيا، وهي في صحوة الموت (8)، صد طائرات ودبابات المستعمر الغازي. وانتهى المطاف بـالعثمانيين بعد عامين من دخول المستعمر الإيطالي إلى ليبيا (1913م)، إلى توقيع معاهدة سلام مع إيطاليا، وسُلِمت الأراضي الليبيّة بموجب تلك الاتفاقية إلى الطليان.
 
قاوم الليبيّون المستعمر الإيطالي البغيض، وفي كافة..{.. المدن الليبيّة وكل الجبال والوديـان والسهول وأحصى الأستاذ/ خليفة التليسي في كتابه: (معجم معارك الجهاد اللّـيبي) نحو (500) خمسمائة معركة اعتبرها كل أو أغلب المعارك ابتداءً من عام 1911م وحتى 1931م. وهو آخر أعوام المقاومة عندما سجل استشهاد الشيخ عمر المختار المشهد البطولي الأخير لجهاد الشّعب اللّـيبي الذي قدم نحو نصف عدده أي نحو (700000) سبعمائة ألف إنسان...}م1.
 
تعرض الليبيّون إلى حملات تهجير واسعة، وقدر عدد المهاجرين بمئات الآلاف، كمَا تعرضوا إلى حملات الإعتقال الجماعي ووضعوا في أماكن تفتقر لأبسط مقومات العيش، ومارس المستعمر ضدَّهم كافة أنواع التعذيب والاضطهاد وأجبرهم تحت سياط البطش والتعذيب على تنفيذ الأعمال الشاقة المرهقة لساعات طويلة من وقت كل يوم.
 
استخدمت إيطاليا خمس جزر كسجون ومنفى لليبيّين، ووصفت التقارير تلك المنافي بأنّها..{.. مظلمة رطبة غير ملائمة حتى لإيواء البهائم.. طقس مختلف، قدموا من الشمال الأفريقي بدفئه وشمسه الساطعة، إلى طقس متقلب شديد البرودة، إضافة، إلى سوء التغذيّة نتيجة قلة الموارد أو فساد المسئولين الذين أشارت التقارير إلى سرقتهم المؤن المخصصة للمنفيين..}م2.
 
وبخصوص الهجرة، يؤكد الدّكتور/ علي عبد اللطيف حميدة (باحث لّـيبي، ورئيس قسم العلوم السياسيّة بجامعة [New England] نيو إنغلاند بالولايات المتحدة الأمريكيّة) أن عدد الذين هاجروا إلى مصر وتونس والجزائر وتشاد والسّودان، وصل إلى حوالي (250000) مائتين وخمسين ألف مهاجر.
 
أمّا بالنسبة للمتعقلات الجماعيّة، فإحصائيات الباحثين تشير إلى أنّ عدد المعتقلين في معتقل (العقيلة والبريقة) بلغ (72000) أثنين وسبعين ألفاً، وبلغ رقم (36000) ستة وثلاثين ألف في معتقل (سلوق). ويعد (معتقل العقيلة) الأشهر بين المعتقلات الجماعيّة، وهو المعتقل الذي صورت أوضاعه القاسيّة المزريّة في عدد من القصائد الشعبيّة، ومن أشهر تلك القصائد، قصيدة (ما بي مرض) التي نظمها الشيخ رجب بوحوش الخايبي المنفي، والتي يقول مطلعها:
 
ما بي مرض غير دار العقيلة.. حبس القبيلة.. وبعد الجبا من بلاد الوسيلة
 
انتشرت في تلك السجون والمعتقلات الأوبئة والأمراض الفتاكة، وأدَّت تلك الأوضاع الخطيرة إلى وفاة أعداد من المعتقلين قُدِرَ عددهم بـالآلاف. وفصل المستعمر الإيطالي الحدود الليبيّة المصريّة بـالأسلاك الشائكة - ومن الفترة الممتدة من شهر ابريل/ نيسان حتى شهر ديسمبر/ كانون الأوّل عام 1931 - للقضاء على المقاومة الوطنيّة، ولأجل منع وصول أيّ مساعدات للمجاهدين، وتأتي المساعدات الغذائيّة (الأكل) في مقدمتها. وزرع المستعمر الألغام في خطوط ومساحات واسعة من الأرض الليبيّة، تلك الألغام التي تسببت في تدمير مساحات من الأراضي الزراعيّة، ومقتل الآلاف من الليبيّين ولازالت - وإلى الآن - تحصد في الأرواح البريئة بين الحين والآخر. 
 
وقد حكمت..{.. المحكمة الإيطاليّة الطائرة على مائتين وخمسين (250) شخصاً بالإعدام، وقُتِلَ بدون محاكمة أكثر من ألف (1000) شخص، وهذه المذابح لم تقترفها أيّة دولة استعماريّة أخرى في أيّ بلدٍ كان..}م3.
 
وعلى العموم.. قُتِلَ داخل المعتقلات الجماعيّة العشرات من المعتقلين برصاص العدو، وإلى جانب ذلك، نصب المستعمر البغيض في معظم القرى والمدن الليبيّة المشانق، ونفذ سلسلة من الإعدامات العلنيّة التي أُجبر الموطنون على مشاهدتها بغيّة طبع مشاهد الإعدام في مخيلتهم، وبالتالي إرهابهم بهدف منعهم من التفكير في المقاومة والاعتراض على السياسات والمخططات الاستعماريّة. ويذكر، أنّ المستعمر قام بتصوير مشاهد الإعدامات العلنيّة بـكاميرات السينما وآلات التصوير، وحوّل تلك الصور الفوتوغرافيّة لعمليّات الإعدام إلى كروت (بطاقات) بريديّة يتبادلها المستعمرون في أعيادهم ومناسباتهم المختلفة.
 
وتُعدّ مشاهد إعدام (19) تسعة عشر مواطناً ليبياً في ساحة عامّة بمدينة هون من بين أشهر حالات الإعدامات العلنيّة التي قام المستعمر بها. فقد قام العدو الإيطالي المستعمر يوم الخميس 2 جمادى الآخر 1347 هجري الموافق 15 نوفمبر/ تشرين الثاني 1928م بإعدام (19) تسعة عشر مواطناً ليبياً في ساحة عامّة بمدينة هون. وجاء هذا العمل الإجرامي بعد معركة (قارة عافية) في 31 أكتوبر/ تشرين الأوّل 1928م، والتي دارت أحداثها بمنطقة (هون) جنوب ليبيا، وتكبد العدو في هذه المعركة خسائر فادحة. شاهدت السيّدة/ فاطمة عثمان بن الحاج امحمد عثمان (9) عملية الإعدام من نافذة بيتها المُطلة على ساحة الإعدام، فقالت قصيدتها الشعبيّة الشهيرة (خرابين يا وطن) تكريماً وتخليداً لهؤلاء الشهداء الأبطال. قالت الشاعرة في بعض أبيات قصيدتها:
 
خرابين يا وطن ما فيك والي    وذيلك جوّالي       ولخرين في المشنقة والقتالي
 
خرابين يا وطن ما فيك حد       حزنك مْجد         ومن ما عقبْ فيك غير اللمد
ها المشنقة ما هفّت من ولد      تحلف هلالي        ولا خلفّت زول اللي ما يشالي
 
خرابين يا وطن ما فيك عيله      عدّوا جزيله         ولا زول بمواجعي نشتكي له
لي جوف يا ناس مثل الفتيلة      سامر ليالي          وياربّ عطنا  عليك  التكالي
 
وبكلّ تأكيد.. كان مشهد شنق شيخ الشهداء عمر المختار الأعظم تأثيراً، والأكثر دلالة على دمويّة ووحشيّة المستعمر الإيطالي، وقد أحدثت عملية شنقه ردود فعل مستنكرة غاضبة في كافة البلدان العربيّة والإسلاميّة. ففي صباح يوم الأربعاء 3 جمادى الأوّل 1350 هجري الموافق 16 سبتمبر/ أيلول 1931م، اتخذ المستعمر الإيطالي الفاشستي كافة التدابير اللازمة من تطويق أمني وبوابات للتفتيش ونقاط للمراقبة وتجهيزات أخرى كإعداد المشنقة بمركز مدينة سلوق، وإحضار المئات من الأهالي قسراً من أماكن مختلفة من البلاد لمشاهدة تنفيذ حكم الإعدام الصادر عن المستعمر البغيض بحق الشيخ عمر المختار أحد أهمّ قادة الجهاد اللّيبي ورمز المقاومة الوطنيّة. احضر الشيخ الجليل مكبل الأيدي، وهو يتمتم ببعض آيات القرآن الكريم، ويسبح بحمد الله ويستغفره، وعلى وجهه الطاهر تترسم علامات الرضا والاطمئنان والقبول بقضاء الله وقدره. كان الشيخ ثابتاً مطمئناً حينما وضع المجرمون حول رقبته حبل المشنقة، وقبل سحب الكرسي من تحت قدميه نطق بالشهادة، وبعد سحب الكرسي بدقائق صعدت روحه الطاهرة إلى رب العباد راضية مطمئنة، تشكو إليه جور المستعمر وظلم الطغاة المستكبرين.
 
وبعد معاناة طويلة مريرة، وسنوات مديدة ضرب فيها الليبيّون رقماً قياسياً في التضحية والجهاد، تمكنوا في 21 نوفمبر/ تشرين الثّاني 1949م بزعامة الأمير إدريس السّنوسي من إنتزاع قرار من هيئة الأمم المتحدة يعترف بإستقلالهم ويحدد موعداً لإعلان الإستقلال في مدَّة أقصاها شهر يناير/ كانون الثّاني من عام 1952م.
 
اجتمعت الجمعّية الوطنيّة الليبيّة في 2 ديسمبر/ كانون الأوّل 1950م، وأصدرت قراراً نص على تتويج الأمير إدريس السّنوسي ملكاً للبلاد. وفي يوم 24 ديسمبر/ كانون الأوّل 1951م، أعلن الملك إدريس من شرفة قصر المنار بمدينة بنغازي، إستقلال ليبيا وسيادتها على كامل ترابها.
 
شرع الملك إدريس السّنوسي..{.. منذ إستقلال ليبيا في ديسمبر/ كانون أول 1951م، في بناء المؤسسات والصروح العلميّة والثقافيّة.. وبُنيت المدارس والمعاهد ومراكز البحوث والدّراسات، علاوة، على الجامعة التي صدر مرسوم ملكي بإنشائها يوم 15 ديسمبر/ كانون أوّل 1955م، وافتتحت رسمياً يوم 23 يناير/ كانون ثاني 1956م في حفل كبير تقدمه السيّد/ مصطفى أحمد بن حليم رئيس وزراء ليبيا آنذاك.. وتكّونت المجالس واللجان العمليّة والثقافيّة والفنيّة..}م4.
 
وشرعت المملكة الليبيّة، مباشرة بعد بداية تصدير البترول، في وضع الخطط الخمسيّة للتنميّة والإعمار، ونجحت ناجحاً باهراً في خطتها الخمسيّة الأولى بحسب النتائج المحققة على واقع الأرض، وبشهادة مؤسسات المجتمع المدني والمؤسسات والمنظمات الدّوليّة. ومقابل هذا النجاح الباهر بكلّ المقاييس، كانت ليبيا مساندة وداعمة لكافة القضايا العربيّة والإسلاميّة، ولكن، المشككين قابلوا تلك المواقف النبيلة الصادقة.. والعطاء السخي الفياض،  بالجحود والنكران، بل، التآمر وإيقاع الجموع الطيبة الغافلة في شباك العصابات السياسيّة.
 
وانتعشت الحياة الثقافيّة في ليبيا..{.. في جو سياسي كان يتصف بكثير من التعقل والمرونة والإخلاص. وكان الملك إدريس السّنوسي من الحكام القلائل الذين لم تغير السّلطة سلوكهم وبساطة حياتهم. وتميّزت تلك الفترة رغم قصرها (1951م – 1969م) بالنمو والازدهار طبقاً للسّياق التاريخي وطبقاً للظروف التي تمر بها ليبيا والعالم العربي والإسلامي على حد سواء.
 
... ومن نقاط الضعف في تلك المرحلة أنّها لم تستوعب ما يجري حولها من تغيرات ثقافيّة، وظهور اتجاهات سياسيّة هبت رياحها على كلّ المنطقة العربيّة، ووصلت إلى ليبيا ومدارسها وجامعاتها ومثقفيها وأدبائها.
 
.. انتقلت كلّ الاتجاهات الموجودة في بلدان المشرق العربي، من مصر والعراق ولبنان وسوريا إلى ليبيا، ولم تتحرَّك السّلطة السياسيّة في ذلك الوقت لتنظيم تلك الاتجاهات بالسماحِ لها بتكّوين الأحزاب، وإن غضت عنها النظر، وتركتها تمارس نشاطها مع رصدها ومتابعتها، وإيقافها أحياناً، وإتّخاذ إجراءات رسميّة بشأنها. كمَا حدث مع البعثيين والقوميين. ومهما كانت سلبيات تلك الفترة وثغراتها، فإنّ المجتمع اللّيبي بفضل أجواء الحريّة والديمقراطيّة النسبيّة وبفضل أموال النفط وتوظيفها كذلك بصورة معقولة نسبياً، ظلّ المجتمع يلتزم أسساً وثوابت ثقافيّة إطارها العام الأصول العربيّة الإسلاميّة في شيء من الاعتدال والواقعيّة. وعلى رغم ذلك كانت نخب المجتمع، وقطاعات واسعة من الجماهير تمد بصرها، وتفتح آذانها لما يجري، وما يقال وراء الحدود. كانت تلك القطاعات تعتقد أنّ وراء الحدود ما هو أحسن، وتريد أنّ يقع في ليبيا ما وقع في مصر أو في العراق...}م5.   
 
دخلت إلى ليبيا أحزاب وحركات وتيارات لم يكن منبتها الأصلي ليبياً، استوردتها النخبة وأسقطت صراعاتها ومعاركها على الواقع اللّـيبي دون مبرر ولا وقائع تستدعي استجلابها والتأثر بها. وتربصت ببلادنا دوائر استكثر على الليبيّين الإستقلال وتأسيس دولة حرَّة ذات سيادة، فالتفت طائفة من النخبة - وللآسف - حول هؤلاء المتربصين الذين انبهر البعض بفصاحة لسانهم وشعاراتهم البراقة، فوقفت تلك الطائفة إلى جانب شخص من خارج ليبيا وقف ضدَّ إستقلال البلاد واقترح الوصايّة عليها !!. وقد تحرَّك ذلك الشخص منطلقاً من دوافعه الشخصيّة المعاديّة للسيّد/ إدريس السّنوسي ومن حزن انتابه بعد مبايعة الشّعب للسّنوسي أميراً للبلاد، فانخدعت تلك النخبة فيه، وانقادت وراء حملة هائجة شنتها صحف بلاده ضدَّ القوى الوطنيّة الليبيّة التي قبلت التعاون مع بعثة الأمم المتحدة وممثلي الإدارة الفرنسيّة والبريطانيّة، لتشكيل دولة الإستقلال على أسس الفيدراليّة !. وبعدما تبين لتلك النخبة بأنّ الأمير إدريس السّنوسي سينجح في تحقيق (الاستقلال) وسيتوج ملكاً على البلاد، لم يجد هؤلاء من سبيل سوى الدفع ببعض الشباب الطائش المتحمس لإغتيال الأمير الذي كان على موعد لزيارة طرابلس بعد تلقيه في شهر أبريل/ نسيان عام 1951م لدعوة كريمة من أبناء طرابلس والسيّد/ محمود المنتصر رئيس الحكومة المؤقتة آنذاك. وأثناء زيارة طرابلس، حاول نفراً من الشباب الطائش المندفع إغتيال الأمير حيث قذفوا القنابل على موكبه، ولكن الله سلم وفشلت المحاولة ولم يصب الأمير بأذى أو مكروه.
 
وحرضت نخبة أخرى بالمنطقة الشرقيّة، في ديسمبر/ كانون الأوّل 1951م، نفر من الشباب لإحراق القوس المنصوب وسط مدينة بنغازي بميدان الشجرة، والذي نصب احتفالاً وابتهاجاً بزيارة الملك إدريس للمدينة. 
 
وحرضت النخبة في طرابلس، عامّة النَّاس ضدَّ حكومة السيد/ محمود المنتصر، ودارت أحداث في شوارع طرابلس في فبراير/ شباط 1952م بعد انتهاء أوّل انتخابات برلمانيّة تجرى في ليبيا، واستمرت النخبة في تحريضها حيث أتهم زعماء الأحزاب السياسيّة، المنتصر بالتلاعب في نتائج الانتخابات البرلمانيّة الأولى.
 
وفي عام 1953م، دفعت النخبة بطرابلس شابين لتنفيذ عمليّة تستهدف مقر البرلمان وأعضائه، بحجة التخلص من المعاهدة البريطانيّة. ولم يتمكن الشابان المكلفان بتنفيذ العمليّة من تنفيذها، لأنَّ قوَّات الأمن كانت متواجدة بشكل مكثف نظراً لانعقاد جلسة البرلمان بشكل مغلق سريّ.
 
وبعد سنوات معدودة من شروع الدولة في تصدير النفط، سلّم نخبوي من التيار القومي الناصري، اشتهر بالخطابة والصّوت المجلجل، لـمحَمّد معيوف الفاخري (الهندياني) عدداً من القنابل، ليقوم الأخير مع أثنين من رفاقه (محَمّد منصور المريمي، رمضان عبدالله الوداوي) بتفجير أبار النفط وبعض المؤسسات ذات الصلة بشرق ليبيا، وقام هؤلاء بعمليات التفجير خلال شهري مايو/ أيار ويوليه/ تموز من عام 1965م.
 
وفي النصف الثاني من عقد خمسينيات القرن المنصرم، تسربت إلى الوسط النخبوي بـالجيشِ اللّيبي، أفكار سياسيّة متعددة من اليمين إلى أقصى اليسار، وكان الفكر القومي الناصري الأكثر استحواذاً على قلوب العسكريين والأكثر حضوراً بينهم، فحرضت (الناصريّة) الجيش على الإنقلاب والسّيطرة على شئون الحكم وكأن الهدف من وجود الجيش هو التدخل في شئون الحكم لا حماية الوطن من العدوان الخارجي !!. وتشكلت بموجب تلك الأجندة والأفكار تنظيمات وخلايا سريّة داخل الجيش وغدا ولاء عدد من أبناء المؤسسة العسكريّة لأحزاب وزّعامات من الخارج لا للدولة الليبيّة وملكيها إدريس السّنوسي، ويأتي في مقدمة هذه الولاءات – الولاء لـجمال عبدالناصر.
 
تشكلت داخل الجيش اللّـيبي عدد من التنظيمات التي كانت تعمل بشكلِ سريّ، وتخطط لإثارة القلاقل والإطاحة بنظام الحكم الملكي، وكانت تلك التنظيمات تتلقى أوجه دّعم مختلفة من أحزاب ودوائر وجهات خارجيّة متعددة. استولى معمّر القذّافي في الأوّل من سبتمبر/ أيلول 1969م على السّلطة ونجح إنقلابه، وقطع الطريق أمام إنقلابات أخرى كانت تدبر للإطاحة بنظامِ الحكمِ الملكيِ، أهمها: التنظيم الذي ترأسه عبدالعزيز إبراهيم الشلّحي أحد ضبّاط الجيش الكبار. 
 
وكانت النخب المختلفة من المدنيين - وطوال سنوات العهد الملكي الثمانية عشر - تجتمع وتلتقي وتتحرَّك على محاور ومستويات مختلفة، بل، وصل الأمر إلى أن السّلطات الأمنيّة ضبطت كميات من السلاح ومخططات تستهدف الإطاحة بالنِّظام الملكي عند مجموعة منهم. ويذكر، أنّ عدداً من أفراد هذه النخب، كانوا قد تلقوا دروساً تعبوية وتدريبات عسّكريّة داخل البلاد في منطقة قاريونس بشرق ليبيا، وبالخارجِ في مصر وبلاد الشام، وأنّها تمادت - ويشكل ظاهر - في أعمالها المستهدفة نِّظام الحكم الملكي لعلمها بأن النِّظام الملكي الحاكم كان نِّظاماً متسامحاً إلى أبعد الحدود، وهو نِّظام لا يمكن أن يعاقبها بـأكثر من أحكام مخففة بالسجن مكفول لهم فيها كافة الحقوق المنصوص عليها في الدستور اللّـيبي، والاتفاقيات الدّوليّة الموقع عليها من قبل المملكة الليبيّة.
 
وقد، أثبتت التقارير وشهادات من اعتقلوا، بأنّ المعتقلين تحصلوا أثناء فترة سجنهم على: الغذاء النظيف والرعايّة الصحيّة.. والالتقاء بأهاليهم وأقاربهم وأصدقائهم في زيارات دوريّة معروفة المواعيد.. وتصل إليهم المجلات والصحف والكتب المختلفة إلى جانب أجهزة (Radio).. عدم تعرضهم للتعذيب الجسدي أو المعنوي أو لأيّ شكل من أشكال الإهانة والتجريح وعدم الاحترام، بل، كلّ ما طُبق عليهم كان يُراعي القانون والعهود والمواثيق الدّوليّة، وأنّ معظم المعتقلين تمّ الإفراج عنهم قبل إتمام مدّة العقوبة الصادرة بحقهم.  
 
كانت النخبة الليبيّة لا تنظر إلى الحريّات التي حظيت بها، ولا الإنجازات التي تحققت فوق الأرض، لكنها، مدّت بصرها وراء الحدود، وفتحت آذانها لإذاعات خارجيّة تحريضيّة، واصطفت خلف شعارات رفعها أشخاص وأحزاب من وراء الحدود لا تعرف عنهم ولا عنها إلاّ ما يقال في وسائل الدعايّة الرسميّة. كانت تلك النخبة غير مُقدرةِ لأجواءِ التسامح والحريّة والانفتاح الموجود في ليبيا، وظالمة لملك عُرف بنزاهته وحكمته وتقواه، كمَا أن السّلطة لم تفسد سلوكه ولا أفسدت السياسة شيئاً من أخلاقه.
 
كان الملك إدريس السّنوسي متسامحاً مع شعبه وعطوفاً عليهم، وقد عمل منذ اليوم الأوّل لاستلامه للحكم على راحة الليبيّين وسعادتهم حيث رأى أن ليبيا تضررت أكثر من غيرها من جراء الحروب التي دارت فوق أراضيها،  وأن شعبها يستحق الراحة بعد عهود طويلة من العناء والبؤس والشقاء. وقد حكم البلاد بمبايعات موثقة معروفة، وبموافقة الشّعب ورضاه، وأكد الملك على حرصه بأنّ يلعب الشّعب دوره اتجاه أيّ نقصان أو تجاوزات أو قصور فخاطبهم ذات يوم قائلاً: ".. أرجوكم متى رأيتم منا نقصاً فصارحونا وسامحونا بأن نترك لكم المجال لمن هو أقدر منا على ذلك..".  
 
كان الدستور في عهد الملك إدريس السّنوسي دستوراً عصرياً قوامه مجلسي نوّاب وشّيوخ (10)، وانتخابات تجرى دورياً وفق قوانين منظمة لها، وقد شهدت البلاد خلال سنوات حكمه انتخابات عامّة في الأعوام 1952م، 1956م، 1960م، 1964م. وكانت الدولة في عهده بحق، دولة قانون.. وكان دستور ليبيا "يفوق المستوى السياسي لأيِّ قطر عربي" كمَا قال الدّكتور محمود عزمي أشهر السياسيين والقانونيين في مصر. وتميزت سنوات حكمه بـالصحافة الحرَّة والمعارضة البرلمانيّة، واستقلال القضاء ونزاهته، والحفاظ على روابط التواصل والعلاقات الطيبة بين النّاس.
 
عاش الليبيّون ثمانيّة عشر (18) سنة من حكم الملك إدريس السّنوسي في أمن وسلام وخطط جادة تصبو إلى النهوض والتعمير والعمران. وتجدر الإشارة في هذا المقام إلى تقديم بعض الحقائق، والتأكد على جملة من النقاط، منها:
 
{1 – أنّه طوال سنوات العهد الملكي الثمانية عشر (ديسمبر/ كانون الأوّل 1951م – أغسطس/ أب 1969م) لم يحدث أن قام النظام بقتل أيّ مواطن لّـيبي عن عمدِ وترصدِ سواء تحت التعذيب أو بالإغتيال وأنّ حادث القتل الذي وقع في 21 فبراير/ شباط 1952م أثناء المظاهرات التي جرت في مدينة طرابلس احتجاجاً على نتائج أوّل انتخابات برلمانيّة والذي ذهب ضحيته أحد المواطنين كان خطأً ودون تعمد. ويصدق نفس القول على مظاهرات الطلاب يومي 13، 14 يناير/ كانون الثّاني 1964م التي وقعت في كلّ من مدن بنغازيِ والزاويةِ والجميلِ، والتي ذهب ضحيتها سبعة من القتلى من بين المتظاهرين.   
 
2 – ومن هذه الحقائق أنه على الرَّغم من أن محكمة الجنايات في مدينة بنغازي قد أصدرت في السّادس والعشرين من شهر ديسمبر/ كانون الأوّل 1965م حكمها القاضي بإعدام ثلاثة ليبيّين ثبت تورطهم في تفجير أربعة من آبار النفط والمؤسسات النفطيّة في المنطقة الشرقيّة من البلاد خلال شهري مايو/ أيار يوليه/ تموز من ذات العام، إلاّ أنّ الملك إدريس السّنوسي أمر بتخفيف هذه الأحكام إلى السجن.
 
3 – ومن هذه الحقائق أنّ حكم الإعدام الوحيد الذي نفّذ خلال العهد الملكي تمّ يوم 6 من فبراير/ شباط 1955م بحق السيّد/ الشريف محي الدين السّنوسي ابن عم الملك إدريس وابن أخ الملكة وذلك لإدانته بإغتيال ناظر الخاصّة الملكيّة السيّد/ إبراهيم الشلحي يوم 5 من أكتوبر/ تشرين الأوّل من عام 1954م.
 
إنّ هذه الحقائق سوف تساعد القارئ على إدراك ما كان يحيط حياة الإنسان من حماية وضمانات في ظلّ العهد الملكي – على الرَّغم ممّـا كان يوجه إلى ذلك العهد من انتقادات – وكذلك إدراك هوة المأسـاة التي آلت إليها أوضاع حقوق الإنسان في ظلّ الحكم الإنقلابي..}م6.
 
كان الملك إدريس السّنوسي يسعى طيلة سنوات حكمه إلى النهوض بليبيا في كافة الاتجاهات والمجالات، ويهدف إلى راحة الشّعب اللّـيبي الذي رأى أنّه عانى أكثر من غيره، ودفع ثمن لم يدفعه شعب آخر في المنطقة. وقد أكد الملك على هذه المعاني لرئيس شركة أوكسيدنتال الأمريكيّة حينما اجتمع به في فبراير/ شباط  1962م. فبعد أشهر قليلة من بداية تصدير البترول، اجتمع  (آرمند هامر) رئيس شركة أوكسيدنتال (شركة نفطيّة أمريكيّة) بالملك إدريس السّنوسي(11)، في مهمّة خاصّة كلفه بها جون كنيدي الرئيس الأمريكي. طلب هامر من الملك إدريس تخصص بعض السنتات من كلّ برميل نفط لّـيبي لصالح بعض الدول الأفريقيّة. فقال الملك إدريس له بما معناه: ".. الشّعب اللّـيبي تضرر أكثر من غيره من جراء الحروب والمجاعات والأمراض. مستعمر إيطالي قتل وشرد مئات الآلاف، وقاد ضدَّ هذا الشّعب حملات من التجهيل والتغييب والإقصاء، بالإضافة، إلى ما دفعه هذا البلد والشّعب من ثمن باهض بسبب معارك الحروب العالميّة التي دار جزءُ منها فوق أراضيه. هذا الشّعب يستحق الراحة والنهوض ببلاده بعد طول معاناة، وبلادنا الآن في بداية مشوارها في طريق التعمير والبناء وتعويض الشّعب عن عقود طويلة من الحرمان والتعب والعناء. ليبيا أولاً، والشّعب اللّـيبي أولى بثرواته ومن حقهِ أنّ يتمتع بالثروة التي اكتشفت أخيراً، وبعد أنّ تتحقق للإنسانِ اللّـيبي مقاومات الحياة الكريمة وينهض ببلاده على كافة مستويات التنميّة الإسكان، بعدها نفكر في مساعدة غيرنا ونعرض مشروع (المساعدات) على البرلمان لإتّخاذ القرارات المناسبة بشأنه كمَا تفعلون أنتم في الكونجرس ويفعل غيركم...".
 
وبعد قبول حكومة السيّد/ محمود المنتصر الأولى في 29 يوليو/ تموز 1952م توقيع اتفاقيّة عسّكريّة مع بريطانيا (قاعدة بريطانيّة بليبيا)، وقبول حكومة السيّد/ مصطفى بن حليم في 9 سبتمبر/ أيلول 1954م توقيع إتفاقيّة عسّكريّة مع الولايات المتحدة (قاعدة أمريكيّة بليبيا)، هاجت النخبة وحرضت الشارع ضدَّ النَّظام الملكي وحكوماته المتعاقبة. واعتبرت النخبة هذه الاتفاقيات طعنة في الوطنيّة، وفي جهاد الآباء والأجداد، وفي حاضر الأمّة العربيّة والإسلاميّة معتبرة القواعد العسّكريّة وسيلة تهديد لأقطار العرب ومناطق إنطلاق لعمليّات غزو في حروب قادمة لا محالة. وأخرجت النخبة المظاهرة تلو الأخرى في مدن وقرى ليبيا المختلفة.. ونشرت المقالات التي تدين الاتفاقيتين وتعتبرههما موالاة للمستعمرين من دون الله.. ووقف بعض أعضاء مجلس الأمّة منددين بالاتفاقيتين ومطالبين بإلغائهما ليتحقق الجلاء. ولخص أحد أفراد هذه النخبة، الموقف ومجمل هذه المعاني، في رّسالةِ مطوّلة بعثها إلى السيّد/ محمود المنتصر ونشرتها صحيفة (الدفاع) في عددها رقم (72) الصادر يوم 11 يونيه/ حزيران 1953م، وقد جاء في مقتطفات من تلك الرسالة ما يلي:
 
(.. سنخسر كلّ شيء.. سنخسر الإستقلال والسيادة والحاضر والمستقبل والعروبة والإسلام. سنخسر الإستقلال لأنَّنا سلمنا بالإحتلال، سنخسر السيادة لأنَّ صاحب القوة هو الحاكم الفعلي في البلاد.. وسنخسر الحاضر لأنَّنا سنعيش عالة على الغير وآلة في يد الغير.. وسنخسر المستقبل لأنَّنا عرّضنا بلادنا للدماء، وعرّضنا شعبنا للفناء، في حربٍ مقبلة لا ريب فيها ولا ناقة لنا فيها.. وسنخسر العروبة لأنَّنا طعنّا جهادنا من الخلف، ومكنّا الاستعمار من أن يتخذ في أراضينا قواعد تهدّد أقطار العرب وتغزوها، و سنخسر الإسلام لأنَّنا خالفنا تعاليم ديننا واتخذنا المستعمرين أولياء من دون الله.... اقطع حديث المعاهدة وأبدأ حديث الجلاء.. يا رئيس الوزراء. إنّ ذا هو واجبك الوطنيّ، وهذا هو حقك السياسي، وما خاب رجلُ تمسّك بحقهِ وأدّى واجبه....).
 
تجاهلت تلك النخبة هدف أولئك الرجال من عقد الاتفاقيّات.. وحال الليبيّون آنذاك وواقع البلاد البائس المتخلف. وتناست النخبة غياب الدّعم الذي كان من المفترض أنّ يقدمه العرب والمسلمين لليبيا من أجل تأمين إستقلالها الناشئ وبناء مؤسسات دولتها الوليدة.
 
ولا شك.. أنّ القبول بالاتفاقيات العسّكريّة، لم يكن خياراً أو رغبة ذاتية، بل، فرضته ضرورات الحاجة والواقع، والحرص على تأمين مشروع الإستقلال وانتشاله من مخالب الثلاثي الاستعماري المهمين آنذاك (أمريكا، بريطانيا، فرنسا). فالقواعد الأجنبيّة لم تجلبها حكومات العهد الملكي إنّما كانت موجودة بليبيا قبل إعلان الإستقلال، فقد سمح الإنجليز للأمريكيين بإقامة قاعدة جوية عقب سيطرتهم على طرابلس وبرقة، وطردهم للمستعمر الإيطالي من ليبيا. فكيف تلام حكومات العهد الملكي في مثل تلك الظروف والحقائق الموجودة على الأرض على عقد إتفاقيّات عسّكريّة أو كمَا قال الأستاذ/ عبد الحميد البكّوش: ".. كيف تلام حكومة في مثل هذا الحال على عقد معاهدات بمنح تسهيلات عسّكريّة لدول أجنبيّة خصوصاً أنّ تلك الدول موجودة أصلاً، وهي التي أخرجت الإيطاليين من البلاد..".
 
ونؤكد، بأنّ هذا الإقرار لا نقصد من ورائه التسويق لفكرة الاعتماد على الأجنبي ومنح قواعد عسّكريّة له، فالقصد من وراء ما ذُكِر تبيان الحقائق والدّفاع عن رجالات الإستقلال الذين قدموا كلّ ما بوسعهم وقبلوا بالمحظور مضطرين لا راغبين، "فـالضرورات تبيح المحظورات" كما جاء في القاعدة الفقهيّة الشهيرة. القاعدة الأصولية "الضرورات تبيح المحظورات".. {.. مأخوذة من النصّ، وهو قوله تعالى: (إِلاّ مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ) الأنعام:[119].
 
والضرورة فرع من قاعدة كليّة سماها العلماء (الضرر يزال) وقد سبق بيان الحاجة التي تنزل منزلة الضرورة في فتوى السيوطي في كتابه: (الأشباه والنظائر). والحاجة تنزل منزلة الضرورة سواء كانت الحاجة خاصّة أو عامّة، قال السيوطي في الأشباه والنظائر: "الحاجة تنزل منزلة الضرورة عامّة كانت أو خاصّة ".
 
لكن على المسلم أنّ يعرف أنّ الحاجة التي تنزل منزلة الضرورة هي التي يحتاجها، ويلحقه بفواتها حرج ومشقه، فأحياناً قد يكون الأمر تحسينياً لا حاجياً فينزل من بعض النَّاس منزلة الضرورة، وهذا لا يجوز. ولمعرفة هذا الأمر على وجه الدّقة يرجع إلى خواص أهل العلم الراسخين فيه دون غيرهم، فتعرض المسألة على العالم الشرعي المتمكن الورع الموثوق في علمه وورعه لينظر في نوع المصلحة هل هي ضرورية أو حاجية أو تحسينية ؟..}م7.
 
ومن جديد.. رفضت تلك النخبة إنصاف رجال لم يمتلكوا إلاّ الإرادة والتصميم على قيام دولة لم يراهن على قيامها أحد.. ولم ينظروا إلى الاتفاقيّات بعين أمينة مبصرة حيث اشترط أولئك الرجال مبالغ مادية محددة كإيجار لتلك القواعد.. واشترطوا مدّة زمنيّة محددة لعقد الإيجار يكون قابلاً للتجديد أو الإلغاء، كمَا، اشترطوا عدم استخدام هذه القواعد في شن هجوم على أيّ قطر عربيّ أو أيّ دولة أخرى.
 
وممّا ينبغي إضافته في هذا الخصوص، الرغبة التي أظهرتها الحكومة الليبيّة، والمتمثلة في إلغاء الإتفاقيات التي أبرمتها مع بريطانيا وأمريكا، وذلك بعد استخراج النفط والشروع في استلام عائداته الماليّة. وفي 17 نوفمبر/ تشرين ثاني 1968م، أعلن رئيس الحكومة السيّد/ ونيس محَمّد القذّافي في افتتاح الدورة الخامسة لمجلس الأمّة، أنّ حكومته تواصل مفاوضاتها بشأن إجلاء القواعد الأجنبيّة حيث قال: (..تواصل حكومتي مفاوضاتها لإنهاء الوجود العسّكريّ للقواعد الأجنبيّة وتحويلها إلى قواعد ليبيّة..).  
 
وواصلت الحكومة الليبيّة تحرّكها في هذا الاتجاه، حيث أجرت..{.. مفاوضات بهدف تجديد المعاهدات التي أبرمتها عقب الإستقلال مع بريطانيا وأمريكا وبموجبها استمر وجود قواعدهما العسّكريّة، وأبرم بالفعل اتفاقان للجلاء على أنّ ينفذا خلال العام 1970م..}م8. والاتفاق، تمّ تنفيذه بعد استيلاء معمّر القذّافي على السّلطة في سبتمبر/ أيلول 1969م، وتمّ تصويره ظلماً وبهتاناً على أنّه إنجاز وانتصار عظيم من صنع الإنقلابيين.   
 
ومن المهم الإشارة هنا، إلى المرسوم الملكي الصادر بشأن تجميد نشاط القواعد العسّكريّة البريطانيّة والأمريكيّة، فقد صدر قراراً ملكياً أثناء حرب يونيو/ حزيران 1967م نصّ على تجميد نشاط القواعد العسّكريّة بليبيا، وقد أبلغت الجهات المسئولة (أمريكا وبريطانيا) بنصّ القرار اللّـيبي، ووضعت على القواعد العسّكريّة البريطانيّة والأمريكيّة حراسة وطنيّة.
 
ويذكر، أنّ النخبة الليبيّة كانت قد وقفت إلى جانب الدعايّة الناصريّة التي دأبت على نشر الأكاذيب والافتراءات والتشكيك في مصداقيّة النِّظام الملكي وانتمائه العروبي والإسلامي، فقد أعلن الرئيس جمال عبدالناصر قبل العدوان الثلاثي على مصر (إنجلترا وفرنسا وإسرائيل) في عام 1956م، بأنّه في انتظار الصواريخ  القادمة من ليبيا، حيث قال - وبالحرف الواحد - في خطاب له: (..نحن ننتظر صواريخ العدو أن تأتينا من ليبيا..!). واستمر عبدالناصر ووسائل دعايته الرخيصة في تحريض الشّعب اللّـيبي ونشر الاتهامات الباطلة رغم أنّ عبدالناصر قدّم في خطاب بمدينة بورسعيد بمناسبة الذّكرى الأولى للعدوان الثلاثي، في 23 ديسمبر/ كانون أوّل 1957م، اعتذاراً عن اتهامه الباطل لليبيا والملك إدريس السّنوسي. قال عبدالناصر في جزء من خطابه: (.. الجنرال كتلي - اللي هو قائد العدوان - كان عايز يهاجم مصر من ليبيا، ولكن، الملك إدريس السّنوسي - ملك ليبيا - هدد إذا استخدمت إنجلترا ليبيا للعدوان على مصر، وبهذا لم يتمكنوا. ودا طبعاً نتيجة من نتائج القوميّة العربيّة والتضامن العربي والقوة العربيّة.. التضامن العربي والقوميّة العربيّة منعت إنجلترا - رغم معاهدتها مع ليبيا، ورغم قواعدها في ليبيا - من أنّها تستخدم ليبيا للعدوان على دولة عربيّة أخرى.. دا موقف مشرف للملك إدريس السّنوسي ملك ليبيا..).
 
أيضاً.. كذب عبدالناصر ما كانت تبثه إذاعته الثورجيّة (صوت العرب) بحق اشتراك القواعد العسّكريّة بليبيا في حرب 1967م، فقد أكد جمال عبدالناصر في خطاب في نوفمبر/ تشرين ثاني 1968م، بأنّ إسرائيل هاجمت مصر في حرب 1967م وحدها دون مشاركة من قوَّات الأنجلو أميركان أيّ القوَّات الأمريكيّة والبريطانيّة، وهذا، ينفي اتهامات الصحف المصريّة وإذاعة (صّوت العرب) لليبيا باستخدامِ القواعدِ الموجودِ على أراضيها في حرب يونيو/ حزيران 1967م. 
 
وعقب نكسة حرب 1967م، كتب الأستاذ/ رشاد الهوني في صحيفة (الحقيقة) مقالة ردّ فيها على المشككين في مواقف ليبيا والناكرين لدعمها ألا محدود، فقال: {... بمجرّد بداية مشكلة مضيق تيران – بسبب إغلاقه في أواخر شهر مايو/ أيار 1967م أمام الملاحة الإسرائيليّة في البحر الأحمر قبيل حرب الأيّام الستة – انتشرت عاطفتنا الوطنيّة كالنَّار في الهشيم، وتجمع النَّاس في ليبيا حاملين أعناقهم على أكفهم.. ولم يكن ذلك نتيجة لتعبئة كلاميّة، لكنه كان وليد طبيعة أصيلة متجاوبة مع وجودنا العربي، ومع قضايانا المصيريّة.
 
بمجرّد أنّ بدأت الحرب في 5 يونيو/ حزيران 1967م.. تحوّلت بلادنا إلى قطعة من اللهب.. وقام المواطنون بترجمة مشاعرهم عن طريق الصواب والخطأ.. وأمام أبصار المسئولين عن أمن البلاد، دون حركة قمع واحدة.. ثمّ أعُلِنت حالة الطوارئ، وتحرّكت مجاميع الشّعب نحو مكاتب التطوع.
 
تبع ذلك تبرع الدولة، لتدعيم المجهود الحربي، وإعلان حالة الحرب الدّفاعيّة، وتوحيد المجهود العربي في استعمال سلاح البترول. وبمجرّد وقف إطلاق النَّار تحرّكت الهيئات الحكوميّة والشعبيّة لتضميد جراح الضحايا، وتولت النتائج الطيبة، ووصلت إلى أصحابها والمنتفعين بها.
 
ورغم عودة الحياة الطبيعة إلى كلّ البلدان العربيّة التي تضررت والتي لم تتضرر، إلاّ أن حياتنا الطبيعيّة لم تعرف طريقها إلينا حتى الآن، ورغم عودة الابتسامة إلى وجوه كثير من الشعوب العربيّة إلاّ أنّ شّعب ليبيا لا يزال غارقاً في الألم، ولا يزال النَّاس يتناقشون ويتعاركون ويحترقون داخلياً دون توقف.
 
وليس هذا سّرداً محصوراً لكلّ ما حدث.. لكنه سّرد سريع للوجه الذي استقبلت بلادنا به.. نكبة العرب.. ولكن الواقع المؤلم.. خرج كثيراً عن نطاق خدمة القضيّة.. وتحوّل إلى وسيلة للإضرار بنا، نحن وحدنا فقط...}م9.
 
وأشار الأستاذ/ رشاد الهوني إلى ما تحقق على أرض الواقع، في مقالة أخرى نشرها في نفس الصحيفة، فقال: {..إنّ الذي يتولى هذه المهام هو المواطن الذي يبحث عن مشكلة فلا يجدها.. فلا يملك سوى أنّ يكرر بعض الشكوى وبعض الشتائم أمّا الواقع وحده فهو يقرر..
 
  • إنّ ليبيا أنشأت من المساكن الشعبيّة ما لم ينشئه بلد آخر في المنطقة.
  • وإنّ ليبيا فتحت عدداً من المؤسسات المقرضة، لم يتوفر مثيله في بلد آخر في المنطقة.
  • وإنّ ليبيا أتاحت فرصة الحصول على المسكن، وعلى العمل، كمَا لم تتح الفرصة لأيّ إنسان آخر يعيش في المنطقة.
 
والذين يستمرون – بعد ذلك – في إقامة الأكواخ، وفي إظهار الجوع، وفي إدعاء الحاجة، هم فئة لها طموحها الخاصّ، ولها أطماعها الشخصيّة...}م10.  
 
وبعد هزيمة 1967م التي سُميت بـالنكسة، قامت النخبة عن طريق نقابات العمال، وإلى جانبها إذاعات خارجيّة أُنشئت خصيصاً لتزييف الحقائق والتلاعب بمشاعر النَّاس البسطاء، بتحريض عمال الموانئ على رفض تفريغ البواخر الأمريكيّة والأوربيّة التي تحمل إلى الوطن احتياجات النَّاس الضروريّة وكل ما تحتاجه عمليّات البناء والنهوض والعمران. استجاب العمال البسطاء لنداءات النخبة وتحريض الإذاعات الخارجيّة، فقفلت الموانئ أبوابها أمام البواخر القادمة، ولم تفعل الموانئ الأخرى ذات الشيء حيث فتحت الموانئ العربيّة مرافئها أيها لاستقبال البواخر التي رفض الليبيّون استقبالها !!. 
 
فتحت الموانئ العربيّة..{.. أبوابها على سعتها، متلهفة على ذلك، ومنتهزة الفرصة السانحة، ومواصلة تحريض الإذاعات للبسطاء، حتى تستمر المهزلة الكريهة خلف شعارات القضيّة وشعارات المعركة.
 
  • وتوقفت عمليّات حفر البترول في بلادنا لعدم وصول المعدات.
  • وتوقفت الحركة التجاريّة لدخول عنصري عدم الثقة وعدم الأمان في المعاملات التجاريّة.
  • ورفضت شركات التأمين في الخارج تحمل مسئوليّة بضائع مُرسلة إلى ليبيا.
  • واستغلت شركات البيع الفرصة فرفعت أسعارها لندرة البضائع في البلاد.
  • وطلبت المؤسسات الموردة غطاء كاملاً من النقد لكلّ المستوردات وأوقعت تجارنا في  مأزق الحاجة.
  • وارتفعت ساعات العمل في موانئ تونس ومصر وبيروت لتستقبل ما رفضته الموانئ الليبيّة.
 
وبقى - بعد ذلك كله - سّؤال حائر يتقاذفه النَّاس ؟. 
 
  • لماذا نرفض ما يرضى به أشقاؤنا ؟. وهل تطلب القضيّة أنّ يموت النَّاس في ليبيا وحدهم.. وأنّ يكونوا ضحيّة القضيّة دون أيّة دواع معروفة ؟؟.
 
والإجابة.. واضحة وليست بحاجةِ إلى كثير من التفسير.. فعمليّة الاستغلال الرخيصة للقضيّة.. لم تسلم منها النكسة العربيّة هي الأخرى.
 
وعمليّة استغلال البسطاء الطيبين من مواطنينا.. إمتدت إليها أجهزة الإعلام العربيّة لتنشيط التجارة في بلد عربي على حساب بلد عربي أخر. النتيجة.. هي أنّ كلّ مشاعرنا الوطنيّة، تحوّلت في نظر الغير إلى بله.. وعبط.. وسذاجة.. يجب أنّ تستثمر على أوسع نطاق !..}م11.

 

استمرت النخبة الليبيّة في تحركاتها الهادفة لزعزعة الاستقرار والإطاحة بنَّظام الحكم الملكي، وعتمت على تأكيدات حكوماتها المتعاقبة الخاصّة بعدم استخدام القواعد الموجودة في بلادها في حربي 1956م، 1967م، وتجاهلت المساعدات الماليّة التي قدمتها ليبيا لمصر وأخرها المساعدة الخاصّة بتغطية صفقة شراء الطائرات العموديّة، والتي شكر عبدالناصر الحكومة الليبيّة عليها، وأشاد الخولي بتلك المساعدة وجملة مواقف الملك إدريس السّنوسي من القضايا العربيّة. شكر جمال عبدالناصر في أحدى خطاباته في أوائل عام 1969م الملك إدريس السّنوسي على استجابته لطلب مصر بالحصول على مساعدة ماليّة إضافيّة لتغطية صفقة شراء طائرات عموديّة من إيطاليا، لأنّ السوفيت الذين يزودون مصر بالأسلحة لا يملكون هذا النوع من السلاح. وأشاد السيّد/ حسن صبري الخولي مبعوث الرئيس جمال عبدالناصر إلى المملكة الليبيّة بموقف الملك إدريس من القضايا العربيّة. 
 
وفي الوقت الذي ألتزمت فيه ليبيا بدفع إلتزامها تجاه القضيّة الفلسطينيّة الذي قررته أحدى القمم العربيّة، لم تلتزم دول أخرى بدفع ما تقرر لها دفعه. ألتزمت ليبيا بدفع حصتها المقررة لها، وتنازل الشّعب اللّـيبي عن قوته وطعامه، وتغاضى عن إحتياجاته ومتطلباته، فقامت ليبيا بدفع ثلاث أجزاء من إلتزامها تجاه تضميد الجراح وإزالة آثار العدوان وبناء قوّة عربيّة قادرة على المواجهة وتحقيق النصر. فقد جاء بالخصوص في مقالة: "لا مفرّ.. ولا هروب" للأستاذ/ رشاد الهوني نشرها في صحيفة "الحقيقة" عام 1968م، ما يلي: (..المواطن اللّـيبي الذي يتنازل عن قوته وطعامه.. ويتغاضى عن إحتياجاته ومتطلباته..ويؤخر إنجازاته ومصالحه، إنّما يفعل ذلك لشعوره الجاد بأنّ القضايا الوطنيّة، أكبر من الظروف الحياتيّة الطارئة أو المنتظرة.
 
ولذلك فقد فرح الشّعب اللّـيبي بتحمل نصيبه من الإلتزام وتبنت حكومته رغبته الأصليّة وفي حمل العبء ونتائج المعركة.. وبدأنا جميعاً نرقب في توتر، مدى تأثير الدور اللّـيبي في جسد القضيّة الفلسطينيّة، وفي إزالة آثار العدوان.. وفي تضميد الجراح ومواصلة الكفاح حتى النصر.
 
ومرت الأيّام والشهور.. منذ أنّ قامت ليبيا بدفع الجزء الأوّل والجزء الثّاني من إلتزامها المادي.. ثمّ قامت بدفع الجزء الثالث من هذا الإلتزام وسط ظروف مختلفة.. أقل ما يقال فيها أنّها ظروف مريبة !!
 
فقد بدأت القضيّة.. قضيّة فلسطين.. وقضيّة العدوان.. وقضيّة المصير.. بدأت تتميع.. وبدأت تحمل الندوب العميقة.. وبدأت الأصابع العربيّة تتراخي من حولها.. وبدأت تواجه الحلول الفرديّة.. وبدأت تواجه نظرية الهروب الفردي دون الارتباط بـالمجموعة.
 
.. فإذا كانت ليبيا قد دفعت حصتها من الدّعم المادي وسط مثل هذه الظروف.. فإنّ من حق الشّعب اللّـيبي أنّ يتساءل:
 
ما هو موقفنا من تمييع القضيّة ؟.
وفي أيّ سبيل تنفق أموالنا ؟...).
 
ومن جديد.. تعاملت النخبة مع نَّظام الحكم الملكي بسياسة رفع قميص عثمان والتلويح به في وجه الحكومات المتعاقبة، فالنخبة تعمدت ألا تنظر إلى الظروف البائسة القاسيّة التي ولد فيها الإستقلال والسنوات العشرة الأولى من تأسيس مؤسسات الدولة.. وتعمدت النخبة غض النظر عن كلّ مواقف الدولة الداعمة والمساندة لقضايا العرب والمسلمين بالرَّغم من تجاهل العرب لليبيا، ولفترة طويلة من السنوات. فقد كان المواطن اللّـيبي..{.. مواطناً عربياً مجهولاً، وفقيراً، وبائساً، لا يلتفت إليه أحد.. كانت ليبيا، لا تذكر في أحاديث العرب، ولا في قضايا العرب، ولا في إذاعات العرب، ولا في إجتماعات العرب، ولا في إتفاقيّات العرب.. لأنّها كانت وحدها تشق طريقها بصعوبة قاتلة، وكان المستحيل هو أنّ تخطو خطوة إلى الأمام..}م12
 
أغرقت النخبة المواطن اللّـيبي في هموم الخارج وقضاياه في وقت كانت البلاد في حاجة ماسة لكل قدرة وجهد من أجل بناء الدولة الناشئة والحفاظ على أمنها واستقرارها، وعملية الإغراق هذه باعدت بين المواطن وأولويات قضايا وطنه، فوجد المواطن نفسه متنازلاً عن دوره الكبير في بناء ليبيا لصالح زعامات من الخارج انخدعوا بـالشعارات التي جاءوا بها وانقادوا وراء ما تردده وسائل دعايتهم الكاذبة. هذا الدور، وهذه الأجواء، هيأت المناخ لصالح المجهول، وبعد قدوم المجهول في الأوّل من سبتمبر/ أيلول من عام 1969م اندفعت النخبة لتأييده، وحشدت المواطنين البسطاء في مظاهرات ترحب بقادمين استولوا على السّلطة في ظلام الليل الدامس!!.
 
ونحن نتحدث عن دور النخبة لا يحق لنا إغفال الأصّوات التي كانت تحذر من مغبة الوقوع في المحظور، وقيادة البلاد نحو مصير حكم الفرد وتغييب حكم الدستور وصناديق الانتخاب، ومن بين تلك الأصّوات كان صّوت الأستاذ/ رشاد الهوني الذي كتب مقالات عديدة تحذر من إبعاد المواطن اللّـيبي عن واقعه لصالح واقع أخر.. ومن استغلال البسطاء الطيبين من مواطنينا.. ومن تنازل الليبيّين عن مستقبلهم لصالح دول عربيّة أخرى. فقال في مقالته: "مشكلة.. إسمها الخوف !" المنشورة في صحيفة "الحقيقة" عام 1967م، ما يلي: (.. وعبر هذه المعادلة المعقدة تحوّل الرأي العام في بلادنا إلى الخارج، واستطاعت الإشاعة أنّ تجد مجالها الواسع، واستطاع أصحاب المصالح الخاصّة إحداث الوقيعة بين الشّعب وبين حكومته. فأصبح كلّ مسئول جاهلاً وخائناً وغير كفؤ، لمجرَّد إنّه مسئول.. وإنّه في جهاز الدولة.
 
وأصبحت لكلّ الشعارات الرخيصة، والنداءات الزائفة تأثير على أفكار المواطن، حتى وصل بها الأمر أنّ حرضته ضدَّ أمنه، وضدَّ مستقبله، ودون أنّ يعي ذلك، ودون أنّ يحمل نفسه مشقة التفكير، أو الاختيار. ولذلك يلزمنا منهج آخر.. نسير عليه...). 
 
وفي مقالته:" ماذا حدث بـالضبط" المنشورة في صحيفة "الحقيقة" عقب نكسة 1967م، حذر الأستاذ/ رشاد الهوني من مجهول ربّما يكون قادماً.. ودعا إلى ضرورة الانتباه واليقظة حتى لا يقع المحظور، وإن أستدعى الأمر التدخل بصرامة وحزم، فقال: (.. وحتى يمكن أنّ يفهم النَّاس حقيقة الواقع.. وحقيقة الخطورة التي تواجهنا.. كان لابُدَّ من أنّ نناقش الموضوع بوضوح وبصراحة.. ثمّ بصرامة إذَا أستدعى الأمر..
 
فعندما يصل الأمر إلى مصلحة بلادنا.. ومستقبلها.. ينبغي أنّ نقيد الأعصاب الطائشة.. الجاهلة.. وينبغي أنّ تسود المصلحة وتتهشم كل مصالح الأفراد، وتزول من كلّ وجودنا.. كلّ دواعي الخيال.. فالواقع وحده هو الوسيلة الوحيدة للفهم.. والإنطلاق الجاهل خلف الكلمات البراقة الزائفة، لا يخدم أحداً سوى العدو. وبصراحة.. يجب أنّ يعرفها كلّ مواطن، ويجب أن يعيها تماماً.
 
تقف ليبيا هذه الأيّام موقفاً لا تحسد عليه.. ويتآمر عليها الأعداء والأصدقاء على السواء.. لتكون ضحيّة "موقف" إستغله أصحاب المصلحة بلؤم وخبث، خلف شعارات كاذبة.. وعلى كلّ مواطن أنّ يفتح عينيه جيداً على حقائق واقعة وعليه أنّ يتحسس مواقع قدميه بوعي.. قبل أنّ نسقط جميعاً ضحيّة عواطفنا المريضة.. وضحيّة إنسياقنا المتهور خلف المتسقطين لخسائرنا لتحويلها إلى مكاسب لهم. مستغلين عاطفتنا الوطنيّة، ومنتهزين فرصة إنهماكنا في متابعة القضيّة..).
 
ومؤكداً.. صّوت الهوني وأصّوات أخرى حذرت من المجهول، وحاولت إيقاف الكارثة قبل وقوعها، لكنها، لم تنجح في مسعاها لأنّ صّوت الحماسة والعاطفة المجرَّدة من العقل والحكمة كان الأقوى والأكثر تأثيراً وانتشاراً. وإذ كنا نحمل جزءاً هاماً من المسئوليّة على عاتق النخبة، لا نقصد من ذلك تخوينها وتجريمها لأنّ تلك النخبة كانت ضحيّة كلمات براقة وشعارات كاذبة رفعتها دوائر خارجيّة من أجل تحقيق مصلحتها على حساب الآخرين.. ولأنّها تحرّكت في مستوى وعي لم يسعفها القيام بدور غير الذي قامت به.
 
وفي هذا السّياق لابُدّ أنّ نؤكد على دور النخبة الهام في حياة الشعوب، فالنخبة العاقلة الواعية المدركة لواقعها وما يدور حولها، تستطيع أنّ تدفع بشعبها إلى مواقع الإنجاز والنهوض والتقدم، وتجعل بلادها قويّة متماسكة تحافظ على كيانها وتحميه من المخاطر والاستهدافات الخارجيّة. أمّا النخبة المتسرعة المتشنجة الغارقة في الأوهام والتجليات البعيدة عن الواقع، تدفع بشعبها في أتون معارك خسارة، وحاضر بائس، ومستقبل مجهول.
 
حلّت الكارثة في الأوّل من سبتمبر/ أيلول من عام 1969م، فأيدت النخبة التي اصطفت خلف زعيم عربي امتهن بيع الشعارات والأوهام – الإنقلاب، وأخرجت البسطاء الطيبين من مواطنينا إلى الشوارع تأييداً وترحيباً بالإنقلابيين خصوصاً إنّ إنقلابـىّ سبتمبر اعتمدوا نفس الأسلوب والشعارات التي رفعها ذلك الزعيم ونِّظام حكمه. كتب بعض أشخاص تلك النخبة المقالات المؤيدة للإنقلابيين، والأشعار الغنائيّة المرحبة بالتغيير، والبرقيات المؤازرة للإنقلابيين والمتعهدة بـالوقوف إلى جانبهم على طول الخط. وحمل عدد من أفراد النخبة الميكرفونات المتنقلة وارتجلوا خطابات حماسيّة في بعض التجمعات في شوارع وميادين مدن البلاد الرئيسيّة، وأمام مبنى الإذاعة في مدينة بنغازي – الإذاعة التي صدر منها بيان الإنقلابيين الأوّل. وظهر بعض أشخاص تلك النخبة خلف معمّر القذّافي، وإلى جانبه، في خطابه الأوّل يوم 16 سبتمبر/ أيلول 1969م أمام ضريح عمر المختار بمدينة بنغازي، والتقطت عدسات المصورين صوراً تجمع بعضهم بقائد الإنقلاب. 
 
اكتشف عدد من أفراد النخبة مبكراً نوايا الإنقلابيين، وتبين لهم خطر ترك البلاد في أيدي شبان لا معرفة ولا خبرة لهم، فحاول بعضهم التصدي لأولئك الشبان ودعوتهم للعودة إلى ثكناتهم العسّكريّة، ولكن، المناخ العام كان في صالح الإنقلابيين، وضدَّ تلك المحاولات والأصّوات. وفي ذات الوقت، برر عدد من النخبويين ممارسات الإنقلابيين المستنكرة وقراراتهم الخاطئة على أنّها جائزة ومقبولة بحكم جدة التجربة ونقصان الخبرة السياسيّة. وجدت تلك النخبة نفسها - ومع مرور الزمن - أكثر تورطاً مع السّلطة وأكثر التصاقاً بها، فمن هؤلاء من ارتبط بالسّلطة منذ شهورها الأولى إلى الآن، ومنهم من استمر معها حتى ساعة مفارقته للحياة.  
 
تحرَّك القذّافي منذ البداية في اتجاه إقصاء كلّ من يخالفه الرأي، فألَّـبَ عناصر النخبة بعضهم على بعض ووظف الخلافات التي كانت بينهم إلى أقصى حد.. استقطب قائد الإنقلاب حوله بعض أفراد النخبة، وتعمد إبعاد آخرين.. أرسل بعض أفراد النخبة إلى مكاتب وسفارات الدولة بـالخارج كنوع من أنواع الإبعاد والعزل إلى حين مسك كافة الخيوط بيده، فيتخلص منهم بشكلِ نهائي.
 
ظهرت مؤشرات..{.. تدل على نوايا السّلطة، وتزيد من احتمالات تطويق الاختيار الديمقراطي وخنقه، وتضييق مساحة الحريات العامّة، التدخل المباشر في الاعتداء على ثوابت المجتمع الثقافيّة. وكانت (ندوة الفكر الثوري) سنة 1970م، وصدر قانون تجريم الحزبيّة 1972م، وخطاب زوارة، وإعلان ما سمي بـالثورة الثقافيّة والإداريّة سنة 1973م. 
 
كانت هذه الإجراءات ضربة قاصمة، ونكبة ثقافيّة سياسيّة أصابت المجتمع اللّـيبي في شرايينه الحيّة. وزحفت السّلطة ولجانها لا لتعيد تنظيم الحياة الثقافيّة والسياسيّة من حيث الأساليب وجدية التغيير، وتفعيل المجتمع، ولكنها تصرفت بلغة وسلوك لا يدعوان إلى الاطمئنان. وظهرت شعارات ومورست صراعات أنزلت الرعب في نفوس النَّاس، وتقشي لون جديد من إدارة الصراع اتسم بالعنفِ، وشمل جميع القطاعات الثقافيّة والسياسيّة و الإقتصاديّة...}م13.
 
شنت أجهزة القذّافي الأمنيّة حملة اعتقالات واسعة على أكثر من ألف مواطن من ذوي الثقافة وأصحاب الاتجاهات السياسيّة المختلفة، وهي الحملة التي أعقبت خطاب معمّر القذّافي في مدينة زوارة في 15 أبريل/ نسيان 1973م. كان الأستاذ/ عمر دبـّوب من بين الأشخاص الذين شملهم الإعتقال، ونجا الأستاذ/ محَمّد بن سعود من هذه الحملة بحكم وجوده في تونس آنذاك بصفته الملحق الثقافي بـالسفارة الليبيّة. وشنت أجهزة القذّافي الأمنيّة حملة اعتقالات أخرى في صيف 1975م، طالت حوالي ثلاثمائة ضابط وضابط صف من قوَّات الجيش اللّـيبي بتهمة الإشتراك في مخطط يستهدف نَّظام الحكم، وهي المحاولة التي ارتبطت بإسم الرَّائد عمر عبدالله المحيشي. ويذكر، أنَّ السلطات الأمنيّة كانت قد اعتقلت حوالي ثلاثين ضابطاً من ضبّاط الجيش في أوائل ديسمبر/ كانون الأوّل من عام 1969م، اتهموا بالإشتراكِ في محاولة تستهدف نَّظام الحكم.
 
وشنت السّلطات الأمنيّة - ومن 4 يناير/ كانون الثاني 1976م إلى الأسبوع الأوّل من أبريل من نفس السنة - حملة اعتقالات واسعة، على خلفية المظاهرات التي قام بها الطلاب في يناير/ كانون الثّاني 1975م إحتجاجاً على تدخلات السّلطة في شئونهم الطلابيّة وعملهم النقابي. وكان دبـّوب وبن سعود المعلمان والطالبان المنتسبان للجامعة من ضمن الذين اعتقلوا في هذه الحملة الواسعة التي شملت مئات الطلاب من الجامعة والمعاهد والمدارس الثانويّة.
 
أصدرت المحكمة المسماة بـمحكمة الشّعب، وهي محكمةُ غير متخصصة ولا يتوفر فيها شرطاً واحداً من شروطِ العدالةِ، حكماً يقضي بإعدام عمر دبـّوب ومحَمّد بن سعود. قامت سلطات معمّر القذّافي يوم 7 إبريل/ نسيان 1977م بإعدام دبـّوب وأبن سعود شنقاً في (ميدان الكاتدرائيّة) بمدينة بنغازي، وتمّت عمليّة الإعدام حوالي الساعة الثالثة (3) بعد الظهر، وتُركت الجُثتان مُعلقتان، لمدّة طويلة من الوقت ليراها أكبر عدد من النَّاس.
 
عادت عقارب الساعة يوم 7 أبريل/ نسيان 1977م، إلى الوراء - إلى زمن قصيدة (خرابين يا وطن). وأعاد مشهد إعدام الشهيدين عمر دبّوب ومحَمّد بن سعود في 7 أبريل/ نسيان 1977م، إلى أذهان الليبيّين صور المشانق التي شهدها بعضهم في زمن الاستعمار الإيطالي، وسمع بعضهم الآخر عنها من الآباء أو الأجداد. كمَا أعاد مشهد الإعدام إلى أذهان سكّان مدينة بنغازي خصوصاً صورة المشنقة التي نصبها المستعمر الإيطالي بقرب الفندق البلدي، والتي كان يشنق يومياً عليها بعض المواطنين. وجاء في كتاب: "مجتمع بنغازي في النصف الأوّل من القرن العشرين" للدّكتور/ وهبي أحمد البوري، بخصوص تلك المشنقة، ما يلي: (.. وفي العام الأوّل من الإحتلال ارتكبت إيطاليا فظائع وعمليّات قمع لإرهاب النَّاس، فقد نصبت مشنقة بقرب الفندق البلدي وكانت كلّ يوم يشنق عليها بعض المواطنين الذين تظل جثثهم تتأرجح لساعات طويلة ليراها أكبر عدد من المواطنين...).
 
ولا شك، أنّ عمليّة إعدام دبّوب وبن سعود شنقاً في (ميدان الكاتدرائية) بمدينة بنغازي، تُعدّ نقطة تحوّل خطيرة في حياة الليبيّين، وهي النقطة التي قلبت حياتهم رأساً على عقب، ومكنت معمّر القذّافي من إتمام سيطرته على كلّ شيء في الوطن، بل، تحويل الوطن بأكمله إلى صورة شخصيّة له. ولا شك، أنّ صمت الليبيّين على عمليّة الإعدام، وعدم خروجهم إلى الشوارع منددين بهذه الجريمة النكراء ومطالبين بالعدالةِ ودولة القانون، هو الذي أدّى في اعتقادي إلى جعل القذّافي يتمادى في عبثه بحياة الليبيّين والاستمرار في إذلال الشّعب والاستهزاء به، إلى حد أوصله لتحويل شهر أبريل من كلّ عام إلى عيدٍ يحتفل فيه أتباعه بتنفيذ عمليات الإعدام العلنيّة في الشوارع والميادين والساحات الجامعيّة والملاعب الرياضة. وجعله يتطاول في أحدِ خطاباته، معلناً تحديه لليبيّين وعدم خشيته منهم أو من أحد غيرهم، فقال:..".. كلّ الإجراءات مهما كانت عنيفة حتى الموت لا يمكن نخشاها ولا يمكن أنّ نخجل من القيام بها.. الآن نقدر نعدم أيّ واحد، ما نخجل أبداً. نأتي به في الإذاعة المرئيّة أمام العالم.. احضر جميع صحافيي العالم واتركهم يتفرجون عليه...".
 

 
ملاحظات وإشارات هامّة
 
7) أفلاطون: ما قاله (أفلاطون) منقولاً عن مقالة بعنوان: "الاستبداد السياسي.. حكم فاسد وحاكم مستبد"، نُشرت بتاريخ 31 مايو/ أيار 2007م في منتديات: (شبوة نت / قسم السياسي والأخباري)، وبقلم الأستاذ/ عادل أمين نقلاً عن صحيفة "الصحوة نت".
 
8) في صحوة الموت: هو وصف أطلقه الدّكتور/ أحمد صدقي الدجاني على حال دولة الخلافة العثمانيّة أبّان قدوم المستعمر الإيطالي إلى ليبيا، في كتابه: (ليبيا قبيل الإحتلال الإيطالي).
 
9) السيّدة/ فاطمة عثمان بن الحاج امحمد عثمان: ولدت في مدينة (هون) سنة 1900م، وتوفيت يوم 7 يونيه/ حزيران 2007م ودفنت بمدينة هون. كتبت الأستاذة/ نجاة بوجازية مقالة في موقع (ليبيا المستقبل) بتاريخ 18 أكتوبر/ تشرين الأوّل 2008م عن الشاعرة تحت عنوان: "الشاعرة الهونية (خرابين ياوطن)". وقدّمت الكاتبة تعريف مختصر عن الراحلة، وعرض مبسط عن معركة ( قارة عافية) وإعدام (19) تسعة عشر مواطناً ليبياً بمدينة هون، ونقلت قصيدة "خرابين" كاملة في مقالتها، وأشارت في الأسفل إلى: " المجلد الثاني من (ديوان الشعر الشعبي)، الذي أعده الدّكتور/ على الساحلي  والأستاذ/ سالم الكبتي، الصادر عن جامعة قاريونس – بنغازي (الطبعة الأولى 1993م، والثانية 1998م)"، كمصدر أساسي لما جاء في سطور مقالتها.
 
نقلت أعلى الصفحة بعض أبيات قصيدة (خرابين يا وطن) والصورة العامّة عن معركة (قارة عافية) عن مقالة الأستاذة/ نجاة بوزجاية المُشار إليها.
 
10) مجلس الأمّة: يتكوّن مجلس الأمّة (البرلمان) من مجلسين، هما: الشيوخ والنواب.
 
أ) مجلس الشيوخ، ويتكوّن من أربعة وعشرين (24) عضواً، ثمانيّة (8) أعضاء عن كلّ إقليم من أقاليم البلاد الثلاثة. يعين الملك نصف أعضاء المجلس بينما يجري انتخاب النصف الأخر بواسطة المجالس التشريعيّة الإقليميّة. ومدّة العضويّة ثمانيّة (8) سنوات، ولكن المجلس الأوّل – والذي عين الملك جميع أعضائه – مدّته أربع (4) سنوات.
 
ب) مجلس النواب: وينتخب عضو واحد عن كلّ (20000) عشرين ألف نسمة من السكان. تكوّن المجلس بعد إجراء أوّل انتخابات في 19 فبراير/ شباط 1952م من خمسة وخمسين (55) عضواً، خمسة وعشرين (25) عضواً عن إقليم طرابلس، وخمسة عشر (15) عضواً عن إقليم طرابلس، وخمسة (5) أعضاء عن إقليم فزَّان. ويذكر، أن بعض القوانين الخاصّة بالعمليّة الانتخابيّة قد جرى تعديلها عام 1963م بعد إعلان الملك إدريس السّنوسي يوم 26 أبريل/ نسيان 1963م، إلغاء نظام الحكم الاتحادي الفيدرالي (نظام الولايات) واستبداله بنظام الوحدة الشاملة. 
 
راجع ما جاء في صفحة (28) من كتيب: (ليبيا.. والمؤامرة البريطانيّة) للدّكتور/ راشد البراوى، والصادرة طبعته الأولى عام 1953م عن (مكتبة النهضة المصريّة). 
 
11) اجتماع الملك إدريس بهـامر: بالإمكان الرجوع إلى مقالة: (خفايا وأسرار.. القصة الكاملة لحركة الضبّاط الوحدوين الأحرار في سبتمبر 1969م / موقع "أخبار ليبيا" يوم 29 مايو/ أيار 2005م) للإطلاع على الحوار الذي دار بين الملك إدريس السّنوسي و السيّد/ آرمند هامر رئيس شركة أوكسيدنتال.
 
مصادر ومراجع
 
م1) الأستاذ/ محمود محَمّد الناكوع – كتاب: ملامح الصراع السياسي والثقافي في ليبيا الحديثة – مكتبة وهبة في عابدين بالقاهرة (الطبعة الثانيّة)، والصادر في 1428 هجري الموافق 2007م.
 
م2) الأستاذ/ المهدي يوسف كاجيجي – تحقيق تحت عنوان: (قراءة في رسائل المنفيّين اللّيبيين زمَنَ الاستعمار الإيطالي) – صحيفة (العرب) اللندنية الصادرة في الأسبوع الأوّل من شهر فبراير/ شباط 2008م، وأعيد نشر هذا التحقيق في موقع (أخبار ليبيا) يوم الجمعة الموافق 8 فبراير/ شباط 2008م. 
 
م3) الأستاذ/ وهبي أحمد البوري – كتاب: " مجتمع بنغازي في النصف الأوّل من القرن العشرين – (دار الكتب الوطنيّة) من إصدارات (مجلس الثقافة العام)، الصادر سنة 2008م.
 
م4) المؤلف – دراسة على حلقات: (هَدْرَزَةُ في السّياسَةِ والتّاريخ، الملك.. العقيد.. المعارضة الليبيّة في الخارج/ الجزء – الثالث) – موقع "ليبيا المستقبل" بتاريخ يونيو/ حزيران، يوليه/ تموز من عام 2008م.
 
م5) الأستاذ/ محمود محَمّد الناكوع – كتاب: "الصراع السياسي والثقافي في ليبيا الحديثة – مكتبة وهبة في عابدين بالقاهرة (الطبعة الثانيّة)، والصادر في 1428 هجري الموافق 2007م.
 
م6) الجبهة الوطنيّة لإنقاذ ليبيا – كتاب: "ليبيا.. ربع قرن في ظلّ إنقلاب سبتمبر / سجل بأسماء شهداء وضحايا القتل السياسي (سبتمبر 1969م إلى أغسطس 1994م)"، والمعد من قبل "مركز البحوث والدّارسات والتوثيق" – الصادر عن  "دار الإنقاذ للنشر والتوزيع" في جمادي الآخر 1415 هجري الموافق نوفمبر/ تشرين الثّاني  1994م. 
 
م7) موسوعة الفتاوى – عنوان الفتوى: "حقيقة الحاجة التي تنزل منزلة الضرورة" – موقع: "إسلام ويب"/Islam web.net.
 
م8) الأستاذ/ عبدالحميد البكّوش – مقالة: (نصف الحقيقة كذبة كاملة.. رداً على "عبدالمنعم الهوني يتذكر") – العدد (194) من مجلة (الوسط) اللندنيّة الصادرة بتاريخ 16 أكتوبر 1995م.
 
م9) الأستاذ/ رشاد الهوني – مقالة: (ماذا حدث بـالضبط)، نُشرت في صحيفة "الحقيقة" عقب نكسة 1967م، وأُعيد نشرها في كتاب: (زيت القناديل، "رشاد الهوني.. سيرة ونصوص") الذي أعده وحققه الأستاذ/ سالم الكبتي – دار ومكتبة الفضيل، 2007م.
 
م10)  الأستاذ/ رشاد الهوني – مقالة: (طريق.. بدون حواجز !!)، نُشرت في صحيفة "الحقيقة" عقب نكسة 1967م، وأُعيد نشرها في كتاب: (زيت القناديل، "رشاد الهوني.. سيرة ونصوص") الذي أعده وحققه الأستاذ/ سالم الكبتي – دار ومكتبة الفضيل، 2007م.
 
م11) الأستاذ/ رشاد الهوني – مقالة: (ماذا حدث بـالضبط)، نُشرت في صحيفة "الحقيقة" عقب نكسة 1967م، وأُعيد نشرها في كتاب: (زيت القناديل، "رشاد الهوني.. سيرة ونصوص") الذي أعده وحققه الأستاذ/ سالم الكبتي – دار ومكتبة الفضيل، 2007م.
 
م12) الأستاذ/ رشاد الهوني – مقالة: (حين كان فقيراً ومجهولاً !)، نُشرت في صحيفة "الحقيقة" عقب نكسة 1967م، وأُعيد نشرها في كتاب: (زيت القناديل، "رشاد الهوني.. سيرة ونصوص") الذي أعده وحققه الأستاذ/ سالم الكبتي – دار ومكتبة الفضيل، 2007م.
 
م13) الأستاذ/ محمود محَمّد الناكوع – كتاب: ملامح الصراع السياسي والثقافي في ليبيا الحديثة – مكتبة وهبة في عابدين بالقاهرة (الطبعة الثانيّة)، والصادر في 1428 هجري الموافق 2007م.

 

 

 

المغترب: جوار مصر ماجاء لليبيا منه غير البلاء والخراب، بعد أنقلاب سبتمر  أكثر دولة أستفادت من كارثة ليبياالسياسية والأقتصادية والأجتماعية هى دولة الجوار مصر، وحتى والى الأن المخابرات المصرية تشتغل لحساب القذافى فهى من سلمته المناضل منصور الكيخيا وجابه الله مطر وشركاتها المتخلفة هى أكثر الشركات المستفيدة فى ليبيا.

Libyan brother in exile: Dear Mr Alsadik Shoukri.. Wow what a great serialization of historical events. I like your clear simple style of writing history as well as your gradual build up until your conclusion. Additional to your impressive comparisons of past and present. I salute your hard good work in a smooth clear style of writing. Thank you for such an educational article and for being a fair historian. You make all those who lived through the great Kingdom of Libya feel sad for such beatiful days. May God bless you and thank you again.I pray that this present nightmare called Gaddafi & CO will go away as all those horrible periods in the history of beloved Libya.Libya is bigger than Gaddafi and will stay a good country in the future either Gaddafi likes or not. Gaddafi will die and go but libya will stay and history will remember him as Hitler,  Mussolini and Saddam.
Once again Mr Shoukri, thank you for a great article.
 
للتعليق على المقال
الإسم:
العنوان الإلكتروني:
التعليق

جميع المقالات والأراء التي تنشر في هذا الموقع تعبر عن رأي أصحابها فقط، ولا تعبر بالضرورة عن رأي إدارة الموقع >>>> ليبيا المستقبل منبر حر لكل من يطمح ويسعى لغد أفضل لليبيا الحبيبة
 

[email protected]